Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:88–94
15:88Page 266
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها [[أخرجه الطبري 14/ 61 بمعناه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 614، و"الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، وقال في رواية عطاء: ولا تتمنّ ما فضلنا به أحدًا من متاع الدنيا، ولا يقع في قلبك حلاوتها ولا شيء من زينتهم [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 210.]]، فدل هذا التفسير على أن المراد بنهيه من مد العين نهيه عن التطلع إليه رغبة فيه، وإنما يكون مادًا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إلى الشيء يدل على استحسانه وتمنِّيه، ولهذا فسره ابن عباس بالنهي عن التمني، فكان -ﷺ- لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، حتى رُوي أنه نظر إلى نَعَم بني المُصْطَلِق [[قبيلة بني المصطلق بطن من خزاعة، من القحطانية، وهم بنو المصطلق، واسمه جَذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة، وقد غزاهم النبي -ﷺ- في شعبان سنة ست من الهجرة، ولقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، فهزمهم الله، وقُتل من قُتل، ونفل رسول الله -ﷺ- أبنائهم ونسائهم وأموالهم، فأفائهم عليه. انظر: "الروض الأنف" 4/ 6، "معجم قبائل العرب" 3/ 1104.]] وقد عَبِست في أبوالها وأبعارها، (فَتَقَنَّع بثوبه وقرأ هذه الآية) [[ورد في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 380 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (عبس) 3/ 2307 بنصه، وانظر: "النهاية" لابن الأثير 3/ 171، "الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، "تفسير الألوسي" 14/ 81.]]، قال أهل المعاني: وذلك أن يجف أبعارُها وأبوالُها على أفخاذها إذا نزلت من العمل أيام الربيع، فيكثر شحومُها ولحومُها وهي أحسن ما تكون [[ورد بنحوه في: غريب الحديث 1/ 380، و"تهذيب اللغة" (عبس) 7/ 2303، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 210 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال الزجاج: أي أمثالًا في النِّعَم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنصه.]]، يعني أن الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى والنعمة فهي أزواج، وقال ابن قتيبة: أي أصنافًا منهم [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 241 بلفظه.]]، والزوج في اللغة الصنف [[انظر: (زوج) في: "المحكم" 7/ 365، و"اللسان" 3/ 1886.]]، وقد ذكرنا ذلك؛ يعني أصناف الكفار من المشركين واليهود وغيرهم، وقال المفضل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي رجالا ونساءً أغنيناهم، فلا تمدنّ عينيك إلى ما أعطيناهم [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما فاتك من الدنيا، قال أهل المعاني: معناه: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقال الحسن: لا تحزن عليهم بما يصيرون إليه من العذاب بكفرهم [[ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الماوردي" 3/ 171، "تفسير القرطبي" 10/ 57.]]، ونحو هذا قال الكلبي: لا تحزن على كفار قريش إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225، وابن الجوزي 4/ 416.]]، ثم نزل يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخفض معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3] أي: أنها تخفض أهلَ المعاصي وترفع أهلَ الطاعة [[انظر: "تهذيب اللغة" "خفض" 1/ 1066 بنصه.]]، فالخفض معناه الوضع، والجناح من الإنسان يده، قال الليث: يد الإنسان جناحاه [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 211.]]، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: 32] والعرب تقول: فلان خافض الجناح، وخافض الطير، إذا كان وقورًا ساكنًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (خفض) 1/ 1066 بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 57.]] ومعنى الآية: كأنه يقول لِن واسْكُنْ لهم.
قال ابن عباس: يقول: ألِن لهم الموعظة وارفق بهم ولا تغلظ عليهم [[انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنحوه، وابن الجوزي 4/ 416، و"تنوير المقباس" ص 281 بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، والطبري 14/ 61، والثعلبى 2/ 152 أ.]].
وقال الزجاج: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: ألِن جانبك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بلفظه.]]، ونحوه قال المفضل [[لم أقف عليه.]]، فعلى هذا جناح الإنسان جانبه، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] والعرب تقول: فلان لين الجانب، إذا كان سهل الخلق منبسطًا، كما تقول في ضده: فلان منيع الجانب، ومنه قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: 51]
15:89Page 266
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أُنذركم سطواتِ اللهِ وسخطه وعذابه، وأبين لكم ما يقربكم إلى الله ويبعدكم من الله.
15:90Page 266
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Just as We had revealed [scriptures] to the separators1
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ اختلفوا في المقتسمين من هم؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن رسول الله ﷺ- والإيمان به، وهم ما بين ثمانية وثلاثين إلى الأربعين [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 211.]]، وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عِقابَ [[العَقَبَة: طريق وعر في الجبل، والجمع عَقَب وعِقاب. انظر: (عقب) في "جمهرة اللغة" 1/ 364، "المحيط في اللغة" 1/ 197.]] مكة وطرقها، يقولون لمن سلكها: لا تغتروا بالخارج منا والمدعي النبوة فإنه مجنون، فكانوا يُنَفّرون النُزَّاعَ إليه بأنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر [["تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، بنحوه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 91، ومعظم الذين ذكروا هذا القول نسبوه للفراء، ومقاتل سابق للفراء.]]، وهذا القول اختيار الفراء قال: سُمُّوا مقتسمين لأنهم اقتسموا طُرُقَ مكة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 بنصه.]]، فأنزل الله بهم جَرَبًا فماتوا شر ميتة، وقال في معنى الآية: يقول: أنذرتكم ما نزل بالمقتسمين، قال صاحب النظم المعنى: إني أنذرتكم ما أنزلناه على المقتسمين [[وهو كقول الفراء؛ قال: يقول أنذرتكم ما أُنزل بالمقتسمين 2/ 91.]]، وتكون الكاف زائدة؛ وزيادة الكاف قد توجد في مواضع من الكلام [[انظر: التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند الآية [10] من سورة إبراهيم.]]؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وقول رُؤبة:
لَوَاحِقُ الأقْرَابِ فيها كالمَقَقْ [["ديوانه" ص 106، وورد في: "سر صناعة الإعراب" 1/ 295، "شرح ابن عقيل" 3/ 26، "شرح شواهد المغني" 2/ 764، و"الخزانة" 1/ 89، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 418، و"المسائل البغداديات" ص 400، و"الإنصاف" ص 257، "شرح الأشموني" 2/ 409، (اللواحق) جمع لاحقة، وهي الهزيلة الضامرة، (الأقراب) جمع قُرْب؛ وهي الخاصرة، (المقق) هو الطُّولُ، وقيل الطول الفاحش في دقة، والمعنى: هذه الخيول أو الأُتن خماص البطون، قد أصابها الهزال وضمرت بطونها مع ما بها من طول فاحش.
والشاهد: (كالمقق) حيث جاءت الكاف زائدة، لا تدل على معنى التشبيه، إذ المقق: الطول، ولا يقال في الشيء كالطُّول، وإنما يقال: فيه طُول. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 292، "الانتصاف من الإنصاف" بهامشه 1/ 300.]]
قال النحويون: الكاف التي هي حرف جار قد تكون زائدة مؤكدة بمنزلة الباء في خبر ليس [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 291 بنصه، "المقتضب" 4/ 418، "شرح ابن عقيل" 3/ 26.]]، وذكر صاحب النظم وجهًا آخر، هو أن يكون التأويل: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: عذابًا ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، وعلى هذا: المفعول محذوف وهو المشبه، ودل عليه المشبه به، وهذا كما تقول في الكلام: رأيت كالقمر في الحُسْنِ [[نقل الفخر الرازي قول صاحب النظم وتوضيح الواحدي له بنصه دون عزو. "تفسير الفخر الرازي" 19/ 212.]]، أي: رجلاً، وما تريد [[يقصد تقديره: رجلاً أو ما تريد أن تقدّره.]]. وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان: (المقتسمين) هم اليهود والنصارى [[أخرجه البخاري (4705) التفسير، كتاب: الحجر، باب: قوله تعالى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ بنصه، والطبري 14/ 61 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تفسير هود الهواري" 2/ 356، والثعلبي 2/ 152 أ، والماوردي 3/ 172، والطوسي 6/ 354، و"تفسير البغوي" 4/ 393، وابن عطية 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، والفخر الرازي 19/ 212، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، والخازن 3/ 103.]].
واختلفوا لم سُمّوا مقتسمين؟ قال ابن عباس في هذه الرواية: لأنهم جعلوا القرآن عضين؛ آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.
وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم سورة كذا لي، وقال بعضهم سورة كذا لي [["أخرجه الطبري" 14/ 62 بنحوه، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أ، بنحوه، والماوردي 3/ 172 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، والخازن 3/ 103.]].
وقال مجاهد: لأنهم قسموا كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه [["أخرجه الطبري" 14/ 63 بنحوه، ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 لكنه قال: فرقوا القرآن، والصحيح كما في كل الروايات فرقوا كتبهم، والثعلبي 2/ 152أبمعناه، والماوردي 3/ 172 بمعناه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 417، والخازن 3/ 103.]].
وقال مقاتل بن حيان: أقتسموا القرآن؛ فقال بعضهم: سحر (وقال بعضهم: شعر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبنصه، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 212 بنصه.]].
وقال ابن زيد: المقتسمون هم قوم صالح تقاسموا، من القَسَم لا من القِسْمة [["أخرجه الطبري" 14/ 63 بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 أبنحوه، والماوردي 3/ 172 بمعناه، والطوسي 6/ 354 بمعناه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 355، وابن الجوزي 4/ 418، والفخر الرازي 19/ 212، و"تفسير القرطبي" 10/ 58، وابن كثير 2/ 614.]]، ونحوًا من هذا قال ابن قتيبة؛ جعل المقتسمين: الذين تحالفوا على تكذيب محمد -ﷺ-وأن يذيعوا ذلك [بـ] [[إضافة يقتضيها السياق؛ كما في المصدر.]] كل طريق [["الغريب" لابن قتيبة ص 241 بنصه.]]، كما ذكرنا في القول الأول [[وقد لخّص الطبري الأقوال الواردة في المقتسمين، فقال: هم قوم صالح أو أهل الكتاب أو كفار قريش، ثم ذكر أن النص محتمل لأي من الفرق الثلاث ما دام أنه لم يخصص، فوجب حمله على كل من اقتسم كتابًا لله بتكذيب بعض وتصديق بعض. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 63 - 64]].
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ من صفة المقتسمين، إلا على قول ابن زيد، فإنه يكون ابتداءً وخبره في (لنسألنهم)، وذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين، أحدهما: أن واحدها عِضَة؛ مثل: عزة ونزة وثبة، وأصلها عِضْوة من: عضَّيتُ الشيء، إذا فرَّقته [[انظر: (عضه) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2477، "الصحاح" 6/ 2241، "عمدة الحفاظ" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب.]]، وكل قطعة عضة، وهي مما نقص منها واوٌ؛ وهي لام الفعل -مثل قِلَة وعِزَة- وبابها، والتعضية التجزئة والتفريق، ورواه أبو ظبيان عن ابن عباس في عضين ما ذكرناه في المقتسمين، ويقال: عضيت الشاة والجزور تعضية، إذا جعلتها أعضاءً وقسمتها.
وفي الحديث: "لا تَعْضية في ميراثٍ إلا فيما حمل القَسْمَ" [[أخرجه الدارقطني كتاب: الأقضية والأحكام، باب: المرأة تقتل إذا ارتدت 4/ 219 بنحوه بروايتين عن أبي بكر، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب: آداب القاضي، باب: مالا يحتمل القسمة 10/ 133 بنحوه بروايتين، وورد في "النهاية" 3/ 256، و"الكنز" 11/ 9، والحديث ضعيف كما قال الشافعي: قال ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا، وقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه، وهو قول الكافة، وعلة أخرى أن الحديث يدور على صديق بن موسى، وهو ليس بحجة كما في "الميزان" 3/ 28، وقد أشار إلى ذلك الآبادي في ذيل "سنن الدارقطني" 4/ 219.]] أي: لا تجزئة فيما [لا]، [[في جميع النسخ بدوك (لا)، ولا يستقيم المعنى إلا بها؛ لأن المراد النهي عن تفريق ما يكون تفريقه ضررًا علي الورثة؛ كأن تقسم جوهرة نفيسة أو ثوب نفيس فتنقص بذلك قيمته.]] يحتمل القَسْم؛ كالجوهرة والسيف وغيرهما، وهذا معنى قول المفسرين وأكثر أهل المعاني؛ قال ابن عباس في قوله: {جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} يريد جَزَّؤُوهُ أجْزاءً، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولمِن، وقالوا: مفترى [[أخرجه البخاري (4705) كتاب: التفسير، باب: الحجر بنحوه عن ابن عباس، والطبري 14/ 64 - 66 عنهما بنحوه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 عنهما، والحاكم: كتاب: التفسير، باب: الحجر 2/ 355 بنحوه، والماوردي 3/ 173 عن ابن عباس، والطوسي 6/ 354 عن قتادة، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 418 عنهما، و"تفسير القرطبي" 10/ 59، والخازن 3/ 103، وابن كثير 2/ 614، و"تنوير المقباس" ص 281، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس.]]، وهذا قول قتادة واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنحوه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]] وأبي العباس [[لم أقف عليه.]] وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 355 بمعناه.]]، ولكون المعنى على هذا: جعلوا القول في القرآن عضين حين اختلفت أقوالهم وتفرقت في وصف القرآن.
القول الثاني: أنها عِضَة، وأصلها عِضْهة، فاستثقلوا الجمعَ بين هاءين، فقالوا: عِضَة؛ كما قالوا: شَفَة والأصل شَفْهة [[انظر: (عضة) في "تهذيب اللغة" 3/ 2478، مجمل اللغة 2/ 673، "الصحاح" 6/ 2241، "شرح الفصيح" للزمخشري 2/ 611، "عمدة الحفاظ" 3/ 111، "تفسير الطبري" 14/ 65، الثعلبي 2/ 152ب.]]، بدليل قولك: شافهت مشافهة، وسَنَة وأصلها سَنْهة في أحد القولين [[ذكر أبو علي الفارسي أن لام الكلمة المحذوفة يجوز أن تكون واوًا أو هاءً، لقولهم في (سنة) (أسْنَتُوا) -أجدبوا- ومنها؛ (سنوات)، أصلها واو، وفي قولهم: (ساناه) -عامله بالسنة- ومنها: (نخلة سَنْهاء) -أصابتها السنة- أصلها هاء، وقولهم في (عضه): (عِضوات) أصلها واو، وفي قولهم: (عِضاه، وبعير عاضه، وناقة == عاضهة) أصلها هاء. انظر: "المسائل الحلبيات" ص 345، "المسائل البغداديات" ص 158، "سر صناعة الإعراب" 1/ 418، "المحكم" (عضه) 1/ 59.]]، وعلى هذا؛ الهاء لام وهي من العضة بمعنى الكذب، ومنه الحديث: "إيَّاكم والعِضَة" [[جزء من حديث طويل يتكون من عدة فقرات، كهجر المسلم، والصدق والكذب، وأحسن الكلام .. ، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب القدر 11/ 116 بنصه، والطبراني في "الكبير" 9/ 98 بنصه، قال محقق "المعجم الكبير": (قال شيخ الإسلام في إقامة الدليل ص 59: رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بأسانيد جيدة إلى محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال .. فذكره، وهذا إسناد جيد، لكن المشهور أنه موقوف على ابن مسعود. وأفاد كذلك المحقق أن الألباني ضعفه - دون أن يذكر أين. وورد برواية: ألا أُنبِّئكم ما العَضْه؟ هي النميمةُ القالةُ بين الناس)، أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم النميمة.]].
وقال ابن السكيت: العَضِيْةُ أن يَعْضِه الإنسانَ ولقول فيه ما ليس فيه [[إصلاح المنطق ص 353 بنصه، وانظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، وفيهما: (العَضِيْهَةُ) بدل (العضية).]]، وهذا معنى قول عكرمة واختيار الكسائي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477، "تفسير ابن عطية" 8/ 356.]]، وقول الخليل فيما روى عنه الليث [[كتاب "العين" 1/ 99 بمعناه.]]. قال عكرمة: العضه السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر: عاضِه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 350 بنصه، والطبري 14/ 66 بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 43، و"تهذيب اللغة" (عضه) 3/ 2477 بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 173، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 320، وأبن عطية 8/ 357، وابن الجوزي 4/ 419، وابن كثير 2/ 614، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 198 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]].
وقال ابن الأعرابي: العضة والتُّوَلة [[التُّولة والتِّوَلة: شيءٌ يُشبه السحر، يُحببُ المرأة إلى زوجها. "المحيط في اللغة" (تول) 9/ 462.]] السحر [[لم أقف عليه.]]. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 مختصرًا، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 213 نقلهما عن الواحدي بنصه بلا نسبة.]]، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لِمَا لحقها من الحذف؛ فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف، وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ [[واحد الثُبات: ثُبَةٌ، انظر: " لغريب" لابن قتيبة 1/ 127، "تهذيب اللغة" (ثاب) 1/ 465، "عمدة الحفاظ" 1/ 317.]] [النساء: 71] وفي جمع أرض [[لم أقف على الآية التي أشار أنه تعرض فيها لجمع أرض، وقد جمعت (أرضون)، والقياس يقتضي جمعها (أرضات) لأنها مؤنث، فلما حذفت الهاء -أي من أرضة- عوضوا عنها في الجمع بالواو والنون، فقالوا (أرضون) وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التغيير تميزًا لها لمخالفة الأصل، وليعلم أن سبيلها لو جمعت بالتاء أن يفتح راؤها، فيقال: (أرَضات). انظر: "شرح المفصل" 5/ 5.]].
قال الفراء: ومن العرب من يجعلها بالياء على كل حال، ويعرب نونها فيقول: عِضِينُك، ومررت بعِضِينِك، وأنشد: [[البيت للصمة بن عبد الله القُشَيْري ت 95 هـ.]]
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَه .... لَعِبْنَ بَنا شِيبًا وشيَّبْنَنَا مُرْدا [[ورد في:"تكملة الإيضاح" العضدي ص 207، "شرح شواهد الإيضاح" ص 597، "شرح المفصل" 5/ 11، "شرح التصريح" 1/ 77، "الخزانة" 8/ 58، وورد بلا == نسبة في "المخصص" 9/ 66، "الاقتضاب" ص 193، "أمالي ابن الشجري" 2/ 261، "اللسان" (نجد) 7/ 4346، (سنه) 4/ 2127، "أوضح المسالك" ص 14 (صدر)، "شرح ابن عقيل" (1/ 65، وفي بعض هذه المصادر (ذراني) بدل (دعاني)، والمعنى واحد، وهو أمر ومعناه: اتركاني من ذكر نجد، (سنينه): جمع سنة، وهي هنا إما بمعنى العام وإما بمعنى القحط. (شِيباً): جمع أشيب، وهو الذي ابيضَّ شعره، (مُردًا) جمع أمرد، وهو الذي لا شعر بعارضيه. والشاهد قوله: (سِنينَه) بإثبات النون ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء وإلا لقال: (سِنِيْه) بحذف النون للاضافة وهذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات الثلاث على النون مع لزوم الياء؛ لأنها أخف عليهم، ولأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودًا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، وكذلك يكون ما قام مقامه. انظر: "شرح التصريح على التوضيح" 1/ 77.]] قال وأنشدني بعضُ بني أسد [[لم أقف على القائل، وفي المصدرين -الذين وقفت عليهما- نُسب إلى الفراء.]]:
مِثْل المَقَالِي ضُرِبَتْ قُلِينُها [[ورد في: "تهذيب اللغة" (قلا) 3/ 3025، "اللسان" (قلا) 6/ 3732، القُلَة والمِقْلَى والمِقلاء: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمِقلى العود الكبير الذي يُضرب به، والقُلَة الخشبة الصغيرة التي تُنصب، وهي قَدر ذراع، وجمع المقلى المقالي، الشاهد: (قُلِينُها) حيث جعل النون كالأصلية فرفعها، وذلك على التوهم، ووجه الكلام فتح النون لأنها نون الجمع.]]
قال وإنما يجوز هذا فيما نقص لامها؛ لأنهم توهموا أن النون أصلية وأن الحرف على فعيل، ألا ترى أنهم لا يقولون هذا في الصالحين والمسلمين! وكذلك قولهم: الثبات واللغات، ربما أعربوا التاء منها بالنصب والخفض فيتوهَّمون أنها هاء وأن الألف قبلها من الفعل، وأنشد [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي (جاهلي).]]: إذا ما جَلاَهَا بالإِيَام تَحَيَّزَتْ ........ ثُبَاتًا عليها ذُلُّها واكْتِئَابُها [["ديوان الهذليين" ص 79، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 53 وفيهما برواية: (فلمِّا اجتلاها)، وورد في: "أدب الكاتب" ص 441، "جمهرة اللغة" 1/ 248، 3/ 1334 وفيهما (ثباتٍ) بكسر التاء، "المنصف" 3/ 63، "المحتسب" 8/ 111، الاقتضاب ص 403، "شرح الجواليقي" ص 226، "اللسان" (أيم) 1/ 192، وورد بلا نسبة في: "الخصائص" 4/ 303، "المخصص" 8/ 182، 40/ 11، "شرح المفصل" 5/ 4.
(اجتلاها): كشفها وأبرزها وأخرجها، (الإِيام): الدُّخان؛ وجمعُه أُيُم، وآمَ الدُّخانُ يَئيم إياماً: دخَّن، وآمَ الرجُلُ إيامًا إذا دَخَّن على النَّحْل ليَخرج من الخلِيَّة فيأخذ ما فيها من العسل، وقيل: الإيامُ: عُود يجعل في رأسه نارٌ ثم يُدخَّنُ به على النحل ليُشْتارَ العَسَلُ، (تحيزت): اجتمع بعضها إلى بعض، ويقال: تفرَّقت؛ صارت فِرقًا في كلِّ حيّز شيء، وُيروى (تحيرت) من الحَيرة؛ أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب، (ثبات): جمع ثُبَةٍ؛ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء، (الاكتئاب): الحزن. والشاهد: (ثباتًا) حيث نُصبت بالفتحة وحقها الكسرة -كما هو الأصل في جمع المؤنث السالم- وحجة من نصبها أن لام الكلمة محذوف ولم تُرَد إليه في الجمع كما حكى الكسائي: سمعت لغاتَهم بفتح التاء؛ لأن أصل ثُبَةٍ ثُبْوَة، وأصل لُغَة لُغْوَة.
انظر: "شرح المفصل" 5/ 8.]]
ولا يجوز ذلك في: الصالحات والأخوات؛ لأنها تامة لم يُنقص من واحدها شيء، قال وما كان من حرف نُقِص من أوّله مثل: زِنة ولِدة [[ساقطة من (د)، ولِدَةُ الرجل: تِرْبُهُ، قال الجوهري: والهاء عوضٌ من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لِدَان، والجمع لِداتٌ ولِدُون.
انظر: (ولد) في "المحيط في اللغة" 9/ 357، "الصحاح" 2/ 554، "اللسان" 8/ 4915.]] ودِية فإنه لا يقاس على هذا؛ لأن نقصه من أوَّله لا من لامه، فما كان منه مؤنَّثًا أومذكَّرًا فأجْرِه على التمام؛ مثل: الصالحين والصالحات، تقول: (رأيت لِدَاتِك) [[ما بين القوسين كتب على هامش أ.]] [ولِدِيكَ] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في المصدر.]] ولا تقل [[في جميع النسخ: (ولا هتك) ولم يتبين لي معناها، ولعلها من تصحيفات النساخ، والتصويب من المصدر.]]: لِدِينَك، ولا: لِداتَك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 92 - 93 وهو نقل طويل نقله بتصرف واختصار.]].
15:92–93Page 267
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: عما كانوا يفترون ثم أجازيهم بأعمالهم [[وهذا القول أولى الأقوال، لكونه عامًا وشاملًا لجميع الافتراءات والمعاصي غير مقيد بنوع من المعاصي كما ذكر بعضهم.]]، وقال الكلبي: عن ترك لا إله إلا الله والإيمان برسله [[انظر: تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 371، وورد في "تنوير المقباس" ص 281 بنصه، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225.]].
قال أهل المعاني: وهذا السؤال توبيخ وتقريع، يُسألون يوم القيامة فيقال لهم: لم عضيتم القرآن وما حجتكم في ذلك؟ فيظهرُ خِزيُهم وفضيحتُهم عند تعذر جواب يصح [[ورد بنصه تقريبًا في: تفسيره "الوسيط" تح: سيسي 2/ 371، والطوسي 6/ 355، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 419.]]، وهذا معنى قول ابن عباس فيما روى عنه الوالبي في الجمع بين هذه الآية وبين قول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39] قال: لا يُسألون سؤال استفهام؛ لأنه علم ما عملوا، ولكن يُسألون سؤال تقريع؛ فيقال لهم: لم عملتم كذا وكذا [["أخرجه الطبري" 14/ 67 بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة (صحيحة)، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب بنحوه، "تفسير البغوي" 4/ 394، وابن عطية 8/ 358، وابن الجوزي 4/ 420، و"تفسير القرطبي" 10/ 61، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، رأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم == والبيهقي في البعث، وروي عن ابن عباس توفيقاً آخر للآيتين؛ هو أن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف، فيسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. انظر: "تفسيرالخازن" 3/ 104، ونُسب لعكرمة في: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 1/ 497، والصحيح أن عكرمة رواه عن ابن عباس، كما في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، وورد غير منسوب في: "كشف المعاني في المتشابه من المثاني" ص 224، "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن" ص300.]]؟ فقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ أي: سؤال استعلام واستخبار، (وقوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ أي سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا قول قطرب) [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152ب، بنصه تقريباً، "تفسير البغوي" 4/ 394 - 395، "تفسير القرطبي" 10/ 61، الخازن 3/ 104.]] [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]].
15:94Page 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ معنى الصَّدْع في اللغة: الشَّقُّ والفَرْقُ والفَصْلُ [[انظر: (صدع) في "تهذيب اللغة" 2/ 1987، "المحيط في اللغة" 1/ 324، "الصحاح" 3/ 1241.]]، أنشد ابن السِّكِّيت لجرير:
هُو الخَليفهُ فارْضَوْا ماقَضى لَكُمُ .... بالحَقّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ جَنَفُ [["ديوان جرير" ص 308، وورد في "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 214.]]
يصدع: يفصل، وأنشد الفراء [[ليس في معانيه، والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي (جاهلي).]]:
وأنْحَرُ لِلشَّرْبِ الكرامِ مَطِيَّتي ... وأَصْدَعُ [[ساقطة من (د).]] بين القَيْنَتَيْن رِدَائِيا [[ورد في "المفضليات" ص 158، "جمهرة اللغة" 2/ 653، "الأغاني" 16/ 362، "ذيل أمالي القالي" 3/ 133، "الخزانة" 2/ 201، (الشرب) جمع شارب، (المطية) البعير، (القينة) المغنية، يريد أن يعطي كل منها شطر ردائه.]] أي: أشقُّ، وتَصَدَّع القومُ، إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43]، قال الفراء: يتفرقون [["معاني القرآن" للفراء 2/ 325 بلفظه.]]، فأما معنى الآية فقال ابن عرفة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي فرق بين الحق والباطل [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه.]]، وروى أبو العباس [[في جميع النسخ: (ابن عباس)، وهو تصحيف، والتصحيح من التهذيب.]] عن ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي شُقّ جماعتَهم بالتوحيد [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد غير منسوب فى "تفسير القرطبى" 10/ 61.]]؛ كأنه يقول: ادعهم إلى التوحيد لتفرق جماعتهم؛ بإجابة بعضهم إيّاك فيكون ذلك تَفَرُّقَ كلمتهم، هذا معنى قول ابن الأعرابي، فالصدع على هذا يعود إلى صدع جماعة المشركين، وقال غيرُه: فَرّق القول فيهم [["تهذيب اللغة" "صدع" 2/ 1988 بنصه وورد فى "تفسير الماوردى" 3/ 174 عن النقاش.]]، وعلى هذا: الصَّدع يعود إلى دعوة النبيّ -ﷺ- وهو أن يفرقها في الناس فيذيعها فيهم وقال أبو إسحاق: يقول أظهر ما تؤمر به؛ أُخذَ من الصِّدِيع وهو الصبح، وقال: وتأويل الصَّدْع في الزُّجَاج، أن يَبِيْنَ بعضُه من بعض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بتصرف يسير، "تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 بنصه، ويبدو أنه نقله مز التهذيب لا المعاني.]]، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق يعود إلى الشَّق أيضًا، قال الأزهري: وسُمّي الصبحُ صديعًا كما سُمّي فلقًا، وقد انصدع وانفلق وانفجر الصبح [["تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1988 بنصه.]]، وقال ابن قتيبة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أظهر ذلك، قال: وأصله الفَرْق والفتحُ، أي: اصدع بحقِّك الباطلَ [["الغريب" لابن قتيبة ص 240 بنصه.]]، وهذا قولُ أهل اللغة والمعاني، وقال ابن عباس: أظهر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب، "تفسير البغوي" 4/ 395، الخازن 3/ 104، "تنوير المقباس" ص 281 بلفظه، وهذه الرواية أوهى الطرق؛ لأنها من طريق محمد بن مروان عن الكلبي، أخرجها أبو نُعيم في "الدلائل" ص 270، وقد رويت عن الكلبي -نفسه- في "تفسير هود" 2/ 358، والماوردي 3/ 174، والغريب إيراد الواحدي -رحمه الله- الأقوال الضعيفة عن ابن عباس وتركه للروايات الصحيحة والمشهورة في بعض المواضع، ففي هذه الآية مثلاً؛ ثبت عن ابن عباس تفسيرها بـ: أمضه، وافعل ما تؤمر. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 67 من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والثعلبي 2/ 152 ب، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن الجوزي 4/ 420، وابن كثير 2/ 615، و"الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولعل سبب إيراده للروايات الضعيفة عن ابن عباس -مع ورود الروايات الصحيحة- أنه نظر إليها من جهة اللغة والمعنى لا من جهة السند، فاختارها -على القوية سندًا- لهذه الحيثية، والمعروف عن الواحدي -رحمه الله- أنه يغلب عليه الاهتمام باللغة والعناية بها في تفسيره.]]، وقال الأخفش وأبو عبيدة: افرق [["مجاز القرآن" 1/ 355 بلفظه، ولم أجده في معاني الأخفش، وورد منسوبًا للأخفش في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه، و"تفسير البغوي" 4/ 395.]]، وقال المؤرج: افصل [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 152 ب بلفظه.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، و (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك لم يعد إليه عائد من الصلة كقولك: ما أحسنَ ما ينطلق؛ لأنك تريد: ما أحسنَ انطلاقك، وما أحسنَ ما تأمر، أي: أمرك، ومثله قوله: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] كأنه قيل له: افعل الأمر الذي تؤمر، قال ويجوز أن يكون المعنى: بما تؤمر به، فحذف الجار؛ لأن العرب قد تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، وأنشد [[البيت لِلُجَيْم بن صعْب، وحَذَامُ امرأتُه، وهي بنتُ الريَّان، سميت بذلك لأن ضرَّتها حذمت -قطعت- يدها بشفرة.]]:
إذا قَالَتْ حَذَامِ فأنْصِتُوها ... فإنّ الأمْرَ ما قَالَتْ حَذَامِ [[في نسخة (أ) أثبت عجز البيت في الهامش. ورد البيت في: "العقد الفريد" 3/ 84، 365، "اللسان" (رقش) 6/ 306، (نصت) 2/ 99، "شرح التصريح" 2/ 225، "شرح شواهد المغني" 2/ 596، وورد غير منسوب في: "ما ينصرف وما لا ينصرف" ص 101، "تفسير الطوسي" 6/ 355، "شرح المفصل" 4/ 64 "أوضح المسالك" 4/ 131، وفي جميع المصادر: (فصدقوها) بدل (فأنصتوها) و (القول) بدل (الأمر).]]
قال: يريد فأنصتوا لها.
وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 94 بتصرف يسير. والشاهد: أي كفروا بربهم.]] [هود: 68]، وقال مجاهد في قوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي بالقرآن، قال: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة [["تفسير مجاهد" ص 419 بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 351 مختصرًا، والطبري 14/ 68 بنحوه من عدة روايات، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 44 بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (صدع) 2/ 1987 مختصرًا، "تفسير الثعلبي" 2/ 153أبنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا المراد بالصدع الجهر والإظهار، والباء في ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ من صلة معنى الصدع، لا لفظه؛ وهو الجهر، وما تؤمر هو القرآن؛ لأنه إنما تؤمر بما في القرآن، و (ما) في هذا القول موصولة، وليست بمعنى المصدر، وتكون مع الجار في موضع نصب، وأكثر المفسرين على أن المعنى: اجهر بالأمر؛ أي بأمرك، يعني إظهار الدعوة، قالوا: ومازال النبيّ -ﷺ- مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 225 بنحوه، والثعلبي 2/ 152 ب، بنصه، "تفسير البغوي" 4/ 395، و"ابن الجوزي" 4/ 420، والفخر الرازي 19/ 315، و"تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وابن كثير 2/ 615، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 199.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لائمتهم إياك على إظهار الدعوة ولا تسمعها، قال المفسرون: هذا منسوخ بآية القتال [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، بنحوه، و"أخرجه الطبري" 14/ 68 بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي (غير مرضية)، وأخرجه كذلك عن الضحاك بنحوه، وورد في:"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 483 بصيغة التمريض، و"تفسير هود الهواري" 2/ 358 بنحوه، والثعلبي 2/ 153 أ، والماوردي 3/ 175 بنحوه عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" 4/ 395، وابن عطية 8/ 359، وابن الجوزي 4/ 421، "تفسير القرطبي" 10/ 62، والخازن 3/ 104، وأبي حيان 5/ 470، "الدر المنثور" 4/ 199 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وأبي داود في ناسخه عن ابن عباس.]]؛ يعنون الإعراض عنهم وتركهم وما هم فيه، فإن جعلنا معنى الإعراض عنهم ترك المبالاة بهم، لا يكون منسوخًا [[وهذا القول هو الأولى من دعوى النسخ، وانظر: التعليق على دعوى النسخ بآية السيف، عند الآية [851] من هذه السورة.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences