Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:8–17
12:8Page 236
إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨
When they said, "Joseph and his brother1 are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.
قوله تعالى ﴿إِذْ قَالُوا﴾ يعني: إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ﴾ هذه لام التأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم هاهنا، ﴿وَأَخُوهُ﴾ قال ابن عباس [[انظر: الطبري 12/ 154، و"زاد المسير" 4/ 183.]]: ولد راحيل وهي خالتهم ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 29/ 36.]]: العصبة عشرة فما زاد.
وقال أهل اللغة [[قال به أبو عبيد. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2454 (عصب)، وابن قتيبة انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 216.]]: العصبة من العشرة إلى الأربعين، وقال المبرد [[انظر: القرطبي 9/ 130.]]: العصبة الجماعة، وتعصب القوم: إذا اجتمعوا على هيئة يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصبة في النسب، وهم الذين يجمعهم التعصب، فمعنى العصبة: جماعة متعاونة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 183.]]: أي ضل بإيثاره يوسف وأخاه علينا [[هذه عبارة الثعلبي في 7/ 64 ب.]] ضلالا خطأ يلحقه ضرره [[في (أ)، (ب): (ضروره).]] في دنياه، إذ الذي آثره علينا عناؤنا يزيد على عنائه، ذهب إلى هذا الجواب الكلبي [["تنوير المقباس" ص 147.]] وغيره من المفسرين [[الطبري 12/ 155، والبغوي 4/ 217 - 218، و"زاد المسير" 4/ 183.]]، وقال مقاتل بن سليمان [[نقل عنه "زاد المسير" 4/ 183، انظر "تفسر مقاتل" 151 أ.]]: الضلال هاهنا يعني الشقاء، وتلخيصه: إن أبانا لفي شقاء واضح، واحتج بقوله عز وجل ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47] يعني في شقاء، قال أبو بكر: فكان مقاتل ذهب إلى أن الضلال عني به شقاء الدنيا؛ لأنه لما آثر ولدين صغيرين على عشرة ذوي أسنان عالية، عاد من ذلك عليه إيغار صدور الجماعة وحملهم على العقوق.
وقال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 183، الثعلبي 7/ 64 ب.]]: إن أبانا في ذهاب عن طريق الصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة، وقيل معناه: إنه في غلط في تدبير [[في (ب): (تدبر).]] أمر الدنيا، إذ كنا أنفع له في القيام بمواشيه وأمواله من يوسف وأخيه، وهذا هو معنى القول، وليسوا يريدون الضلال في الدين، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 93.]]: ولو وصفوه بالضلال [[في (ج): (بالضلالة).]] في الدين كانوا كفارًا.
12:9Page 236
ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩
Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1
قوله تعالى ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ قال النحويون [["إعراب القرآن" للنحاس ص 125، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 93.]]: انتصاب الأرض بإسقاط الخافض، يراد واطرحوه في أرض، فلما سقط الخافض وصل الفعل إليها فنصبها؛ لأن أرضًا ليست من الظروف المبهمة.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 93.]]: أراد أرضًا يبعد فيها عن أبيه؛ لأنه لم يخل من أن يكون في أرض، ودل على هذا المحذوف قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لأن هذا يدل على أنهم تآمروا في أن يطرحوه في أرض لا يقدر عليه فيها أبوه.
قال ابن الأنباري: تلخيصه: أو اطرحوه أرضًا بعيدة عن أبيه، فلما دل على هذا المضمر قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كان الإضمار سائغًا، ومعنى قوله ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يقبل بكليته عليكم، ويخلص لكم عن شغله بيوسف، يعنون أن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل إلينا بالميل والمحبة [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 184، البغوي 4/ 218.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ قال ابن عباس [[نقله عنه في "زاد المسير" 4/ 184، وذكره الطبري عن السدي 12/ 155.]]: يريد تحدثوا [[في (ج): (يجدونه).]] توبة بعد ذلك يقبلها الله منكم، وهذا قول عامة المفسرين [[ومنهم الطبري 12/ 150، والبغوي 2/ 218، و"زاد المسير" 4/ 184، وابن عطية 7/ 443.]]، وعلى هذا المعنى ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ بإحداث التوبة.
وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 151أ، نقله عنه في "زاد المسير" 4/ 184، والثعلبي 7/ 64 ب.]]: ليس الصلاح هاهنا مقصودًا به [[في (ج): (مقصودًا).]] قصد صلاح الدين، لكن المعني به: ويصلح شأنكم عند أبيكم وتغلبوا على قلبه بعد فقده يوسف، والآية بيان عما يوجبه الحسد من قتل المحسود أو تعريضه للقتل بالإلقاء في المهالك.
12:10Page 236
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠
Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."
قوله تعالى ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس [[عزاه له القرطبي 9/ 132، و"زاد المسير" 4/ 184.]]: هو يهودا، وهو أكبر ولد يعقوب وأعقلهم، ونحو هذا قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 147.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 151 أ، وعزاه له "زاد المسير" 4/ 184.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.]].
وقال قتادة [[الطبري 12/ 155، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 317، وأخرج ابن أبي حاتم 7/ 2106 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، و"زاد المسير" 4/ 185.]] ومحمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 156، و"زاد المسير" 4/ 185، والثعلبي 7/ 64 ب من غير عزو.]]: هو روبيل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 302.]] وأهل اللغة [["اللسان" (غيب) 6/ 3323.]]: الغيابة: كل ما غيب شيئًا وستره، وأنشدوا للمُنَخَّل [[هو المنخل بن سبيع بن زيد بن معاوية بن العنبر، والبيت في "معجم المرزباني" 388، و"مجاز القرآن" 1/ 302، و"شواهد الكشاف" (96)، والقرطبي 9/ 132، و"معاني الزجاج" 3/ 93، و"المحرر" 7/ 444، و"البحر المحيط" 5/ 284، و"الدر المصون" 6/ 446.]]:
فإنْ أنا يَوْمًا غَيّبتني غَيَابتي ... فسِيرُوا بسَيْرِي في العَشِيرَة والأَهل أراد بالغيابة حفرة القبر؛ لأنها يغيب المدفون فيها، وأما الجب فهو الركية قبل أن تطوى، يقال: جب هذه الركية صلب، وقال زيد بن كثوه [["تهذيب اللغة" (حبيب) 1/ 530.]]: جبّ الركية جَرِابُها، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94.]]: الجب البئر التي ليست بمطوية، سميت جبًّا من أنها قطعت قطعًا ولم يحدث فيها غير القطع من طي ومما أشبهه. الليث [["تهذيب اللغة" (جبب) 1/ 529، وهو كذا في النسخ، ولعل (قال) ساقطة.]]: والجميع جباب وأجباب وجببة.
قال الحسن [[نقله في "زاد المسير" 4/ 185، وقد ذكره الطبري 12/ 156، من غير أن يعزوه لأحد.]]: غيابة قعر الجب، قال [[في (ج): (وقال) بزيادة الواو.]] قتادة [[الطبري 12/ 156، الثعلبي 7/ 64 ب.]]: أسفل الجب.
قال ابن الأنباري: وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين، فأفاد ذكر الغيابة هذا المعنى، إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه وبين الناظرين.
وقرأ أهل المدينة [[قرأ بالمجمع نافع وأبو جعفر، والباقون بالإفراد، انظر "السبعة" ص 345، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 399، والطبري 12/ 156.]] ﴿غيابات الجب﴾ بالجمع على معنى أن للجب [[في (أ)، (ب): (الجب).]] أقطارًا ونواحي ويكون فيها غيابات، وأوثر الجمع لذلك، ومن وحد قال: المقصود موضع واحد من الجب يغيمب فيه يوسف فيستره من أبصار المتأملين، فالتوحيد أحصر وأدل على المعنى المطلوب، يدل على صحة التوحيد قراءةُ مجاهد [["زاد المسير" 4/ 185، ونسبها إلى الحسن وقتادة ومجاهد، و"البحر المحيط" 5/ 284 ونسبها إلى الحسن.]] ﴿في غيبة الجب﴾، انتهى كلامه.
وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 400.]]: وجه قول من أفرد أن الجب لا يخلو من أن يكون له غيابة واحدة أو غيابات، فغيابة المفرد يجوز أن يعني به الجمع كما يعني به الواحد، ووجه قول من جمع، أنه يجوز أن يكون له غيابة واحدة فجعل كل جزء منه غيابة فجمع لذلك، كقولهم: (شابت مفارقه [[في (أ)، (ب)، (ي): (مفاريقه)، والصواب ما أثبته كما في "الحجة".]] وتغير ذو عثانين) ويجوز أن يكون للجب عدة غياب فجمع لذلك، والدليل على جواز الجمع فيه قول ابن أحمر [[من قصيدة له في هجاء يزيد بن معاوية، انظر: "ديوانه" ص 171، و"المحتسب" 2/ 227 - 228، و"الخصائص" 2/ 460، وابن الشجري 3/ 75، 207، و"الإنصاف" ص 387، و"شواهد كتاب سيبويه" 129.]]:
ألا فالبِثَا شَهْرَيْن أو نِصْفَ ثالث ... إلى ذَاكُما [[(ما): ساقطة من (ج).]] ما غَيّبتْني غَيَابِيَا
يريد جمع غيابة، فجمع مع أن ذا الغيابة واحد، واختلفوا في هذا الجب، فقال قتادة [[الطبري 2/ 156، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2107 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 13، والثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185، و"البحر المحيط" 5/ 284.]]: في بئر بيت المقدس، وقال وهب [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"زاد المسير" 4/ 185.]]: هو بأرض الأردن، وقال مقاتل [[الثعلبي 7/ 64 ب، و"تفسير مقاتل" 151أ، و"زاد المسير" 4/ 185.]]: هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وقوله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقط واللقيط، والسيارة: الذين يسيرون في الطريق للسفر. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147، والثعلبي 7/ 65 أ.]]: يريد المارة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 185.]]: يريد إن أضمرتم مما تريدون، وهذه الآية بيان عن اختيار أنقص الشرين، كما أشار هذا القائل إذ رأى أنه لابد من أحدهما.
12:11Page 236
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١
They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ قال المفسرون [[الطبري 21/ 157، و"زاد المسير" 4/ 186.]]: لما تآمروا بينهم في إيقاع المكروه بيوسف وعزموا على ذلك قالوا [[في (أ)، (ب): (قال).]] لأبيهم: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ والقراء مجمعون [["الحجة" 4/ 400، و"إبراز المعاني" ص 531، و"السبعة" لابن مجاهد 345، وأبو جعفر يقرأ بالإدغام المحض بلا إشمام ولا روم. "إتحاف" ص 262.]] على إدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، وذلك أن الحرف المدغم بمنزلة الحرف الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فكما أشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعًا عند الإدارج، ليعلم أنه كذلك في الوصل، أشموا الحرف المدغم ليعلم أنه لو ظهر كان مرفوعًا، والإشمام ضم الشفتين فقط، وليس بصوت خارج إلى اللفظ، إنما هو تهيئة العضو لإخراج الصوت به، ليعلم بالتهيئة أنه يريد ذلك المهيأ له، ولا يجوز رَوْم الحركة مع الإدغام، كما جاز الإشمام؛ لأن روم الحركة حركة، وإن كان الصوت قد أضعف بها، ولا يجوز الإدغام مع الحركة وإن كانت قد أضعفت؛ لأن اللسان لا يرتفع مع روم الحركة في الحرف المدغم عن الحرفين ارتفاعة واحدة، وأما من ترك الإشمام؛ فلأنه أخف على اللفظ، وهو قياس الإدغام.
قال أهل المعاني: هذا تلطف منهم مع أبيهم في أمر يوسف، وتشبيب لمساءلتهم إرساله معهم، بدأوا بالإنكار عليه خوفه إياهم على يوسف، وثنوا بإظهار النصح له في قولهم ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، قال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 147.]]: يريد في الرحمة والبر.
12:12Page 236
أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢
Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians."
قوله تعالى [[في (ج): (وقوله) بزيادة الواو.]]: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾، قرأ ابن كثير [[الطبري 12/ 158، و"الحجة" 4/ 402، و"إبراز المعاني" ص 533، و"النشر" 3/ 123.]] ﴿نرتع﴾ هو بالنون وكسر العين من الارتعاء، و (يلعب) بالياء، والارتعاء: افتعال من رعيت، يقال: رعى الماشيةُ الكلأ يرعاها رعيًا، إذا أكلته، والرعي الكلأ، ومثله ارتعى، قال الأعشى [[انظر "البحر المحيط" 5/ 276، و"اللسان" (سفح) 4/ 2023، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 247، و"تاج العروس" (سفح) 4/ 90.]]:
تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكثيب فَذَاقَارٍ ... فُرُوضَ القَطَا فَذَاتَ الرِّئالِ
هذا معنى الارتعاء للإبل والمواشي، وقد أضافوه إلى أنفسهم؛ لأن المعنى نرتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي، أو يقال حقيقة الرعي والارتعاء للماشية وينسب ذلك إلى أصحابها؛ لأنهم السبب في ذلك بإيرادها الكلأ ومواضعه والقيام عليها، فيسند ذلك إليهم، وعلى هذا يقول العرب: رعينا روضة كذا، ومكان كذا، وهو كثير في أشعارهم، ويحمل على ما ذكرنا من أحد الوجهين.
وأما فصله بين الارتعاء واللعب بالياء والنون، فحَسَنٌ؛ لأنه جعل الارتعاء والقيام على المال لمن بلغ وجاوز [الصغر، وأسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولا لوم] [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]] على الصغير في اللعب، وقرأ نافع [["السبعة" ص 345 - 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 402، 403.]] كلاهما بالياء وكسر العين من يرتعي، أضاف الارتعاء إلى يوسف على معنى أنه يقوم على ماله في الارتعاء ليتدرب بذلك، فمرة يرتعي ومرة يلعب كفعل الصبيان، وقرأ أبو عمرو [[في (ج): (قرئ ابن عمرو).]] وابن عامر [["السبعة" ص 345 - 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 402، 403.]] (نرتعْ) بالنون وجزم العين، ومثله (نلعبْ)، والعرب تقول: رتع المال، إذا رعى ماشيًا، وارتعتها أنا، والرتع لا يكون إلا في الخصب والسعة، وإبل رتاع، وقوم مرتعون وراتعون [[(راتعون): ساقطة من (ج).]] إذا كانوا مخاصيب.
وقال ابن الأعرابي: الرتع الأكل بشَرَه، يقال رتع يرتع رتعًا ورتاعًا [[ما سبق كله نقل عن الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1356 - 1357. بتصرف.]]، ومنه قولهم [[مثل: وأصله أن عمرو بن الصعق أسرته شاكر من همدان، فأحسنوا إليه وكان فارق قومه نحيفًا، فهرب من شاكر فلما وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو خرجت من عندنا نحيفًا، وأنت اليوم بادن؟ فقال (القيد والرتعة) فأرسلها مثلاً، و (الرتعة): الخصب، انظر "الميداني" 2/ 39، و"المفضل الضبي في أمثاله" 62، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة ص 170، 241، و"اللسان" (رتع) 3/ 1577، الطبري 12/ 158، و"تعليق شاكر"، ونسبه أبو عبيد في الأمثال ص 56: إلى الغضبان بن القبعثري، قاله للعجاج عندما حبسه. "تهذيب اللغة" (رتع) 2/ 1356.]]:القيد والرتعة، ويقال بسكون التاء ومعناها الخصب ونيل ما يراد.
وقد حصل، للرتع معنيان أحدهما: رعي المال في الخصب، فعلى هذا معني نرتع بالنون كمعنى يرتعي في أنه للمال. ثم يحذف المضاف على ما ذكرنا، الثاني: أن معناه نيل ما يراد، وهذا يوصف به الإنسان كما ذكرنا في المثل، فقرأه أبو عمرو (نرتع) على معنى: نرتع إبلنا، ثم حذف المضاف، أو ينال ما يحتاج إليه.
وأما يلعب فقد روي أنه قيل لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء [["الحجة" 4/ 406، ابن جرير الطبري 12/ 158، الثعلبي 7/ 65 أ.]]، على أنه يجوز أن يراد باللعب هاهنا الذي هو ضد التشمر من الأخذ باللهو نيالاً، الذي هو ضد الحق، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال لجابر: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" [[أخرج البخاري بنحوه (5079، 508)، كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات، ومسلم (517/ 55) في كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر.]] وهذا كأنه تشاغل بمباح وتنفس وجمام.
وقرأ أهل الكوفة [[انظر: "السبعة" ص 346، و"إتحاف" ص 262، و"الحجة" 4/ 403، والطبري 12/ 158.]] كلاهما بالياء وسكون العين والياء ووجهه بيِّن، لأن إسناد الرتع بمعنى النيل من الشيء إلى يوسف لا يبعد، كما لا يمتنع أن ينسب إليه اللعب، على أن أبا عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]] فسَّر نرتع باللهو، فقال نرتع: نلهو، وهذه القراءة أبين من قراءة من قرأ [[وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر كما سبق.]] (نلعبْ) بالنون؛ لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف ليتنفس بلعبه لا ليلعبوا هم.
وأما قول المفسرين فقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [[الطبري 2/ 158، ابن أبي حاتم 7/ 2108 أ، عن مجاهد، وانظر: "الدر" 4/ 13.]]: نرتع: نذهب ونجيء وننشط ونلعب ونلهو.
[وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 151 أبنحوه.]]: نرتع نفرح، ونلعب نتلاهى.
وقال مجاهد [[ابن أبي حاتم 7/ 2108 أ.]] وقتادة [[الطبري 12/ 159، و"زاد المسير" 4/ 187، والقرطبي 9/ 139، وعبد الرزاق 2/ 318.]] نسعى وننبسط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]]: ﴿نرتع ونلعب﴾ معناه نلهو وننعم، قال: هو من القيد والرتعة، وقال غيره: نقم في المرتع، يقول بعضهم: نرتع نرعى إبلنا، وقال قوم: نرتع نأكل، واحتج يقول الشاعر [[البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من قصيدة في المفضليات: 190 - 202 تعد عن علي الشعر وأنفسه، وانظر "ديوانه" ص 31، و"الشعر والشعراء" ص 270 (384)، والرواية فيهما (حبيب لي إذا لاقيته ..)، وهو في "الخزانة" 2/ 547 كما هاهنا، و"الزاهر" 2/ 31، و"الدر المصون" 6/ 450، و"اللسان" (رتع) 3/ 1577.]]:
ويُحَيِّينِي إذا لاقَيْتُه ... وإذا يخلو له لَحْمي رَتَعْ أي: أكله، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد [[الطبري 12/ 159، وابن أبي حاتم 7/ 2107 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 14، والثعلبي 7/ 65 ب، وابن عطية 7/ 448.]] في قوله نرتع: نتكالأ ونتحارس بعضنا بعضًا، وعلى هذا فهو افتعال من الرعاية بمعنى الحفظ، لا من رعي الماشية.
وقال بعض أهل المعاني: أصل الرتع للمال، ثم يستعمل في الإنسان على معنيين، أحدهما: الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، والآخر: التصرف في الشهوات وضروب الملاذ، يقال: رتع فلان في ماله، إذا أنفقه في شهواته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 140.]]: يريد من كل ما تخافه عليه.
12:13Page 236
قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣
[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."
وقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ خبر عما يوجبه شدة الإشفاق من الحزن عن الفراق، فقال يحزنني ذهابكم، وأخاف أن يأكله الذئب.
قال الكلبي وغيره من المفسرين [[الثعلي 7/ 65 ب، والبغوي 4/ 220، و"زاد المسير" 4/ 188، و"تنوير المقباس" ص 147.]]: إن يعقوب عليه السلام رأى في النوم ذئبًا عدا على يوسف، فكان حذرًا عليه، خائفًا من تناول الذئب له، لرؤياه التي رآها.
وقال آخرون: إنما خاف عليه يعقوب الذئب؛ لأن أرضهم كانت مذأبة، ذكره مقاتل بن سليمان وغيره [["تفسير مقاتل" 151 أ، و"زاد المسير" 4/ 188، الرازي 18/ 97.]].
ويقرأ الذئب [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز، وقرأ الكسائي وحده بغير همز، و"الحجة" 4/ 407، و"السبعة" ص 346، و"البدور الزاهرة" 161، و"التبصرة" ص 545، و"إتحاف" ص 263.]] مهموزًا ومخففًا، وأصله الهمز [[هذا النص منقول عن أبي علي في كتابه "الحجة" 4/ 408. بتصرف.]]؛ لأنه من قول العرب: تذابت الريح وتذأبت، إذا جاءت من كل جهة كالذيب يحتل بالحيلة من كل جهة، فإذا خففت الهمز منه قلبت ياء، وكذلك البير، ويجمع أذؤبًا وذؤبانًا [[في (ب): (وذؤبًا).]] كما قالوا: زق وزقان.
قال [[البيت لذي الرمة في "ديوانه" ص 48، و"البحر المحيط" 5/ 276، و"الدر المصون" 6/ 452، و"شرح شواهد الإيضاح" ص/ 517، وهو في "التكملة" ص 200 بلا نسبة. وازور: يعني الطريق فيه عوج، يمطو: يمد.]]:
وازْوَرّ يَمْطُو في بلادٍ بَعِيدَةٍ ... تَعَاوا به ذُئبَانُه وثَعَالِبُه
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 188.]] يريد لاهون مشتغلون برعيتكم، وهذا بيان عما توجبه الشفقة من سوء الظن بحوادث الزمان وعوارض الآفات.
12:14Page 236
قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤
They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه، إنا إذًا [لجاهلون في قول الكلبي، أي] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).]]: لجاهلون [[القرطبي 9/ 141.]] بما يُعرفُ فضله من إيثار البر وصلة الرحم وتجنب العقوق إن أكله الذئب بحضرتنا ولم نرده عنه.
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 151 أبنحوه.]]: معناه لئن أكله الذئب ونحن حضور، وعندنا بأس ودفع، إنا إذًا لعاجزون.
قال: فالخسران هاهنا محمول على معنى العجز، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: 34] معناه لعاجزون، ولابد [[في (ج): (لابد) من غير واو.]] من إضمار في الآية على تقدير: ونحن عصبةٌ عنده أو بحضرته؛ لأنه يجوز أن يأكله الذئب وهم عصبة غائبون عنه، فلا يُنْسَبون إلى الجهل ولا إلى العجز، وإنما يلزمهم العجز والجهل إن أكله الذئب بحضرتهم فلم يردوه عنه.
12:15Page 237
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥
So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well...1 But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ذكرنا معنى الإجماع عند قوله ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ هذه الواو مقحمة زائدة عند الكوفيين، لأنه جواب لما، وجواب لما لا يقتضي واوًا، وعند البصريين لا يجوز إقحام الواو، وجواب لما عندهم محذوف، على تقدير لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم، أو كبر ما قصدوا، ثم قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وحذف الجواب كثير، وهذه المسألة ذكرناها فيما تقدم، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 65 ب، الطبري 12/ 160، البغوي 4/ 221، و"زاد المسير" 4/ 191.]]: أوحى الله [[في (ب): بزيادة (تعالي).]] إلى يوسف تقويةً لقلبه في البئر: لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد اليوم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وهذا [[في (ب): (هذا). من غير واو.]] قول ابن عباس [[الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 66 أ، ابن أبي حاتم 7/ 2110 أ، وانظر: "الدر" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191، والقرطبي 9/ 143.]] والحسن [[انظر: الرازي 18/ 100.]] وابن جريج [[الطبري 12/ 162.]].
وقال [[في (أ)، (ج): زيادة (محمد).]] مجاهد [[الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 15، والقرطبي 9/ 143، والثعلبي 7/ 66 أ، و"زاد المسير" 4/ 191.]] وقتادة [[الطبري 12/ 161، عبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191.]]: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بأنه أوحي [[في (ب): (أوحى الله إليه) بزيادة لفظ الجلالة.]] إليه، وأجمعوا على أنه أوحي إلى يوسف في البئر.
قال الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 259، القرطبي 9/ 142.]] أعطاه الله النبوة وهو في الجب.
وقال قتادة [[الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وعبد الرزاق 2/ 318.]]: أتاه وحي الله وهو في البئر.
وقال الكلبي [[القرطبي 9/ 142.]]: ألقي في الجب وهو ابن ثماني عشرة سنة.
قال أبو بكر بن الأنباري [[الرازي 18/ 100.]]: الفائدة في استتار الوحي عنهم، أنهم لو وقفوا على الوحي وعلموا أن مدة يوسف تطول، وأن أمره يقوى جاز أن يسبق إلى قلب بعضهم من الحسد ما لعله أن يقدم على إيقاع بلية بيوسف، في وقت إخبارهم بصنيعهم، فإن الله تعالى ألزم يوسف أن لا يطلع أباه ولا أحداً من إخوته على نسبه وموضعه، ليوبخهم على ما سلف من عقوقهم، ويعد عليهم ما فرط من إساءتهم، فهم لا يعرفون عنه، ولا يعرفون أن أخوهم. ولهذه العلة ما كتم يوسف أباه يعقوب نفسه طول تلك المدة مع علمه بوجد أبيه به خوفًا من الخلاف على الله عز وجل، فصبر على تجرع المرارة بما يعلمه من قلق أبيه [[في (ب): (الله).]] إيثارًا لطاعة ربه واتباعًا لأمره، وكان الله تعالى قد قضى على يعقوب أن يوصله إلى درجة عالية لا يصل إليها إلا بعظيم الحسرة التي كان يكابدها، فلذلك أمر يوسف بكتمان شأنه عن أبيه.
والقولان في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حكاهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.]] فقال: في قوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا جائز أن يكون من صلة ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وجائز أن يكون من صلة ﴿أَوْحَيْنَا﴾، المعنى: وأوحينا إليه [[في (ج): (إليهم).]] وهم لا يشعرون، أي نبأناه بالوحي وهم لا يشعرون أنه نبي قد أوحي إليه.
12:16Page 237
وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦
And they came to their father at night, weeping.
قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 66 ب، الطبري 12/ 163.]]: ثم إنهم ذبحوا سَخْلة وجلوا دمها على قميص يوسف، وكانوا [[في (أ)، (ب)، (ج): (كانا).]] قد ألقوه في الجب عريانًا ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ ليكونوا أجراً في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا [["البحر المحيط" 5/ 288.]]، ﴿يَبْكُونَ﴾ مكرًا لإيهام براءتهم مما عرض [[في (ج): (عرضوا).]] ليوسف من البلية بأكل الذئب على زعمهم. روى مجالد [[هو مجالد بن سعيد بن عمير الكوفي الهمداني، لين الحديث، تغير حفظه في آخره، توفي سنة 144 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 361، و"التهذيب" 4/ 24 - 25.]] عن الشعبي قال: خاصمت امرأة إلى شريح وجعلت تبكي فقيل له: يا أبا أمية، أما تراها تبكي، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون [[أخرجه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 4/ 15.]].
12:17Page 237
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧
They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."
قوله تعالى: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ قال أكثر المفسرين [[الطبري 12/ 162، والثعلبي 7/ 66 ب، و"زاد المسير" 4/ 191، والبغوي 4/ 222.]]: نتنصل في الرمي، وهذا اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.]] وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 217.]]، قال نتنصل: يسابق بعضنا بعضًا في الرمي، وعلى هذا هو من السباق في النصال، وفيه قول النبي ﷺ: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" [[أخرجه أحمد 2/ 474، برقم (10138)، ط. الرسالة، من حديث أبي هريرة، والترمذي (1700) في الجهاد، باب: ما جاء في الرهبان والسبق، وأبو داود "عون المعبود" (2557) في الجهاد، باب: في السبق، وابن ماجه (2878) في الجهاد، باب: السبق والرهان وصححه الألباني. انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" للألباني (1326)، كتاب: الجهاد، باب: السبق والرهان وخرجه الألباني في "إرواء الغليل" (1506).]] يعني بالنصل: الرمي، وأصل السبق في الرمي للسهم، وهو أن يرمي اثنان أيهما يكون أسبق بينهما وأبعد غلوة، ثم يوصف المتراميان بذلك، فيقول: استبقا وتسابقا، إذا فعلا ذلك لتبيين أيهما أسبق سهمًا، ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن في قراءة عبد الله ﴿إنا ذهبنا ننتصل﴾ [[الثعلبي 7/ 66 ب، القرطبي 9/ 145.]].
وقال السدي [["زاد المسير" 4/ 192، الرازي 18/ 101.]] ومقاتل [[ذكره الثعلبي بقوله ابن حيان 7/ 67 أ.]]: نستبق: نشتد ونعَدو لنتبين أينا أسرع عَدْوًا، فإن قيل كيف جاز لهم أن يستبقوا وهم رجال بالغون، وهذا من فعل الصبيان؟
فالجواب ما ذكره صاحب النظم، وهو أن الاستباق فيهم كان مثل السباق في الخيل والنصال عندنا، وكانوا يُحْزنُون بذلك أنفسهم ويدربونها على العَدْو؛ لأنه كالآلة لهم في محاربة العدو، ومدافعة الذئب إذا رام ماشيتهم [[الرازي 18/ 101، القرطبي 9/ 145.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ قال ابن عباس [[البغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 192.]]: يريد ثيابهم ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 67 أ، البغوي 4/ 222، "زاد المسير" 4/ 192،
القرطبي 9/ 148.]] وأصحاب المعاني [["معاني القرآن وإعربه" 3/ 96، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 303، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217.]]: مصدق لنا، وذكرنا تحقيق هذا في أول سورة البقرة [[ذكر عند قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3] أقوال العلماء في أن الإيمان بمعنى التصديق: ونقل عن الأزهري حكايته اتفاق العلماء على هذا المعنى، وشرح دلالة اللفظ عليه مع الاستشهاد بأقوال أهل اللغة، ثم قال: والقول في معنى الإيمان ما قاله الأزهري.
قلت: إن كان المقصود أن ذلك في اللغة، فالأمر فيه واسع وهو محل خلاف، وإن كان المقصود المعنى الشرعي فهو مردود، والإيمان عند علماء السلف: تصديق القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص381، 382.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: ليسوا يريدون أن يعقوب لا يصدق من يعلم أنه صادق، هذا محال لا يوصف الأنبياء بذلك، لكن المعنى: لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف؛ لمحبتك إياه وظننت أنا قد كذبناك.
ونحو هذا قال أبو العباس [[لعله أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب السناني النيسابوري الوراق، أحد أئمة الشافعية، إمام ثقة حافظ، توفي سنة 346 هـ. انظر: "طبقات فقهاء الشافعية" 1/ 76، و"طبقات الشافعية" للآسنوي 1/ 42.]] في معنى هذه الآية: قال: معناه: ولو كنا صادقين في كل الأشياء، لاتهمتنا في هذه القصة ولم يقرب قولنا من قلبك، لغلبة استغشاشك لنا وتهمتك إيانا في أمر يوسف.
وقال أبو بكر: أرادوا نحن صادقون عند أنفسنا، وأنت غير مصدق لنا، إن لم تقم أمارات صدقنا عندك، فلو كنا صادقين عند الله أولاً ثم عند أنفسنا ما صدقتنا، إذ لم يقم عندك براهين صدقنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences