Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:48–56
16:48Page 272
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قراءة العامة بالياء [[وهم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 373، و"علل القراءات" 1/ 305، و"الحجة للقراء" 5/ 66، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 138، و"شرح الهداية" 2/ 380، و"تلخيص العبارات" ص 111.]]؛ لأن ما قبله غيبة، وهو قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ كذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، وكان النبيّ -ﷺ- وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقنوه فلا يحسن أن يقال لهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تَرَوا﴾ بالتاء [[انظر: المصادر السابقة.]]، على الخطاب لجميع الناس [["الحجة للقراء" 5/ 67، بتصرف يسير.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه، و"تفسير الطبري" 14/ 114 - 116، بنحوه، والثعلبي 2/ 157 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 387، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، وابن الجوزي 4/ 452، والفخر الرازي 20/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، ونسبه إلى ابن عباس، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 496.]]، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد الشجر والنبات.
وقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) إخبار عن قوله: ﴿شَيْءٍ﴾، وليس بوصف له، و ﴿يَتَفَيَّأُ﴾: يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئًا، إذا رجعَ وعادَ بعد ما كان ضياءُ الشمس نسخَه، وأصلُ الفيء الرجوع [[انظر: "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، و"مجمل اللغة" (في) 2/ 701، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، و"عمدة الحفاظ" 3/ 308.]]، ومنه فَيءُ المولي [[هو الذي يحلف أن لا يجامع زوجته، وقد حدد الشارع مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ إما أن يطلق وإما أن يفي. انظر: "تفسير الجصاص" 1/ 355، والكيا الهراسي 1/ 216 - 219، وابن العربي 1/ 178، و"تفسير القرطبي" 3/ 103.]]، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226]، وكذلك فيءُ المسلمين؛ لِمَا يعود على المسلمين من مال مَنْ خالف دينهم بلا قتال [[ورد في "تهذيب اللغة" (فيأ) 3/ 2711، بنحوه، وانظر: "التعريفات" ص 170، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40.]]، وسنذكر ذلك في قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] إن شاء الله. وأصلُ هذا كله من الرجوع، فإذا عُدِّي (فَاءَ) عُدّي بزيادة الهمزة أو تضعيف العين، فمِمَّا عُدّي بنقل الهمزة قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾، وبالتضعيف فاءَ الظلُّ، وفَيّأه الله فتفيّأ، وتَفيَّأ مطاوع فَيَّأَ [["الحجة للقراء" 5/ 67، بنصه، وانظر. "اللسان" (فيأ) 6/ 3496، و"معجم الألفاظ المتعدية بحرف" ص 282.]].
قال الأزهري: وتفيؤ الظلال رُجوعها بعد انتصاف النهار وانتعال الأشياء [["تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه، وفي المصدر: وانتعال الأشياءِ ظلالَها. قلت ومعناه: صار ظلها تحتها.]]، قال: وأخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: التفيؤ لا يكون إلا بالعشي؛ ما انصرفت عنه الشمس، وقد بينه الشاعر [[هو حميد بن ثور. تقدمت ترجمته.]] فقال:
فلا الظلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ... ولا الفيءَ من بردِ العشيِّ تذَوُق [[ديوانه ص 70، وورد في "إصلاح المنطق" ص 320، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، (بعد) بدل (برد) الثانية، و"تفسير ابن عطية" 8/ 430، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495، وورد غير منسوب في "الحجة للقراء" 5/ 68، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، وأبي حيان 5/ 496، والبيت قاله يصف سَرْحَة شجر عظام طوال وكنَّى بها امرأة. والشاهد: أنه جعل الظلَّ وقت الضحى؛ لأن الشمس لم تنسخْه في ذلك الوقت. وكلام الأزهري في "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه.]]
وقال أبو علي الفارسي: الظل ما كان قائمًا لم تنسخه الشمس، فإذا نسخته الشمس ثم زال ضياء الشمس الناسخ للظل فاء الظل، أي رجع كما كان أولاً [[ولخصه ابن السِّكِّيت فقال: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخ الشمسَ. "إصلاح المنطق" ص 320.]]، فهذا هو الفيء، وُيسمى الظل أيضًا، ولا يسمى الأول فيأً.
قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كُلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه فهو فيءٌ وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلٌّ [["الحجة للقراء" 5/ 70، بخصه، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 64، بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 432، والفخر الرازي 20/ 40 ، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495 ، و"تفسير أبى حيان" 5/ 496.]]، على أن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: فسلامُ الإلهِ يَغْدو [[في جميع النسخ: بعد، والصحيح المثبت لموافقته للمصادر وإفادته للمعنى.]] عليهمْ ... وفُيوءُ الفرْدَوْسِ ذاتُ الظِّلالِ [["شعر النابغة" الجعدي ص 231، وورد في "النوادر في اللغة" ص220، و"تفسير ابن عطية" 8/ 431، والفخر الرازي 20/ 41، و"اللسان" (ظلل) 5/ 2753.]]
فهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء؛ مثل بيت وبيوت؛ لأن ما في الجنة يكون ظلًّا ولا يكون فيئًا؛ لأن ضياء الشمس لم تنسخه، ففاء بعد النسخ، وأكثر ما تقول العرب في جمعٍ [[الأولى (في الجمع)، أو (في جمع فيء) ولعل (فيء) ساقطة.]] أفياء؛ وهو للعدد القليل، وفيوء؛ للكثير كالبيوت والعيون.
وقوله تعالى: ﴿ظِلَالُهُ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال؛ لأن الذي يعود إليه الضمير واحدٌ يدل على الكثرة، وهو قوله: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾، وهذا مثل: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: 13] ، فأضاف الظهور، وهو جمع، إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحدٍ يُرادُ به الكثرة، وهو قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ [["الحجة للقراء" 5/ 67 - 70 نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة، والتقديم والتأخير، والتهذيب والاختصار، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، نقله بطوله عن الواحدي بتصرف يسير مع نسبته.]] [الزخرف: 12].
وأما قول المفسرين في: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) قال ابن عباس: يتميل [[ورد في "تفسير الطوسى" 6/ 387، بلفظه.]]، وهو معنى وليس بتفسير؛ لأنه إذا قرن بقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ صار المعنى: أنه يتميل عن الجوانب، ومعنى تفيؤ الظلال: أن يعود الظل بعد نسخ الشمس إياه، وأما معنى تفيؤها عن اليمين والشمائل (فهو أن يكون للأشجار فيء عن اليمين والشمائل) [[ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).]]، إذا كانت الشمس يمين الشخص كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، فهذا وجه ذكره بعضُ أهل التأويل [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه.]]، والذي عليه المفسرون، قال قتادة والضحاك وابن جريج: أما اليمين فأول النهار، وأما الشمال فآخر النهار [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 356) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 115 بنصه عن قتادة من طريقين، وبمعناه عن الضحاك وابن جريج من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنصه عن الضحاك وقتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 191، والطوسي 6/ 387، عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، عن قتادة والضحاك، وابن عطية 8/ 433، عن قتادة وابن جريج، والخازن 3/ 117، عن الضحاك، وأبي حيان 5/ 497، عن قتادة وابن جريج.]]، وقد بين الكلبي هذا، فقال: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان على يسارك، فهذا تفيؤه عن اليمين والشمائل [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن الجوزي 4/ 452، وأبي حيان 5/ 498، ورد في الأخيرين بلا نسبة.]]، ووحد اليمين والمراد الجمع، ولكنه اقتصر فيه على الواحد في اللفظ للإيجاز؛ كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] وقول الفرزدق:
بِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ... رَزيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ [["ديوانه" 2/ 206، وورد في "تفسير الطبري" 14/ 117، والثعلبي 2/ 157 ب، والطوسي 6/ 388، و"الأساس" ص 154، وابن عطية 8/ 433، (الشامتين) == جمع شامت؛ وهو الذي يفرح في بلية الإنسان، (هدني): أوهن أركاني، (المُخدر): الأسد، وكذلك (الضرغام)، يعني أنه يَتَجَلَّد وَيتَحَمَّل مصيبته في فقد ولديه حتى لا يشمت فيه الشامتون الحاقدون. والشاهد: كما قال الطبري: فقال بقي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وهو الشاهد. والبيت يرثي فيه ابنين له.]] هذا قول الأخفش وجميع أهل المعاني [[لم أقف عليه في معاني الأخفش، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 452، بلا نسبة.]].
وقال الفراء: كأنه إذا وَحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 152، بمعناه.]]، وذلك أن قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما بينا، فيحمل كلا الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ قال المفسرون: ميلانها سجودها، [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 114 - 115، بلفظه واختاره، والسمرقندي 2/ 237، بنحوه، والثعلبي 2/ 157ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 435، و"القرطبى" 10/ 111، وأبي حيان 5/ 498، وابن كثير 2/ 630.]] وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا فقال: أصل السجود التّطَأطُؤ والميل، يقال: سجد البعير وأُسجد إذا طأطأ رأسَه لِيُرْكَب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة العمل، ثم قد يُستعارُ السجودُ فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، ومن الأمثال المبتذلة: اسْجُدْ للقرد في زمانه [[ذكره الميداني في المجمع، ونصه: اسْجُدْ لقرْد السُّوء في زمانه. انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 357.]]، يراد اخضع للئيم في دولته، ولا يُراد معنى سجود الصلاة، والشمس والظل خَلقان مُسخَّران لأَنْ يُعَاقِبَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه بغير فصْلٍ، فالظلُّ في أول النهار قبل طلوع الشمس يَعُمُّ الأرضَ، كما تَعُمُّها ظلمةُ الليل، ثم تطلُع الشمسُ فتَعُمُّ الأرضَ إلا بما [[في المصدر: إلا ما.]] سترته الشُّخُوصُ، فإذا سَتَرَ الشخص شيئًا عاد الظلُّ، فرجوعُ الظلِّ بعد أن كان شمسًا ودورانُه من جانب إلى جانب هو سُجُودُه؛ لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتَّسخير، وهو في ذلك يميل، والميل سجود، وكذلك قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]، أي يستسلِمَان لله بالتسخير [[تأويل مشكل القرآن (ص 416 - 418)، وهو نقل طويل تصرف فيه واختصر.]]، وهذه الآية كقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15]، وقد مر بيانه وشرحه.
وقوله تعالي: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾، أي: صاغرون، وهذا لفظ المفسرين [["تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 116 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكل منهما، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 373، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 70، و"تفسير السمرقندي" 2/ 237، والثعلبي 2/ 157 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، والطوسي 6/ 388، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 436، وابن الجوزي 4/ 453، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، والخازن 3/ 118، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.]]، يقال: دَخَرَ يَدْخَر دُخُورًا، أي صَغُرَ يَصْغُرُ صغَارًا، وهو الذي يَفعلُ ما تأمره شاء أو (أبى [[ورد في "تهذيب اللغة" (دخر) 2/ 1158، بنصه.]].
قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.]].
وقال الأخفش في قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (د).]] ذَكَّرَ، وهم من غير الإنس؛ لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا ما يعقل [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 453.]].
16:49Page 272
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قد ذكرنا السجود يكون على نوعين: سجود هو عبادة؛ كسجود المسلمين لله، وسجود هو خضوع واستكانة؛ وهو سجود ما [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ويؤيده ثبوتها في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 400.]] يعقل وسجود الجمادات، فإن هذه الأشياء بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى مُدَبَّر وصانع ساجدة؛ أي خاضعة متذللة، وقال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لأن (ما) و (من) يتعاقبان، و (ما) أعمّ من (من) ألا ترى أنه قد قال في أخرى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: 15].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال الفراء: دخل (من) هاهنا؛ لأن (ما) مُبْهم، فلو أسقطت (من) لأشبه أن تكون الدابة حالاً لها، فأدخل (من) ليدُلّ [[في (أ)، (د): (البدل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصواب، يستقيم به المعنى، ويؤيده المصدر.]] على أنه تفسير لـ (ما) [[في (ش)، (ع): (لها).]]، ومثل هذا كثير في كتاب الله؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: 79]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ﴾ [النساء: 124]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: 48] لم يقل في شيء منه بطرح (مِنْ)؛ لما ذكرنا من أنّ (ما) و (مِنْ) غير مؤقّتتين [[أي: غير محددتين.]]، ومثله قول الشاعر: فثبتَ اللهُ ما آتاك من حَسَنٍ ... وحيثُ ما يقض أمرًا صالحًا يكن [[ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103 بخلاف في رواية الصدر:
حاز لك الله ما آتاك من حَسَنٍ]]
وقال آخر:
عُمْرًا حَييت ومَن يشناك من أحد ... يَلْق الهوان ويلق الذُلَّ والغِيَرا [[ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 103.]]
فدلّ مجيء (من) على أنه لم يرد أن يكون ما جاء من النكرات حالاً للأسماء التي قبلها، ودلَّ على أنه مُترجِم على معنى (مَن) و (مَا)، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْء﴾ [سبأ: 39]؛ لأن الشيء لا يكون حالاً، ولكنه مترجم، فأمَّا قولهم: لله دَرُّه رجلاً [[ورد في "جمهرة الأمثال" 2/ 210، وانظر: "مجمع الأمثال" 2/ 190، و"اللسان" (عجب) 5/ 2812، (درر) 3/ 1356، وورد برواية: (لله درُّك)، والأصل فيه أن الرجل إذا كَثُر خيرُه وعطاؤهُ قيل له ذلك، إشادةً وتعجبًا، ثم قيل لكل مُتَعَجبٌ منه.]]، فالرجلُ مترجِم لما قبله وتفسير وليس بحال، إنّما الحال الذي ينتقل؛ مثل القيام والقعود، وجاز سقوط (مِنْ) في هذا الموضع [[أي في المثل؛ لأن أصله أن يقال: لله درُّه من رجل.]]؛ لأن الذي قبله مؤقت، فجاز أن يُذكرَ بطرح (مِن) كالحال [["معاني القرآن" للفراء 2/ 103 - 104، نقل طويل تصرف فيه بالتقديم والتأخير، والاختصار والتهذيب، والتمثيل والتوضح.]]، وقال الأخفش في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يريد: (من الدواب، واجتزأ بالواحد؛ كما تقول: ما أتاني من رجل مثله [[أي: ما أتاني من الرجال مثله، فأفاد الإفراد معنى الجمع. "معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه.]]، وقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]]: يريد كلَّ ما [[في جميع النسخ: كلما، وهو تصحيف ظاهر.]] دَبَّ على الأرض [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 44، وأبي حيان 5/ 498، و"تفسير القرطبي" 10/ 112، بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أخرجهم بالذكر تخصيصًا وتفصيلاً؛ كقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [[يقصد ذكر الخاص بعد العام؛ فذكر الفاكهة عمومًا، ثم فصل في أنواعها وخص من الأنواع النخل والرمان.]] [الرحمن: 68]، وقوله تعالى: ﴿لَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [[وهنا كذلك، أجمل الملائكة، ثم فصَّلهم وخصّ منهم جبريل وميكال بالذكر.]] [البقرة: 98] وقال الزجاج: المعنى: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة، وما في الأرض من دابة والملائكة؛ أي: وتسجد ملائكة الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.]]، وفي الأرض ملائكة موكلون بالعباد [[لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، وغيرها من الأدلة.]]، وقيل: إنما ذكرهم على التخصيص لخروجهم من صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 192، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 23، وابن الجوزي 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113.]]، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عن عبادة الله [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 113، وابن كثير 2/ 630، وأبي السعود 5/ 119 ، و"الشوكاني" 3/ 238، و"تفسير الألوسي" 14/ 158، كلها بلا نسبة.]]، وهذا صفة من يسجد لله سجود عبادة، فأما من له سجود الخضوع دون سجود العبادة، فمعنى لا يستكبرون في صلتهم أنهم يذعنون للخالق والصانع بالتسخير والتذليل وما فيهم من الضرورة إلى صانع فطرهم وخلقهم وأنشأهم ودبَّرهم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ من صفة الملائكة خاصة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وهود الهواري 2/ 373، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 454، و"الشوكاني" 3/ 238.]]؛ لأن الآية التي بعد هذا تختص بصفتهم.
16:50Page 272
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ الآية. ذكر أهل العلم وأصحاب المعاني في هذه الآية، قولين [[ورد القولان في "تفسير الماوردي" 3/ 192، بنحوه، والطوسي 6/ 389 بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 331، وابن عطية 8/ 437، وابن الجوزي 4/ 455، وأبي حيان 5/ 499، و"الدر المصون" 7/ 234.]]؛ أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، على تقدير يخافون عقاب ربهم من فوقهم [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بمعناه، والطبري 14/ 117 - 118 بمعناه، والثعلبي 2/ 158، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 113.]]؛ لأن أكثر ما يأتي العقاب المهلك من فوق، سيّمَا والآية في صفة الملائكة، والآخر: أن الله تعالى لما كان موصوفًا بأنه علىٌّ ومتعال علو الرتبة في القدرة، حَسُن أن يقال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، بمعناه.
والقولان باطلان؛ لأن فيهما تعطيلًا وتأويلاً؛ فالأول تعطيل ظاهر لصفة الفوقية، والثاني تأويل وصرفٌ لظاهر النص من فوقية العلو إلى فوقية القدرة والعظمة، وهو خلاف مذهب أهل الحق؛ يقول ابن القيم: ومما ادعى المعطلة مجازه: الفوقية، وقد ورد به القرآن؛ كقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وحقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره، فادعى الجهمي أنها مجاز في فوقية الرتبة والقهر، كما يقال الذهب فوق الفضة، والأمير فوق نائبه، وهذا وإن كان ثابتًا للرب تعالى، لكن == إنكار حقيقة فوقيته سبحانه وحملها على المجاز باطل من وجوه عديدة، وقد ذكر سبعة عشر وجهًا. انظر: "مختصر الصواعق المرسلة" ص 355 - 363، و"الفتاوى" 5/ 126.]]، وهذا معنى قول أبي إسحاق: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: خوف مُجِلِّين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 203، بنصه. وقد ردّ الألوسي القول بأن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب، بقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء].]]، ويدل على صحة هذا المعني قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 61]، وقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127]، وقد روى مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ قال: ذاك مخافة الإجلال [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 225، وعزاه للخطيب في تاريخه [لم أقف عليه]، وانظر: "تفسير الرازي" 20/ 44، و"تفسير الألوسي" 14/ 159، وأورداه بصيغة التمريض، وانتصر له الفخر الرازي وردّه الألوسي -كما مرّ في الحاشية السابقة-، وورد بلا نسبة في "تفسير أبي حيان" 5/ 499، وأبي السعود 5/ 119.]]، وذهب بعض الناس إلى أن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من صفة الملائكة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113، وأبي حيان 5/ 499.]]، والمعنى: أن الملائكة الذين هم فوق بني آدم وفوق ما في الأرض من دابة يخافون الله مع علو رتبتهم، فلأن يخاف من دونهم أولى [[وفي هذا المعنى تكلُّف وصَرْفٌ لِلَّفظ عن ظاهره؛ فالفوقية هنا صفة لله وليس للملائكة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ قال المفسرون: يعني الملائكة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 192، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 23، وابن الجوزي 4/ 454، و"تفسير القرطبي" 10/ 113، و"الشوكاني" 3/ 238.]]، وهذا كقوله في آية أخرى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ الآية [التحريم: 6].
16:51Page 272
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال الزجاج: ذكر اثنين توكيدًا لقوله: ﴿إِلَهَيْنِ﴾، كما ذكر الواحد في قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204، بنصه، لكنه استشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالآية نفسها.]] [التوبة: 31]. وقال صاحب النظم: فيه تقديم وتأخير؛ يريد: لا تتخذوا اثنين إلهين [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 47، بنصه، والظاهر نقله عن الواحدي، والخازن 3/ 118، بنحوه.]]، أي: الاثنان لا يكونان ولا واحدٌ منهما إلهًا، ولكن اتخذوا الواحد الذي لا يجوز أن يكون له ثانٍ إلهًا، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من تلوين الخطاب.
16:52Page 272
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾، الدين: الطاعة هاهنا، والواصب: الدائم، و [هو] [[ساقطة من جميع النسخ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.]] قول ابن عباس وجميع المفسرين [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، وورد في "الغريب" لابن قتيبة ص 243، بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 119 بلفظه عن ابن عباس، وعن عكرمة من طريقين، وعن مجاهد من طريقين، وعن الضحاك من طريقين، وعن قتادة، وعن ابن زيد، وأخرجه بلفظ واجبًا عن ابن عباس، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 72، بلفظه عن قتادة وعن مجاهد، وعن ابن عباس قال: واجبًا، و"تفسير السمرقندي" 2/ 238 بلفظه، وهود الهوارى 2/ 373، بلفظه، والثعلبي 2/ 158 أ، بنحوه، وفيه عن ابن عباس قال: واجبًا، و"تفسير الماوردي" 3/ 193، بلفظه عن الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك، وعن ابن عباس قال: واجبًا، والطوسي 6/ 390، بنحوه عن ابن عباس، وقال: وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد.]]؛ يقال وصب الشىء يصب وصوبًا إذا دام [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 72، بنصه، وانظر: (وصب) في "جمهرة اللغة" 1/ 351، و"المحيط في اللغة" 8/ 202، و"الصحاح" 1/ 233، و"اللسان" 8/ 4848، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 49، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 225، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 9] ويقال: واظَبَ على الشيء وواصَبَ عليه إذا داوم [[ورد في "تهذيب اللغة" (وصب) 4/ 3900، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 49.]]، قال أبو إسحاق: أي طاعته واجبة أبدًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 203، بنصه.]]، وقال عبد الله بن مسلم [[هو ابن قتيبة (ت 276 هـ).]]: ليس من أحد يُدان له ويطاوع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلكة، غير الله عز وجل؛ فإن الطاعة تدوم له [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 245، بنصه.]]، ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أي: أفغير الله الذي قد أبان لكم أنه واحدٌ، وأنه خالق كل شيء، وأمر أن لا يُتخذ معه إلَهٌ، تتقون.
16:53Page 272
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد من نعمة الإسلام وصحة الأبدان [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 119، بنصه غير منسوب.]]، أي ما أعطاكم الله من صحة في جسم أو سعة في رزق أو متاع بمال وولد، فكل ذلك من الله، ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ لأن الباء في: ﴿بِكُمْ﴾ متصلة بفعل مضمر، المعنى: ما يكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله [[ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204 ، بنحوه، و"تفسير الطبري" 14/ 120 - 121، بنحوه، وانظر: "تفسير الرازي" 20/ 51، و"الإملاء" 2/ 82، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 232.]]، وقد شرحنا هذه المسألة في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [البقرة: 274].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة [[أخرجه الطبري 14/ 121 من طريق أبي طلحة صحيحة بلفظ السُّقْم، وكذلك ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 193، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457 بنصه، والفخر الرازي 20/ 51، والخازن 3/ 119.]]، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، أي: (ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وهو معنى قول المفسرين: يتضرعون بالدعاء [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 121 بلفظه عن مجاهد من طريقين، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، بلفظه، وهود الهواري 2/ 373، بلفظه عن مجاهد، والثعلبي 2/ 158 أ، بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 193، بلفظه، والطوسي 6/ 391 بلفظه، قال: وهو قول مجاهد، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 519، وابن عطية 8/ 441، وابن الجوزي 20/ 51.]]، يقال: جأر ويجأر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] جُؤارًا، وهو الصوت الشديد؛ كصوت البقرة [[انظر: (جأر) في "تهذيب اللغة" 1/ 519، و"المحيط في اللغة" 7/ 172، و"اللسان" 2/ 722، ونقله الفخر الرازي 20/ 51، بنصه.]]، قال الأعشى يصف بقرة:
وكان النَّكيرُ أَنْ تُضيفَ وتَجْأرَا [[لم أجده في ديوانه، وورد منسوبًا إليه في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، برواية:
فطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكيرُ أن تُضيفَ وتجأرا
والصحيح أن البيت للنابغة الجعدي كما في شعر النابغة الجعدي ص 41، وصدره:
فجالتْ على وَحْشيتها حتبجَةَ مستتِبَّةً= ونسب إليه كذلك في "الكتاب" 3/ 563، و"أدب الكاتب" ص 275، و"الاقتضاب" ص 367، و"الخزانة" 7/ 407، وبرواية: (أقامت) بدل (فطافت) في "إصلاح المنطق" ص 298، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص 641، و"اللسان" (خمس) 2/ 1262، (ضيف) 5/ 2627. (مستتبة) واهنة ضعيفة، يقال: استتبَّني: استضعفني، وأتب الله قوتها، أي: أوهنها. والنابغة يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة؛ وهي: الجزع والإشفاق، و (الجؤار) هو الصياح، و (النكير) الإنكار. وانظر: "المحيط في اللغة" (تب) 9/ 416.]] فهذا [[في (أ)، (د): (بهذا).]] ذهب جُؤَار البقرة، وقال عدي بن زيد في جُؤَار الإنسان:
إنَّني والله فاقْبَلْ حَلْفَتِي ... بأَبِيل كلما صَلَّى جَأَرْ [[ورد في "الأغاني" 2/ 105، وفيه: (لأبيلٌ)، و"مقاييس اللغة" 1/ 42، و"تفسير الطوسي" 6/ 391، و"اللسان" (أبل) 1/ 11، وفيه (فاسمع حَلِفي)، و"شعراء النصرانية قبل الإسلام" ص 453. (الأبيل) الراهب، سمي به لتأبله عن النساء وترك غشيانهنّ، والفعل منه: أبَل يأبُلُ أبالةً: إذا تنسَّك وترهَّب، وفي اللسان: الأبيل: رئيس النصارى، وقيل: هو الراهب، وقيل: الراهب الرئيس، وقيل: صاحب الناقوس، وكانوا يسمون عيسى -عليه السلام- أبيل الأبيليين، وكانوا يعظمون الأبيل فيحلفون به كما يحلفون بالله.]]
(أي رئيس النصارى) [[ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).]].
16:54Page 272
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس في قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾ يريد أهل النفاق [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457، وأبي حيان 5/ 502.]]، وقال الكلبي: يعني الكفار [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 457، وأبي حيان 5/ 502، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 238، والزمخشري 2/ 332، وابن عطية 8/ 443.]]، وهو اختيار الزجاج؛ قال: هذا خاص فيمن كفر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204، بنصه.]]، وقابل كشف الضّر عنه بالجحود والكفر.
16:55Page 273
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي: ليجحدوا نعمة الله في كشف الضرّ عنهم، واللام هاهنا يحتمل أن تكون لام كي [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.]]، ويكون المعنى: أنهم أشركوا بالله غيره ليجحدوا نعمته، فاللام بيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لأجلها الشرك، وهؤلاء أشركوا بالعبادة ليكفروا النعمة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.]]، ويحتمل أن تكون اللام للعاقبة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 52، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وابن كثير 2/ 630.]]، ويكون المعنى: أنهم جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم سببًا إلى الكفر، كما قلنا في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88]، وقد مر، وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا في اللام هاهنا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 204 باختصار.]].
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ لفظ أمر لتهدد؛ كقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: 107]، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.
16:56Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦
And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني الأوثان؛ لا يعلمون ضرًّا ولا نفعًا، ومفعول العلم هاهنا محذوف، والتقدير: لما لا يعلمون له حقًّا ولا فيه ضرًّا ونفعًا، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم [[ليس في تفسيره، وأخرجه الطبري 14/ 122 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، و"تفسير القرطبي"10/ 115، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226.]]، ونحو هذا قال قتادة وابن زيد: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءًا من أموالهم [[أخرجه الطبري 14/ 122 بنحوه عن قتادة، وبمعناه عن ابن زيد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 458، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وقد بينّا [[في (أ)، (د): (ساء)، ولا معنى له، والصحيح المثبت كما في (ش)، (ع).]] مذهبهم في هذا عند قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: 136] جعلوا نصيبًا من الحرث والأنعام يتقربون به إلى الله تعالى، ونصيبًا يتقربون به إلى الأصنام والحجارة على ما يجب أن يتقربوا إلى الله، وعلى هذا: العِلمُ مسند إلى المشركين، وهو قول عامة المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 14/ 122 - 123، والسمرقندي 2/ 238، وهود الهواري 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 392، والزمخشري 2/ 332، وابن عطية 8/ 444، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 53، وذكر مسوغات ترجيح من رجحه، و"تفسير القرطبي" 10/ 115، والخازن 3/ 119، وأبي حيان 5/ 503.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ هاهنا لازم ليس بمتعَدّ؛ لأنه الأصنام ومضاف إليها، والتأويل لِمَا ليس لها [[أي لما ليس لها علم ولا فهم.]]؛ لأنها موات لا معارف لها ولا حس، وأخرجها في قوله: (ما) مخرج غير الآدميين ومن [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، ولعلها التبست على النساخ بما بعدها.]] يفهم، وفي قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ مخرج من يفهم، ومثله قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [[قال الواحدي: والأكثرون على أن المراد بالآية الأصنام، وبيان صفات ما هي عليه من النقص.]] [الأعراف: 198]، وحمله المعنى ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾، أي. المشركون، ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي للشركاء الذين لا يعلمون شيئًا ولا معرفة لهم ولا حس، ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾، هذا كلامه، ولعل هذا القول أقرب؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قال صاحب النظم: ولو كان هذا العلم مضافاً إلى المشركين لاستحال المعنى؛ لأنه لا يحتمل أن يجعلوا نصيبًا من رزقهم لما لا يعلمونه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 53، ذكر القولين كمسوغات لترجيح القول الثاني دون نسبته لصاحب النظم أو الواحدي.]]، ثم خاطبهم بعد الخبر عنهم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أي سؤال توبيخ حتى يعترفوا به على أنفسهم؛ لأن سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحتة [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 392، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أي تتقولونه على الله من أنه أمركم بذلك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences