Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:8–12
13:8Page 250
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 308، والقرطبي 9/ 285، والبغوي 3/ 297، والرازي 19/ 13.]]: يريد: ذكر أم أنثى، أم واحد أم اثنين أم أكثر [[كذا في النسخ والوسيط والمطبوع 3/ 7، وفي "الوسيط" النسخة المحققة 265: يريد ذكراً أم أنثى واحداً أم اثنين أم أكثر، وهو الصواب، والله أعلم.]]. وقال غيره [["زاد المسير" 4/ 308.]]: الله يعلم في بطن كل حامل، من علقة أو مضغة أو ناقص أو زائد، على اختلافه في جميع أحواله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ الغيض النقصان لازمًا وواقعًا، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: 44]، وضده الازدياد، وهو أيضًا لازم وواقع، وهما واقعان في الآية، ومفعولهما محذوف؛ لأنهما من صلة (ما) والراجع إلى الموصول يحذف كثيراً.
واختلفوا في الذي تغيضه الأرحام وتزداده؛ فقال مجاهد [[الطبري 13/ 109 - 111، وابن أبي حاتم 7/ 2246.]]: هو خروج الدم واستمساكه، فإذا خرج الدم خس الولد، وإذا استمسك الدم تم الولد، وهذا يدل على أن [الحامل] [[في (أ)، (ج): (الجامع مل).]] تحيض فعلى هذا الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، وقال عكرمة [[الطبري 13/ 111.]]: ما رأت من دم على حملها زاد ذلك في حلمها، ونحو هذا رواه عطاء عن ابن عباس [[الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226.]]، فقال: وما تغيض الأرحام، يريد: من الدم عند الحمل، كما ذكرنا من قول مجاهد، والزيادة أن يزيد على تسعة أشهر.
قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 123 أ.]] وأهل العلم: إذا حاضت المرأة على الحبل كان نقصانًا في غذاء الولد، وزيادة في مدة الحمل، حتى إن لها بكل يوم حاضته على حملها يومًا تزداده في طهرها، حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرًا، فإن رأت الدم خمسة أيام وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، وقال أكثر المفسرين: الغيض والزيادة يعودان إلى مدة الحمل، وتلخيصه: ويعلم الوقت الذي تغيضه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر، وما تزداد على ذلك، قاله ابن الأنباري، وهو معنى قول أكثر المفسرين.
قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 358، والقرطبي 9/ 286، وابن أبي حاتم 7/ 2226، 2227، عن الضحاك.]] في رواية الضحاك: وما ينقص من التسعة الأشهر وما يزداد على ذلك، وهو قول عطية [[الطبري 13/ 112.]]، والحسن [[الطبري 13/ 111، و"زاد المسير" 4/ 308، و"تفسير القرآن العزيز" 2/ 295.]]، والضحاك [[الطبري 13/ 111 - 112، و"زاد المسير" 4/ 308.]]، قال: الغيض: النقصان من الأجل، والزيادة: ما تزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لعدة واحدة، ونحو هذا القول روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 156، وانظر: الطبري 13/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 2226]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ق ال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 308.]]: يريد علم كل شيء فقدره تقديرًا بما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
وأما معنى المقدار في اللغة [["تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2897، و"اللسان" (قدر) 6/ 3548.]] قال الليث: المقدار القدر، وأنشد [[البيت بلا نسبة في "اللسان" (قدر) 6/ 3548، و"تاج العروس" (قدر) 7/ 375.]].
لو كانَ خَلْفَكَ أو أمَامَكَ هَائِبًا ... بَشَرًا سِوَاكَ لَهَابَكَ المِقْدَارُ
يعني الموت، وقال: المقدار أيضًا الهنداز [[الهنداز: معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز، ومنه: المُهَندزِ: الذي يقدر مجاري القُني والأبنية، إلا أنهم صيروا الزاي سينًا؛ لأنه ليس في كلام العرب زاي قبلها دال. "اللسان" (هندز) 8/ 4710.]]، وهو ما يقدر به الشيء، فمن الأوّل يقال: الأشياء مقادير، ومن الثاني: يقال: الأشياء بمقادير، يقال: المطر ينزل بمقدار، أي بقدرَ وقدْر، والمقدار بالمعنيين يجوز في الآية؛ لأن كل شيء بقضاء عند الله وقدر، وكل شيء أيضًا عنده معلوم مقدر بمقدار لا يعلمه غيره.
13:9Page 250
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 289.]]: يريد علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهد بما علموا الكثير، فعلى هذا الغيب مصدر يريد به الغائب، ومثله الشهادة يريد به الشاهد، ومعنى قوله: مما علموا الكثير؛ لأن الكثير من الشاهد يعلمه الخلق.
وقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ هو بمعنى العظيم والجليل، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير؛ لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه.
وقوله تعالى: ﴿الْمُتَعَالِ﴾ قال الحسن [["زاد المسير" 4/ 309 والقرطبي 9/ 289، و"تفسير الحسن" 2/ 51.]]: المتعالي عما يقول المشركون.
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (على) 5/ 3091.]]: المتعالي: الذي جلَّ عن إلحاد الملحدين، وأثبت [[من هنا نقل عن "الحجة" 5/ 13، 14 بتصرف إلى نهاية النص.]] ابن كثير (ياء)، المتعالي وقفًا ووصلاً، وهو القياس، وليس ما فيه الألف واللام من هذا، كما لا ألف ولام فيه من هذا النحو، مثل: قاضٍ وغاز. قال سيبويه [["الكتاب" 2/ 288، باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف وهي الياءات.]]: إذا لم يكن في موضع تنوين، فإن البيان أجود في الوقف، نحو قولك: هذا القاضي؛ لأنها ثابتة في الوصل، يريد أن اللام [[كذا في جميع النسخ، ولعلها الياء كما في "الحجة" 5/ 13، وإن قصد لام الكلمة صح المعنى.]] مع الألف واللام تثبت ولا تحذف، كما تحذف إذا لم يكن فيه الألف واللام، نحو: هذا قاضٍ، والياء مع غير الألف واللام تحذف في الوصل، فإذا حذفت في الوصل كان القياس أن تحذف في الوقف، وهي اللغة التي هي أشيع وأفشى، وأما إذا دخلت الألف واللام، فلا تحذف اللام في اللغة التي هي أكثر عند سيبويه.
فأما من حذف في الوصل والوقف، فإن سيبويه زعم أن من العرب من يحذف هذا في الوقف، يشبهه بما ليس فيه ألف ولام، إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين، لو لم يكن فيه ألف ولام، وهذا في الوقف، وأما في الوصل فكان القياس أن لا تحذف؛ لأنه يوجب [[كذا في النسخ ولا يستقيم المعنى إلا أن تقدر (لم) فيكون السياق؛ لأنه لم يوجب حذفه شيء. كما هو معنى ما في "الحجة" 5/ 14.]] حذف شيء، غير أن الفواصل تشبه القوافي.
13:10Page 250
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.
قولى تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ الآية، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 59.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141، والسياق كذا في جميع النسخ وفيه سقط، وهو عند الزجاج -لأن العبارة عبارته- كالتالي: موضع (من) رفعٌ بسواء، وكذلك (من) الثانية يرتفعان جميعًا بسواء؛ لأن سواء يطلب اثنين.]]: من رفع (سواء) وكذلك الثانية وسواء يطلب اثنين تقول: سواء زيد وعمرو، أي ذوي عدل، ويجوز أن يكون سواء بمعنى مستوٍ، فلا يحتاج إلى تقدير الحذف، إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول: مستوٍ زيد وعمرو؛ لأن أسماء الفاعلين عنده إذا كانت نكرة لا يبدأ بها. ذكر هذين الوجهين في (سواء) أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141.]] وأبو بكر [["زاد المسير" 4/ 309.]]، إلا أن أبا بكر يقول: جَعْل (سواء) بمنزلة مستوٍ أقوى وأصوب؛ لأنه خال من الإضمار ومعاملة الظاهر مع السلامة من المضمرات، إذا لم يلحق المعنى نقص - أولى.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ يقال [["تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070.]]: أخفيت الشيء أخفيه إخفاءً، فخفي واستخفى، ويقال أيضاً: اختفى، وهي قليلة، واستخفى فلان من فلان، أي توارى واستتر منه.
وقوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 60.]]، وأبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141.]]: ظاهر بالنهار في سربه، أي طريقه، يقال: خل له سربه، أي: طريقه، الأزهري [["تهذيب اللغة" (سرب) 2/ 1662.]]، والعرب تقول: سربت الإبل تَسرُب، وسرب الفحل سروبًا، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، ومنه قوله [[هكذا البيت في جميع النسخ، وهو كذلك في القرطبي 9/ 290، وفي "التهذيب" 2/ 1662، (ونحن خلعنا قيده ..) وقد نسبه الأزهري للأخنس بن شهاب التعلبي، وهو كذلك في "اللسان" (سرب) 4/ 1980، و"شعراء النصرانية" ص 187، و"تاج العروس" (سرب) 2/ 73، و"جهرة اللغة" ص 309، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 94، وبلا نسبة في "اللسان" (خلع) 2/ 1232، كتاب "العين" 1/ 118، و"تاج العروس" (خلع) 11/ 103.]]:
وكلُّ أناسٍ قَارَبُوا قيْدَ فَحْلهم ... ونحن جَعَلْنَا قَيْدَه فَهْو سارِبُ
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.]]: معنى الآية: الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات، عِلْم الله فيهم سواء، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 60.]].
وقال أبو العباس [["تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، و"اللسان" (سرب) 4/ 1980.]]: المستخفي: المستتر، والسار: الظاهر، المعنى: الظاهر والخفي عنده واحد.
قال ابن عباس: يريد علم ما نطقت به الألسنة وما أضمر الفؤاد، ومن هو مستخف بالليل وظاهر بالنهار، ونحو هذا قال قتادة [[الطبري 36/ 114.]]: سارب ظاهر.
وقال مجاهد [[القرطبي 9/ 290.]]: مستخف بالليل يعمل السوءات، وسارب بالنهار ويظهرها، وهذا التفسير يحتاج معه إلى إضمار، كأنه مستخف بالليل بالمعاصي وظاهر بالنهار بها، هذا الذي ذكرنا في هذه الآية، هو قول أكثر أهل اللغة والتفسير [[الطبري 13/ 113، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 296، و"بحر العلوم" 2/ 186، وابن كثير 2/ 552، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 476، و"البحر" 5/ 370، و"فتح البيان" 7/ 25، 26، و"الدر المصون" 4/ 231.]].
وقال الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 595، و"زاد المسير" 4/ 310، و"تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، و"اللسان" (سرب) 4/ 1980.]]: المستخفي الظاهر، والسارب: المتواري، ومن هذا يقال: خفيت الشيء وأخفيته، أي: أظهرته، ومنه قول امرئ القيس [[جزء من صدر بيت لامرئ القيس، والبيت بتمامه:
خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركب
"ديوانه" ص 51، وفيه: (كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب)، و"المحتسب" 2/ 48، و"مجاز القرآن" 2/ 17، و"المخصص" 10/ 46، والقرطبي 9/ 290، و"تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، و"اللسان" 2/ 1216.
وقوله: (خفاهن): أي: أظهرهن، والأنفاق: أسراب تحت الأرض، والودق: المطر، وخص مطر العشي؛ لأنه أغزر، والمجلب، الذي يسمع له جلبة لشدة وقعه.]]:
خَفَاهُنّ من أنْفَاقِهِنَّ ........
أي أظهرهن، واختفيت [[في (ب): (واخفيت).]] الشيء، استخرجته، ويسمى التباس المختفي، والسارب: المتواري الداخل سرابًا، وانسراب الوحش إذا دخل في كناسه، وهذا الوجه مذهب قطرب [["زاد المسير" 4/ 310، و"اللسان" (سرب) 4/ 1982.]] أيضًا، وهو صحيح في اللغة غير أن الأول هو الاختيار، لما شهد به [[في (أ)، (ج): (شهدته).]] الآثار.
قال أبو بكر [["الأضداد" ص 76.]]: الأوّل أثبت معنى في الآية؛ لأن الليل يدل على الاستتار [[في (أ)، (ج): (نتشار).]]، والظهور يشاكل النهار لانتشار الناس فيه وبروزهم.
13:11Page 250
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١
For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ الآية، المعقبات: المتَنَاوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلاً منه، وهم الملائكة الحفظة هاهنا، في قول عامة المفسرين وأهل التأويل [[الطبري 13/ 114 - 115، والقرطبي 9/ 291، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 296، و"البحر" 5/ 371، و"بحر العلوم" 2/ 187، و"فتح البيان" 7/ 26، 27، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 477، وابن كثير 2/ 552، و"الدر المصون" 2/ 60.]].
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 60.]]: المعقبات: ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار.
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.]]: جعل الفراء عقب بمعنى عاقب، كما يقال: ضعّف وضاعف، وعقَّد وعاقد.
وقال أبو الهيثم [[المرجع السابق.]]: كل من عمل عملًا ثم عاد إليه وعقب [[في "التهذيب": فقد عقب.]]، ومنه قيل للذي يغزو غزوًا بعد غزو، وللذي يتقاضى الدين فيعود إلى غريمه في تقاضيه، مُعَقَّب.
وقال شمّر [["تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.]]: المعقب من كل شيء ما خَلَفَ يُعَقَّب ما قبله، والمعقبات: الكائنات بعضها بعد ذهاب بعض.
وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.]]: المعقبات: ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 60.]]: والمعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة ومعقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر، جمع رجال، والذي يدل على التذكير قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾، وقال الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 596، و"تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2505.]]: إنما أنث لكثرة ذلك منها نحو: نسَّابة وعلَّامة، وهو ذكر.
قال ابن عباس [[الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293، وابن أبي حاتم 7/ 2230، وهو قول عطاء كما في "تفسيره" ص 112.]]: وسعيد بن جبير [[الطبري 13/ 117.]]، والحسن [[الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.]]، ومجاهد [[الطبري 13/ 115، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.]]، وقتادة [[الطبري 13/ 116، والثعلبي 7/ 124 ب، و"زاد المسير" 4/ 310، والقرطبي 9/ 293.]] وغيرهم: المعقبات: الملائكة الحفظة، ويدل على صحة هذا قوله ﷺ: "يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر" الحديث [[أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (555) كتاب الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، وأخرجه (3223) كتاب بدء الخلف، باب: ذكرالملائكة، و (7429) == كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ و (7486) كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل ونداء الملائكة، وأخرجه مسلم (632) كتاب المساجد، باب: فضل صلاة الصبح والعصر، وأحمد من حديث أبي هريرة 20/ 57 (10314) تحقيق شاكر، وصحح إسناده أحمد شاكر.]]، وعلى هذا فسر قوله: {وقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] قيل تصعد ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار، والكناية في قوله (له) تعود على (من) في (من أسر) وهو واقع على العموم، وقيل: على اسم الله تعالى في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله ملائكة حفظة تتعاقب في النزول إلى الأرض من بين يدي الإنسان ومن خلفه.
وقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ذكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 60.]] في هذا قولين:
أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وعلى هذا لا يعلق ليحفظونه بمن، وهو معنى قول ابن عباس [[الطبري 13/ 117.]] في رواية سعيد في هذه الآية، قال: هم الملائكة، وهم من أَمْر الله.
والثاني: أن هذا على إضمار، أي: ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، قال ابن الأنباري فحذف الاسم وأبقى خبره، كما كتب على الكيس ألفان، يراد الذي في الكيس ألفان، ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.]]؛ لأنه قال: المعنى: حفظهم إياه من أمر الله.
قال أبو بكر [["الوقف والابتداء" 2/ 733، والرازي 19/ 17.]]: وفي هذا قول آخر وهو أن مؤداه على معنى الباء، إذ الصفات يقوم بعضها مقام بعض، كما تقول: أجبتك من دعائك إياي، أي بدعائك، والتأويل يحفظونه بأمر الله، وقد صحت هذه الأقوال، وذكرنا ما يشاكلها من قول المفسرين، وأما كيفية حفظهم إياه، فقال ابن عباس في رواية عكرمة [[الطبري 13/ 115، وعبد الرزاق 2/ 332، والفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 89، و"زاد المسير" 4/ 312، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 477.]]: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه.
وروى ليث عن مجاهد [[الطبري 13/ 116، وذكره في "الدر" 4/ 91، والثعلبي 7/ 125 أ، و"زاد المسير" 4/ 312.]] قال: ما من عبد إلا به ملك موكَّل بحفظه من الجن والإنس والهوام، فما منهم شيء يأتيه يريده، إلا قال: وراءك، إلا شيئًا يأذن الله -عز وجل- فيه فيصيبه.
وقال كعب [[المراجع السابقة، والقرطبي 9/ 292.]]: لولا أن الله -عز وجل- وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم لتخطفتكم الجن، فعلى هذا يحفظونه من شر الجن والهوام وما لم يقدّر عليه.
وقال ابن جريج [[الطبري 16/ 378، والثعلبي 7/ 125 أ، و"زاد المسير" 4/ 312، والقرطبي 9/ 292.]]: معنى (يحفظونه) يحفظون عليه، أي: يحفظون عليه الحسنات [[في (أ)، (ج): (الحساب).]] والسيئات.
قال أبو عبيد [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 479.]]: يعني: يحفظون عليه قوله وفعله [[قلت: رجح ابن جرير -رحمه الله- قولًا في هذه الآية غير ما ذكره الواحدي، فقال: (له معقبات) الهاء من ذكر (من) التي في قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ وأن المعقبات من بين يديه ومن خلفه هي حرسه وجلاوزته؛ لأنها أقرب مذكور == من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، ويدل على ذلك أيضًا قوله بعد: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ على أنهم المعنيون بذلك، وذلك أن الله ذكر قومًا أهل معصية له، وأهل ريبة يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالى ذكره إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم. اهـ. الطبري 13/ 117.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا يسلب قومًا نعمة حتى يعملوا بمعاصيه، قال ابن عباس [[أخرجه أبو الشيخ عنه كما في "الدر" 4/ 92]]: يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة، كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28].
وقوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 312، والقرطبي 9/ 294، و"تنوير المقباس" ص 156.]]: يريد عذابًا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس [[ابن أبي حاتم 7/ 2233.]]: لم تغن المعقبات شيئًا، وقال عطاء عنه [[انظر: "فتح البيان" 7/ 29.]]: لا رادّ لعذابي ولا ناقض لحكمي، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.
13:12Page 250
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 313.]]: يريد خوفًا من الصواعق وطمعًا في المطر، وهذا قول الحسن [["زاد المسير" 4/ 313، والقرطبي 9/ 295، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 298.]].
وقال قتادة [[الطبري 13/ 123، وعبد الرزاق 2/ 33، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 94، وابن كثير 4/ 362، وهو مروي عن ابن عباس "زاد المسير" 4/ 313، و"تنوير المقباس" 156.]]: خوفًا للمسافر (وطمعًا للمقيم، وهذا قول أكثر أهل التأويل.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.]] وأبو بكر: الخوف للمسافر) [[ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).]] لما تأذّى به من المطر، كما قال الله تعالى ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: 102]، والطمع: للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ﴾ الإنشاء في المعنى كالاختراع وقد مر ذكره في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ [الأنعام: 141] [[وقال هناك ما ملخصه: أنشأ: أبدع، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأ ونشأةً ونشاءةً: إذا ظهر وارتفع.]]، قال ابن عباس [[انظر: الثعلبي 7/ 127 ب، و"زاد المسير" 4/ 313.]]: يقول كوني فتكون، والسحاب الثقال: قال يريد تحمل المطر، وقال مجاهد [[الطبري 13/ 124، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشخ كما في "الدر" 4/ 95، والقرطبي 9/ 295.]]: ثقال بالماء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences