Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:15–17
14:15Page 257
وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ١٥
And they requested decision [i.e., victory from Allāh], and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ ذكرنا معنى الاستفتاح عند قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: 89]، وللاستفتاح هاهنا معنيان، أحدهما: طلب الفتح بالنصرة [[بمعنى الاستنصار: أي طلبوا النصرة من الله.]]، والثاني: طلبه بالقضاء [[بمعنى الاستقضاء: أي تحاكموا إلى الله وسألوه القضاء بينهم مأخوذ من الفُتاحة؛ وهي الحكومة. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 101.]]، وكلا المعنيين ذكره المفسرون.
قال ابن عباس: يعني استنصروا [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 192 أ، بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 147ب، بلفظه، و"الماوردي" 3/ 127 بنحوه، و"الطوسي" 6/ 282 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 351، وابن كثير 2/ 578.]].
وقال مجاهد وقتادة: يعني الرسلُ استنصروا الله، ودعوا على قومهم بالعذاب لمّا يئسوا من إيمانهم [["تفسير مجاهد" 1/ 334 بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 341 بنحوه عن قتادة، والطبري 13/ 193 بنحوه من عدة طرق عنهما، وورد بنحوه في: "تفسير السمرقندي" 2/ 203، عن قتادة، و"الثعلبي" 7/ 147 ب، عنهما، و"الطوسي" 6/ 282 عنهما، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 137 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عنهما.]]، كما قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: 26]، وقول موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية. [يونس: 88]، وقال لوط: ﴿انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 30]، وهذا المعنى اختيار أبي إسحاق؛ قال: سألوا الله أن يفتح عليهم، أي [[في (أ)، (د): (أن) والمثبت من (ش)، (ع).]] ينصرهم، وكل نصر فهو فتح [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156 بنصه.]].
وقال ابن زيد استَقْضَوا [[لم أقف على هذا القول منسوباً إليه، والذي نسب إليه، قال: استفتاحهم بالبلاء، أخرجه الطبري/ شاكر 16/ 545، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 127، و"الطوسي" 6/ 282، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 351، وابن كثير 2/ 578.]]، وهو قول مقاتل؛ قال: يعني الأمم؛ وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذِّبنا، شكًّا منهم في صدقهم [["تفسير مقاتل" 1/ 192 أ، بتصرف، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 203.]]، كقوله: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: 29].
وقوله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾، وذكرنا معنى الجبار في قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22]، ومعنى الجبّار هاهنا: المتكبر عن طاعة الله وعبادف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]، قال أبو عبيد عن الأحمر [[علي بن المبارك الأحمر النحوي صاحبُ الكسائي، كان مؤدبَ الأمين، وهو أحد من اشتهر بالتقدم في النحو واتساع الحفظ، قال ثعلب: كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب، جرت بينه وبين سيبويه مناظرة لما قدم بغداد فغلبه، توفي سنة (194 هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: "الأنساب" للسمعاني 1/ 145، و"نزهة الألباء" ص 80، و"إنباه الرواة" 2/ 313.]] يقال فيه: جَبَرِيَّةٌ، وجَبَرُوُّةٌ، وجَبَرُوت، وجُبُّورَةٌ [[ورد في "تهذيب اللغة" (جبر) 1/ 532، بزيادة مصدر خامس هو (جَبُّورَةٌ).]].
وحكى الزجاج: الجَبْرِيَّة، والجِبِريَّة، بكسر الجيم والباء، والتَّجْبَارُ، والجِبْرياء، فهي تسع لغات في مصدر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156، وقد أورد المصادر التسعة كلها. وتتبعت هذه المصادر في عدة مراجع فوجدتها قد بلغت ثمانية عشر مصدراً، كلها بمعنى الكِبْر. انظر (جبر) في "المحكم" 7/ 283، و"اللسان" 1/ 535، و"التاج" 6/ 158 - 159.]]، وفي حديث امرأة حضرت النَّبي ﷺ فأمرها بأمر فأبت [[في (أ)، (د): (فنابت)، وهو تصحيف، والمثبت من: (ش)، (ع).]] عليه فقال: "دَعُوها فإنها جبَّارة" [[أخرجه ابن أبي الدنيا في "التواضع" ص 247 بنصه عن أنس، والبزار [كشف الأستار] 4/ 222 وضعفه، والنسائي في عمل اليوم والليلة، ص 375، وأبو يعلى في "مسنده" 6/ 34، والطبراني في الأوسط [مجمع البحرين] 1/ 161، وأبو نعيم في "الحلية" 6/ 291، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 99، وقال: وفيه يحيى الحماني، ضعفه أحمد ورماه بالكذب، فهذا الحديث ضعيف كما نص البزار على ضعفه، وأشار الإمام أحمد إلى ضعفه.]] أي: مستكبرة [[انظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 236.]].
وقال الليث [[الليث هو ابن المظفّر كما سماه الأزهري وقيل: ابن نصر كما في "البلغة" وقيل: ابن رافع، بن سيَّار الخرساني، اللغوي النحوي صاحب الخليل، أخذ عنه: النّحو واللغة وأملى عليه ترتيب كتاب العين، ويقال إن الخَلَل الذي وقع فيه كان من جهته، كان بارعاً في الأدب بصيراً بالشعر والغريب والنحو. انظر: مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 47، و"إنباه الرواة" 3/ 42، و"إشارة التعيين" ص 277، و"البلغة" ص 474، و"البغية" 2/ 270.]]: قلب جبار ذو كبْر، لا يقبل موعظة [[لم أقف على مصدره، ونقله الفخر الرازي عنه 19/ 102.]].
وقوله تعالى: ﴿عَنِيدٍ﴾ واختلف أهل اللغة في اشتقاق العنيد؛ فقال النضر بن شُمَيْل: العُنُود: الخلاف والتباعد والتَّرك [[ورد في "تهذيب اللغة" (عند) 3/ 2589 بنصه، وانظر (عند) في "اللسان" 5/ 3124، و"التاج" 8/ 425.]]، يقال: أشدّ ما عَنَدْت من قومك، أي: باعدت [[في (ش)، (ع): (تباعدت).]] عنهم، قال أكثر أهل اللغة: وأصله من العنْدُ [[(عند) مثلث الأول مختلف المعنى؛ فالعَنْدُ والعُنُودُ: الميل عن الشيء، وعِنْدَ: ظرفٌ معلوم المعنى، وقد يفتح عينه ويُضم، والعُندُ: جمع عَنُود، وهي الناقة ترعى وحدها، والسحابةُ الكثيرةُ المطر. انظر: "إكمال المثلث بتثليث الكلام" 2/ 453، و"الدرر المبثثة في الغرر المثلثة" ص 152.]]، وهو الناحية، يقال: فلان يمشي عَنْدًا، أي ناحية [[انظر: (عند) في "جمهرة اللغة" 2/ 665، و"مقاييس اللغة" 4/ 153، و"مجمل اللغة" 3/ 631، و"الصحاح" 2/ 512 "اللسان" 5/ 3124، و"القاموس" ص 302، و"التاج" 5/ 131.]]، ومنه:
إنِّي كَبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا [[صدره: == ورد بلا نسبة في "المقتضب" 1/ 218، و"الجمهرة" 2/ 666، الصحاح (عند) 2/ 513، و"تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 422، و"مغني اللبيب" ص 894، وورد برواية: (إذا نزلتُ ..) في "مجاز القرآن" 1/ 337، و"الاقتضاب" ص 415، و"شرح أدب الكاتب" للجواليقي ص245، و"الخزانة" 11/ 323، وورد برواية: (ذا رَحَلْتُ ..) في "المحكم" 2/ 15، و"اللسان" 5/ 3124، و"التاج" 5/ 130، وورد برواية: (إذا رَجِلْتُ ..) في "أدب الكاتب" ص 491، وورد برواية: (إذا ركبتم). في "مقاييس اللغة" 4/ 153، معنى البيت: كان الشاعر قد كبر، والرجل إذا كبر عاد كالصبي؛ والصبيان يخافون بالليل، فهو يقول: اجعلاني وسطكما فإني لا أطيق أن أكون في الجانب.]] فمعني عَانَد وعَنَدَ: أخذ في ناحية معرضًا.
قال أبو حاتم عن الأصمعي: عَنَدَ فلان عن الطريق، يَعْنِدُ عُنُودًا إذا تباعد [[ورد في "تهذيب اللغة" "عند" 3/ 2589.]]، وروى شمر عن أبي عدنان [[أبو عدنان، عبد الرحمن بن عبد الأعلى السُّلمي، كان عالمًا باللغة، وراوية لأبي البيداء الريَّاحي، بصريّ شاعر، صنَّف في اللغة وغريب الحديث كتباً، منها: كتاب (القوس) و (غريب الحديث). انظر: "الفهرست" ص 72، و"إنباه الرواة" 4/ 148، و"البغية" 2/ 80.]] عنه [[الضمير عائد على الأصمعي.]]: عَانَد فلانٌ فلانًا إذا جَانَبَه، ودمٌ عَانِد: يسيل جَانِبًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (عند) 3/ 2588 بنصه.]]، ونحو ذلك قال الكسائي فيما رَوى عنه أبو عبيد: عَنَدَت الطعنةُ، إذا سال دمُها بعيدًا من صاحبها، وهي طنعةٌ عانِدةٌ، وعَنَدَ [[في جميع النسخ: (عندم)، والعَنْدَم: دمُ الأخوين، والمثبت من المصدر المنقول عنه.]] الدمُ: إذا سال في جانب [[ورد في "تهذيب اللغة" (عند) 3/ 2588، بتصرف يسير، وأنظر (عند) في "اللسان" 5/ 3125، و"التاج" 5/ 131.]]، والعَنُود من الإبل: التي لا يخالطها إنما هو في ناحية أبدًا [[نُسب هذا القول إلى الليث في "تفسير القرطبي" 9/ 349، و"عمدة الحفاظ" 3/ 156، وانظر: (عند) في "التهذيب" 3/ 2588، و"مقاييس اللغة" 4/ 153، و"المحكم" 2/ 14، و"اللسان" 5/ 3124، و"التاج" 5/ 130.]]، وعلى هذا المعنى كلُّ كلامِ أكثرِ المفسرين في تفسير العَنيد؛ قال قتادة: العنيد: المعرض عن طاعة الله [[أخرجه الطبري 13/ 194 بنحوه، وورد في "تهذيب اللغة" (عند) 3/ 2588 بنصه، و"اللسان" (عند) 5/ 3124 بنصه، وفي معظم المصادر أنه فسرها بقوله: الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 341، الطبري 13/ 194، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 521، و"تفسير الثعلبي" 7/ 147 ب.]]، وهو قول ابن عباس ومجاهد: هو المجانب للحق [["تفسير مجاهد" 1/ 334 بنحوه، وأخرجه الطبري 13/ 193 بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 203 بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 147 ب بنحوه، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 521 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 340، و"تفسير القرطبي" 9/ 349.]].
وقال إبراهيم: الناكب عن الحق [[أخرجه الطبري 13/ 193 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 147 ب بنصه، وانظر: "الدر المنثور" 4/ 137، و"تفسير صديق خان" 7/ 97.]].
وقال ابن زيد: المخالف للحق [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 147 ب بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: الذي يعدل عن القصد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156 بنصه.]].
وقال قوم من أهل اللغة: أصله من: عَنَدَ الحُبَارَى فرخَه، إذا عارضه بالطيران أول ما ينهض كأنه يعلمه الطيران [[ورد في "تهذيب اللغة" (عند) 3/ 2588 بنصه، وانظر (عند) في "اللسان" 15/ 3124، و"التاج" 5/ 130.]]، ومنه المَثَلُ: كلُّ شيء يحب ولده حتى الحُبَارى [[انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 146، و"المستقصى في الأمثال" للزمخشري 2/ 227، يضرب هذا المثل في الموق [أي الحمق] يقول: هي على مُوقها تُحب ولدها وتعلمه الطيران.]]، وُيحب عَنَدَه، أي اعتراضه، فالمعاند: المعارض لك بالخلاف [[انظر: (عند) في "تهذيب اللغة" 3/ 2588، و"المحكم" 2/ 15، و"التاج" 5/ 130.]].
قال ابن الأعرابي: أَعْنَدَ الرجل، إذا عارض إنسانًا بالخلاف، وأعْنَدَ، إذا عارض بالاتفاق [[ورد في "تهذيب اللغة" "عند" 3/ 2588، بنصه.]]، وعاند البعير خطامه أي: عارضه [[المصدر السابق بنصه.]]، والعَنُود من الإبل، التي تُعاند الإبل فتعارضه [[المصدر السابق بنصه منسوباً للقيسي.]]، وقال قوم من أهل اللغة: معنى عَنَدَ، إذا أبى قبولَ الشيء مع العلم به تكبرًا عنه وبغيًا وطغيانًا [[المصدر السابق بنحوه منسوباً لليث، وانظر: "عند" في "اللسان" 5/ 3124، و"التاج" 5/ 130.]]، ومعنى ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر؛ لأنه لم يظفر بما تمنَّى.
14:16Page 257
مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ ١٦
Before him1 is Hell, and he will be given a drink of purulent water.2
قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [قال ابن عباس والمفسرون: يريد أمامه جهنم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش)، (ع).]] بين يديه [[ورد في تفسيره "الوسيط" 1/ 312 بنصه عن ابن عباس، و"ابن الجوزي" 4/ 351 بنحوه عن ابن عباس، وانظر: "الطبري" 13/ 195، و"الثعلبي" 7/ 148 أ، و"الماوردي" 3/ 127.]]، ووراء يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما توارى عنك؛ أي: ما اسْتَتَر عنك [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156 بنصه.]] فعلى هذا إنما قيل (من ورائه) لما بين يديه؛ لاستتاره عنه، فصار كما يكون خلفه لمّا كان لا يراه. وذهب قوم إلى أن الوراء من الأضداد؛ يكون الخلف والقُدَّام [[انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد" للأصمعي ص20، والسجستاني ص 82، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 68، و"تأويل مشكل القرآن" ص 189، و"جمهرة اللغة" 1/ 236، وقد أنكر الزجاج والنحاس أن تكون وراء من الأضداد، ورجحا أن تكون بمعنى الاستتار، وهو ما ذهب إليه ثعلب؛ فقد سئل لم قيل الوراء للأمام، فقال: الوراء اسم لما توارى عن عينك، سواءً أكان أمامك أم خلفك.
"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 522، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، و"تفسير الشوكاني" 3/ 143.]]، وهو قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 237 بنحوه.]]، وابن السِّكِّيت [["الأضداد" لابن السكيت "ثلاثة كتب في الأضداد" ص 175، وانظر (ورى) في "تهذيب اللغة" 4/ 3879.]]، وأبي الهيثم [[ورد في "تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3879 بنحوه، وأبو الهيثم هو: الرازي، تقدمت ترجمته.]].
قال أهل المعاني: وإنما جاز ذلك [[أي كون (وراء) ميت الأضداد.]] لأنه ما من مكان إلا ويصح أن يكون خلفًا وقدامًا، ولمّا [[في (أ)، (د): (إنما)، والمثبت من (ش)، (ع).]] كان ما هو خلف يجوز أن يصير قدامًا، جاز أن يقع الوراء على القُدَّام [["معاني القرآن" للفراء 2/ 157 بنحوه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 305 بنحوه، وانظر: "الأضداد" للجسستاني "ثلاث كتب في الأضداد" ص 82، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 68.]]، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:79]، أي: أمامهم [[انظر المصادر السابقة.]]، ويقال: الموت من [[(من) ساقطة من (ش)، (ع).]] وراء الإنسان، أي: أمامه، وذكر ابن الأنباري وجهًا ثالثًا؛ وهو: أن وراء هاهنا بمعنى بعد [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، و"الفخر الرازي" 19/ 103، وورد بلا نسبة في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878، و"تفسير الماوردي" 3/ 128، و"تفسير القرطبي" 9/ 350، وقد انتصر ابن عطية لهذا المعنى في رده على الطبري وغيره ممن فسَّروا (ورائه) بـ (أمامه)، وذكر أن (وراء) هاهنا على بابها؛ أي: ما يأتي بعد في الزمان. انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 217.]]، والكناية فيه تعود إلى اليأس الذي دلَّ عليه قوله: ﴿وَخَابَ﴾ كأنه قال: من بعد يأسه [[في (أ): (بانيه)، وفي (د): (بابنيه)، وفي (ش)، (ع): (ناسه)، والتصويب من "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352.]] جهنم، كقول النابغة:
ولَيْسَ وَرَاء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ [[صدره:
حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً
"ديوان النابغة" الذبياني ص 27، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، "الأضداد" لابن الأنباري ص 70، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3879، و"تفسير الماوردي" 3/ 128، و"تفسير القرطبي" 9/ 350، و"الألوسي" 13/ 301، وهذا البيت من قصيدة قالها يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ويمدحه.]]
أي: وليس بعد الله مذهب.
وقال مقاتل: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ يعني بَعْده [["تفسير مقاتل" 1/ 192 أ، وعبارته: من بعدهم؛ يعني من بعد موته، وانظر: "تفسيرالثعلبي" 7/ 148 أ، بنصه، ونقلها عنه.]]، وهذا على معنى أن جهنم تلحقه، وأن عاقبته تصير إليها؛ كما يقال: وراءك برد شديد؛ أي: أنه يأتيك ويبلغك، وأنا من وراء هذا الأمر، أي: أصل إليه طالبًا، ومنه قول لبيد:
أَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي ... لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ [["شرح ديوان لبيد" ص 170، وورد في: "الأضداد" للسجستاني [ثلاثة كتب في الأضداد] ص 83)]، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 69، و"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878، و"الأغاني" 14/ 99، و"اللسان" (وري) 1/ 4823، وفي جميع النسخ: (وراء) بحذف الياء والمثبت هو الصواب، والتصويب من الديوان وجميع المصادر السابقة.]]
جعل الشيب وزمانه وراءه، على معنى أنه يأتيه [[في (أ)، (د): (ثابتة)، والمثبت من (ش)، (ع).]] ويلحقه. وبقي شيء من الكلام في وراء سنذكره عند قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: 79]، إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ الصديد في اللغة: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح [[انظر: "مجاز القرآن" ص 338، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"نزهة القلوب" ص 297، (صدّ) في "تهذيب اللغة" 2/ 1985، و"مقاييس اللغة" 3/ 282، و"مجمل اللغة" 2/ 532، و"اللسان" 4/ 2410 (صدد).]]، يقال: أصَدَّ الجرح.
قال ابن عباس: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزُناة [[ورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 148أ، وتفسيره "الوسيط" 1/ 312 بنصه.]]، وهو قول القرظي [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353، و"الخازن" 3/ 73، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519، و"تفسير الألوسي" 13/ 202، و"صديق خان" 7/ 98.]]، والربيع [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 9/ 352، و"الألوسي" 13/ 202.]].
وقال قتادة والكلبي: هو ما يخرج من جلد الكافر ولحمه [[أخرجه عن قتادة: عبد الرزاق 2/ 341 بنحوه، والطبري 13/ 195 بنحوه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أبنصه عن قتادة، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 352، عن قتادة، وابن كثير 2/ 578، عن قتادة.]]، وتلخيص قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: من مائع سائل هو صديد، وقال أبو علي: تقديره: من ماء ذي صديد، قال: وهذا خلاف قوله. ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [[لم أقف على مصدره.]] [الإنسان: 21].
14:17Page 257
يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ ١٧
He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.
قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: جَرعَ الماء واجْترعَه جَرعًا واجْتراعًا، فإذا تابع الجَرْع مرة بعد أُخرى كالمتكاره، قيل: تَجَرَّعه [[ورد في "تهذيب اللغة" (جرع) 1/ 585 بنصه تقريباً، وانظر (جرع) في "المحيط في اللغة" 1/ 250، و"التاج" 11/ 61 - 62.]]، فمعنى التَّجَرُّع: تناوْل المشروب جَرْعة جَرْعة على استمرار، وهو معنى قول ابن عباس: يريد بالكُرْه [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، بلفظه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ذكرنا معنى (كاد) عند قوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: 20] ويقال: ساغ الشراب في الحلق، يَسُوْغُ سَوْغًا، وأساغه الله [[انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" 2/ 846، و"تهذيب اللغة" 2/ 1597، و"مجمل اللغة" 2/ 478، و"مقاييس اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 4/ 1322، العباب الزاخر: [غ/ ص 48]، و"اللسان" 4/ 2152.]].
وأنشد الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 320، بلا نسبة.]]: وساغَ ليَ الشَّرَابُ وكُنْتُ قَبْلًا ... أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحَمِيم [[نُسب لعبد الله بن يعرب (جاهلي) في "شرح التصريح على التوضيح" 2/ 50، و"الدرر اللوامع" 3/ 112 وفيه: (الفرات) بدل (الحميم) ولا فرق؛ لأن الفرات هو الماء العذب، وكذا الحميم؛ لأنها من الأضداد. [انظر: "الأضداد" لابن الأنباري 138]، ونُسب ليزيد بن الصَّعِق (جاهلي) في "خزانة الأدب" 1/ 426، 429، 6/ 505، 510، وعجزه:
أغص بنقطة الماء الحميم
وورد بلا نسبة في "شرح المفصل" 4/ 88، و"أوضح المسالك" ص 149، و"شرح ابن عقيل" 3/ 73، و"تذكرة النحاة" ص 527، و"شرح الأشموني" 2/ 503، و"همع الهوامع" 3/ 194، والمعنى: يقول لم يكن يهنأ لي طعام ولا يلذ لي شراب، بسبب ما كان لي من الثأر عند هؤلاء، فلما غزوتهم وأطفأت لهيب صدري بالغلبة عليهم ساغ شرابي ولذَّت حياتي.]]
قال المفسرون في هذه الآية: يتحسَّاه ويشربه بالجَرع لا بمرة واحدة لمرارته [[ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، وتفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 341، و"الفخر الرازي" 19/ 103، و"تفسير القرطبي" 9/ 351، و"الخازن" 3/ 73.]]، وقالوا (يكاد) صلة؛ المعنى: ولا يسيغه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"تفسير السمرقندي" 2/ 203، و"البغوي" 4/ 341، والزمخشري 2/ 297، و"ابن الجوزي" 4/ 353، والبيضاوي 3/ 158، وذهب آخرون كالفراء والطبري إلى أنها ليست صلة؛ لأن العرب تستعمل (لا يكاد) فيما قد فُعِل وفيما لم يُفْعل، وذكروا هذه الآية مثالاً على ما فُعل، فقالوا: معنى ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يسيغه، واستشهدوا على ما لم يُفعل بقوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يرها. "معاني القرآن" للفراء 2/ 71، تفسيرالطبري 13/ 195، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 103، وابن جزي 2/ 139، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519، و"تفسير الشوكاني" 3/ 144.]]، كقوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النو: 40] أي: لم يرها، قال ابن عباس: لا يُجِيْزُه [[ورد في "تفسيرالثعلبي" 7/ 148 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 342، و"تفسير القرطبي" 9/ 351، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519.]].
وقال أهل المعاني: معنى ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي: قمت بعد إبطاء، قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] يعني: فعلوا بعد إبطاء؛ لتعذر وجودها، فعلى هذا (كاد) ليس بصلة.
وقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ جاز أن تكون صلة؛ لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمة [[بسبب الظلمات الثلاث؛ ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وهو ما أشارت إليه الآية. [النور: 40].]] على عدم الرؤية، فوضح [[في جميع النسخ (فوضع) بالعين، وهو تصحيف، والصواب بالحاء.]] بذلك أنّ ﴿يَكَدْ﴾ مزيد للتوكيد، والدليل على الإساغة قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: 20] ولا يكون الضمير [[أي الكناية في يسيغه تعود على الكافر، ولو لم تحصل له الإساغة لقال: (لا يكاد يُساغ) ونحوها.]] إلا بعد الإساغة، وأيضًا فإن قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يدل على أنهم أساغوا منه [[في جميع النسخ (أساغوه منه) جَمع بين الضميرين، فأصبحت العبارة مضطربة، وتستقيم العبارة بأحد الأمرين: إما أن تحذف الهاء فتصير (أساغوا منه الشيء بعد الشيء) أو تحذف (منه) وتصير العبارة (أساغوه؛ الشيء بعد الشئ). وكأن التصويب قد جرى في نسخة (ع) بطمس (الهاء) بألف غير واضحة.]] الشيء بعد الشيء، فكيف أن يصح أن يقال بعده: لا يُسيغه، البتة.
فإن قيل: فكيف وجه ما قاله المفسرون؟
قيل: يُحْمل على وجهين؛ أحدهما: ذكره ابن الأنباري وهو أن المعنى: ولا يُسيغ جمْعه؛ كأنه يَجْرع البعض، ولم يُسغ الجميع لمرارته، فوقع الجحدُ بعد إثباتِ التَّجرعِ؛ على معنى إساغة الكل.
الوجه الثاني: أن معنى الإساغة في اللغة: إجراء الشراب في الحلق على تَقَبُّل النَّفْس واستطابة المشروب [[لم يذكر المؤلف أهم خصائص الإساغة؛ وهو السهولة والاستمرارية، يقول ابن فارس في "مقاييس اللغة" 3/ 116: السين، والواو والغين أجل يدل على سهولة الشيء واستمراره في الحلق خاصة، ثم يحمل على ذلك. اهـ. كأنه ذكر لازم السهولة والاستمرارية، وهو تقبل النفس واستطابة المشروب. وانظر العباب الزاخر [غ/ ص 49].]]، والكافر يتجرع ذلك الشراب علي كراهته ولا يُسيغه أي: لا يستطيعه ولا يشربه شُربًا بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا من الوجهين يصح أن تكون (يكاد) صلة على ما ذكره المفسرون، وقول من لم يجعل (يكاد) صلةً أمثل.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ ذكر أهل المعاني في ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ وجهين؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى: ويأتيه هَمُّ الموت وألمُه وكربُه [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 203 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353 بنصه، وفي هذا التفسير نظر؛ لأن همّ الموت إنما كان عذابًا لأهل الدنيا لخشيتهم من المصير المجهول، أما أهل الآخرة من الكفار فإن الموت لم يكن هماً لهم، بل هو راحة يتمنونه، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] لذلك فالأولى تفسيره بقول ابن عباس (، قال: أي أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم؛ ليس مها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36]، انظر: "ابن كثير" 2/ 579، و"الدر المنثور" 4/ 139 وعزاه إلى ابن أي حاتم. والغريب عدم إيراده لهذا القول عن ابن عباس كما التزم، وهو قريب من الوجه الثاني الذي أورده عن أهل المعاني.]]؛ لأنه يستحيل أن يأتيه الموت؛ عين الموت ثم لا يموت، وقد قال الله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.
والمعنى: أن الله تعالى حبس نفس الكافر في جسده على اجتماع آلام الموت وأفانِينِه [[ضُرُوبه وأنواعه. المحيط في اللغة (فن) 10/ 315.]] عليه ليصل إليه الألم، ومع ذلك لم يفارقه الروح فيستريح، الوجه الثاني: أنه أراد بالموت هاهنا: موت الضُّر والبلاء؛ كما يقال: فلان ميت مما لحقه، ومات فلان موتات بما أباح [[البَوْحُ: ظهور الشيء، وباحَ الشيء: ظهر، وأباح الشيء: أطلقه "اللسان" (بوح) 1/ 384.]] عليه من البلية؛ يعني: إنه كالميت وإن كان فيه روح، كما ورد في الحديث: "إن الفقر مكتوب عند الله الموت الأعظم" [[لم أجده بلفظه ولا بمعناه فيما تيسر لي من المراجع.]] وقد قال الشاعر [[هو عدي بن الرَّعْلاء الغساني (شاعر جاهلي).]]:
ليس مَنْ مَاتَ فاسْتَرَاحَ بمَيتٍ ... إنَّما الميتُ ميتُ الأحْيَاءِ
إنَّما الميتُ مَنْ يَعيشُ كَئِيبًا ... كاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّخَاءِ [[ورد البيتان معاً في "الأصمعيات" ص 152، و"معجم الشعراء" ص 77، شرح شواهد "المغني" 1/ 405، وورد البيت الأول فقط في "البيان والتبيان" 1/ 124، و"الحيوان" للجاحظ 6/ 135، و"العقد الفريد" 5/ 476، و"الاشتقاق" ص 51، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 124، و"شرح المفصل" 10/ 69، و"الخزانة" 6/ 530، ورواية "معجم الشعراء" (الرخاء) بالخاء، وفي باقي المصادر (الرجاء) بالجيم، ولا يختلف المعنى، (كاسفاً): سيئاً حاله، وقد ورد اليتان في شأن من تدعه الحرب سليماً معافى في ثياب من الذل والخزي، فحياته ليس إلا موتًا.]]
فجعله ميتًا، وهذا قول أبي بكر، وهو معنى قول الأخفش؛ يعنىِ: البلايا التي تصيب الكافر في النار [[ليس في معانيه، وقد ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 ب بنصه، وانظر: "تفسير == ابن الجوزي" 4/ 354، و"تفسير القرطبي" 9/ 352، وأبي حيان 5/ 413، و"تفسير الشوكاني" 3/ 144، و"الألوسي" 13/ 203، و"صديق خان" 7/ 99، وقد أنكر أبوحيان والألوسي هذا القول؛ بحجة أن سياق الكلام عن أحوال الكافر في جهنم وما يلقى فيها. وهذا غير مسَّلم لهما؛ لأن ما يلقاه الكافر في نار جهنم من أنواع العذاب هي من البلايا والآلام التي تصيبه، لكن لا على سبيل الابتلاء والامتحان؛ لأن ذلك زمنه الدنيا وقد ولَّى.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال ابن عباس: يريد من كل شعرة في جسده [[ورد في تفسيره "الوسيط" 1/ 214 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353.]].
وقال الثوري: من كل عِرْق [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353.]]، وهذا قول أكثر المفسرين: جعلوا المكان من جسده [[ورد بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 72، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، "تفسير الطبري" 13/ 196، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 523، و"تفسير السمرقندي" 2/ 203، والثعلبي 7/ 148 ب، والماوردي 3/ 128.]]، وروى عن ابن عباس في قوله من كل مكان: أي من كل جهة؛ من عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 72 بنحوه من طريق الكلبي ضعيفة، و"تفسير الماوردي" 3/ 128 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 354، و"تفسير القرطبي" 9/ 352، و"الألوسي" 13/ 202.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمامه يوم القيامة [[ورد بنحوه غير منسوب في: "الطبري" 13/ 196، والثعلبي 7/ 148 ب، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 523، و"المشكل" لمكي 1/ 446، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 342، و"القرطبي" 9/ 352، و"الخازن" 3/ 74.]].
وقال الكلبي: يقول من بعد الصديد عذاب غليظ [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 354 بنصه.]]، وهذا اختيار أبي إسحاق وأبي بكر؛ قال أبو إسحاق: أي ومن بعد ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157 بنصه.]]، وقال أبو بكر: ومن بعد هذا العذاب المذكور عذاب غليظ [[لم أقف على مصدره، وقد بين ابن الأنباري في هذا القول أن الضمير في ورائه يعود على العذاب المتقدم، وقد ورد هذا القول بلا نسبة في: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 446، و"تفسير ابن عطية" 8/ 220، و"البيان في غريب الإعراب" 2/ 56، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 354، وأبي حيان 5/ 413، و"الدر المصون" 7/ 81.]]، ومعنى غِلَظِ العذاب: اتصال الآلام وكثرتها؛ كالشيء الغليظ الذي كثر أجزاؤه وتكاثف، كما قلنا في: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences