Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:18–22
12:18Page 237
وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨
And they brought upon his shirt false blood.1 [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allāh is the one sought for help against that which you describe."
قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال ابن عباس [[الطبري 12/ 163، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب وانظر. "الدر" 4/ 16، وعبد الرزاق 2/ 318.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 163، القرطبي 9/ 149، ابن أبي حاتم 7/ 2111 ب.]] وعامة المفسرين [[الطبري 12/ 163، والبغوي 4/ 222، و"زاد المسير" 4/ 193، والرازي 18/ 102.]]: كان ذلك دم سَخْلة، وقيل جدي [[قاله السدي كما في الطبري 12/ 163، والشعبي كما في الطبري 12/ 164.]]، وقيل: حمل، كل هذا من لفظهم.
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 38.]] وأبو العباس [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 3115.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]] وابن الأنباري [[الرازي 18/ 102.]] وأصحاب العربية [["معاني القرآن" 2/ 590، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 1/ 217، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 167.]] ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير: ذي كذب، ولكنه أجري على الوصف بالمصدر للمبالغة، وهذا معنى قول الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 590.]]: جعل الدّمَ كذبًا لأنه كذب فيه، كما قال ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] قالوا: والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر كما يقال: ماء سكب، أي: مسكوب، ودرهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، والفاعل كقوله ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: 30] ورجل عدل وصوم [[(صوم): ساقطة من (ج).]]، ونساء نَوْح ومنه [[بعض بيت من الوافر وتمامه:
هَريْقي منْ دموعها سجالا ... صنباعَ وجاوبي نَوْحًا قيامًا ولم ينسبه الواحدي هنا، وهو بلا نسبة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 404، الطبري 15/ 249 (العلمية)، القرطبي 10/ 409.]]:
... وجاوبي نَوْحًا قِيَاما ولما سميتا بالمصدر، سُمِّي المصدرُ بهما، فقالوا للعقل: المعقول، وللجلد: المجلود، ومنه قوله تعالي: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 6] وقالوا للكذب الكاذبه، وللخيانة الخائنة، ومثله العاقبة والعافية.
قال الحسن [[الطبري 12/ 164، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 16، وانظر: "تفسير الحسن" 2/ 29.]] وسعيد بن جبير [[أخرجه الطبري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس 12/ 164 وكذا ابن أبي حاتم 7/ 211 ب.]]: لما جاءوا يعقوب بالقميص ملطخًا بالدم، قال: كذبتم، ما عهدي [[في (أ)، (ج): (ما عهد بي).]] بالذئب حليمًا، لو كان أكله لخرق قميصه.
وقال الكلبي عن ابن عباس [[ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 38، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 149.]]: قال لهم: لقد كان هذا الذئب رفيقًا حين أكل ابني ولم يخرق قميصه، قالوا: فقتله اللصوص، قال: كيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147.]] وعامة المفسرين [[الثعلبي 7/ 67 ب، والطبري 12/ 165، والبغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193، القرطبي 9/ 151، و"مشكل القرآن وغريبه" 217، و"مجاز القرآن" 1/ 303.]]: زينت لكم أنفسكم أمرًا.
قال أهل المعاني: التسويل تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه، وقوله ﴿بَل﴾ رد لقولهم: أكله الذئب، كأنه قال: ليس كما تقولون، بل سولت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون.
وقال الأزهري [["تهذيب اللغة" 13/ 67، وهذا السياق نص نسخة (ج)، وفي الأصل [فيزين لطالبها الباطل والغرور].]]: وكأن التسويل تفعيل من سوْل الإنسان، وهي أمنيته التي يطلبها، فيزين لطالبها الباطل وغيره من أمر الدنيا، وأهله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال مجاهد [[الطبري 12/ 165، وعبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 19.]]، والمفسرون [[الطبري 12/ 165، الثعلبي 7/ 67 ب، البغوي 4/ 223، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: أي صبر ليس فيه جزع ولا شكوى، وروي مرفوعًا أن النبي ﷺ، سئل عن الصبر الجميل فقال: "هو صبرٌ لا شكوى فيه" [[أخرجه الطبري 12/ 165، وابن أبي حاتم 7/ 2112 أ. قال المناوي: هو من حديث حبان بن حيلة وهو مرسل، و"الفتح السماوي" 2/ 727.]].
وقال أهل المعاني: الصبر الجميل هو أن يصبر حتى لا يظهر فيه تغير بعبوس وجه وانقباض عما كان يتبسط [[في (ب): (تبسط).]] فيه قبل المصيبة.
واختلفوا في وجه ارتفاع الصبر، فقال الخليل [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: معناه: فالذي أعتقده صبر جميل.
وقال قطرب [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96، و"زاد المسير" 4/ 193، والقرطبي 9/ 151.]]: معناه: فصبري صبر جميل.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 53، و"زاد المسير" 4/ 193.]]: فهو صبر جميل، وقال أبو عبيد [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 289، و"الدر المصون" 6/ 457.]]: تقديره: فليكن مني صبر جميل.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: فشأني صبر جميل، قال ابن الأنباري: والمعاني متقاربة. وقال بعضهم: فصبر جميل أولى بي، وعلى هذا هو ابتداء وخبره محذوف.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 96.]]: ويجوز في غير القرآن: فصبرًا جميلاً، وأنشد [[الأبيات لملبد بن حرملة، في ابن السيرافي ص 228 وبلا نسبه في "معاني الفراء" 2/ 54، و"معاني الزجاج" 3/ 97، و"تأويل مشكل القرآن" ص 107، و"مجاز القرآن" 1/ 303، 304، و"اللسان" (شكا) 4/ 2114، و"تهذيب اللغة" 2/ 1909، والقرطبي 9/ 153، و"كتاب سيبويه" 1/ 321، و"شواهد الكشاف" (شكا إلي جملي).]]:
يَشْكُو إليَّ جَمَلِي طُولَ السّرَى ... يا جَمَلِي ليسَ إليَّ المُشْتَكَى
قال: وروي: صبرًا، على فاصبرْ صبرًا، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 303.]] وغيره: الأحسن إذا وصف الصبر الرفع، وإذا أفرد النصب.
وأنشدوا [[كذا في النسخ ولعل البيت: (ألا يا نمامي فصبرًا ..) وبه يستقيم الوزن، وهو من الطويل، ولم أقف عليه.]]:
ألا انمامي فصَبْرًا بَليَّة ... وقد يُبْتَلَى المَرْءُ الكَرِيمُ فيَصبِرُ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال أهل المعاني: هذا بيان عما يوجبه التقى من الصبر الجميل عند المصيبة، والاستعانة بالله عزّ وجلّ عندما يعرض من الأمور الهائلة.
12:19Page 237
وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩
And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise;1 and Allāh was Knowing of what they did.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 67 ب.]]: يعني رفقة تسير للسفر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ وهو الذي يرد الماء ليستقي للقوم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ قال عامة أهل اللغة [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 1213 مع تقديم وتأخير، (دلا).]]: يقال: أدلى دلوه، إذا أرسلها في البئر، ودَلّاها: إذا نزعها من البئر، يقال: أدلى يدلي إدلاءً إذا أرسل، ودلى يدلو دلوًا، إذا جذب وأخرج.
قال الشاعر [[سبق تخريجه.]]:
يَنْزِعُ من جَمّاتِها دَلْو الدَّالىِ
أي ينزع النازع، والدلو معروف، والجميع الدلاء، والعدد إدل ودُلي، ويقال للدلو دلاة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 194.]] وقتادة [[عبد الرزاق 2/ 302، والطبري 12/ 167، وابن أبي حاتم 7/ 2113 ب، وابن المنذر كما في "الرد" 4/ 17، القرطبي 9/ 153.]] والسدي [[الطبري 12/ 167، والقرطبي 9/ 153.]]: لما أدلى المدلي تشبث يوسف بالرشا فأخرجه الوارد، فقال: يا بشراي. قال الحسن [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 260.]]: يا بشراي مثل: يا فرحتنا، وهو في موضع نصب؛ لأنه نداء مضاف.
قال ابن الأنباري: وقع النداء في اللفظ بالبشرى، وهو في المعنى واقع لغيرها، تأويله: يا هؤلاء تنبهوا لبشراي. وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 97.]]، ومعنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة إذا قلت: يا عجباه، فكأنك قلت: اعجبوا، وذكر وجهًا آخر، وهو أن يكون المعنى: يا أيتها البشرى هذا من إيانك وأوانك، وزاد أبو علي [["الحجة" 4/ 412.]] لهذا الوجه بيانًا، فقال: المعنى فيه أن هذا من أوانك ولو كنت ممن يخاطب لخوطبت الآن، وهذا في كل منادى لا يجيب ولا يعقل.
وقرأ أهل [["السبعة" ص 346، و"النشر" 3/ 124، و"إبراز المعاني" ص 533، و"إتحاف" ص 263.]] الكوفة ﴿يَا بُشْرَى﴾ من غير إضافة، وهذه القراءة كالأولى في أنه نداءٌ لمن لا يجيب، إلا أن هذا نداءٌ غير مضاف فيكون رفعًا، قال السدي [[الطبري 12/ 167 - 168، وابن أبي حاتم 7/ 2113أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 17، و"زاد المسير" 4/ 194، والقرطبي 9/ 153.]]: نادى المدلي صاحبه وكان اسمه بشرى، فقال: يا بشراي، كما تقول: يا زيد.
وروي عن الأعمش [[الرازي 18/ 106، و"زاد المسير" 4/ 194.]] أنه قال: دعا امرأة اسمها بشرى.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 411.]]: من جعل البشرى اسمًا للبشارة وهو الوجه، جاز أن يكون في محل الرفع مثل: يا رجل، لاختصاصه بالنداء، وجاز أن يكون في موضع نصب على أن يجعله نداءً شائعًا في جنس البشرى ولم يخص كما فعلت في الوجه الأول، كما يقول: يا رجلاً، و ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: 30]، فالوجه الأول على أنه بشرى مختصة، والآخر أن ينزله من جملة كلها مثلها في الشياع، إلا أن التنوين لم يلحق بشرى لأنه لا ينصرف.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال مجاهد [[الطبري 12/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 2114أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 195، والثعلبى 7/ 68 أ، والبغوي 4/ 224.]] والسدي [[الطبري 12/ 169، وابن أبي حاتم 7/ 2114 أ.]] وأكثر المفسرين [[الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، البغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 195، الرازي 18/ 106.]]: أسره الوارد وجاءوا من كان معه من التُّجار من الذين معهم في الرفقة، وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر، خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة؛ لرخص ثمنه.
قال إسحاق بن بشر [[هو: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري، له كتاب المبتدأ، تركوه وكذبه ابن المديني، وقال الدارقطني: كذاب متروك. توفي سنة 206 هـ. انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 184، و"الأعلام" 1/ 294، و"معجم المؤلفين" 1/ 340. وانظر: الرازي 18/ 107.]]: قالوا فيما بينهم: إن قلنا لهم التقطناه شاركونا، وإن قلنا اشتريناه، سألونا الشركة، فنقول: إن أهل الماء أبضعوه معنا على أن نبيعه لهم بمصر، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 168، الثعلبي 7/ 68 أ، "زاد المسير" 4/ 195، ابن عطية 7/ 463.]] في رواية عطية: (أسروه) يعني: إخوة يوسف أسروا شأنه أن يكون أخاهم، وقالوا: هو عبد لنا أبق منا، وتابعهم يوسف على ذلك؛ لأنهم توعدوه بالقتل بلسان العبرانية.
وقوله تعالى: ﴿بِضَاعَةً﴾ البضاعة: القطعة من المال تجعل للتجارة، من: بضعت الشيء، إذا قطعته، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]]: وبضاعة منصوب على الحال، كأنه قال: وأسروه جاعليه بضاعة، [وعلى القول الأول في أسروه، الجاعلون هم الوارده، جعلوه بضاعة على ما بينا وعلى القول الثاني الجاعلون إخوته، جعلوه بضاعة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ج).]] حيث باعوه كما تباع الضائع.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 147.]]: يريد بيوسف [[في (ج): (يوسف). من غير باء.]].
قال أهل المعاني: هذه الآية بيان عما يوجبه حسن تدبير الله تعالى من التسبيب لنجاة من يشاء نجاته.
12:20Page 237
وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠
And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.
قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 107، ابن عطية 7/ 464 - 466.]] في رواية الكلبي: لما طرح يوسف في الجب وانصرفوا رجعوا بعد ثلاث، يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب رأوا أثار السيارة اتبعوهم، فحين أبصروا يوسف قالوا: هذا عبدنا أبق منا، فقالوا: لهم فبيعوناه، فباعوه منهم باثنين وعشرين درهمًا، وهم أحد عشر، ونحو هذا قال مجاهد [[الطبري 12/ 173، وابن أبي حاتم 7/ 2116 أوابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، و"زاد المسير" 4/ 197، والقرطبي 9/ 156، والبغوي 4/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.]]: باع يوسف إخوته باثنين وعشرين درهمًا.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 98.]]: أخذ كل واحد من إخوته درهمين.
وقال ابن عباس [[الطبري 12/ 173، لكنها من رواية ابن جريح، وابن أبي حاتم: 7/ 2116 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155، والبغوي 2/ 224، والثعلبي 7/ 68 ب.]] في رواية عطاء: باعوه بعشرين درهمًا، فأخذ كل واحد منهم، إلا يهودا فإنه لم يأخذ شيئًا، وهذا قول ابن مسعود [[الطبري 12/ 172، الثعلبي 7/ 68 ب، وابن أبي شيبة والطبراني: وقال في "المجمع" 7/ 39: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والحاكم: وصححه وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 19، والبغوي 4/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196، والقرطبي 9/ 155.]] والسدي [[الطبري 12/ 172، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155، الثعلبي 7/ 68 ب.]]، فذلك قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوه، يقال: شريت الشيء، إذا بعته وإذا اشتريته، قال الشماخ في البيع [[وهو الشماخ بن ضرار الغطفاني، شاعر فحل مخضرم، شهد القادسية وتوفي في خلافة عثمان انظر: "الشعر والشعراء" ص 195، و"الإصابة " 2/ 154، و"الأعلام" 3/ 175، "ديوانه" 190، و"الزاهر" 1/ 371، 2/ 256، والبيت قاله في رجل باع قوسه من رجل، ومعنى (حامز): عامر وقيل: ممض محرق، ويروى (من الوجد) "اللسان" (حزز) 1/ 612، القرطبي 9/ 155. كتاب: "العين" 3/ 17، 167، و"تهذيب اللغة" 1/ 918 (حمز)، و"جمهرة اللغة" (529)، و"مقاييس اللغة" 2/ 8، و"مجمل اللغة" 1/ 212، و"أساس البلاغة" (حزز) 1/ 171.]]:
فلما شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرةً ... وفي الصَّدْرِ حَزَّازٌ من اللومِ حَامِزُ يريد: باعها، وقال قتادة [[عبد الرزاق 2/ 320، و"زاد المسير" 4/ 196، والطبري 12/ 171، و"الدر" 4/ 18.]] في رواية معمر: السيارة هم الذين باعوه.
وقوله تعالى: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ يريد حرام، وهذا قول الضحاك [[الطبري 12/ 171، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، الثعلبي 7/ 68 ب، "زاد المسير" 4/ 196، القرطبي 9/ 155.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 152 أ، الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224.]] والسدي [[الثعلبي 7/ 68 ب، البغوي 4/ 224، القرطبي 9/ 155.]]، وعلى هذا سمى الحرام بخسًا؛ لأنه لا بركة فيه، فهو منقوص البركة.
وقال قتادة [[الطبري 12/ 172، وعبد الرزاق 2/ 320، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والقرطبي 9/ 155، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب.]]: بخس ظلم، والظلم: النقصان، يقال: ظلمه حقه، أي: نقص. وقال عكرمة [[الطبري 12/ 172، وابن أبي حاتم 7/ 2116 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18، والبغوي 2/ 224، و"زاد المسير" 4/ 196.]] والشعبي [[الطبري وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 18، البغوي 4/ 224، "زاد المسير" 4/ 196.]]: قليل.
وقال مقاتل بن حيان [[الثعلبي 7/ 68 ب، وعزاه البغوي لابن عباس وابن مسعود 4/ 224.]]: زيوف من دراهم اليمن، وعلى الأقوال كلها، البخس مصدر وضع موضع الاسم، والمعنى: بثمن مبخوس، أي: منقوص البركة؛ لأنه حرام، أو منقوص لقلته عن ثمن مثله، أو منقوص القيمة لأنه زيف.
وقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ﴾ بدل من الثمن وتفسير له وواحده درهم، ويقال [["تهذيب اللغة" (درهم) 2/ 1181.]]: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم.
وقوله تعالى: ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 173، الثعلبي 7/ 68 ب، و "زاد المسير" 4/ 196 عن ابن عباس، القرطبي 9/ 156.]]: كانوا يعدون الدراهم، حتى يبلغ أوقية، فقال الله عزّ وجلّ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، ليعلم أنها أقل من أوقية، وذلك أنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهماً، إنما كانوا يعدونه عدًّا، وقال أصحاب المعاني [["معاني القرآن" للفراء 2/ 40، و"مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبه ص 217.]]: يعني معدودة قليلة، وذكر العدد عبارة عن القلة، وذلك أن الكثير قد يمتنع من عدده لكثرته، والقليل يعد لقلته، وذكرنا الاختلاف في عدد الدراهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ قال الليث [["تهذيب اللغة" (زهد) 2/ 1568.]]: الزهد: الزهادة في الدنيا، ولا يقال الزهد إلا في الدين خاصة، والزهادة في الأشياء كلها، ومعنى الزهد قلة الرغبة، يقال: زهد فلان في هذا، إذا لم يرغب فيه، وأصله من القلة، ومنه يقال: رجل زهيد، إذا كان قليل الطُّعْم، رجل مزهد قليل المال، ومصدر قوله ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهادة لا الزهد، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 197، القرطبي 9/ 157، البغوي 4/ 225.]]: يريد إخوة يوسف، كانوا في يوسف من الزاهدين.
قال الضحاك [[الطبري 12/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 19، و"زاد المسير" 4/ 197.]]: لم يعرفوا نبوته، وموضعه من الله، وكرامته عليه، ويجوز أن تعود الكناية في قوله: ﴿فِيهِ﴾ إلى الثمن [["زاد المسير" 4/ 197.]] والمعنى: أن إخوة يوسف كانوا من الزاهدين في الثمن إما لذاته، وإما لأن قصدهم تبعيد يوسف لا الثمن.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]]: وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (فيه) ليست من صلة الزاهدين؛ لأنها لو كانت من صلته ما جاز أن تقدم عليه، لا يجوز أن تقول: كانوا زيدًا من الضاربين؛ لأن زيدًا [[في (أ)، (ب): (زبدٌ).]] من صلة الضاربين فلا يتقدم الموصول، وهذا في الظروف جائز؛ لأنها أقوى في حذف العامل من غيرها، والتقدير: كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، ثم حذف زاهدين الأول؛ لأن العامل في الظروف كثيراً ما يحذف، هذا معنى قوله وبعض لفظه. وأكثر المفسرين [[الطبري 12/ 174، و"الدر المنثور" 4/ 18، والبغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 196.]] على ما ذكرنا في الآية أن إخوته باعوه.
وقال قتادة [[عبد الرزاق 2/ 320، والطبري 12/ 173، و"زاد المسير" 4/ 196.]]: باع يوسف الذين استخرجوه من البئر بعشرين درهمًا.
وقال محمد بن إسحاق [[الرازي 18/ 107.]]: يقال: إن يوسف باعه إخوته، فربك أعلم إخوته باعوه أو السيارة [[في (ب): (والسيارة).]]، وقيل: شروه هاهنا بمعنى اشتروه، أي: السيارة اشتروه من إخوته، وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم قالوا لهم: إنه عبد آبق.
قال مجاهد [[الطبري 12/ 186، وابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وابن أبي شيبة: وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 18.]]: كانوا يقولون شددوه لا يأبق، وعلى هذا الزهادة فيه من صفة السيارة، ويجوز أن يعود الكناية في قوله (فيه) إلى الثمن، والمعنى أن السيارة كانوا من الزاهدين في ذلك الثمن، لقلته ورداءته.
12:21Page 237
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١
And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ قال جويبر عن الضحاك [[الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158.]]: الذي اشتراه من مصر هو العزيز ملك مصر.
وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 175، القرطبي 9/ 158، الثعلبي 7/ 68 ب.]] باعه مالك بن ذعر وهو الذي استخرجه من البئر من العزيز وهو اطفير بن روحيب، وكان على خزائن الملك وأمره، وكان الملك في ذلك الدهر الريان بن الوليد رجلاً من العمالقة.
وقال الكلبي عن ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، الثعلبي 7/ 68 ب.]]: العزيز لم يكن الملك، إنما كان وزير الملك وصاحب أمره.
وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 152 ب.]]: باع مالك بن ذعر من قطفير بن ميشا بعشرين دينارًا، وزاده حلة ونعلين، ومعنى الاشتراء والشراء هاهنا الاستبدال لا المنعقد بيعًا وشراءً كقوله ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [[البقرة: 16، 175 وقال هناك: حقيقة الاشتراء الاستبدال، وكل شراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء.]] وقد مر، وقوله ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ اللام من صلة القول، أي: قال لامرأته.
قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، و"زاد المسير" 4/ 198، والبغوي 4/ 225.]] في رواية الكلبي: اسم امرأة العزيز زليخا، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 152 ب، و"زاد المسير" 4/ 198.]]، وقال شعيب الجبائي [[لم أجده في مظانه، وهذا القول هو قول مقاتل، وانظر: "زاد المسير" 4/ 198، الرازي 18/ 109، البغوي 4/ 225، القرطبي 9/ 158.]]: اسمها زليخة، وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 175، ابن أبي حاتم 7/ 2117 ب، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 19، والثعلبي 7/ 69 أ، و"زاد المسير" 4/ 198.]]: اسمها راعيل.
وقوله تعالى: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أكرمي منزله ومقامه عندك، من قولك: ثويت بالمكان، إذا أقمت به، ومصدره الثواء، يقال: ثوى يثوي [[في (ج): (يثوى ثواء) وهو الصحيح كما في "تهذيب اللغة" 1/ 510.]] ثوًا. قال ابن عباس [[انظر: البغوي 4/ 225، و"زاد المسير" 4/ 198، والقرطبي 9/ 159.]]: يريد أكرميه ما كان عندك.
نحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 98.]] المعنى: أحسني إليه في طول مقامه عندنا، فالمثوى على هذا بمنزلة الظرف، كأنه قيل: أحسني إليه مدة مقامه عندنا، والمثوى على هذا مصدر، ومن المفسرين من يجعل المثوى الموضع الذي يقيم فيه، وهو قول قتادة [[الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.]] وابن جريج [[الطبري 12/ 175، الثعلبي 7/ 69 أ.]]، وعلى هذا أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه، دون إكرام نفسه فقط، ومعنى الإكرام، إعطاء المراد على جهة الإعظام.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ أي يكفينا -إذا بلغ وفهم الأمور [[هذه عبارة الثعلبي 7/ 69 أ.]] - بعض شؤوننا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 160، ابن عطية 7/ 468.]]: [وكان لا يولد له وكان حَصُورًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148، و "زاد المسير" 4/ 198.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] يريد ملكناه في أرض مصر، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.]]: أي: ومثل الذي وصفنا مكنا ليوسف في الأرض. وعلى هذا وجه التشبيه في ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا﴾ أنه شبه التمكين له في الأرض بالتوفيق للأسباب التي صار بها إلى ما صار بالنجاة من الهلاك، والإخراج من البئر، يعني: وكما أنجيناه من إخوته حين هموا بقتله وإهلاكه، وأخرجناه من ظلمة البئر، مكنا له في الأرض حتى بلغ ما بلغ، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 148.]] والمفسرون [[الطبري 12/ 176، البغوي 2/ 417، الرازي 18/ 109، "زاد المسير" 4/ 198، الثعلبي 7/ 69 ب.]]: يعني أرض مصر.
وقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ اختلفوا في هذه الواو، فقال أكثرهم [[انظر: "زاد المسير" 4/ 198.]]: إنها مستأنفة وخبرها مضمر على تقدير: ولنعلمه من تأويل الأحاديث فعلنا ذلك، أو مكنا له في الأرض، كقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا} [الصافات: 6، 7] أي: وحفظًا زيناها، وعند الكوفيين يجوز أن يكون الواو مقحمة.
وقال بعضهم: هي عاطفة على معنى الكلام المتقدم بتقدير: دبرنا ذلك لنمكنه في الأرض ولنعلمه. وذكرنا معنى (تأويل الأحاديث) عند قوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس [[البغوي 2/ 226، و"زاد المسير" 14/ 199.]] في رواية عطاء: يريد على ما أراد من قضائه، وعلى هذا الكناية في (أمره) تعود إلى اسم الله تعالى وعز، ونحو هذا قال في رواية الكلبي عن أبي صالح [["تنوير المقباس" ص 148.]] عنه، فالمعنى: أن الله لا يغلبه على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير مانع [[في (أ)، (ج): (صانع).]]، وتفسير مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 152ب، و"زاد المسير" 4/ 199.]] يدل على أن الهاء عائدة على يوسف، والمعنى: والله غالب على أمر يوسف، فلا يبسط عليه يد عدو، ولا يوصل إليه كيد كائد، لما يريد من رفعه وتمكينه وتبليغه منازل آبائه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 191.]]: يريد لا يعلمون غيبي وما أريد بخلقي، وقال غيره [[الطبري 12/ 176، الثعلبي 7/ 70 أ، البغوي 4/ 226.]]: لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وما إليه يوسف صائر، والأكثر هاهنا عبارة عن جميع الناس، لا أحد يعلم ما يأتي في غد، ويجوز أن يقال: إنما قال: (أكثر الناس)؛ لأنه يجوز أن يعلمه من أطلعه الله عليه من نبي أو ولي، والأولى أن يقال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن قدر الله غالب، وأن مشيئته نافذة في المرادات.
12:22Page 237
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢
And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 305.]]: [العرب تقول: بلغ فلانٌ أشُدَّه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] إذا انتهى منتهاه في شبا [[في (ب): (شأنه) قلت لعلها شبابه، وهو كذلك في "مجاز القرآن" 1/ 305.]] وقوته، قبل أن يأخذ في النقصان، ليس له واحد من لفظه، يستغنون بها في الواحد والجميع، قالوا: بلغ أشده وبلغوا أشدهم، وقال يونس [["تهذيب اللغة" (شُد) 2/ 1843 عن الفراء.]]: واحدها شُد، مثل قولهم: فلان ودي، والجميع أودي، وأنشد للنابغة [["ديوانه" ص 35، و"اللسان" (ودد) 8/ 4794، و"تهذيب اللغة" 4/ 3858، و"جمهرة اللغة" (115)، و"تاج العروس" (ودد) 5/ 306، وروى بلفظ (خبره).]]:
إني كأني لَدَى النُّعْمَان حَدّثَه ... بَعْضُ الأوُدِّ حَدِيثاً غَيْرَ مَكْذُوبِ
وقد ذكرنا الكلام في الأشد مستقصى في سورة الأنعام عند قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [[الأنعام (152) وقد نقل هناك عن جماعة من أهل اللغة في بيان معنى الأشد، خلاصة ما ذكروه أنه بمعنى القوة والجلادة، ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.]].
وأما التفسير: فروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس [[الطبري 12/ 177 قال: بضعًا وثلاثين. وقد أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي حاتم 7/ 2118 أ، وابن الأنباري في كتاب: "الأضداد" والطبراني في "الأوسط" وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 20، والرازي 18/ 110، و"زاد المسير" 4/ 200.]]: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.
وروى عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس [[هذه الرواية ذكرها الطبري بلفظ بضعًا وثلاثين سنة 12/ 177.]] ثلاثين سنة، ومجاهد [[الطبري 12/ 177، "زاد المسير" 4/ 200، الثعلبي 7/ 70 ب، البغوي 4/ 226 ابن أبي حاتم 7/ 2118.]] يقول في رواية ابن أبي نجيح: ثلاثًا وثلاثين سنة، وقال في رواية عطاء. يريد الحلم [["زاد المسير" 4/ 200 ونسبه إلى الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه، وكذا ابن أبي حاتم 7/ 2119 عنهم.]].
وقال الضحاك [[الطبري 12/ 177، الثعلبي 7/ 70 ب، "زاد المسير" 4/ 200، البغوي 4/ 226.]]: عشرين سنة، وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 152ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2119 عن سعيد بن جبير.]]: ثمان عشرة سنة، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 99.]]: الأشد من نحو سبعة عشر [[كذا في النسخ والصواب: سبع عشرة.]] سنة إلى نحو الأربعين.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقال في قصة موسى ﴿وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] قالوا في معناه: بلغ الأربعين، ولم يقل هاهنا استوى؛ لأن موسى بلغ أربعين سنة حين أوحى إليه وهو منتهى الأشد، فأما يوسف فقد أوحى إليه قبل الأربعين، وأما تفسير قوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فقال عطاء عن ابن عباس [[أخرجه الطبري وابن أبي حاتم 7/ 2119 عن مجاهد بنحوه انظر: "الدر" 4/ 20، الثعلبي 7/ 70 ب.]]: يريد عقلاً وفهمًا.
وقال الكلبي [[القرطبي 9/ 162، و"زاد المسير" 4/ 200.]]: والحكم النبوة، والعلم علم الدين، وعلى هذا القول يجب أن يحمل الأشد هاهنا على دون العشرين؛ لأن العلماء على أن يوسف أعطى النبوة وأوحي إليه في البئر، ومن فسر الأشد بثلاث وثلاثين سنة قال: معناه أنه لما بلغ هذه السن زدناه علمًا وفهمًا بعد النبوة.
قال ابن الأنباري [[الرازي 18/ 111.]]: قال اللغويون الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها ومنعها مما يشينها [[في (ج): (لا تشتهي).]]. فجائز أن يعني بهما النبوة، وممكن أن يعبرا عن العقل والفهم؛ لأن كل واحد من الثلاثة يحبس النفس على رشدها ويبعدها عن غيها.
وقال أبو إسحاق [["معاني القرن وإعرابه" 3/ 99.]] في قوله ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا، الحكيم: العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهل فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل ما وصفنا من تعليم يوسف ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس [[أخرج الطبري عن ابن عباس قوله ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾ في: "الدر" 4/ 20، و"زاد المسير" 4/ 201.]]: يريد نفعل بالموحدين، وقال أبو روق عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 70 ب، القرطبي 9/ 162.]]: يعني: الصابرين عن النوائب، كما صبر يوسف.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences