Al-Wahidi (al-Basit)Ar‑Ra'd · 13:17–30

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:17–30

13:17Page 251

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧

He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.

فقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ وهي جمع وادي، وهو كل مفرج بين جبال وآكام وتلال. يجتمع إليه ماء المطر فيسيل فيه، هذا قول عامة أهل اللغة [["تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865، و"اللسان" (ودي) 8/ 4803.]] في معنى الوادي، وقال شمر [["تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865.]]: ودي: إذا سال، قال: ومنه الوَدْي فيما أرى، لخروجه وسيلانه، ومنه الوادي، وعلى هذا الوادي اسم للماء السائل، كالسيل [[(كالسيل) ساقط من (ج).]]، والقول هو الأول.

قال أبو علي الفارسي [["الحجة" 2/ 340 (بتصرف).]]: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ اتساع، والمراد في: سال الوادي، وجرى النهر، ماؤهما، فحذف المضاف، قال: والأودية جمع نادر في فاعل، ولا يعلم فاعلًا جمع على أفعله، ويشبه أن يكون ذلك، ليتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، ووال وولي، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضًا على فعلاء، كشاعر وشعراء، مثل فقيه وفقهاء، فجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير، كجريب وأجربة، وقالوا: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار، فلذلك جمع وادٍ على أودية [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 2/ 340 بتصرف.]].

وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.

وقوله تعالى: ﴿بِقَدَرِ﴾ القَدَر والقَدْر، مبلغ الشيء يقال: كم قَدْر هذه الدراهم؟ وقدرها ومقدارها، أي: كم [[في (ب): (لم). ولعله خطأ.]] تبلغ من الوزن فيما يكون مساويًا لها من الوزن فهو قدرها، وذكرنا الكلام في القَدَر والقَدَر في قوله ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وفي مواضع.

قال مجاهد [[الطبري 13/ 136، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي هاشم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 105، القرطبي 9/ 305.]]: بقدر مَلئْها.

وقال ابن جريج [[الطبري 13/ 137، وابن جريج عن ابن عباس، القرطبي 9/ 305، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 103.]]: الصغير بقدره، والكبير بقدره.

وقال ابن الأنباري والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.]]: (بقدرها) بما قدر [[في: (أ)، (ج) ساقط (أن).]] يملأها، قالا: ويجوز بمقدار ما يملأها، وقد فُهم من قوله: القَدر هاهنا يجوز أن يكون مصدرًا فيكون المعنى: بما قدر لها من ملئها، ويجوز أن يكون المعنى: بقدر ملئها، وتلخيص معنى قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾، بقدرها من الماء، لأن القدر معناه الهنداز [[الهنداز: سبق التعريف به، وهو معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز.]]، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر.

قال أبو علي [["الحجة" 2/ 340.]]: المعنى بقدر مياهها، ألا ترى أن المعنى ليس على أن الأودية سالت بقدر أنفسها.

قال ابن عباس في رواية عطاء [[القرطبي 9/ 305.]] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يريد قرآنًا، وهو مثل ضربه الله، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ قال: يريد بالأودية قلوب العباد، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيه الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 61.]]: يقول قبلته القلوب بأقدارها وأهوائها.

وقال صاحب النظم: الماء هاهنا إن شاء الله الإيمان والحق، فهؤلاء الذين سمينا جعلوا الماء مثلًا للإيمان والقرآن، والأودية مثلًا للقلوب.

والباقون من المفسرين وأهل المعاني سكتوا عن بيان الممثل والممثل به، وجعلوا ابتداء المثل من قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، قال ابن عباس [[الطبري 13/ 135، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 103.]]: وهو الشك والكفر، قال الفراء [[لم أجده في مظانه، وانظر: "اللسان" (زبد) 3/ 1803.]]: يقال: أزبد الوادي إزبادًا، والزبد الاسم، (رابيًا) قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.]]: طافيًا عاليًا فوق الماء، وقال غيره [[أبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 328.]] زابدًا بانتفاخه، ربا يربو، إذا زاد، وهذا هو الأصل، ثم إذا زاد وانتفخ صار عاليًا.

قال ابن عباس وغيره من المفسرين [[الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 130 ب، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 557 - 558.]]: ثم ضرب مثلًا آخر فقال ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، قرئ [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (توقدون) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (يوقدون) بالياء وروى علي بن نصر عن أبيه عن أبي عمرو بالتاء والباء والغالب التاء وانظر: "السبعة" ص 358، و"الإتحاف" 270، و"زاد المسير" 4/ 321، و"البحر المحيط" 5/ 381.]] بالتاء والياء. فمن قرأ [[من هنا يبدأ القتل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.]] بالتاء فلما قبله من الخطاب، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا يراد به الكافة، كأنه ومما توقدون عليه أيها الموقدون، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تَقَدّم في قوله: [﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ ويجوز أن يراد به] [[في (ج): (أم جعلوا لله شركاء خلقوا، ويراد به).]] جميع [[في (ب): (جمع).]] الناس، ويقوي ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في يوقدون [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.]]، وأراد بما يوقد عليه في النار الفلز [[الفِلْزُ والفِلَزُّ، والفُلُزُّ: نحاس أبيض تصنع منه القدور وغيرها، وقيل: هو جميع == جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباه ذلك. انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"اللسان" (فلز) 6/ 3460.]]، وهو ما يذاب من الجواهر كالذهب والفضة والصفر والحديد والنحاس، في قول جميع المفسرين [[الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 131 أ، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 558، و"البحر المحيط" 5/ 381.]].

قال أبو علي [["الحجة" 5/ 16، و"البحر المحيط" 5/ 382.]]: وجعل الظرف الذي ﴿فىِ النَّارِ﴾ متعلقًا بتوقدون؛ لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، كقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: 38] فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وإن كان يلحقه وهجها ولهيبها، يريد أن هذه الجواهر تدخل النار فيوقد عليها.

وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.]] وغيره: الذي يوقد عليه لابتغاء الحلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة، الحديد والصفر والنحاس والرصاص، يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به [["تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3334.]].

وقوله تعالى: ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ كما ذكر من هذه الأشياء يضرب الله مثل الحق والباطل، قال صاحب النظم: هذا كلام فرّق به بين الكلام الأول وبين تمامه؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ هو من الكلام الأول، ثم لما تم ذلك رجع إلى تمام قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ والتأويل: كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل، فاختصر الكلام اختصارًا على ما سبق من ذكر الحق والباطل، اعتماداً على بيانه في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، وأنشد قول ذي الرمة [["ديوانه" 1465، وفيه (من الوحش) بدل (من الوهل). "خزانة الأدب" 9/ 5، و"الخصائص" 2/ 401، و"الدرر" 5/ 63.انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 207، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 233.]]:

فأضْحَتْ مَغَانِيها قِفَارًا رُسُومُها ... كأن لم سِوَى أهْلٍ من الوَهِل تؤهلُ

المعنى: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففرق بين لم، وتؤهل، ومعنى قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الجفاء [["تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619، و"الزاهر" 2/ 89.]] ما جفاه الوادي، أي: رمى به، قال أبو زيد [["تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.]]: يقال: جفأت الوادي الرجل، إذا صرعته، وأجفأت القدر بزبدها، إذا ألقت زبدها فيذهب جفاء. وقال الفراء [["معاني الفراء" 2/ 62 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.]]: الجفاء الرمي والاطراح، يقال: جفا الوادي غثاه جفاءً، إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض، بمنزلة الغثاء والقماش [[القماش: ما يجمع من هنا وهناك.]]، قال: والجفاء مصدر يكون في مذهب اسم، وكذلك مصدر اجتمع بعضه إلى بعض مثل القماش والحطام والدقاق [[الدقائق: فتات كل شيء.]]، كما كان العطاء اسم الإعطاء، وقال الزجاج [["فعلت وأفعلت" ص 8، ونقله في "التهذيب" 1/ 619 عن الفراء.]] في باب الوفاق: جفا الوادي يجفا جُفا أو أجفا، إذا رمى بغثائه، قال: وموضع (جفاءً) نصب على الحال.

وتلخيص معنى الآية على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 322، القرطبي 9/ 305.]]: أن هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، يقول: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء، فيلقيه الماء عنه ويضمحل وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكبير، فهذا مثل الباطل، وأما الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو [[في (أ)، (ج): (عن).]] من الفلز يبقى خالصًا لا شوب [[في (أ)، (ج): (الأشوب) بألف.]] فيه، فهو مثل الحق، هذا بيان ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 233.]] وكلامه.

وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه " 3/ 145.]]: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض، وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر؛ لأنها كلها تبقى منتفعًا به، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل [[في (ج): بزيادة هذا: (وكمثل هذا خبث الحديد).]] خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي [[في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 146: (الذمي لا ينتفع به).]] ينتفع به.

13:18Page 251

لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨

For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِم﴾ أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته على لسان رسوله، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 306، و"تنوير المقباس" ص 157.]]: يريد للذين وحدوا ربهم.

وقوله تعالى ﴿الْحُسْنَى﴾ قال [["زاد المسير" 323/ 4، و"تنوير المقباس" ص 157، و"تيسير كتاب الله العزيز" لهود بن محكم 2/ 303، وأخرجه الطبري 13/ 138، وأبو الشيخ عن قتادة كما في "الدر" 4/ 105.]]: يريد الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي الجنة على الخلود في نعيمها.

وقوله تعالى: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ الافتداء: جحل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول (افتدوا) محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم، أي: جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في (به) تعود إلى (ما) في قوله ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾.

وقوله تعالى: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 323، القرطبي 9/ 307.]]: هو أن لا تقبل منه حسنة، ولا يتجاوز عن سيئته، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145 وفيه: (وأن كافرهم أحبط أعمالهم).]]: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

13:19Page 252

۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩

Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ الآية. قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 323، والقرطبي 9/ 307، و"البحر المحيط" 5/ 384.]]: نزلت في حمزة وأبي جهل.

وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ قال: يريد أبا جهل أعمى القلب، قال أهل المعاني: الجاهل بالدين ممثل بالأعمى؛ لأن العلم يُهْتَدَى به إلى طريق الرشد من الغي، كما يهتدى بالبصر إلى طريق النجاة من طريق الهلاك، وبالضد من هذا حال الجهل والعمى.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي يتعظ ويطلب ذكر ما رغب فيه من الجنة فيطيع الله، وما أوعد به فيرتدع عن المعاصي ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، والآية نازلة في هؤلاء، وهي لكل من كان بهذه الصفة من العلم والجهل والتذكر، فهي بيان عما يستحق كل واحد من العالم والجاهل، والمحق والمبطل من صفة المدح بالبصيرة والذم بالعمى والحيرة.

13:20Page 252

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠

Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 324، القرطبي 9/ 307.]]: يريد الذي عاهدهم عليه في صُلب آدم [[يعني ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].]].

13:21Page 252

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١

And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 310، والثعلبي 7/ 132 أ، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 304، وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير كما في "الدر" 4/ 106 - 107.]]: يريد الإيمان بالأنبياء، يعني: يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما قال في الخبر عن المؤمنين: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] وقال أكثر المفسرين [[انظر: الطبري 13/ 139، الثعلبي 7/ 132 أ، ابن كثير 2/ 560، "زاد المسير" 4/ 324، القرطبي 9/ 310، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 304.]]: يريد صلة الأرحام.

13:22Page 252

وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢

And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -

﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال في رواية عطاء [["تنوير المقباس" ص 157، القرطبي 9/ 310، الثعلبي 7/ 132 ب.]]: يريد على دين ربهم وما أمر به من طاعته ونهى عن معصيته، وهو قول ابن زيد [[الطبري 13/ 140، الثعلبي 7/ 132 ب.]] وأبي عمران الجوني [[الثعلبي 7/ 132 ب، القرطبي 9/ 310.]]. ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: طلب تعظيم الله.

وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 324، القرطبي 9/ 311، الثعلبي 7/ 133 أ.]]: يدفعون بالعمل الصالح الشرَّ من العمل، قال ابن كيسان [[الثعلبي 7/ 132 ب، و"زاد المسير" 4/ 325.]]: هو أنهم إذا أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة مَعَرّة الذنب، روي أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فأعمل بجنبها حسنة تمحها" [[أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 169، إلا أنه قال: "فأتبعها" وفي 5/ 177، وقال: "فأعمل حسنة" من حديث أبي ذر، ونحوه في الترمذي (1987) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وأخرجه سعيد بن منصور 3/ 64، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" 4/ 217، 218.]] فعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الله.

وقال ابن زيد [[الثعلبي 7/ 132 ب، الطبري 13/ 141، القرطبي 9/ 311.]]: لا يكافئون الشر بالشر، بل يحلمون عن السفيه، ويردون على من يسفه عليهم معروفًا من القول، وهذا قول قتادة [[الثعلبي 7/ 132 ب.]] واختيار ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" ص 233، والثعلبي 7/ 132 ب، و"زاد المسير" 4/ 325.]]، وعلى هذا الحسنة والسيئة بينه وبين الناس.

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 325، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 305.]]: يريد عقباه الجنة، والعقبى [["اللسان" (عقب) 5/ 3022، و"تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2507.]] كالعاقبة، يجوز أن يكون مصدرًا، كالشورى والقربى واللقيا، توضع موضع المصدر، وقد يجيء مثل هذا أيضًا على (فَعْلى) كالنجوى والدعوى والطغوى، وعلى (فِعْلى) كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسمًا، وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الحسنة الجنة، أي تصير الجنة آخر أمرهم، والمراد بالدار الجنة، يعرف ذلك بإطلاقها، حيث ذكرت عقيب الأعمال الصالحة.

13:23Page 252

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.]]: جنات بدل من عقبى.

قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 311 نحوه.]]: هي وسط الجنة وقصبتها، مساندة بعرش الرحمن، غَرَسها الرحمنُ تبارك وتعالى بيده، والكلام في جنات عدن قد ذكرناه مستقصى عند قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72]، وذكرنا هناك مذهب المفسرين ومذهب أهل اللغة.

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ موضع (من) رفع عطف على الواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.]]: وجائز أن يكون نصبًا، كما تقول قد دخلوا وزيدًا، أي مع زيد.

قال ابن عباس [[القرطبي 9/ 312، و"البحر المحيط" 5/ 387، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 305.]]: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يريد من صَدَّق بما صدقوا به، وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.]]: اعلم أن الأسباب لا تنفع بغير أعمال صالحة، فعلى قول ابن عباس معنى (صلح): صدق وآمن ووحد، وعلى ما ذكر أبو إسحاق معناه: صلح في عمله.

والصحيح ما قال ابن عباس؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل أنهم يدخلونها كرامة للمطيع، ولا فائدة في التبشير والوعد به، إذ كل مصلح في عمله قد وعد دخول الجنة [[قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21]

وأخرج الطبري 13/ 141، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ من آمن في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي؟ .. فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، ثم قرأ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ يعني من آمن بالتوحيد بعد هؤلاء ﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ يدخلون معهم .. "الدر المنثور" 2/ 158.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 325، والقرطبي 9/ 312، و"البحر المحيط" 5/ 387، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 306.]]: يريد بالتحية من الله والتحفة والهدايا.

13:24Page 252

سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤

"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.

قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.]]: المعنى يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سلام عليكم، فأضمر القول هاهنا، لأن في الكلام دليلًا عليه.

وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 157.]]: يريد في دار الدنيا، قال النحويون [["التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 757.]]: الباء في (بما) تتعلق بمعنى سلام؛ لأنه قد دل علي السلامة لكم بما صبرتم. وقال صاحب النظم: السلام قول، ولا يحتمل أن يكون القول ثوابًا للصبر الذي هو فعل، فدل هذا على أن المعنى في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ دعاء من الملائكة لهم، على معنى: سملكم الله بما صبرتم، أو خبر منهم، أي: أن الله سلمكم من أهوال هذا اليوم من شره، وأدخلكم الجنة بصبركم في الدنيا، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على تقدير: الكرامة لكم بما صبرتم و (ما) هاهنا للمصدر، كأنه قبل بصبركم.

وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الدار هاهنا أيضًا يجب أن يكون مصدرًا؛ لأنه لو كان اسمًا، وأضيف إلى الدار صار لها. وليس المراد ذكر عاقبة (الدار، إنما المراد ذكر عاقبة) [[ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).]] أهل الجنة ومدح عاقبتهم، والمقصود بالمدح محذوف على تقدير: نعم العقبى عقبى الدار، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44] ولم يذكر أيوب لتقدم ذكره، ومثله قوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الجمعة: 5] هذا كله إذا كان المراد بالدار الجنة. وقال صاحب النظم: (نعم) يقتضي اسمًا وخبرًا، والمعنى إن شاء الله: فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه، أي هذا نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها، عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فعلى هذا، العقبى اسم، والدار هي الدنيا [[القرطبي 9/ 313.]].

13:25Page 252

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥

But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة بتمامها [[عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [آية: 27].]].

13:26Page 252

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦

Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ معنى القدر في اللغة [["تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2897 - 2898 و"اللسان" (قدر) 6/ 3546.]]: قَطْع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، والمقدار: المثال الذي يعمل عليه غيره في مساواته به، وقال المفسرون [[الثعلبي 7/ 134 أ، والطبري 13/ 143 - 144، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 306.]]: في معنى يقدر هاهنا: يضيق ويقتر، ومثله قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 3] أي: ضيق، وقوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] بمعنى يضيق، وهو أن يعطيه على قدركفايته، لا يفضل عنه شيء من رزقه على صدر البسط.

وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 326، القرطبي 9/ 314، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 306.]] والمفسرون: يريد مشركي مكة، فرحوا بما نالوا من الدنيا وأشروا وبطروا، فطغوا وكذبوا الرسول، ولم يشكروا ما بسط الله عليهم من الدنيا.

ثم قال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ أي: في حياة الآخرة، يعني بالقياس إليها، قال ابن عباس [[نقل في "البحر المحيط" 5/ 388، والقرطبي 9/ 314 عن ابن عباس أنه قال: زاد كزاد الراعي.]]: يريد ما في الدنيا يذهب ويبيد وهو قليل، وقال مجاهد [[الطبري 13/ 144، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 110، "البحر المحيط" 5/ 388، القرطبي 9/ 314، الثعلبي 7/ 134 أ.]]: أي: قليل ذاهب.

وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 158، الثعلبي 7/ 134 أ.]]: كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى ويذهب، مثل القصعة والقِدْر والقدح ينتفع بها ثم يذهب.

13:27Page 252

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية، قال المفسرون [[الطبري 13/ 144، والثعلبي 7/ 134 أ، و"زاد المسير" 4/ 326، والقرطبي 9/ 315، و"البحر المحيط" 5/ 388.]]: نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله ﷺ بالآيات، قال أهل المعاني: إنهم لم يستدلوا فيُعملوا مدلول الآيات التي بها، فلم يعتدوا بها، وقالوا هذا القول جهلًا منهم.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 158، و"زاد المسير" 4/ 326، والقرطبي 9/ 315.]]: يريد عن دينه، يعني كما أضلكم بعد ما رأوا من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي رجع إلى الحق، قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.]]، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء، كما قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [[يونس: 25، إبراهيم: 4، النحل: 93، فاطر: 8، المدثر: 31.]] في مواضع.

13:28Page 252

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147 وفيه: يهدي إليه.]]: (الذين) في موضع نصب ردًّا على (من)، المعنى: يهدي الله الذين آمنوا، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 158، بنحوه.]]: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت، وإذا سمعوا ذكر الله أحبوه واستأنسوا به، ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 191 أ.]]، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147. بنحوه.]]: أي إذا ذكروا الله وحده آمنوا به غير شاكين، بخلاف من وصف بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: 45].

وقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 327، القرطبي 9/ 315.]] وغيره: يريد قلوب المؤمنين، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.]]: لأن الكافر غير مطمئن القلب، وذكرنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في سورة الأنفال [2].

13:29Page 253

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "طُوبَى شجرةٌ غرسها الله بيده تنبت العلي والحلل، وإن أغصانها لتُرى من وراء سور الجنة" [[أخرجه الطبري 13/ 149 وعلق عليه أحمد شاكر بقوله: وهذا خبر هالك الإسناد. وحسبه ما فيه من أمر (محمد بن زياد) ولم أجده عند غير الطبري، قلت: وقد ترجم لمحمد بن زياد بقوله: كذاب خبيث يضع الحديث اهـ. وأخرجه ابن مرديه عن ابن عباس مرفوعاً كما في "الدر" 4/ 111.]] فعلى هذا طوبى اسم تلك الشجرة، وهو قول أبي هريرة [[الطبري 13/ 147، وعبد الرزاق 2/ 336، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 634، والثعلبي 7/ 135 أ، و"زاد المسير" 4/ 327.]]، ومغيث بن سمي [[الطبري 13/ 147 - 148 - 149، والثعلبي 7/ 135 أ، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبن أبي شيبة 8/ 69.]] وعبيد بن عمير [[الثعلبي 7/ 135 أ.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 191 أ، الثعلبي 7/ 135 أ.]] ووهب [[الطبري 13/ 148، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 113وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 114، والثعلبي 7/ 135 ب.]] وأبي صالح [[أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 69، وانظر: "الدر" 4/ 115، والثعلبي 7/ 136 ب، و"زاد المسير" 4/ 328.]] وعكرمة [[روى الطبري 13/ 146 عن عكرمة: (طوبى لهم): نعم ما لهم. وأخرجه ابن أبي شيبة هناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 111، وروى عنه أيضًا 4/ 111، (طوبى لهم) قال: الجنة. وانظر: "زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316.]] وابن عباس [[الطبري 13/ 147، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 308.]] في رواية عطاء والكلبي [["تنوير المقباس" ص 158، الثعلبي 7/ 136 ب.]]، كل هؤلاء قالوا: إنها شجرة في الجنة، ووَصَفَ كلٌّ منها صفةً يطول ذكرها.

وقال أبو عبيدة [[لم أجده في "مجاز القرآن" 1/ 330.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.]] وأهل اللغة [["تهذيب اللغة" (طاب) 3/ 2147، و"اللسان" (طيب) 5/ 2732.]]: (طوبى) فعلى من الطيب.

قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 328.]]: يعني أن تأويلها: الحال المستطابة لهم، وأصلها: (طيبى) فصارت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، كما تقول في: موسر وموقن، قال: وهذه الكلمة غير مبنية على (أفعل) كالأولى والكبرى، ولذلك جاز إفرادها من الألف واللام ومن الإضافة نحو: سعدى وقربى وزلفى، وعلى هذا معنى طوبى في اللغة: الغبطة وبلوغ أقصى الأمنية والسؤل، وأنشد [[بلا نسبة في "الزاهر" 1/ 558، و"اللسان" (طيب) 5/ 2732 الرسل: اللبن، الطود: الجبل، اليقطين: القرع، الفوم: الخبز والحنطة، ويقال: الثوم.]]:

وطُوبَى لمن يَسْتَبدلُ الطَّوْدَ بالقُرَى ... ورِسْلًا بيَقْطِينِ العِرَاقِ وفُومِهَا

قال الأزهري [[في (ح): (ممن).]]: والعرب تقول: طوبى لك. وطوباك لحن لا تقوله العرب، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش [["تهذيب اللغة" (طاب) 3/ 2147.]] فإنه قال: من العرب من يضيفها فيقول: طوباك.

قال أبو بكر [["معاني القرآن" 2/ 597.]]: (طوباك) مما [["اللسان" (طيب) 5/ 2732، و"الزاهر" 1/ 557.]] يلحن فيه العوام، والصواب: طوبى لك، وهذا الذي ذكرنا من قول أهل اللغة مذهب جماعة من المفسرين.

قال ابن عباس [[الطبري 13/ 146، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 110 - 111.]] في رواية الوالبي: (طوبى لهم): فرح وقرة أعين، وروى معمر عن قتادة [[الطبري 13/ 146.]] قال: طوبى كلمة عربية، تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا، أي أصبت خيرًا، وقال عكرمة [["زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316.]]: (طوبى لهم) نعمى لهم.

وروى سعيد عن قتادة [["زاد المسير" 4/ 328، القرطبي 9/ 316، الطبري 13/ 146، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 13/ 111.]] قال: الحسنى لهم.

وقال الضحاك [[الطبري 16/ 435، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبو الشيخ كما في "الدر" 13/ 111.]]: غبطة لهم، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.]]: العيش الطيب لهم، فهذا الذي ذكرنا، قولان في هذه الكلمة، أحدهما: أنها اسم شجرة، والثاني: أنها فعلى من الطيب.

وفيها قول ثالث وهو: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس [[الطبري 13/ 146، و"زاد المسير" 4/ 328، والقرطبي 9/ 316 وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 111، و"المهذب" للسيوطي (115)، و"المعرب" للجواليقي (226).]]: طوبى اسم الجنة بالحبشة، وقال الربيع [[القرطبي 9/ 316.]] وسعيد بن مشجوج [[الطبري 13/ 147، و"زاد المسير" 4/ 328، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 111، و"المهذب" (115)، و"المعرب" 226.]] اسم الجنة بلغة الهند، وعلى هذا الكلمة بما وقع فيه الوفاق بين لغة العرب ولغة غيرهم من الهند أو الحبشة.

13:30Page 253

كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ قال الحسن [[القرطبي 9/ 317، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 308.]] وغيره: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ قال ابن عباس [[انظر: "فتح البيان" 7/ 57.]]: في قرن قد خلت من قبلها قرون ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قال: وذلك أن رسول الله ﷺ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يسمع إليه، وهو يقول: يا رحمن، فلما سمعه يذكر الرحمن ولىَّ مدبرًا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدًا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلهًا آخر يقال له: الرحمن، فأنزل الله هذه الآية [[نقله في "زاد المسير" 4/ 329 عن الواحدي، وانظر القرطبي 9/ 318.]].

وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 191 أ، "زاد المسير" 4/ 329، القرطبي 9/ 317، الثعلبي 7/ 137 أ.]] وابن جريج [["زاد المسير" 4/ 329، القرطبي 9/ 317، الطبري 13/ 150 وابن جريج عن مجاهد، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 116، الثعلبي 7/ 137 أ.]] وقتادة [[الطبري 13/ 150، و"زاد المسير" 4/ 329، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 116، والثعلبي 7/ 137 أ.]]: نزل هذا في صلح الحديبية، أرادوا كتاب الصلح، فقال النبي ﷺ لعلي: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال المشركون: ما ..... [[بياض في جميع النسخ، وفي البخاري (4180، 4181) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، وأحمد 4/ 330 وفيه: فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم). وفي الطبري 13/ 150 عن مجاهد: ما ندري ما الرحمن اكتب باسمك اللهم.]] اكتب باسمك اللهم".

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، هو إلهي وسيدي، لا إله إلا هو.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском