Al-Wahidi (al-Basit)Ar‑Ra'd · 13:13–16

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:13–16

13:13Page 250

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣

And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.

وقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن اليهود سألت رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: "الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق يسوق بها السحاب حيث يشاء الله"، قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: "زجره [بالسحاب إذا زجره] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] حتى ينتهي إلى حيث أُمر"، قالوا: صدقت [[أخرجه الترمذي (3117) في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الرعد وقال: حديث حسن غريب، والنسائي (9705)، (9706)، في الكبرى عشرة النساء، باب: صفة ماء الرجل وصفة ماء المرأة، وصححه الألباني كما في "صحيح الترمذي" 3/ 65، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (1872).]].

وروى الضحاك عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 96.]]: الرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته، وهذا قول مجاهد [[أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 96.]]، وعطية [[الثعلبي 7/ 128 أ.]]، وطاوس [[الطبري 13/ 124.]]، وعكرمة [[أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في "سننه" كما في "الدر" 4/ 97، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 482.]]، روى الحكم عن مجاهد قال: الرعد صوت ملك يسبح، وقال عكرمة: الرعد ملك يسوق السحاب كالحادي.

وقال عطية: الرعد ملك وهذا تسبيحه، فعلى ما ذكرنا من هذه الأقوال، الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب، وصوته تسبيح لله تعالى.

ويسمى الرعد أيضًا، يدل على هذا ما روي أن ابن عباس كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له [[أخرجه الطبري 13/ 124، وأخرج أيضًا عن علي، وطاوس نحوه، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 483.]]، فجائز أن يكون ما يسمعه صوته يزجر به السحاب، وله تسبيح لا نسمعه يسبح الله به، فأخبرنا الله عن ذلك، وخص هذا الملك بالإخبار عن تسبيحه لعلو صوته في أسماعنا، وعظم [[في (أ)، (ج): (وعظيم بالياء).]] شأنه من قلوبنا، وهذا معنى قول الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.]]، وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 314.]]

وذهب قوم إلى أن الرعد هو صوت السحاب، وأنه يسبح الله بعقل يجعله الله له، روى حميد بن عبد الرحمن عن شيخ أدرك النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك" [[أخرجه أحمد 5/ 435، وابن أبي الدنيا في كتاب "المطر"، وأبو الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 475، عن أبي ذر الغفاري كما في "الدر" 4/ 95، وصححه الألباني.

انظر: "صحيح الجامع الصغير" (1920)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1665).]] فذكر أن منطقه الرعد وأن ضحكه البرق، والعرب قد استعملت الرعد بمعنى صوت السحاب، روى الأثرم عن أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 325.]] قال: العرب تقول: جَوْن خزيْمٌ رعْدُه أجشُّ، قال أبو عبيدة: ففي هذا دليل على أن الرعد صوت السحاب، والجون هو السحاب الأسود، والأجش الذي فيه جُشَّة أي بُحّة.

وأنشد أحمد بن يحيى [رحمه الله] [[ليس في (ب): [رحمه الله]. والبيت نسبه أحمد بن يحيى ليزيد بن الطثرية. انظر: "شعره" 66، و"الزاهر" 1/ 448.]]:

فيا ربوة الرّبْعَين حُيَّيت رَبْوة ... على النَّأْي مِنَّا واسْتَهَلَّ بك الرعْدُ يريد صوّت بك الرعد، تصويتًا [[في نسخة (ج): (تصويت) (أ).]] عاليًا رفيعًا، ويدل على صحة هذه الطريقة قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه﴾ فلو كان الرعد ملكًا لدخل في جملة الملائكة، ولم يفصل منهم، ومن قال بالقول الأوّل قال: إن الله تعالى أتى بالكل بعد البعض، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]، فعمَّ بعد أن خَصَّ. ومن المفسرين [[الثعلبي 7/ 128 ب.]] من يقول: عني بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله له أعوانًا، ومعنى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته. قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 314، القرطبي 9/ 295.]]: إنهم خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، ذكرنا معنى الصواعق في البقرة [: 19].

قال المفسرون [[الطبري 13/ 126، والثعلبي 7/ 125 ب، و"زاد المسير" 4/ 314، والقرطبي 9/ 296، وابن كثير 2/ 555.]]: نزلت هذه الآية في أربد وعامر بن الطفيل، أتيا النبي ﷺ يخاصمانه، ويريدان الفتك به، فقال النبي ﷺ: "اللهم اكفينهما بما شئت"، فأرسل الله صاعقة على أربد في يوم صائف صاح، فأحرقته، وولى عامر هاربًا [[أخرجه الطبراني في "الكبير" 10/ 379 (1060)، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 66 من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عباس، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 41، وقال فيه عبد العزيز بن عمران.]]، وألْزل الله في ذلك: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ كما أصاب أربد.

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.]]: جائز أن يكون الواو واو حالٍ، فيكون المعنى: فيصيب بها من يشاء في حال جداله في الله، (وذلك أن أربد جادل النبي ﷺ فقال: أخبرني عن ربنا أمن نحاس أم حديد؟) [[ما بين القوسين ساقط من (ب).]]، فأحرقته الصاعقة [[بالنسبة لرواية عامر وأربد فقد أخرجها الطبري 13/ 126 عن ابن جريج قال: نزلت -يعني قوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ - في أربد، أخي لبيد بن ربيعة؛ لأنه قدم أربد وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على النبي ﷺ، فقال عامر: يا محمد، أأسلم وأكون الخليفة من بعدك؟ قال: "لا". قال: فأكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟ قال: "لا". قال: فما ذاك؟ قال: "أعطيك أعنة الخيل تقاتل عليها، فإنك رجل فارس"، قال لأربد: إما أن تكفينيه وأضربه بالسيف، وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف، قال أربد: أكفنيه وأضربه، فقال ابن الطفيل: يا محمد إني لي إليك حاجة، قال: "ادن"، فلم يزل يدنو، ويقول النبي ﷺ: "ادنُ" حتى وضع يديه على ركبتيه وحنى عليه، واستل أربد السيف، فاستل منه قليلًا، فلما رأى النبي ﷺ بريقه تعوّذ بآية كان يتعوذ بها، فيبست يدُ أربد عى السيف، فبعث الله عليه صاعقة فأحرقته.

وأخرجه الطبري 13/ 119 - 120، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 92 - 93، عن ابن زيد بنحوه، وذكر الهيثمي 7/ 41، عن ابن عباس نحوه، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط والكبير" وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف.

وأما الرواية الأخرى والتي فيها ما ذكره الواحدي هنا فقد وردت بألفاظ مختلفة ومنها: ما أخرجه النسائي والبزار وأبو يعلى والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل"، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ: بعث رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله، فقال المشرك: هذا الإله الذي تدعوني إليه، أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟ فتعاظم مقالته، فرجع إلى النبي ﷺ أخبره، == فقال: "ارجع إليه"، فرجع إليه فأعاد عليه القول الأول، فرجع فأعاده الثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت وأبرقت، ووقع منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى ت ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾. الطبري 13/ 126، و"الدر المنثور" 4/ 99، و"مجمع الزوائد" 7/ 42، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، ورواه الطبراني في "الأوسط"، ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة، وفي رجال ابن أبي يعلى والطبراني علي بن أبي سارة وهو ضعيف.

وقد علَّق عليه أحمد شاكر بتوثيق رجاله إلا علي بن أبي سارة الشيباني، ويقال له: علي بن محمد بن سارة، شيخ ضعيف الحديث، قال البخاري: ففي حديثه نظر، وقال أبو داود: ترك الناس حديثه، وقال ابن حبان: غلب على روايته المناكير فاستحق الترك، وقال العقيلي: علي ابن أبي سارة عن ثابت البناني، لا يتابع عليه، ثم روى له عن ثابت، عن أنس قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ ثم قال: ولا يتابعه عليه إلا من هو مثله أو قريب منه.

قال أحمد شاكر: فهذا إسناد ضعيف جدًّا. اهـ."حاشية الطبري" 16/ 392، 393، وقد وردت أحاديث أخرى قريبة من هذا في الطبري 13/ 125 - 126، و"الدر المنثور" 4/ 99.

فالذي يظهر لي أن الواحدي جمع بين الحديثين والله أعلم.

وقد تابعه على ذلك نقلاً، عنه: الرازي 19/ 26، 27.

وانظر: "زاد المسير" 4/ 314، 315، والبغوي 4/ 304، و"الكشاف" 2/ 353.]]، فعلى هذا قال أبو بكر: جمع فعله؛ لأنه كان كما عامر جادلا رسول الله ﷺ فهم جماعة، وإن صرفت الجدال إلى أربد وعامر جاز؛ لأن العرب قد توقع الجمع على الواحد وعلى التثنية، ومضت لذلك نظائر.

قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.]]: وجائز أن يكون الواو استئنافًا كأنه لما تمم أوصاف ما يدل على قدرته، قال بعد ذلك: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 315.]]: يريد يكذبون بعظمة الله.

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 325.]]: المحال عند العرب المكر والعقوبة والنكال، وأنشد للأعشى [[قلت: في "مجاز القرآن" 1/ 325 (شديد المحال) بدل (عظيم) قال الطبري 13/ 127: هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت به عن علي بن المغيرة عنه، وأما الرواة بعد فإنهم ينشدون:

فرع فرع يهتزفي غصن المجد ... كثير الندى عظيم المحال

والبيت في "ديوانه" ص 7، 9، و"السمط" ص 907، والقرطبي 9/ 299، و"اللسان" (محل) 7/ 4148، و"الزاهر" 1/ 102، و"العين" 3/ 241، و"البحر" 5/ 358، و"المحرر" 8/ 148، و"الدر المصون" 7/ 32، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 485.]]:

فرعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْد ... غَزِيرِ النَّدَى عَظِيمِ المِحَال

وأَما الكلام في اشتقاق هذا الحرف، فذهب قوم إلى أنه من الحول بمعنى الحيلة، (ومن هذا يقال المحالة بمعنى الحيلة.

قال ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 231.]] في قوله: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي شديد الكيد والمكر، قال: وأصل المحال: الحيلة) [[ما بين القوسين ساقط من (ج).]] وروى هذا المعنى عن قتادة [[الطبري 13/ 127، وعبد الرزاق 3/ 333، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 100.]]، قال: شديد الحيلة والقوة.

وروى ابن جريج عن ابن عباس [[الطبري 13/ 127.]] قال: المحال الحول، وعلى هذا القول، إنما جاز وصف الله بالاحتيال؛ لأن الله تعالى معجل لعدوه في الدنيا ما يحب، ويغيب عنه ما أعد له في الآخرة من العذاب، فشاكلت مماحلة الله مماحلة المخلوق، من جهة أن المماحل من المخلوق يضمر لصاحبه من الشر غير الذي يظهر، فمن هذه الجهة سميت باسمها، وإن كانت مخالفها في المعنى [[انظر: منهجه في آيات العقيدة، وقوله: (وإن كانت مخالفها) كذا في جميع النسخ ولعلها: مخالفتها.]]، هذا كلام أبي بكر.

وروى عباد بن منصور عن الحسن [["زاد المسير" 4/ 316، وأخرجه أبو الشيخ عن عكرمة كما في "الدر" 4/ 100.]] في قوله: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ قال: شديد الحقد، قال أبو بكر: وهذا على ما بينا من أن غضب الله لما استسر [[في (ج): (اسْتَتَرَ).]] عن المغضوب عليه المعد له، أشبه حقد المخلوق الذي يستر في نفسه، إلى أن المخلوق ينزعج ويتأذى [[في (ب)، (ج): (وينادي).]] عند الحقد والغضب، والله قد علا عن جميع هذا علوًّا كبيرًا.

قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.]]: قول القتبي [[(أ)، (ج): (القيس).]]: أصل المحال الحيلة، غلط فاحش، وأحسبه توهم أن ميم المحال ميم مِفْعَل، وأنها زائدة، وليس الأمر كما توهمه؛ لأن [[في (أ)، (ج): (أن).]] مِفْعلا إذا كان من بنات الثلاثة، فإنه يجيء بإظهار الياء الواو مثل: المِزَوَد، والمِجْوَل، والمِحْوَر، والمِزْيل، وما شاكلها، وإذا رأيت الحروف على مثال فعال، أوله ميم مكسورة فهي أصلية، مثل: ميم مهاد ومِلاك ومِراس، وما أشبهها.

قال الفراء [["تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.]] في كتاب "المصادر": المحال: المماحلة، يقال في فعلت منه: محلت أمْحَلَ مَحْلا، والمِحَال المصدر لفعلت فعالاً، وأما المحالة فهي مفعلة من الحيلة، قال الأزهري: وهذا صحيح كما قاله، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.]]: يقال: ماحلته محالاً، إذا قاويته حتى يبين لك أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدّة، وروى اللحياني عن الكسائي [["تهذيب اللغة" (محل) 3/ 3353.]]: يقال مَحّلني يا فلان، أي: قوني.

قال الأزهري: ويقول الله شديد المحال، منه أي: شديد القوة، أما ما روى عن ابن عباس، المحال: الحول.

قال أبو عبيد: ولم يعتد بفتح الميم ولا كسرها، قال: وهذا التفسير يوجب فتح الميم؛ لأن المحالة والمحال هما الحول، وأنشد [[نسبه في "الزاهر" 1/ 101 لبعض بني أسد.]]:

ما للرجَالِ مع القَضاءِ مَحَالَة ... ذَهَبَ القَضَاءُ بحِيلَةِ الأقْوَامِ

وأما قولهم [["تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.]]: تمَحّلت مالاً لغريمي، فإن بعض الناس ذهب إلى أنه من إمحالة بمعنى الحيلة، جعلت الميم في تمحلت كالأصلية مثل: تمكنت من المكان وأصله من الكون.

قال الأزهري [[المرجع السابق.]]: وليس التمحل عندي من هذا، ولكنه من المحل وهو السعي، والماحل: الساعي، كأنه سعى في طلبه، ويتصرف فيه.

وقال مجاهد [[الطبري 13/ 127.]]: المحال القوة، وقال نابغة بني شيبان [["ديوانه" ص 64، و"الزاهر" 1/ 102.]]:

إنَّ مَنْ يَركبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا ... حين يَخْلُو بسِرّه غَيْرُ خَالِ

كيفَ يخْلُو وعِنْدَه كاتِبَاه ... شَاهِدَاه ورَبُّهُ ذو المِحَالِ

وقال عبد المطلب بن هاشم [[انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 51، و"تاريخ الطبري" 2/ 135، و"الزاهر" 1/ 101، و"المحرر" 8/ 148، و"البحر" 5/ 358، و"الدر المصون" 7/ 32، و"اللسان" (محل) 7/ 4148]]:

لا هم إنَّ المَرْء يمنعُ رَحْلَه فامْنَع حِلالَك ... لا يَغْلِبَنّ صَلِيبهُمُ ومِحَالُهم عَدَدًا مِحَالَك

قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 9، 10.]]: أراد لا يغلبن مكرهم مكرك، وروى الضحاك عن ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 100، و"زاد المسير" 4/ 316.]] في هذه الآية: شديد المكر، فإن قلنا: إن المحال معناه القوة، فهو ظاهر، والميم فاء، وإن قلنا: معناه المكر والحيلة، كان الميم أيضًا أصلية، ويكون المماحلة بمعنى المماكرة والاحتيال.

13:14Page 251

لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].

قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ الآية، أكثر المفسرين على أن المراد بدعوة الحق هاهنا كلمة التوحيد والإخلاص، روى عكرمة عن ابن عباس [[عبد الرزاق 2/ 334، والطبري 13/ 127، والفريابي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" كما في "الدر" 4/ 100، والثعلبي 7/ 129 ب، والقرطبي 9/ 300، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 485.]]: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: لا إله إلا الله، وهذا اختيار الفراء [[في (ب) زيادة هاهنا: [فمن دعاه دعا الحق].]]، والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 61.]]

وهو قول قتادة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.]]، وابن زيد [[الطبري 13/ 128، والقرطبي 9/ 300، وعبد الرزاق 2/ 334.]]، والمعنى على هذا: لله من خلقه الدعوة الحق، ولكن أضيفت الدعوة إلى الحق لما اختلف اللفظان، وقد ذكرنا مثل هذا، ويجوز أن يكون المعنى: دعوة الدين الحق، وقال الحسن [["زاد المسير" 4/ 317، والقرطبي 9/ 300.]]: الله الحق، وقال في رواية عطاء والضحاك: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ معناه: هو الذي دعا إلى توحيده والاعتراف بأنه لا شريك له، وتفسير دعوة الحق [[هنا تكرار في (ب) لما سبق فقال: [معناه هو الذي دعا إلى توحيد والاعتراف بأنه لا شريك وتفسير دعوة الحق].]] على هذا القول: له دعاء الحق ة لأنه دعاء إلى [عبادته وتوحيده] [[في (أ)، (ج): (عادته وتوحده).]]، وكان ذلك حقًّا.

قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون (دعوة الحق)، أنه من دعا الله موحدًا استجيب له دعاه.

قال أبو بكر: الدعوة على هذا التفسير يريد بها الدعوات فاكتفي من الجمع بالواحد، كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، ومعنى الدعوات: دعوات الداعين إياه، يلتمسون الإجابة وهم محقون في ذلك لأنهم سألوا من لا يخيب سائله ويقدر على الإجابة، وإنالة المطلوب، وهذا هو الوجه؛ وهو الأليق بما بعده من سياق الآية؛ لأنه ذكر أن الأصنام لايستجيبون للداعين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني الأصنام، يدعونها المشركون من دون الله، في قول جميع المفسرين [[الطبري 13/ 128، والثعلبي 7/ 129 ب، و"زاد المسير" 4/ 317، وابن كثير 2/ 556، والقرطبي 9/ 300.]]، وعبّر عنها كما يعبر عن المذكرين من العقلاء؛ لأنهم وصفوا أصنامهم بأوصاف الرجال العقلاء، فخاطبهم الله بما يعقلون وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: 195].

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لهم [[(لهم) ساقط من (أ)، (ج).]] ثواب، يعني للداعين إياه، لا ثواب لهم عندها، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه﴾ فُسِّر هذا على ثلاثة أوجه، قال مجاهد [[الطبري 13/ 129، والثعلبي 7/ 129 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 101.]]: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده؛ فلا يأتيه أبدًا، وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 144.]]؛ لأنه قال معناه: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء، يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب، فأعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فيه.

﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ وما الماء ببالغ فاه، بدعوته إياه، والتقدير: إلا كاستجابة باسط كفيه، ويكون المصدر مضافًا إلى المفعول ثم حذف المضاف، الوجه الثاني من التفسير هو مذهب الكلبي [["تنوير المقباس" ص 156.]] وغيره، قال: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد وهو مشرف على ذلك الماء فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه، وقال عطاء [["زاد المسير" 4/ 317، ورواه الطبري 13/ 129 عن علي -رضي الله عنه-، وأخرجه أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء كما في "الدر" 4/ 101، والثعلبي 7/ 129 ب.]]: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده، وهذا الوجه اختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 61.]]، قال: يعني أن الأصنام لا تجيب داعيها بشيء إلا كما ينال الظمآن المشرف على ماء ليس معه ما يستقي به. فذلك قوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ وهذا الوجه كالأوّل، إلا أن في الوجه الأوّل شبهوا بمن يدعو الماء البعيد إلى نفسه والماء لا يستجيب، وفي الوجه الثاني شبهوا بمن يمد يده إلى الماء البعيد ليناله من غير آلة.

الوجه الثالث: هو مذهب أبي عبيد [["مجاز القرآن" 1/ 327.]] وابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 231.]]، وهو أن العرب يضربون المثل لمن سعى [[في (أ)، (ج): (يبتغي).]] فيما لا يدركه، وتعاطى ما لا يجد منه شيئًا، بالقابض على الماء، وذلك أن القابض على الماء لا يحصل في يده منه شيء، المعنى لا يصير في أيديهم إذا دعوهم إلا ما يصير في يدي من قبض على الماء ليبلغ فاه، وأنشد أبو عبيدة قول ضابئ البُرْجُمِيِّ [[في "مجاز القرآن" 1/ 327، تقدمت ترجمته، وفيه (تسقيه) من غير تاء، وانظر: "مقاييس اللغة" 6/ 109، و"الخزانة" 4/ 80، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 231، والطبري 13/ 129، والقرطبي 9/ 301، و"طبقات فحول الشعراء" ص 145، و"تاريخ الطبري" 5/ 137، 7/ 213، و"اللسان" (وسق) 8/ 4836. == والبيت من قصيدة له في السجن، وكان أعد حديدة يريد أن يغتال بها عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وقوله (لم تسقه) من و (سقت الشيء أسقه وسقًا) إذا حملته.]]:

فإنِّي وإيَّاكم وشَوْقًا إليْكُم ... كقابِضِ ماءٍ تَسْتقِيه أنَامِلُه قال أبو عبيدة: تسقه: تجبه.

وقال ابن الأنباري: يجمعه ويسقه يحمله، وأنشد أيضًا [[البيت للأحوص بن محمد الأنصاري في "مجاز القرآن" 1/ 327، والطبري 13/ 129، والقرطبي 9/ 300 (فأصبحت).]]:

فأصْبَحْتُ مِمّا كان بَيْني وبَيْنَها ... من الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ المَاءِ باليَدِ

قال ابن قتيبة: وهذا من الاختصار؛ لأن التقدير: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، أو قابضًا عليه ليبلغ فاه.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [["تنوير المقباس" ص 156.]]: يريد عبادة الكافرين الأصنام في ضلال، وروى جويبر [[الثعلبي 7/ 130 أ، و"زاد المسير" 4/ 318، والقرطبي 9/ 301.]]: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال؛ لأن أصواتهم محجوبة عن الله، وهذا التفسير لا يليق بما سبق من الآية؛ لأنه ذكر في الآية دعاء الكافرين الأصنام، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾،والذم لاحق بذلك الدعاء، وهو دعاهم إياها، ولم يذكر دعاهم الله تعالى، وجويبر ضعيف، والصحيح ما ذكرنا في رواية عطاء، ولعل ما رواه جويبر، رواه في نظير هذه الآية في سورة المؤمن، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 50]، وذلك صحيح المعنى في تلك السورة [[ما رجحه الواحدي هو الصحيح والمناسب لسياق الآية، وهو الذي ذهب إليه الطبري 13/ 131، والثعلبي 7/ 130 أ، ومقاتل كما في "زاد المسير" 4/ 318، وابن كثير 2/ 557، والقرطبي 9/ 301.]].

13:15Page 251

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥

And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال المفسرون: المؤمنون والملائكة يسجدون لله تعالى طوعًا، والكافر يسجد كرهًا بالسيف، وهذا معنى قول الحسن [[أخرج أبو الشيخ نحوه كما في "الدر" 4/ 102، والقرطبي 9/ 301.]]، وقتادة [[الطبري 13/ 131، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 102، والقرطبي 9/ 301.]]، وابن زيد [[الطبري 13/ 131، "زاد المسير" 4/ 318.]]، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 61.]]، الساجد طوعًا من أهل السموات والأرض: الملائكة، ومن دخل في الإسلام رغبة [[في (ب): (ورغبة) بزيادة واو.]] فيه أو ولد عليه، ومن أكره على الإسلام فهو يسجد كرهًا، وهذا القدر لا يفتح معنى الآية؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقع على كل من في الأرض من البشر، وليس جميع الكفار يسجدون كرهًا.

واختلفوا في توجيه هذا، فذهب بعضهم إلى التخصيص، حكى ابن الأنباري عن بعض أهل العلم [[قال بهذا القول الثعلبي 7/ 130 أ، والطبري 13/ 131، وهذا الراجح والله أعلم.]] قال: الملائكة وعباد الله الصالحون يسجدون لله طوعًا، والكافرون والمنافقون يسجدون خوف القتل، وقلوبهم تنطوي على الكفر، فعلى هذا يراد بقوله ﴿كَرْهًا﴾ من يسجد لله كرهًا من خوف السيف لا جميع الكفار، من العموم الذي دخله الخصوص، وعليه دل كلام الفراء؛ لأنه قال: ومن أكره [[في (أ): (أكر) بغير هاء.]] على الإسلام فهو يسجد كرهًا، ومن المفسرين من ذهب إلى أن الكره أيضًا من صفة المؤمنين، يسجد لله طوعًا بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهًا، لصعوبة ذلك عليه وإكراهه نفسه على أدائه، وهو في ذلك مسلم يحمل نفسه على الطاعة، ويجذبها إلى الحق، وهو يقبل عليها.

وقال آخرون: يسجد المخلصون لله طوعًا، وبعض المسلمين كرهًا في ابتداء أمره، إلى أن يألف الحق، فعلى هذا لا مدخل للكافرين في الآية، هذا الذي ذكرنا طريقة التخصيص إما بالمسلمين وبعض الكفار، وإما بالمسلمين فقط.

ومن المفسرين من أجراها [[في (ب): (أجرها) من غير ألف.]] على العموم فقال: المعنى على ما ذكره المفسرون: أن السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن يفعله طوعًا، والكافر يؤخذ بالسجود كرهًا، أي هكذا الحكم في وجوب السجود لله جل وعزَّ، فعلى هذا قوله: ﴿يَسْجُدُ﴾ المراد به الإخبار عمن يسجد طوعًا، وأمر بالإكراه على السجود في حكم الكافر، كأنه قال يؤخذون بالسجود كرهًا، ويكرهون عليه، وهذا [[(وهذا) ساقط من (أ)، (ج).]] مستبعد من حيث اللفظ. ولأصحاب المعاني في الآية طريقة أخرى، وهو أنهم قالوا [["زاد المسير" 4/ 319.]]: سجود الكافر هو تذلُّله وانقياده لتصريف الله تعالى إياه فيما يريد من عافية إلى مرض، وغنى إلى فقر، وحياة إلى موت، ومعنى السجود الخضوع والتذلل والانقياد، والكافر لا يمتنع من هذا، فهو في حكم الساجد من هذا الوجه أي: المسخّر المنقَاد والمذلّل، كما تقول في سجود الجماد، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116]، وقوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، [آل عمران:83] ومضى الكلام في الآيتين.

وقوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ الكلام في تفسير هذه الألفاظ قد سبق [[عند قوله تعالى: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: 205].]]، وأما المعنى فقال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإنه يسجد لله تعالى. قال مجاهد [[الطبري 13/ 131، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 101، والثعلبي 7/ 130 أ، والقرطبي 9/ 302.]]: ظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعًا وهو كاره. وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 144.]]: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله، وظله يسجد لله، فعلى هذا قال ابن الأنباري [[القرطبي 9/ 302، والرازي 19/ 25، و"البحر" 6/ 369.]]: يُجْعل للظلال عقول تسجد بها وتخشع، كما جُعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت، قال: على هذا بني أكثر أهل التفسير.

وقال أهل المعاني: سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانبها إلى جانب، وطولها بانحطاط الشمس، وقصرها بارتفاع الشمس فهي مستسلمة منقادة، مطيعة بالتسخير، وهي في ذلك تميل من جانب إلى جانب، والميل سجود في اللغة، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت [[مكرر في (أ)، (ج).]] لكثرة حملها، قال لبيد يصف نخلًا [[عجز بيت، وصدره:

بين الصفا وخليج العين ساكنة= "ديوانه" ص 60، و"تاج العروس" (سجد) 5/ 7، و"تأويل مشكل القرآن" ص 416، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941، و"تهذيب اللغة" 2/ 1631 (سجد)، و"المخصص" 11/ 113.]]:

غُلْبٌ سَوَاجِدُ لم يَدْخل بها الحَصَرُ فسجود الظلال تمايلها واستسلامها وانقيادها للتسخير، كأنه قيل: وظلالهم بالغدو والآصال مستسلمة، ودل على هذا قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾

13:16Page 251

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية، السؤال والجواب جاء من ناحية واحدة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [يونس: 34] الآية، وذلك أن الكفار لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات، لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 31] إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، فإذا أجاب النبي ﷺ عن هذا السؤال بقوله: الله، لم ينكروا هم ذلك، ويصير كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد توليتم غير رب السماء والأرض، والولي النصير، والذي يتولى النصرى، كأنه قال أفتخذتم من دونه أنصارًا، يعني: الأصنام لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فكيف لغيرهم.

ثم ضرب مثلًا للذي يعبد الأوثان، وللذي يعبد الله تعالى: فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 156، و"زاد المسير" 4/ 320، والقرطبي 9/ 303، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 102، وأخرج الطبري 13/ 333 عن مجاهد نحوه.]] يريد المشرك والمؤمن ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ قال: يريد الشرك والإيمان، وقرأه أكثر القراء [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم (تستوي) بالتاء، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي (يستوي) بالياء.

انظر: "السبعة" ص 358، و"الإتحاف" ص 270، و"زاد المسير" 4/ 320، والقرطبي 9/ 303.]] (تستوي) بالتاء؛ لأن الظلمات جمع، ولا حائل بينهما وبين الفعل، ومن قرأ بالياء فلتقدم الفعل مع التأنيث في الظلمات غير حقيقي.

وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إلى قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 156 نحوه وأخرج ابن أبي شيبة، والطبري 13/ 133 وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. "الدر" 4/ 103.]]: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا سموات وأرضين وجنًّا وإنسًا، فتشابه الخلق عليهم من هذا الوجه.

وقال أبو إسحاق [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 144.]]: أي هل رأوا غير الله خلق شيئًا، فاشتبه عليه خلق الله من خلق غيره؟

وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 320.]]: تلخيص هذه الآية: وبخهم أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله، فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا الاستفهام إنكار لذلك، أي ليس الأمر على هذا حتى يشبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقًا يتشابه بخلق الله، وإذا كانوا بهذه الصفة ألزمتهم الحجة.

وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾،قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.]]: أي قل ذلك وبينّه بما أخبر به من الدلالة على توحيده، من أول هذه السورة، مما يدل على أنه خالق كل شيء.

قال أصحابنا [[المراد بأصحابه هنا: الأشاعرة. وما ذكره في معنى الآية صحيح، كما هو قول أهل السنة، وهو رد على المعتزلة المستدلين بالآية على أن القرآن مخلوق. وعلى أن أفعال العباد مخلوقة.]]: معناه: أنه خالق كل شيء بما يصح أن يكون مخلوقاً، ألا ترى أنه شيء وهو غير مخلوق.

وقال الشافعي [["الأم" 7/ 462.]] في هذا: إنه من العموم الذي لم يدخله الخصوص، يعني أنه لما ذكر لفظ الخالق، علم أن عمومه بالمخلوقات، وإذا كان كذلك لم يدخله خصوص، لأنه لا مخلوق إلا وهو خالقه، ولما شبه المؤمن والكافر، والإيمان والكفر مثلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском