Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:57–65
16:57Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧
And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال المفسرون: هؤلاء خزاعة [[خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وهم بنو عمرو بن ربيعة، وهو لُحيُّ بن عامر ابن قَمَعَة بن إلياس، وهو أول من بحّر البحيرة وسيَّب السائبة. سُمُّوا بذلك لأنهم انخزعوا عن جماعة الأسد أيام سيل العرم لمّا صاروا إلى الحجاز، فافترقوا بالحجاز فصار قومٌ إلى عُمان وآخرون إلى الشام، وبطونهم هي: بنو كعب، وبنو عديّ، وبنو نصر، وبنو مُلَيح، وبنو جفنة، وبنو المُصْطَلِق، وبنو الحياء. انظر: "الاشتقاق" ص 468، و"جمهرة أنساب العرب" ص 467، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 228، و"معجم قبائل العرب" 1/ 338.]] وكنانة [[كنانة: قبيلة عظيمة من العدنانية، وهم بنو كنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس، كانت ديارهم بجهات مكة، وُلِد له: النَّضر، ومَلْك، وملِكان، وعبد مناة، وترجع جميع أنساب كنانة إلى هؤلاء، ويرجع نسب قريش إلى النَّضر بن كنانة، ومنه يتفرع نسب نبينا محمد -ﷺ-. انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 11، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 336، و"معجم قبائل العرب" 3/ 996.]] زعموا أن الملائكة بنات الله [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158أبنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، والزمخشري 2/ 332، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 54، و"تفسير القرطبي" 10/ 116، و"تفسير البيضاوي" 3/ 184، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 503.]]، ثم نَزَّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهًا عما زعموا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أجاز الفراء في (ما) وجهين؛ أحدهما: أن يكون في محل النصب على معنى: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، والثاني: أن يكون رفعًا على الابتداء؛ كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ يعني البنين، وهذا كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [[حيث تم الكلام على الآية السابقة [38]، وهي: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، تم ابتدأ بهذه الآية.]] [الطور: 39] ، ثم اختار الوجه الثاني فقال: لو كان نصبًا لقال: ولأنفسهم ما يشتهون؛ لأنك تقول: جعلتَ لنفسِك كذا وكذا، ولا تقول: جَعلتَ لك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 105، بتصرف.]]، و [[ورد في جميع النسخ: (وابن الزجاج)، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.]] الزجاج أجاز [[في جميع النسخ: (أجازه)، والصحيح المثبت.]] الوجه الأول [[الصحيح أنه أجاز الوجه الثاني كذلك.]] وقال: (ما) في موضع رفع لا غير، المعنى: ولهم الشيء الذي يشتهونه، ولا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جَعَل لنفْسِه ما يشتهي، ولا تقول جَعَل زيدٌ له ما يَشْتهىِ، وهو يعني نفسه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 206، بتصرف يسير.]].
16:58Page 273
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨
And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ أي أُخبر بولادة بنت، والتبشير هاهنا بمعنى الإخبار أو بمعنى حقيقة التبشير على ما بينا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 25]؛ لأن الحزن يؤثر في البَشَرة كما يؤثر السرور، يدل على هذا قوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ قال الزجاج: أي متغيرًا تَغَيُّرَ مغتم، ويقال لمن لَقِي مكروها: قد اسود وجهه غمَّا وحُزْنًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 206، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55.]]، وشرح أبو علي هذا فقال: ليس المعنى على السواد الذي هو خلاف البياض، ولكن على ما يلحق من غضاضة عن مذمة [[لم أقف عليه، وورد نحوه في "تفسير القرطبي" 10/ 116.]]، ونَزَّلُوا ولادةَ الأنثى -وإن لم يكن من فِعْلِهم- منزلةَ ما يكونُ من فِعْلِهم مما يلحق من أجله العار، وعلى ضِدِّ هذا يمدحون بالبياض من لم يلحقه عار، من ذلك قوله [[البيت لامرئ القيس.]]:
وأَوْجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرَّان [[وصدره:
ثيابُ بَني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيةٌ
"شرح ديوان امرئ القيس" ص 167، وفيه (عند المشاهد) بدل (ببض المسافر)، وورد في "العين" 4/ 19، وفي (غرر) في "تهذيب اللغة" 3/ 2652، و"الصحاح" 2/ 767، و"اللسان" 6/ 3234، و"التاج" 7/ 301، وفيه (المشاهد) بدل (المسافر)، و"مقاييس اللغة" 3/ 428، برواية: (عند المسافر)، "الأساس" ص 298. (المَسَافر)؛ أصله: سفر؛ أي أشرق، يقال: سفر وجهه حُسناً، وأسفر، == وأسفر: أشرق، ومنه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي مشرقة، ومَسَافرُ الوجه: ما يظهر منه، (المشاهد) الوقائع والحروب، (غرَّان) جمع أغرّ، ورجلٌ أغرُّ الوجه إذا كان أبيض الوجه.]] يريد أنهم لا يرتكبون ما يُدَنِّس الوجه، وعلى هذا المعنى وصفهم الرجلَ بالبياض في المدح لا على معنى بياض اللون ونصوعه، قال قتادة في هذه الآية: هذا صنيع مشركي العرب، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له [[أخرجه الطبري 14/ 123 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي ممتلئ غمًّا [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنصه.]]، وفسرنا هذا الحرف في سورة يوسف [84].
16:59Page 273
يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩
He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.
قوله تعالى: ﴿يَتَوَارَى﴾، أي: يختفي ويتغيب، وقد ذكرنا هذا الحرف وتفسيره في قوله: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ [الأعراف: 20].
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأتَه المخاضُ توارى إلى أن يعلم ما يُولدُ له، فإن كان ذكرًا سُرَّ به وابتهج، وإن كانت أُنثى اكتأب لها وحزن ولم يظهر للناس أيامًا، يُدبِّر كيف يصنع في أمرها [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 75، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 446، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.]]، وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي أيحبسه، والإمساك هاهنا بمعنى الحبس، كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37]، والكناية تعود على ما في قوله: ﴿مَا بُشِّرَ بِهِ﴾، والهُون: الهَوَان [[لم يفرق بعضهم بين الهَوْن والهُون، وذهب الكثير إلى التفريق بينهما؛ فقال بعضهم: الهُون: الهوان، والهَون: الرفق. وقال آخرون: الهُون: العذاب، والهَون: الرفق. وقال الليث: الهَون: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار. وقال شمر: الهَوْنُ: الرفق والدعة. وقال الفراء: الهُوْنُ في لغة قريش: الهَوَانُ، وبعض تميم يجعل الهُون مصدرًا للشيء الهيّن؛ أي القليل. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 106، و"تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، و"اتفاق المباني وافتراق المعاني" ص 99.]].
قال ابن شميل: إنه لَيَهُون علي هَوْنًا وهَوانًا [[ورد في "تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، بنصه.]]، وأهنته هَوْنًا وهوانًا، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [آية: 93].
قال المفسرون: كان أحدُهم في الجاهلية إذا وُلِدت له بنتٌ ضاق بها ذرعًا، فلم يدر ما يصنع بها؛ أَيَدُسُّها تحت التراب أو يتهاون بها فيُلْقِيها [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، وهود 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، ولعل المقصود بقوله: (فيلقيها)، أي: يلقيها من شاهق، فقد ذكر الرازي عدة وسائل كانوا يسلكونها في قتل البنات، أشهرها: أن يحفر لها الحفيرة ويدفنها حتى تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها. انظر: "تفسير الرازي" 20/ 56.]]، والهَوان على قول أكثرهم يعود إلى المولودة على معنى أنه سيهينها في التعب والعمل، ويمسكها على هوان منه لها.
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ يريد على رغم أنفه وعلى الكراهية منه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 55.]]، وعلى هذا القول، الهوان راجع إلى الوَالِد [[في جميع النسخ: (الولد) والصحيح (الوالد)؛ لأن هذا هو المعنى الثاني، وفي الأول عاد الهوان على الولد، ويؤيده التعليل بعده.]]؛ لأنه يمسكه على رضا بهوان نفسه وكراهته، واختاره الفراء فقال: لا يدري أيدفنها أم يصبر عليها وعلى مكروهها [["معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي يخفيه، والدس: إخفاء الشيء [[انظر: (دس) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، و"المحيط في اللغة" 12/ 235، و"الأساس" 1/ 271، و"عمدة الألفاظ" 2/ 8.]]، وهذا على ما كانوا يفعلونه من الوأد في الجاهلية، والجملة التي وقع عليها الاستفهام من الإمساك أو [[في جميع النسخ: (و)، وما أثبته هو الصواب، والظاهر أن الألف سقطت أو تصحفت.]] الوأد متعلقة بمحذوف يدل عليه القَسَم في الاستفهام، على تقدير ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ مقدرًا: أيمسكه أم يدسه، أو مفكرًا أو مدبرًا، أي يُقَلِّبُ رأيه في أحد الأمرين.
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره [[أصل الكَظْم: اجتراعُ الغَيْظ، والكَظَمُ: مخرجُ النفس، يقال: أخذ بكَظَمِه، والكُظُومُ: السكوت، والكُظومُ: إمساكُ البعيرِ عن الجِرَّةِ. انظر: (كظم) في "العين" 5/ 345، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المحيط في اللغة" 6/ 233، و"مجمل اللغة" 2/ 786، و"عمدة الحفاظ" 3/ 469.]]، ومنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]، والتأويل: وهو كاظم، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾، أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بئس ما حكموا أن جعلوا لمن يعرفون بأنه خالقهم البنات؛ اللاتي محلهن منهم هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين [[ورد بمعناه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 394، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وابن الجوزي 4/ 459، و"تفسير القرطبي" 10/ 118، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.]]، نظير هذه الآية قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:21، 22].
16:60Page 273
لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠
For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد العذاب والنار.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: شهادة أن لا إله إلا الله [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 125 بنصه عن قتادة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 77، بنصه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 2/ 158ب، بنصه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 24، عن ابن عباس، وابن عطية 8/ 448، عن قتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 119، عن ابن عباس، والخازن 3/ 120، عن ابن عباس، وأبي حيان 5/ 505 عن ابن عباس وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 226، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]]، وهذا قول قتادة، ورُوي عنه ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الإخلاص والتوحيد [[أخرجه الطبري 14/ 125 بنصه، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 77، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 119، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 375، والثعلبي 2/ 158 ب، والطوسي 6/ 394، والقولان عن قتادة متطابقان.]]، وهذا قول المفسرين في هذه الآية، لا أدري لم قيل للعذاب: المثل السَّوء، وللإخلاص: المثل الأعلى.
وقال قوم: المثلُ السَّوء: الصفةُ السَّوء؛ من احتياجهم إلى الولد وكراهيتهم الإناث خوفَ العَيلة والعَار [[ورد في "نفسير الثعلبي" 2/ 158 أ، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 25، وابن الجوزي 4/ 459، والفخر الرازي 20/ 56، و"البيضاوي" 1/ 278.]]، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد، وهذا قول صحيح، والمَثْلُ يَردُ [[في: (أ)، (د): (يريد)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح.]] كثيرًا بمعنى الصفة، وقد بَيَّنا ذلك مستقصي في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ في سورة الرعد [آية: 35] وإن أنكر ذلك بعض المتأخرين [[يقصد محمد بن يزيد المبّرد (ت 285 هـ) فقد قال عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: 35]: فمن قال: إنما معناه: صفة الجنة فقد أخطأ؛ لأن (مَثَل) لا يوضع في موضح صفة، وإنما المثل مأخوذ من المثال والحذو، والصفة تحلية ونعْت. انظر: "المقتضب" 3/ 225.]]، فقد رُوي عن المقدمين من أئمة اللغة المثل بمعنى الصفة [[كيونس بن حبيب (ت 182 هـ)، و"الفراء" ت 207، ومحمد بن سلّام الجمحي (ت 231 هـ)، وإليه ذهب ابن جرير عند آية الرعد [35]،، ومال إليه الأزهري ونصره. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 65، و"تفسير الطبري" 13/ 162، و"تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3341.]].
وقال ابن كيسان: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: ما ضَرب اللهُ للأصنام وعبدتها من الأمثال [[لم أقف عليه.]]؛ مِثلُ قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. [العنكبوت: 41]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: 73]، ولله المثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآية [النور: 35].
فإن قيل كيف جاء ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مع قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؟ [النحل: 74] قيل: لأنه بمعنى الأمثال التي توجب الأشباه، فأما الأمثال التي يضربها الله من غير شَبَه له بخلقه فحقٌّ وصوابٌ؛ لما فيها من الحِكم [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 394، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 56، و"تفسير القرطبي" 10/ 119.]].
16:61Page 273
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١
And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين، ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ قال: يريد بافترائهم على الله، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال: يريد من [[موضع طمس في (ع) وغير واضح.]] مفتر، هذا قوله في رواية عطاء [[انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وأبي حيان 5/ 506، وفيهما قال: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: من مشرك يدبّ عليها.]]، ومعناه: أنه لو عاجلهم بالعقوبة على كفرهم ما أمهلهم طرفة عين ولأخلى وجه الأرض عنهم، والكناية في: ﴿عَلَيْهَا﴾ تعود إلى الأرض ولم يسبق لها ذكر، ولكن ذكر الدابة تدل على الأرض؛ فإنها تَدُبّ عليها، وكثير ما يُكَنّي عن الأرض وإن لم يتقدم ذكرها؛ لأنه لا يُشْكِل، يقولون: ما عليها مثل فلان، وما عليها أكرم من فلان؛ يعنون على الأرض [[نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 60.]]، وعلى هذا التفسير الدابة تختص بالمفتري، وقال سائر المفسرين: يعني دواب الأرض؛ روى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ يقول لأقحط المطر، فلم يبق في الأرض دابة إلا هلكت [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 459، وأبي حيان 5/ 506، وورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، بنحوه غير منسوب.]]، ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: كاد [[في (أ)، (د): (كان) والمثبت من (ش)، (ع) يتفق مع السياق والمعنى.]] أن يَهْلِكَ الجُعَلُ [[الجُعَلُ: دويبَّة سوداء صغيرة تألف المواضع النديّة، وهي من الخنافس، أو هو الحرباء، وكنيته أبو جِعْران، وأبو وجزة في لغة طيىء، وجمعه جِعْلاَن. انظر: "المحيط في اللغة" (جعل) 1/ 256، و"متن اللغة" 1/ 538.]] في جُحْره بذنب ابن آدم [[أخرجه الطبري 14/ 126 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 239 ، بنحوه، والثعلبي 2/ 158 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، والزمخشري 2/ 333، و"تفسير القرطبي" 10/ 120، والبيضاوي 1/ 278، والخازن 3/ 121، وابن كثير 2/ 631.]]، وقال قتادة في هذه الآية: قد فَعَل ذلك زمان نوح [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، وابن الجوزي 4/ 459، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 506.]]، والمعنى على هذا: أن شؤم ذنوب المشركين كاد أن يصيب دواب الأرض حتى تهلك بسبب ذلك، لولا حلم الله وتأخيره العقوبة، كما روى عن أبي حمزة الثُّمالي [[أبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثُّمالي، اسم أبيه دينار، وقيل: سعيد، مولى المهلَّب بن أبي صُفرة، كوفي ضعيف رافضي، روى عن أنس والشعبي، وعنه: وكيع وأبو نعيم، مات في خلافة أبي جعفر. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 450، و"ميزان الاعتدال" 1/ 363، و"الكاشف" 1/ 282، و"تقريب التهذيب" ص 132 (818).]] أنه قال: يحبس المطر فيَهلكَ كلُ شيء [[أقف عليه.]].
وقال أهل المعاني: معنى الآية، أن الله تعالى لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 196، بنصه، والطوسي 6/ 396، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، والزمخشرى 2/ 333، والفخر الرازي 20/ 59، ونسبه لأبي علي الجبائي، و"تفسير القرطبي" 10/ 119، و"البيضاوي" 1/ 278، والخازن 3/ 121.]]، فكانت الأرض تبقى خالية، وقد ضرب الله لهلاك الخلق وخلو الأرض عن سكانها أجلاً، فهو يؤخرهم إلى أجل مُسَمّى كي يتوالدوا، والأجل المسمى في هذه الآية: القيامة، في قول عطاء عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 60، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 375، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، والخازن 3/ 121.]]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يريد أجل القيامة، وفي قول الآخرين: يعني منتهى الأجل وانقضاء العمر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب، بنصه، والطوسي 6/ 396، بمعناه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26، وابن الجوزي 4/ 460، والفخر الرازي 20/ 60، و"تفسير البيضاوي" 1/ 278، والخازن 3/ 121، وذهب بعضهم إلى أنه الوقت الذي قدّره الله لإنزال العذاب بهم في الدنيا، فيكون الناس من العام المخصوص؛ أي أهل المعاصي والكفر؛ كما في قول ابن عباس القول الأول. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 125 - 126، و"تفسير الماوردي" 3/ 195، والفخر الرازي 20/ 60، و"القرطبي" 10/ 119، والخازن 3/ 120.]]، ولعل الأقرب هذا؛ فإن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا، ووجه القول الأول: أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، وذكرنا معنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ في سورة الأعراف: [34].
16:62Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، معنى ﴿يَجْعَلُونَ﴾ هاهنا يصفونه بذلك ويحكمون به له، لقولك: جعلت زيدًا أعلى الناس؛ وذكرنا معاني الجَعَل عند قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103].
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني البنات في قول جميع المفسرين [[ورد بلفظه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 126، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239، و"تفسير هود الهواري" 2/ 375، والثعلبي 2/ 158 ب، والطوسي 6/ 396.]]، والمعنى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾: لأنفسهم، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال الفراء والزجاج: موضع ﴿أَنَّ﴾ نصب؛ لأنه عبارة عن الكذب وبدل منه، المعنى: وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 107، بنحوه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بنحوه.]].
وأما تفسير ﴿الْحُسْنَى﴾ فكثير من المفسرين على أنه الغلمان والبنون، وهو [[في جميع النسخ: (وهي)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على القول، وهو مذكر.]] قول السدي ومجاهد وقتادة [["تفسير مجاهد" ص 422 بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 127 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكلٍّ، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 196، بنحوه عن مجاهد، والطوسي 6/ 397، بنحوه عن مجاهد، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، عن مجاهد، وابن الجوزي 4/ 460، عن مجاهد وقتادة، والقرطبي 10/ 120، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 506، عن مجاهد، وابن كثير 2/ 632، عن مجاهد وقتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة. ولم أقف عليه منسوبًا إلى السدي.]]، قال يمان بن رِئاب [[في جميع النسخ: (رباب)، وكذا في "لسان الميزان"، والصحيح رِئاب كما ذكره الدارقطني والذهبي، وقد صوَّب محقق كتاب الضعفاء للدارقطني هذه الرواية ورجحها على رواية اللسان.]]: ﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 26 وورد بلفظه غير منسوب في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 78، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239، وابن عطية 8/ 451، والفخر الرازي 20/ 60 ، والخازن 3/ 121.]]، وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" ص 288.]]، واختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بنصه.]]، قال: المعنى يصفون أن لهم مع قولهم هذا القبيح من الله الجزاء الحسن [[في (أ)، (د): (الحسنى)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الموافق للمصدر.]]، فحصل في ﴿الْحُسْنَى﴾ هاهنا قولان؛ الأول: على أنهم قالوا: لله البنات ولنا البنون، والثاني: على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله إن كان محمد صادقًا [[في (أ)، (د): (صادق) وهو خطأ نحوي ظاهر، لعله من النساخ، والمثبت من (ش)، (ع). "تفسير الثعلبي" 2/ 158 ب.]] في البعث؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالمعاد، ولعل الأقرب في تفسير الحسنى: الجنة، وفي الآية ما يدل على هذا، وهو قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾، فردَّ عليهم قولَهم وأثبت لهم النار، فدلّ هذا أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، قال الزجاج: (لا) ردٌّ لقولهم، المعنى ليس ذلك كما وصفوا، جَرَمَ فعلُهم هذا، أي كَسَبَ النارَ [[أي: كَسَبَ فعلُهم هذا لهم النارَ.]]، فعلى هذا (أنَّ) يكون في محل النصب بوقوع الكسبِ عليه، وقال قطرب: (أنَّ) في موضع رفع، المعنى: وجب أنَّ لهم النار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 207، بتصرف يسير.]] ، وقيل: لا بُدَّ ولا محالةَ أن لهم النّار، وذكرنا فيما تقدم استقصاء الكلام في هذا الحرف [[سورة هود: الآية [22]، و"تفسير السمرقندي" 1/ 169، والنحل الآية [23].]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي مُتْرَكون [[هكذا في جميع النسخ، ولعلها (متروكون) كما في "مجاز القرآن" 1/ 361، و"تفسير الطبري" 14/ 127، و"الحجة للقراء" 5/ 73.]] مَنْسِيُّون في النار، قاله الكلبي ومجاهد والضحاك [["تفسير مجاهد" ص 422، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 128 من ثلاث طرق عن مجاهد بلفظ: مَنْسيون، وعن الضحاك بلفظ: متروكون في النار، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 79، بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 186، بلفظه عن مجاهد والضحاك، والطوسي 6/ 395، بنصه عن مجاهد والضحاك، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 452، عن مجاهد، وأبي حيان 5/ 506 عن مجاهد، وابن كثير 2/ 632، عن مجاهد.]].
وقال قتادة: مُعَجَّلُون إلى النار [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 357 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 128 - 129 بنصه عن قتادة من طريقين، ورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 79، بنصه عن الحسن، و"تفسير السمرقندي" 2/ 239 بنصه عن قتادة، والثعلبي 2/ 158، بنصه عن قتادة، والماوردي (3/ 196) بمعناه عن قتادة، والطوسي 6/ 395، بمعناه عنهما، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 27، عن قتادة، و"تفسير القرطبي" 10/ 121، والخازن 3/ 121، عن قتادة، وابن كثير 5/ 27، عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 228، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة، وأورده وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الحسن.]]، وهو قول الحسن، والقول الأول اختيار أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 361، بنصه.]] والفراء [["معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]]، قال الكسائي: يقال: ما أَفْرَطْتُ من القوم أحدًا [[أي ما تركتُ أحدًا، ورد في "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 61، ورجَّحَ الطبري هذا القول 14/ 129.]]، وقال الفراء: العرب تقول أَفْرَطتُ منهم ناسًا، أي خَلَّفتهم ونسِيتُهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.]]، ومَنْ قال: مُعَجَّلُون، وهو الاختيار [[وقد رجحه النحاس كذلك، وقال: قول الحسنِ أشهرُ في اللغة وأعرف، وأيَّده بقول القُطامي كما في "ديوانه" ص 90:
واسْتَعْجَلُونا وكانوا من صَحَابَتِنا ... كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لِروَّادِ
وهذا الذي ذكره أوضح دلالة مما ذكره الواحدي رحمه الله، كما يؤيِّده حديث رسول الله -ﷺ-:"أنا فَرَطكْم على الحوض .. " أي متقدِّمكم وسابقكم إليه حتى تردوه. أخرجه البخاري (6575): الرقاق، في الحوض، ومسلم (2289) كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وقد جمع ابن كثير بين القولين -في (مفرطون) - وقال: ولا منافاة؛ [أي بينهما]، لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها؛ أي يخلدون. "تفسير ابن كثير" 2/ 595.]]؛ فوَجْههُ [[في جميع النسخ: (فوجه) والصحيح ما أثبته؛ وينسجم مع السياق.]] ما قال أبو زيد وعيره: فرَطَ الرجلُ أصحابَه يَفْرُطُهم فِراطا وفُرُوطًا، إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدِّلاء والأرْسَان [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 73، بنحوه، ونقله الفخر الرازي 20/ 61، بنصه ونسبه للواحدي. (الأرْسانُ) هكذا في جميع النسخ، جمع رَسَن؛ وهو الحبل تقاد به الدابّة، ويحتمل أن يكون (الأرْشَان) جمع رَشْن بسكون الشين وفتحها، وهي مَشْرَبُ الماءِ من النَّهر، أي الثُّلمة في النهر يُستقى منها، وذكر الطبري نحوًا من هذا القول بلفظة (الأرشية) وهو جمع الرَّشاء: وهو حبل الدلو، وهو الأقرب لولا اختلاف مبنى الكلمة، انظر: "تفسير الطبري" 14/ 128 بمعناه، و"المحيط في اللغة" 7/ 320، 374، 8/ 305، و"اللسان" (رشن) 3/ 1652، (رشا) 3/ 1653، و"المعجم الوسيط" 1/ 347، و"متن اللغة" 2/ 588، 592.]]، وأنشدوا [[لطرفة بن العبد (جاهلي).]]:
فأثارَ فارِطُهم غَطَاطًا جُثَّمًا ... أصواتُها كتَراطُنِ الفُرْسِ [[لم أجده في ديوانه، وذكر محقق "مستدرك التهذيب" (غط) 16/ 49، أنه ليس في ديوانه، ولكنه مما نسب إليه في زيادات [ط: أوربا/ باريس]، ورد في "لسان العرب" (رطن) 3/ 1666، وورد بلا نسبة في: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 572 وفيه: (فأراد) بدل (فأثار)، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، (غط) 3/ 2676، و"مقاييس اللغة" 2/ 404، 4/ 384، و"اللسان" (غطط) 6/ 3271، (فرط) 6/ 3390، و"التاج" (غطط) 10/ 353، (فرط) 10/ 360. (الفارطُ): المتقدّم السابق، (الغَطاطُ) بفتح الغين كسَحَاب، هي القَطَا أو ضرب منه، وقيل: ضربٌ من الطير ليس من القطا، هنَّ غُبرُ الظهور والبُطون والأبدان. سُودُ بْطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لِطافٌ، لا تجتمعُ أسرابًا، أكثرُ ما تكونُ ثلاثًا أو اثنين، وواحدتُها: غَطاطَة، سميت لصوتها غطاطًا، (جُثَّمًا) يقال: جثم الإنسان والطائر، يجْثِم ويجْثُم جَثْمًا وجُثومًا، فهو جاثِم: أي لزم مكانه فلم يبْرح؛ أي تلَبَّد بالأرض، (تراطن) من الرَّطانة بفتح الراء وكسرها، والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، إنما هو مُواضعةٌ بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بها غالبًا كلام العجم. وانظر: "اللسان" (جثم) 1/ 545.]] وأَفْرَط للقوم الفَارِطُ، وفَرَّطُوه: إذا قدَّموه، فمعنى قوله: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من هذا، كأنهم أُعجلوا إلى النار؛ فهم فيها فَرْطٌ للذين يدخلون بعدهم [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 73، بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: معنى ﴿مُفْرَطُونَ﴾: مُقَدَّمُون إلى النّار [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]]، وقرأ نافع بكسر الراء [[قرأ نافع وحده: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ من أفْرَطْتَ، وقرأ الباقون: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بفتح الراء، من أُفْرِطُوا فهم مُفْرَطُونَ. انظر: "السبعة" ص 374، و"علل القراءات" 1/ 306، و"الحجة للقراء" 5/ 73، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"التيسير" 138.]].
قال الفراء: يقول: كانوا مُفْرِطين على أنفسهم في الذنوب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 108، بنصه تقريبًا.]]، ونحوه قال الزجاج: المعنى على أنهم أَفْرَطُوا في مَعْصِية الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: أفرطوا في الافتراء على الله.
وقال أبو علي: كأنه من أَفْرَطَ؛ أي صارَ فَرَطٌ، مِثْلُ: أقْطَفَ [[في (ش)، (ع): (قَطَفٌ). قال الصاحب ابن عباد: يقال: أقطف الرجل، أي: صار صاحبَ دابةٍ قطوف، والقطوف من الدواب والإبل: هو البطئُ المقاربُ. انظر: "المحيط في اللغة" (قطف) 5/ 330.]] وأجْرَبَ، أي هم ذَوو فَرَطٍ إلى النّار [["الحجة للقراء" 5/ 74، بنصه تقريباً.]]؛كأنهم قد أَرْسَلُوا من يُهيئ لهم مواضعَهم منها.
16:63Page 273
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
قوله تعالى: (﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عباس: يعزي الله نبيه -ﷺ- بهذا [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 61، و"تفسير القرطبي" 10/ 121، والخازن 3/ 121، وأبي حيان 5/ 507، وابن كثير 2/ 632، وأبي السعود 5/ 123، وهو بلا نسبة في المصادر كلها.]] يقول) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ يعني رسلًا وأنبياءَ من قبلك، ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: حتى عَصَوا وكذبوهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ (يحتمل معنيين؛ أحدهما: أن المراد بهذا كفار قريش، يقول: الشيطان وليهم اليوم) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]؛ يتولى إغواءهم وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 129 - 130، بمعناه، والثعلبي 2/ 158 ب، بمعناه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "الكشاف" 2/ 334، وابن عطية 8/ 454، وابن الجوزي 4/ 462، و"البيضاوي" 1/ 278، وأبي حيان 5/ 507، ونسبه إلى الزمخشري، واستبعده بحجة اختلاف الضمائر من غير ضرورة، وهذا تحامل منه على الزمخشري كما هو معروف عنه؛ لأن القول قديم كما هو واضح في المصادر، والقول ليس بضعيف، بل هو محتمل كما قال الواحدي رحمه الله.]]، فيكون قد رجع عن الإخبار عن [[في جميع النسخ (إلى)، وما أثبته هو الصواب؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 62.]] الأمم الماضية إلى الإخبار عن كفار مكة. الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول: فهو ولي أولئك الذين زَيَّن لهم أعمالهم يوم القيامة [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 397، بمعناه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 334، وابن الجوزي 4/ 462، والفخر الرازي 20/ 62، نقل القولين بنصهما بلا نسبة، وأبي حيان 5/ 507، و"الدر المصون" 7/ 249، وابن كثير 2/ 632.]]، ومن كان الشيطان ولِيَّه ذلك اليوم دخل [[في (أ)، (د): (ذلكل)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الصحيح الذي يستقيم به الكلام.]] النار، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم.
16:64Page 273
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قص من أخبار الأمم الخالية في القرآن، ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، قال: يريد لاتخاذ الحجة عليهم، كأن المعنى: إلا لتُبَيِّن لهم ما يختلفون في من الدين والأحكام؛ فيذهبون فيها إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون، فَتقومُ الحجةُ عليهم بدعائك وبيانك.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ قال أبو إسحاق: بنصب ﴿رَحْمَتَ﴾؛ لأن المعنى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا للهداية والرحمة، فهو مفعول له [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 208، بنصه.]].
16:65Page 274
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أخبر الله تعالى أنه هو الذي أنزل المطرَ فأخصبت الأرض به بعد جُدُوبتها وُيبُوستها، وفي ذلك آية ودلالة على قدرته على البعث والإحياء بعد الإماتة لمن سمع ذلك سَماعَ اعتبارٍ وتَفَكُّر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences