Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:88–97
12:88Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ قال أهل اللغة [[انظر: الطبري 13/ 49، الثعلبي 7/ 106 أ، البغوي 4/ 271، ابن عطية 8/ 60، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 252.]]: التأويل في الكلام متروك يستدل عليه، والتقدير: فخرجوا إلى مصر فلما دخلوا عليه، أي: على يوسف ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ أي: أصابنا ومن يختص بنا الجوع والحاجة، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزجَنةٍ} معني الإزجاء في اللغة [["تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511، و"اللسان" (زجا) 3/ 1815.]]: السَّوْق [[في (ب): (السرق).]] والدفع قليلاً قليلا، ومثله: التزجية، يقال: الريح يزجي السحاب، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: 43]، والبقرة تُزَجّى ولدها: اى تسوقه، قال
وأمّ عَيْنَاء تُزَجِّي معها إِزْجَاء [[من الرجز، ولم أقف عليه.]]
وزجيت فلانًا، بالقول أي [[(أي) ساقط من (ب).]]: دافعته.
وقال [[البيان من الرجز، وهما بلا نسبة في تهذيب (زاج) 2/ 1511، "واللسان" (زجا) 3/ 1815 برواية (داجيته).]]:
وصَاحِبٍ ذِي غِمْرةٍ زاجَيْتُه ... زَجَّيْتُه بالقَوْلِ وازدَجَيْته
وفلان يزجِّي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي به، يقال [["تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1511.]]: زاجيت أيامي وزجّيتها أي: دافعتها بقوت قليل، وفلان يتزَجَّى باليسير، أي: يقنع، وأنشد الليث [[الرجز بلا نسبة وهو كما يلي:
تزج من دنياك بالبلاغ
وباكر المعدة بالدِّباغ
بكسرة جيِّدة المضاغ
بالملح أو ما خف من صباغ
وهو في "اللسان" (زجا) 3/ 1815، (بلغ) 1/ 346، (صبغ) 4/ 2395، و"تاج العروس" (بلغ) 12/ 8، (صبغ) 12/ 40، (وضع) 11/ 516، وأساس البلاغة (زجى).]]:
تَزَجَّ من دُنْيَاكَ بالبَلَاغِ بكسْرَةٍ لينةِ المِضَاغِ
بالمِلْحِ أو ما جَفَّ في الصِّبَاغِ
هذا معنى الإزجاء في اللغة، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 50، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 أ، و"زاد المسير" 4/ 278، والقرطبي 9/ 253.]]: كانت دراهم رديئة زيوفًا لا تنفق في ثمن الطعام، هذا قوله في رواية عكرمة وباذان، وفسر في رواية عطاء كيف كانت الدراهم فقال [[القرطبي 9/ 253، الرازى 18/ 201.]]: وذلك أن دراهم مصر كانت يضرب فيها صورة يوسف، والتي جاءوا بها ليست فيها صورة يوسف، فهي أدنى لا تجوز مجاز تلك، وهذا قول سعيد بن جبير [[ذكره الطبري 13/ 51 بسنده عن سعيد بن جبير وعكرمة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ قال سعيد ناقصة، وقال عكرمة: دراهم فسول، وانظر الطبري 13/ 51، وابن أبي حاتم 7/ 2192.]]: أنها كانت دراهم فُسُولا، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]]: قال قدموا مصر ببضاعة فباعوها بدراهم لا تنفق في الطعام بسعر الجياد.
وروى سعيد عن قتادة [[الطبري 13/ 52، عبد الرزاق 2/ 328.]]: ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاة﴾ قال يسيرة، وقال عبد الله بن الحارث [[الطبري 13/ 52.]]: قليلة، وهو قول الحسن [[الطبري 13/ 52، وابن عطية 8/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2192، و"البحر" 5/ 340، الرازى 18/ 201.]] والكلبي [[البغوي 4/ 272 من غير عزو.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 52، و"زاد المسير" 4/ 277.]] في رواية عبد الوهاب، وابن عباس [[البخاري "فتح" 8/ 208.]] في رواية ابن جريج، عن محمد بن المرتفع قال: قليلة خلف الغرارة [[الغرارة: الجُوَالق، واحدة الغرائر. "تهذيب اللغة" 3/ 2651، و"اللسان" 6/ 3236.]] والحبل، ونحو هذا قال إبراهيم [[الطبري 13/ 53.]] وابن زيد [[الطبري 13/ 53.]].
ثم اختلفوا في هذه البضاعة الرديئة القليلة أيش كانت، وذكرنا قول ابن عباس فيها في رواية ابن جريج ومثله روى عنه ابن أبي مليكة [[الطبري 13/ 50، وعبد الرزاق 2/ 328، وسعيد بن منصور وابن أي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 64، والثعلبي 7/ 106 أ.]] وهو قول ابن زيد.
وقال الحسن [[الثعلبي 7/ 106 ب، و"زاد المسير" 4/ 277.]]: كانت إقطًا، وقال عبد الله بن الحارث [[الطبرى 13/ 51، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 62، والثعلبي 7/ 106 أ، وابن عطية 8/ 62، و"زاد المسير" 4/ 277.]]: السمن والصوف كمتاع الأعراب، وقال جويبر عن الضحاك [[الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 277، القرطبي 9/ 253.]]: النعال والأدم.
وقال مقاتل بن حيان [[الثعلبى 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272.]]: حبة الخضراء [[الحبة الخضراء هي الفستق، و"البحر المحيط" 5/ 340.]]، والضوبر، وهو قول الكلبي [[الطبري 13/ 51 عن أبي صالح، ابن أبي حاتم 7/ 2191، وأبو الشيخ عنه أيضًا كما في "الدر" 4/ 62، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، "تنوير المقباس" ص 153.]].
واختلف أهل المعاني: لِمَ سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة؟ فقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 127.]]: من قولهم: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفى به، والمعنى على هذا: أنا جئنا ببضاعة إنما يُدافع بها ويتقوت ليست مما يتسع به، وعلى ما ذكر يجب أن يكون التقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام.
وقال أبو عبيد [[الرازي 18/ 201، و"زاد المسير" 4/ 278، ونسبه إلى أبي عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".]]: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة؛ لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها، قال: وهي من الإزجاء، والإزجاء عند العرب: السَّوْق والدَّفْع، وأنشد [[نسبه الطبري 13/ 50 إلى حاتم، وعلق محمود شاكر بقوله: ليس في ديوانه، وأنشده ابن بري غير منسوب "اللسان" (رمل) 3/ 1735، والظاهر أن الشعر لحاتم؛ لأن (ملحان) هوابن عمه -ملحان بن حارثة بن سعد بن الحشرج الطائي- وكنت وقفت على أبيات من هذا الشعر، ثم أضعتها اليوم.
انظر: "ديوانه" 86، و"الزاهر" 2/ 97، و"السان" (رمل) 3/ 1735، وابن عطية 8/ 61، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 550، و"زاد المسير" 4/ 278.]]:
ليَبْكِ على مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَعٌ ... وأرْمَلة تُزْجِي مع اللَّيلِ أرْمَلا
أي: تدفع وتسوق، وقال غيره [[الرازي 18/ 202، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 456.]] (بضاعة مزجاة) مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق، لا ينفق [[(لا ينفق) ساقط من (أ)، (ج).]] مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها، لفقد غيرها مما هو أجود منها.
وقال الكلبي [[و [[في (أ)، (ج): (لا يدرون).]] و [[الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، الرازي 18/ 202.]] الرازى 18/ 202.]]: مزجاة لغة العجم.
قال الهيثم بن عدي (¬2): هي من لغة القبط.
قال الأنباري (¬3): لا ينبغي أن يجعل حرف عربي معروف المباني والاشتقاق والتصرف منسوبًا إلى القبط ودونهم؛ إذ كلام أولئك يدور [[الطبري 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 8/ 63.]] على ألسنة العرب، ولا يتصرف على مباني كلامهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 278.]]: سألوه مساهلتهم في النقد وإعطائهم بدراهمهم مثل ما يعطى بغيرها من الجياد، إذ كانوا قد باعوا بها متاعهم في مدينته، فسألوه أن يأخذها منهم ولا ينقصهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أكثر المفسرين [[الطبرى 13/ 53، الثعلبي 7/ 106 ب، ابن عطية 8/ 63، البغوي 4/ 272، "زاد المسير" 4/ 279، القرطبي 9/ 254.]] على أن هذا التصدق معناه: المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد، وعلى هذا سمي ذلك تصدقًا؛ لأن الذي سألوه كان مُشْبهًا للتصدق، وليس هو تصدقًا على ما يسبق إليه الظن، قاله أبو بكر (¬7)، وعلى هذا لا تدل الآية على أن الصدقة كانت تحل لهم، واستدل سفيان بن عيينة (¬8) على أن الصدقة كانت حلًّا للأنبياء قبل نبينا محمد عليه السلام بهذه الآية، وعلى قول سفيان: سألوه أن يتصدق عليهم بشيء زيادة على ما يستحقونه ببضاعتهم المزجاة، وقول العامة: أشبه بحال الأنبياء وأولاد الأنبياء؛ إذ هم يأنفون عن الخضوع للمخلوقين، ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغناء بأقسامه [[قلت: وهذا هو الراجح أنهم لم يقصدوا الصدقة التي حُرمت على الأنبياء قال ابن عطية 8/ 63 عن قول سفيان: وهذا ضعيف يرده حديث النبي ﷺ في قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة". وانظر: الرازي 18/ 202.]]، وروي عن الحسن [[الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، القرطبي 9/ 255، الرازي 18/ 202.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 54، وأبو عبيد وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 62، الرازي 18/ 202.]]: أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليّ؛ لأن الصدقة ممن يبتغي الثواب. والتصدق إعطاء الصدقة، فالمتصدق المعطي، وأجاز الليث [[الرازي 18/ 202، وانظر: "تهذيب اللغة" (صدق) 2/ 1991.]] أن يقال: للسائل متصدق، وأبى ذلك أهل اللغة [["تهذيب اللغة" 2/ 1991 (صدق).]].
12:89Page 246
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 107 أ، البغوي 4/ 271 عن عبد الله بن زيد بن أبي فروة، "زاد المسير" 4/ 279.]]: كان يعقوب قد كتب إلى يوسف كتابًا برد ابنه عليه لما حبسه عنده بعلة السَّرق، وذكر فيه قصته ومحبتهن، فلما قرأ الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعر جلده، ولسان قلبه، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، ولم يتمالك نفسه فباح بما كان يكتم.
وقال السدي [[الطبري 13/ 54.]] وابن إسحاق [[الطبري 13/ 54، الثعلبي 7/ 106 ب، البغوي 4/ 272، ابن عطية 7/ 65، "زاد المسير" 4/ 279.]]: لما قالوا له ما قالوا في الآية الأولى، رحمهم وأدركته الرقة فدمعت عينه فقال لهم: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ} وهذا استفهام يتضمن التذكير بحال يقتضي توبيخهم عليه، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 279، و"الدر المصون" 6/ 551.]]: هذا الاستفهام يعني به تعظيم القصة، وتلخيصه: ما أعظم ما ارتكبتم من يوسف، وما أسمج ما أتيتم من قطيعة رحمه وتضييع حقه، كما تقول: هل تدري من عصيت؟ هل تعرف من عاديت؟ قال صاحب النظم: هذه الآية تصديق قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ في غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: 15].
وقوله تعالى: ﴿وَأَخِيهِ﴾ يعني: ما فعلوا به من تعريضه للغم وإدخالهم الجزع والحزن عليه بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، ولم يذكر أباه يعقوب مع عظيم ما دخل عليه من الهم بفراقه، كما ذكر أخاه، تعظيمًا للأب ورفعًا من قدره، وعلمًا بأن ذلك كان بلاءً من الله له ليزيد في درجته عنده.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ قال ابن عباس: آثمون، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 280.]]: أراد أنتم تعقون أباكم، وتقطعون رحم أخيكم، جهلًا منكم، وروي عنه [["زاد المسير" 4/ 280، القرطبي 9/ 256، الثعلبي 7/ 107 ب.]]: إذ أنتم صبيان، وعن الحسن [[القرطبي 9/ 256، الثعلبي 7/ 107 ب.]]: شبان، وعلى هذا يعني جهالة الصِّبا والشباب [[في (أ)، (ج): (والشباب).]].
وقال أهل المعاني: هذا يقتضي أنهم الآن على خلاف تلك الحال، لأنه أخبر عما كانوا عليه في ذلك الوقت من الجهالة.
12:90Page 246
قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠
They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."
قول تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأه أكثر [[قرأ جميع القراء بالاستفهام، غير ابن كثير فقرأ: (إنك لأنت يوسف) على الخير، واختلفوا في الهمز، فكان حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر يهمزون همزتين (أئنك) والباقون يهمزون همزة واحدة.
انظر: "السبعة" ص 351، "إتحاف" ص 267، الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66.]] القراء بالاستفهام، في قراءة [[الطبري 13/ 55، ابن عطية 8/ 66، و"البحر" 5/ 342، و"المحتسب" 1/ 349.]] أبي: أو أنت يوسف، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281، البغوي 4/ 273، القرطبي 9/ 256.]]: أن يوسف قال لهم: (هل علمتم) الآية، ثم تبسم فلما أبصروا ثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف فقالوا له استفهامًا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ ويدل على صحة الاستفهام قوله تعالى: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ وإنما أجابهم عما استفهموا عنه، وقرأ ابن كثير: إنك على الخبر، وحجته ما روى عطاء عن ابن عباس (¬3): أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان له في قرنه علامة، وكان ليعقوب وإسحاق مثلها شبه الشامة، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة، فقالوا: إنك لأنت يوسف، (وقال ابن إسحاق [[الطبري 13/ 55، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: رفع الحجاب فعرفوه فقالوا: إنك لأنت يوسف) [[ما بين القوسين مكرر في (أ).]]، ويجوز [[من هنا يبدأ النقل عن كتاب "الحجة" 4/ 447.]] أن يكون ابن كثير أراد: الاستفهام ثم حذفه، كما قال أبو الحسن في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [["الشعراء" 22.]] أنه على الاستفهام كأنه أو تلك؛ لأن حرف الاستفهام قلَّ ما يحذف [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 447.]] في غير الشعر.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 281.]]: أظهر الاسم وترك الكناية، فلم يقل: أنا هو، تعظيمًا لما وقع به من ظلم إخوته وما عوضه الله من الظفر وبلوغ المحبّة، فكان بمعنى: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله، فكفى ظهور الاسم من [[في (أ)، (ج): (وهذه).]] هذه المعاني ولهذا قال: وهذا أخي، وهم يعرفونه؛ لأن قصده وهذا المظلوم كظلمي، والمنعم عليه كإنعامي، وقد ذكرنا قبل هذا أن العرب إذا عظمت الشيء أعادته ولم تُكَنَّ عنه كقوله [[سبق تخريجه.]]:
لا أَرَى المَوْتَ يسبق المَوْت شَيء
وقوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا﴾ قال ابن عباس [[الرازي 18/ 204، و"زاد المسير" 4/ 280.]]: يريد بكل خير في الدنيا والآخرة، وقال آخرون [[الثعلبي 7/ 108 أ، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: بالجمع بيننا بعد التفرقة، وذكرنا معنى المن عند قوله: ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: 262].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282، القرطبي 9/ 256.]]: يريد: من يتق الله ويصبر على المصائب وعن المعاصي، قال ابن الأنباري: تلخيصه: من يراقب الله ويصبر على الأذى في ذاته، وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 157 أ.]]: من يَتَّقِ الزنا ويصبر على الأذى، وقال إبراهيم [[الثعلبي 7/ 108أ، و"زاد المسير" 4/ 281.]]: من يتق الزنا ويصبر على العزوبة فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282.]]: يريد أجر من كان هذا حاله، وتأويله: فإن الله لا يضيع أجره وأجور الفاعلين مثل فعله، وروي عن ابن كثير في طريق قنبل [[انظر: "السبعة" ص 351، و"إتحاف" 267، وابن عطية 8/ 67.]]: أن (من يتقي) بإثبات الياء.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.]]: وله وجهان أحدهما: أن تقدر الحركة في الياء، ثم تحذفها، فتبقى ساكنة للجزم كقوله [[سبق تخريجه.]]:
ألَمْ يَأتِك والأنْبَاءُ تَنْمِي
ولا يحمل على هذا لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام، والآخر: أن يجعل بمنزلة الذي لا يوجب الجزم، ويحمل المعطوف على المعنى؛ لأن الذي يتقي بمعنى الجزاء الجازم كأنه من يتق، والحمل على المعنى كثير، وقد ذكرنا نظائره، ويجوز على هذا الوجه أن يكون: (ويصبر) في موضع الرفع إلا أنه حذفت الضمة للاستحقاق كما حذف نحو: عَضُد وسجُع، وجاز هذا في حركة الإعراب جوازه في حركة البناء، كما زعم أبو الحسن أنه سمع: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ [[بإسكان اللام من (رسلنا) وقرأ بها حمزة ويعقوب، و"إتحاف" ص 387، و"البدور الزاهرة" 351.]] [الزخرف: 85]، وكقراءة من قرأ: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [[قرأ حفص بإسكان القاف وكسر الهاء، انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 503.]] [النور: 52] بجزم القاف [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 448 - 449 بتصرف.]]، وذكر ابن الأنباري وجهًا آخر وهو: أن الياء في (يتقي) ليست لام الفعل، بل هي ياء مزيدة مختلسة تدغم بها كسرة القاف، ونظير هذه القراءة قراءة حمزة [[انظر: "الغاية" لابن مهران 258، و"السبعة" ص 421، و"التيسير" / 152، و"النشر" 3/ 184، و"إتحاف" ص 306.]] ﴿لا تَخَفْ دركا﴾ بالجزم و ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] بالرفع، وهناك تشرح المسألة إن شاء الله.
12:91Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١
They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الأصمعي [[كذا في جميع النسخ ولعل (قال) ساقطة. انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 120.]]: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وفلان أثير عند [[في (أ)، (ب)، (ج): (عندنا) بزيادة (نا)، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 120.]] فلان وذو أثره، إذا كان خاصًا به، قال الليث: وهو الذي يؤثره بفضله وصلته.
قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 257، "زاد المسير" 4/ 284، بدون نسبة كما في البغوي 4/ 274.]]: لقد فضلك الله علينا.
قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 108 أ، الرازي 18/ 204.]]: أي بالعلم والحلم والعقل والفضل والحسن والملك، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 282، القرطبي 9/ 257، الثعلبى 7/ 108 أ.]]: لمذنبين، وقال غيره: لآثمين في أمرك، والمعنى: وما كنا إلا خاطئين.
وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 282.]]: ويجوز أن يكون (خاطئين) بمعنى: مخطئين، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]، وأنشد [[صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه:
القاتلين الملك الحلاحلا
والحلاحل: القوي الشديد، و"الديوان" / 136، و"مجاز القرآن" 1/ 318، وفي "الشعر والشعراء" ص 51، و"اللسان" (حلل) 2/ 979، و"تهذيب اللغة" (حلل) 1/ 906 نفسي بدل هند.]]:
يالَهْفَ هند إذْ خَطِئْنَ كاهِلا
بمعنى: أخطأن، وذكرنا الكلام في: خطئ وأخطأ، عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81]، وقوله: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقر ة: 286].
12:92Page 246
قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢
He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.
قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ الآية، روى ثعلب عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476، و"اللسان" (ثرب) 1/ 475.]]: الثارب الموبخ، يقال: ثرب، وثرّب، وأثرب إذا وبخ.
ومنه الحديث [[الحديث أخرجه البخاري (2152) كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر" وبلفظ "ولا يثرب عليها" (ح 2233) كتاب البيوع، باب: بيع الرقيق، وأطرافه في (ح 2234، 2555، 6837، 6839)، وأخرجه مسلم (ح 1703) كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة، في الزَّنا، وأحمد في "مسنده" 2/ 249.]]: "إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها" أي: ولا يعيرها بالزنا، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]: معناه: لا إفساد عليكم، وقال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 318. والسياق يوهم أن البيت أورده أبو عبيدة، ولم أجده في "مجاز القرآن".]]: معناه: لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد، وأنشد [[القائل بشر بن أبي خازم وهو في ملحق "ديوانه" ص 229 برواية عجزه:
أولى لهم بعقاب يوم سرمد
أوله في "اللسان" (ثرب) 1/ 475، ونسب لتبع في "اللسان" (ولى) 8/ 4924، وكتاب "العين" 7/ 219، و"أساس البلاغة" (ثرب) / 44، وقيل هو لتبع.]]: فَعَفَوْتُ عنهم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبِ ... وتركْتُهُم لعِقَابِ يومٍ سَرْمدِ
وروى ابن الأنباري عن أبي العباس [["تهذيب اللغة" (ثرب) 1/ 476.]]: ثرب فلان على فلان، إذا عَدَّد عليه ذنوبه.
قال ابن عباس: يريد لا لوم عليكم، وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 13/ 56.]]: لا [[(لا): ساقط من (ب).]] تأنيبَ عليكم، وقال سفيان [[الطبري 13/ 56.]]: لا تعيير عليكم.
وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 153، و"زاد المسير" 4/ 282.]]: يقول لا أعيركم بعد اليوم بهذا أبدًا.
فإن قيل: لِمَ خص اليوم ونيته العفو وترك التوبيخ أبدًا؟.
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 282 بنحوه.]]: إن يوسف لما قدم توبيخهم، وعدَّدَ عليهم قبيح ما فعلوا، وهو يستر عنهم نفسه، قال لهم عند تبين أمره لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: قد إنقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب، فكان ذكر اليوم دلالة على انقطاع التأنيب، وعلى أن ما بعده من الأيام يجري مجراه، واليوم قد يذكر ويراد به: الحين والزمان، كقول امرئ القيس:
فاليوم أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِب ... إثمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ
ليس يريد يومًا بعينه، قال [[أي أبو بكر.]]: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ألبتة ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فتعلق اليوم بالغفران وتناول: غفر الله لكم اليوم، قال: وفيه ضعف، إذ الدعاء لا ينصب قبله، وهو على ما فيه محتمل، من قبل أن لفظ (يغفر) لفظ الخبر إذ عرى من الجزم وعوامله فينصرف منصوبه عليه كما ينصرف على الأفعال المرفوعة في الأخبار، وهذا الذي ذكره أبو بكر مذهب الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 593.]]، فإن عنده يجوز الوقف على قوله: ﴿عَلَيْكُمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 283.]]: جعلهم في كل حل، وسأل الله لهم المغفرة، وأخبر أن الله أرحم بأوليائه من الوالدين بولدهما.
12:93Page 246
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣
Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."
قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ الآية، قال المفسرون [[الطبري 13/ 57، الثعلبي 7/ 108 ب، البغوي 4/ 274، "زاد المسير" 4/ 283.]]: لما عرفهم يوسف نفسه، سألهم عن أبيه فقال: ما فعل أبي بعدي؟ فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه، فقال لهم: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾.
وكان من شأن ذلك القميص ما أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن بن أبي حامد العدل [[لم أجده بهذه الكنية وفي "الوسيط" 2/ 361، ذكره باسمه أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر، فلعل المراد به محمد بن أحمد بن جعفر، أبو حسان الزكي، شيخ التزكية والحشمة بنيسابور، ثقة مشهور بالفضل كان فقيهًا صالحاً خيرًا، حدث عن محمد بن إسحاق المنبعي، وابن نجيد، والطبقة مات سنة 423 هـ، وسبق من شيوخه "السير" 17/ 596، انظر: "شذرات الذهب" 3/ 250، و"المنتخب" / 34.]] رحمه الله، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه [[هو زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي، الفقيه المقرئ، المحدث، إمام من الأئمة، قال الحاكم: شيخ عمر بخرسان، توفي سنة 389 هـ، انظر: "وفيات الأعيان" 3/ 293، و"العبر" 3/ 43، و"اللباب" 3/ 285.]]، أخبرنا أبو لبابة محمد بن المهدي [[هو أبو لبابة محمد بن المهدي بن عد الرحيم الميهني الأبيوردي، روى عن عمار بن الحسن كتاب المغازي، انظر: "تهذيب الكمال" 21/ 186.]]، حدثنا عمار بن الحسن [[هو عمار بن الحسن بن بشير الهمداني، أبو الحسن الرازي، نزيل نسأ، ثقة وثقه النسائي وغيره مولده 159 هـ، وتوفي 242 هـ؛ انظر: "تهذيب الكمال" 21/ 186، و"الثقات" لابن حبان 8/ 517.]]، حدثنا شجاع بن أبي نصر [[شجاع بن أبي نصر البلخي، أبو نعيم المقرئ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا شجاع بن أبي نصر، وكان صدوقًا مأمونًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، انظر: "التهذيب" 2/ 153.]]، عن عباد بن كثير [[عباد بن كثير الثقفي، البصري العابد، نزيل مكة، وروى عن يحيى بن أبي كثير، وثابت وأبي عمران الجوني وعنه إبراهيم بن أدهم وأبو نعيم، قال البخاري تركوه، وقال ابن معين: ليس بشيء.
انظر: "التهذيب" 2/ 280 - 281، و"ميزان الاعتدال" 3/ 85 - 89، و"السير" 7/ 106.]] عن إسحاق [[إسحاق بن عبد الله بن صاحب رسول الله ﷺ أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي، البخاري المدني الفقيه، أحد الثقات، سمع من عمه أنس بن مالك وغيره. كان مالك يثني عليه، ولا يقدم عليه أحدًا، توفي سنة 132 هـ، وقيل 134 هـ روى له الجماعة.
انظر: "التهذيب" 1/ 122 - 123، وثقات ابن حبان 4/ 23، و"السير" 6/ 336 فالحديث منكر لوجود عباد بن كثير في إسناده.]] بن عبد الله بن أبي طحة، عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "أما قوله ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾، فإن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده علي الطنفسة وقعد معه يحدثه، فكسا إبراهيم ذلك القميص إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه، وألقي في الجب والقميص في عنقه"، فذلك قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية [[قال القرطبي 9/ 259: ذكره القشيري.]].
ونحو هذا قال عامة المفسرين، قال ابن عباس [[أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس نحوه كما في "الدر" 4/ 65، وأخرج ابن أبي حاتم 7/ 2196، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب نحوه كما في "الدر" 4/ 65، وفي إسناده الحسن بن يحيى الخشني وهو ضعيف.]]: أخرجه لهم قصبة من فضة كانت في عنقه لم يعلم بها إخوته فيها قميص، وهو الذي نزل به جبريل من الجنة على إبراهيم، وذكر القصة، وقال مجاهد [[الثعلبي 7/ 109 أ، البغوي 4/ 275، القرطبي 9/ 258.]]: أمره جبريل أن أرسل إليه بقميصك، فإن ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا صح وعوفي، وقال الحسن [[القرطبي 9/ 259.]]: لولا أن الله أعلمه لم يدر أنه يرجع إليه بصره.
قال أهل المعاني [[نسبه الرازي 18/ 206 للمحققين، ولم أعثر عليه في كتب المعاني المتداولة.]]: ويجوز أن يكون قد أوحي إليه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يكون سببًا لإبصاره، وزوال العمى عن عينه، فأرسل إليه بقميص له، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قال ابن عباس [[انظر: الرازي 18/ 206، ذكره بدون نسبه كما في البغوي 4/ 274.]]: يريد بصيرًا ويذهب البياض الذي على عينيه، وقال السدي [[الطبري 13/ 57.]]: يعد بصيرًا، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]]: يرجع بصيرًا، وقيل [[الثعلبي 7/ 109أ.]]: أراد يأتني بصيرًا، وكان قد دعاه: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال الكلبي [[الرازي 18/ 207، و"زاد المسير" 4/ 283.]]: وكان أهله نحوًا من سبعين إنسانًا، وقال مسروق [[الرازي 18/ 207، القرطبي 9/ 259.]]: دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة.
12:94Page 246
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤
And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (فصل) 3/ 2795.]]: يقال. فصل فلان من عند فلان فصولاً، إذا خرج من عنده، وفصل مني إليه كتاب، إذا نفذ، وفصل يكون لازمًا وواقعًا، فإذا كان واقعًا فمصدره الفصل، وإذا كان لازمًا فمصدره الفصول، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 109 أ، "زاد المسير" 4/ 284، القرطبي 9/ 259، الرازي 18/ 207.]]: لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال أبوهم لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده؛ لأن ولده كانوا غيبًا عنه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 57، عبد الرزاق 2/ 329، والفريابي، وأحمد في "الزهد"، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2197، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 66، الثعلبي 7/ 109 ب، القرطبي 9/ 259.]] في رواية بن أبي الهذيل [[هو: عبد الله بن أبي الهذيل الكوفي أبو المغيرة، مات في ولاية خالد القسري على العراق.
انظر: "تقريب التهذيب" ص 327 (3679)، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170.]]: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب، وبينهما مسيرة ثمان ليال.
وعن الحسن [[أخرج ابن أبي حاتم 7/ 2197، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 66، القرطبي 9/ 259 عن الحسن.]] قال: وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة عشرة أيام، وقال قتادة [[الطبري 13/ 58، وأخرجه ابن أي حاتم 7/ 2197 عن ابن عباس.]]: ذكر لنا أنه كان بينهما ثمانون فرسخًا.
وذكر مجاهد [[الثعلبي 7/ 109 أ، "زاد المسير" 4/ 284، البغوي 4/ 275.]] السبب في ذلك فقال: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص فمن ثم قال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقال أهل المعاني: إن الله تعالى أوجده ريح يوسف عند تقضّي الامتحان، ومجيء الروح والفرج من المكان النازح، ومنعه ذلك على القرب منه حين ألقي في الجب، وبيع من مالك بن ذعر، للمحنة والبلية التي جعلت سببًا لكمال أجره، ومعنى: (أجد ريح يوسف): أشم، وعبر عنه بالوجود؛ لأنه وجود بحاسة الأنف.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري [[انظر: "الزاهر" 1/ 514، الرازي 18/ 166.]]: أفند الرجل إذا خرّف وتغير عقله، وأفند [[في (ب): (أنفد).]] إذا جهل، ونسب إلى ذلك، الليث [["تهذيب اللغة" (فند): 3/ 2837، وهو هكذا في جميع النسخ من غير (قال) فلعلها ساقطة.]]: الفند إنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند.
وروى أبو عبيد عن الأصمعي [["تهذيب اللغة" (فند) 3/ 2837، و"الغريب المصنف" /378.]]: إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفْنِدُ، والمُفَنَّد، ابن الأعرابي (5): فنَّد رأيه إذا ضعَّفه، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 55.]] في هذه الآية: لولا أن تكذبوني وتعجزوني وتضعفوني.
وقال أبو عبيد [["مجاز القرآن" 1/ 318.]]: لولا أن تسفهوني، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 128.]]: لولا أن تجهلوني، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 61، وابن أبي حاتم 7/ 2198.]]: لولا أن تكذبون.
وقال مجاهد [[الطبري 13/ 59، وابن أبي حاتم 7/ 2198.]]: لولا أن تسفهوني، وتقولوا: ذهب عقلك.
وقال محمد بن إسحاق [[الطبري 13/ 60.]]: لولا أن تضعفوني، وأصل هذا [[(هذا) ساقط من (ج).]] كله من الفند وهو: السفه والجهل ومنه قول النابغة [[انظر: "ديوانه" ص 12، والقرطبي 9/ 260، و"البحر المحيط" 5/ 340، و"الدر المصون" 6/ 557، و"اللسان" (حدد) 2/ 801، وكتاب "العين" 8/ 49، و"مقاييس اللغة" 2/ 3، و"مجمل اللغة" 2/ 210، و"تهذيب اللغة" 1/ 759، و"تاج العروس" (حدد) 4/ 411.
وقد شبه الشاعر النعمان بسليمان -عليه السلام-، واحددها: احبسها.]]:
إلا سليمانَ إذ قَالَ المَلِيكُ له ... قم في البرية فاحْدُدها عن الفَنَدِ
ولي في نظم هذه الآية نظر بعد.
12:95Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥
They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 153.]] والسدي [["زاد المسير" 4/ 285، وابن أبي حاتم 7/ 2199.]] والمفسرون [[الثعلبي 7/ 110 أ، البغوي 4/ 276.]]: هذا من قول بني بنيه له، قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 157 ب، و"زاد المسير" 4/ 286.]] بن سليمان وغيره: معنى الضلال هاهنا الشقاء، يعنون شقاء الدنيا، وتلخيصه: إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف، واحتج مقاتل بقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 24]: يعنون لفي شقاء في دنيانا، وقال قتادة [[الطبري 13/ 62، الرازي 18/ 208.]] وابن إسحاق [[الطبري 13/ 62، وابن أبي حاتم 4/ 241 ب.]]: في حبك ليوسف ما تنساه ولا تسلاه، وهذا كقول بنيه: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8]، وقد مضى الكلام فيه.
وقال الحسن [[البغوي 4/ 276، القرطبي 9/ 261، الرازي 18/ 208.]]: إنما قالوا له هذا لأنه كان عندهم أن يوسف قد مات، وكان في ولوعه بذكره ذاهبًا عن الصواب في أمره عندهم.
وروي عن قتادة [[الطبري 13/ 62، ابن عطية 9/ 374، ابن أبي هاشم 7/ 2199.]] أنه قال: قالوا كلمة غليظة لم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله -عليه السلام-.
12:96Page 247
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦
And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: (أن) هاهنا لا موضع لها من الإعراب، وهي تزاد مع لمَّا توكيدًا على جهة الصلة [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345.]]، قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 286.]]: دخولها لتوكيد مضي الفعل ولا موضع لها، وسقوطها للاستغناء عنها كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: 74]، والمذهبان جميعًا موجودان في أشعار العرب.
وقال البصريون: موضع (أن) رفع بفعل مضمر تلخيصه: فلما ظهر أن جاء البشير، أي: ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع.
قال ابن عباس [[الطبري 13/ 62، وابن أبي حاتم 7/ 2199، كما في "الدر" 4/ 68، الثعلبي 7/ 110 أ، البغوي 4/ 276، "زاد المسير" 4/ 286، ابن عطية 8/ 76، القرطبي 9/ 261.]] ومجاهد [[الطبري 13/ 63، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2199، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.]] والضحاك [[الطبري 13/ 63، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 68.]] والسدي [[الطبري 13/ 63، والثعلبي 7/ 110 أ، و"زاد المسير" 4/ 286، وابن عطية 8/ 76، وا لقرطبي 9/ 261، وابن أبي حاتم 7/ 2199 - 2200.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 157 ب.]]: البشير هو يهوذا قال: أنا ذهبت بالقميص ملطخًا بالدم فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه كما أحزنته، فألقاه على وجهه.
قال ابن عباس: ألقي القميص على وجه يعقوب فارتد بصيرًا، يريد: انجلى البياض وذهبت الظلمة.
وقال المفسرون [[الثعلبي 7/ 110 أ، "زاد المسير" 4/ 286، الرازي 18/ 209]]: فعاد ورجع بصيرًا، ومعنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها.
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 286.]]: وهذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم: طالت النخلة، والله أطالها.
12:97Page 247
قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧
They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكرنا معناه فيما تقدم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences