Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:96–102
16:96Page 278
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾، أي: يفنى وينقطع، يعني الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: من الثواب والكرامة، ﴿بَاقٍ﴾: دائم لا ينقطع، قال ابن عباس: يريد لا ينفد؛ كلما أخذت منه وأكلت منه صار مكانه مثلُه، فمعنى [لا] [[إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، واحتمال أن الجملة انقلبت على النساخ؛ وأصلها: (فهذا معنى لا يفنى).]] يفنى هذا، وهذا ردّ على من قال: إن نعيم أهل الجنة ينقطع، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد على دينهم وعمّا نهاهم الله [[ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوجيز" 1/ 619.]]، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني الطاعات، وجعلها أحسن أعمالهم؛ لأن ما عداها من الحَسَن مباح، فما كان مباحًا من العمل فهو حسن ولا يستحق عليه جزاء [[إلا إذا انضمت إليه النية الصالحة، فإنه يصبح عملاً مباحاً متقرباً به إلى الله، فينال صاحبه الأجر من الله، كما في حديث "وفي بضع أحدكم صدقة" أخرجه مسلم (1005) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.]]، وما كان طاعة لله تعالى فهو الأحسن الذي وعد الله عليه الجزاء، ومن جزاه الله بأحسن عمله غفر له ذنوبه، وهذه الآيات زجر عن الأيمان الكاذبة فيما كانت، وحَثٌّ على الوفاء بالعهود والأيمان، وذكر الكلبي: أن هذه الآيات نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي [[امرؤ القيس بن عابس الكندي -رضي الله عنه- صحابي، وفد إلى النبي -ﷺ- فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة في أواخر عمره وتوفي بها نحو سنة (25 هـ). انظر: "الاستيعاب" 1/ 194، و"أسد الغابة" 1/ 137، و"الأعلام" 2/ 11.]]، وفي خصمه عيدان ابن أشوع [[عيدان بن أشوع -رضي الله عنه- هو رَبِيعَةُ بن عَيْدَان بن ذي العرف بن وائل الكِنْدِي، ويقال: الحضرمي، شهد فتح مصر، وله صحبة، وهو الذي تخاصم مع امرئ القيس في أرض إلى النبي -ﷺ-. انظر: "أسد الغابة" 2/ 266، و"الإصابة" 3/ 51.]]؛ كان يَدَّعي عليه أرضًا اقتطعها له، وأراد امرؤ [[في جميع النسخ: (امرئ)، وهو خطأ نحوي ظاهر.]] القيس أن يحلف، فلما سمع هذه الآيات بكى وأقَرَّ له بحقه [[أخرج القصة الطبراني في "الكبير" 1/ 233، عن الأشعث، ووردت في "تفسير السمرقندي" 2/ 249، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 487، عن ابن عباس، و"تنوير المقباس" ص 292، ووردت بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 أ، باختصار، وهود الهواري 2/ 386، و"تفسير القرطبي" 10/ 173.]].
16:97Page 278
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال ابن عباس في رواية أبي الربيع [[لم أقف عليه.]] وأبي مالك: هي الرزق الطيب الحلال [[أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 360، بنحوه من طريق أبي الربيع، والطبري == والطبري 14/ 170، بنحوه بعدة روايات من الطريقين؛ [وطريق أبي مالك ضعيفة]، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 103، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب بنصه، والماوردي 3/ 212، بنحوه، والطوسي 6/ 424، بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 343، و"تفسير ابن عطية" 8/ 506، وابن الجوزي 4/ 488، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، و"تفسير أبي حيان" 5/ 534، وابن كثير 2/ 645، و"الدر المنثور" 4/ 244 وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ونحو هذا روى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: لنجعلن رزقه حلالًا [[لم أقف عليه، وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس.]].
وقال في رواية عطاء: يريد عبادة الله وأكل الحلال [[لم أقف عليه، وهي طريق منقطعة.]].
وقال في رواية عكرمة: هي القناعة [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، بلفظه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 488، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، وأبي حيان 5/ 534، وابن كثير 2/ 645، وطريق عكرمة جيدة.]]، وهو قول القرظي ووهب [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 488، عن وهب، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، عن وهب، وأبي حيان 5/ 534، عن وهب، وابن كثير 2/ 645، عن وهب، و"الدر المنثور" 4/ 645، ونسبه إلى وكيع في الغرر عن القرظي.]] ومجاهد. وقال في رواية الوالبي: هي السعادة [[أخرجه الطبري 14/ 171 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة عن ابن عباس، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 ب، بلفظه، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 506، وابن الجوزي 4/ 489، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، و"الدر المنثور" 5/ 645، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال قتادة: هي رزق يوم بيوم [[انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 534، و"تفسير الخازن" 3/ 133، بلا نسبة.]].
وكان النبيّ -ﷺ- يقول في دعائه: "قنعني بما رزقتني" [[جزء من دعاء النبي -ﷺ- رواه ابن عباس -رضي الله عنه-، وطرفه: (اللهم قنعني ... ، وقد أخرجه السهمي في تاريخ جرجان ص 91، والحاكم: كتاب الدعاء 1/ 510، والتفسير: النحل 2/ 356، وقال: صحيح ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الشعب" 7/ 291، وورد في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 112، و"تلخيص الحبير" 2/ 248، و"الدر المنثور" 5/ 645، وزاد نسبته إلى ابن جرير -لم أقف عليه- وابن المنذر وابن أبي حاتم، و"تفسير الألوسي" 14/ 227.]].
وفيما روى أبو هريرة: أن النبي -ﷺ- كان يدعو: "اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا" [[أخرجه مسلم (1055/ 19) كتاب: الزهد والرقائق بنصه، وورد في "الكنز" 6/ 490، 612، وأخرجه برواية: (قوتاً) بدل (كفافاً) أحمد 2/ 446، 481، والبخاري (6460): الرقاق/ كيف كان عيش النبي -ﷺ- وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، ومسلم (1054): الزكاة / في الكفاف والقناعة، والترمذي (2362) كتاب: الزهد/ ما جاء في معيشة النبي -ﷺ- وأهله، وابن ماجة (4139) كتاب: الزهد/ القناعة، والبيهقي في: السنن: النكاح/ ما أمره الله تعالى به من اختيار الآخرة 7/ 46، والشُّعَب (7/ 291، والدلائل: باب زهده في الدنيا وصبره على القوت 1/ 339، وفي باب دعائه لأهله وهو يريد نفسه 6/ 87، وورد في "الشفا" 1/ 278، و"الكنز" 6/ 490.]].
فقول من قال: إنه القناعة، حسن مختار؛ لأنه لا يطيب في الدنيا إلا عيش القانع، والمكدود بطلبها لا تطيب حياته [[وهذا القول هو الذي اختاره الطبري وصوَّبه. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 172.]].
وقال السدي: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في القبر [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 113، والخازن 3/ 133، وابن الجوزي 4/ 489، عن شريك.]].
قال الحسن وسعيد بن جبير: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: في الآخرة [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، عن سعيد، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 506، عن الحسن، وابن الجوزي 4/ 489، عنهما، والفخر الرازي 20/ 113، عنهما.]]، فعلى هذا هذه الحياة في الجنة، روى عوف [[عوف بن أبي جميلة العبدي البصري، المعروف بالأعرابي، صاحب الحسن وابن سيرين، ثقة ثبت، روى عن أبي العالية، وعنه: شعبة والقطان، مات سنة (147 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 15، و"ميزان الاعتدال" 4/ 225، و"الكاشف" 2/ 101، و"تقريب التهذيب" ص 433، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 1/ 134.]] عن الحسن قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة [[أخرجه الطبري 14/ 171 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 104، بنصه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 249، بنصه، والثعلبي 2/ 162 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 42، و"تفسير القرطبي" 10/ 174، والخازن 3/ 133، و"الدر المنثور" 4/ 245، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وهذا قول صحيح لكن السياق يدل علي أن الحياة الطيبة في الدنيا، يقابلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124] وهذه المعيشة الضنك هي في الدنيا، أما الأقوال التي ذكرت أنها: الرزق الحلال، أو القناعة، أو السعادة، ... فهي من باب التفسير بالمثال، لأن الحياة الطيبة تشمل كل ذلك.]].
16:98Page 278
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨
So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال الزجاج وجميع أصحاب المعاني: معناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ [[بعض الكلمات هنا ساقطة من (أ)، (د).]]، ليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن؛ ومثله إذا أكلت فقل: بسم الله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 218، بتصرف يسير، وورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 173، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، و"تفسير الجصاص" 2/ 191، == والسمرقندي 2/ 250، والثعلبي 2/ 163أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 212، والطوسي 6/ 424، وانظر: "تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، والبغوي 2/ 42، والزمخشري 2/ 343، وابن عطية 8/ 507، وابن الجوزي 4/ 489، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 10/ 175.]]، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6]، وبينا حكم (إذا) في وقوع (ما) بعدها مستقبلًا في أوائل سورة البقرة وإجماع الفقهاء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة [[في دعوى الإجماع نظر، وقد خالفه بعض السلف وكبار الفقهاء -وإن كان استدلالهم ضعيفًا أو مشكوكًا في نسبته إليهم-، قال الثعلبي: اختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة؛ فقال أكثرهم: قبل القراءة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: يتعوذ بعد القراءة، وإليه ذهب داود، وقال مالك يتعوذ بعد القراءة، واحتجوا بظاهر الآية، وقال الكيالهراسي: ونُقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقًا، احتجاجًا بالآية، وقال النووي: وأما محله فقال الجمهور هو قبل القراءة، وقال أبو هريرة وابن سيرين والنخعي: يتَعوذ بعد القراءة، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية، وقال الجمهور معناه: إذا أردت القراءة فاستعذ، وهو اللائق السابق إلى الفهم، وقال القرطبي: رُوي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة، وقاله داود، وقال ابن كثير: حُكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، وأبهم ابنُ العربي القائلين ووصفهم وصفًا قاسيًا لا يليق بهم، قال: انتهى العِيُّ بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الأقوال تجعل دعوى الإجماع غير صحيحة، بل الصحيح أنه قول الأكثر والجمهور؛ كما نص الثعلبي والنووي. انظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 163أ، و"الكيالهراسي" 4/ 175، و"ابن العربي" 3/ 1175، والفخر الرازي 20/ 114، و"تفسير القرطبي" 1/ 88، و"المجموع" 3/ 325، و"تفسير ابن كثير" 1/ 14 - 17، 2/ 645.]].
وبه وردت الأخبار [[منها: ما رواه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، == ولا إله غيرك"، ثم يقول: "الله أكبر كبيرا"، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ. وقد أخرجه أبو داود (775) كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك، والترمذي (242) كتاب: أبواب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، [قال عمر -رضي الله عنه-: همزه الموتة؛ وهي الجنون، نفخه: الكبر، نفثه: الشعر. "تفسير البغوي" 5/ 42].]]، وذهب أبو هريرة -رضي الله عنه- إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وهو مذهب مالك [[وقد استغرب ابن العربي نسبة هذا القول إلى مالك، وقال هذه دعوى عريضة لا تُشْبِهُ أصولَ مالك ولا فهمه، والله أعلم بسرِّ هذه الرواية. انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1176.]]، وداود [[داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، فقيه حافظ، أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام، وإليه ينسب المذهب الظاهري، وكان فاضلاً صدوقًا ورعًا، سمع من إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرْهَد، وعنه: ابنه محمد ويوسف ابن يعقوب، من مصنفاته: "الإفصاح"، "الأصول"، ولد بالكوفة سنة (202 هـ) وسكن بغداد، ومات سنة (270 هـ). انظر: "الفهرست" ص 299، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 99، و"وفيات الأعيان" 2/ 255، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 573.]]، كأنهم أخذوا بظاهر الآية [[لا شك أن ظاهر الآية يقتضي ذلك، ولكنه مدفوع ومفسرٌ بفعل النبي -ﷺ- يقول الجصاص: يقتضي ظاهره أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، ولكنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- وعن السلف الاستعاذة قبل القراءة، وقد جرت العادة بإطلاق مثله. انظر: "تفسير الجصاص" 2/ 191، و"المحلى" 3/ 350، و"تفسير الكيالهراسي" 4/ 175، ومن توجيهات القائلين بهذا القول، أن الاستعاذة بعد القراءة هي لوقاية العمل من الحبوط، إذ ربما أورث حسن القراءة العجب في نفس القارئ، والعجب من الشيطان، فكان من المناسب أن يؤمر بالاستعاذة منه. انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 14 - 47.]]، وذلك جهل بمقاييس العربية [[عبارته هذه قاسية، ولا يليق وصف الصحابة وأئِمة الأمة بالجهل.]].
16:99Page 278
إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩
Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والمفسرون: ليس له حجة [["تفسير مجاهد" ص 352، أخرجه الطبري 14/ 174 بلفظه عن مجاهد، وورد في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 105 بلفظه عن مجاهد، و"تفسير الماوردي" 3/ 213 بلفظه عن مجاهد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 490، عن مجاهد، و"تفسير القرطبي" 10/ 175 عن مجاهد، وورد بلفظه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 250 والثعلبي 2/ 163 ب، والطوسي 6/ 425، ولم أقف عليه عن ابن عباس وعكرمة.]].
وقال أهل المعاني: طريق يتسلط به عليهم [[ورد نحوه في "تفسير البغوي" 5/ 43، وابن الجوزي 4/ 490، و"تفسير القرطبي" 10/ 175، و"تفسير البيضاوي" 2/ 283، والخازن 3/ 134، و"تفسير الألوسي" 14/ 230.]]، وقد بينا هذا عند قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ في سورة الحجر [آية: 42]، والمختار أن يقال: ليس له سلطان الإغواء، وهو معنى قول المفسرين: ليس له حجة، أي: لا حجة له على المؤمنين في إغوائهم إلى الضلالة.
16:100Page 278
إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠
His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال ابن عباس: يطيعونه [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 115، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 246 بمعناه عن ابن عباس وعزاه إلى الطبري -لم أقف عليه- وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري 14/ 174 بلفظه عن مجاهد وقتادة، وابن كثير 2/ 646، عن مجاهد، وورد بلفظه بلا نسبة في: "تفسير السمرقندي" 2/ 250، و"تفسير هود الهواري" 2/ 388، والثعلبي 2/ 163 ب، والبغوي 5/ 43، وابن الجوزي 4/ 491، و"تفسير القرطبي" 10/ 176.]]، يقال: توَلَّيْتُه، أي: أطعته، وتَوَلَّيْتُ عنه، أي: أعرضت عنه، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 56].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ قال مجاهد: يعني يعدلون برب العالمين [["تفسير مجاهد" ص 351، بنحوه، وأخرجه الطبري 14/ 175 بنصه وبنحوه ورجحه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 105، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 213، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 491، و"تفسير القرطبي" 10/ 176، و"الدر المنثور" 4/ 246، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، فعلى هذا الكناية في به تعود إلى اسم الله تعالى.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد يطيعونه في الشرك، وعلى هذا الكناية راجعة إلى الشرك، وهذا قول الربيع [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وعن الربيع أخرجه الطبري 14/ 175، بنحوه، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 213، بمعناه، والطوسي 6/ 425، بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 176، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]، والمعنى على هذا القول: والذين هم بسببه وطاعته فيما يدعو إليه مشركون، قال صاحب النظم: وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر، كفرت بهذه الكلمة؛ أي: من أجلها وبقولك إياها [[ورد بمعناه غير منسوب في "الغريب لابن قتيبة" ص 249، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 105.]]، فلذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾، أي: من أجله وحمله إياه مشركون بالله [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 163 ب، بنحوه.]].
16:101Page 278
وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال الكلبي وغيره: كان إذا نزلت آية ألين منها، يقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وغدًا بأمر؛ وأنه ليتكذَّبه ويأتيهم به من عند نفسه، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [[لم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي، وورد منسوبًا إلى ابن عباس من طريق أبي صالح وهي طريق الكلبي [وهي ضعيفة]، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 250، بنحوه عن ابن عباس، وابن الجوزي 4/ 491، عن أبي صالح عن ابن عباس، والفخر الرازي 20/ 116، عن ابن عباس، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 207 ب، بنحوه، و"تفسير هود الهواري" 2/ 388، بمعناه عن الحسن، والثعلبي 2/ 163 ب، بنحوه، والبغوي 5/ 43، والزمخشري 2/ 344، والخازن 3/ 134.]]، قال مجاهد: رفعناها وأنزلنا غيرها [["تفسير مجاهد" ص 452 بنصه، أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 106، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.]]، وقال قتادة: هو كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [[أخرجه الطبري 14/ 176 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 646.]] الآية [البقرة: 106] وقال الفراء: إذا نسخنا آية فيها تشديد مكان آية ألينَ منها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 113، بنصه.]]، ومعنى التبديل: رَفْعُ الشيء مع وضع غيره مكانه [[انظر: (بدل) في "المحيط في اللغة" 9/ 318، و"اللسان" 1/ 231، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 116، و"تفسير القرطبي" 10/ 176.]]، وتبديل الآية: رفعها [[في جميع النسخ: (ورفعها) بزيادة (و)، والصواب ما أثبته كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 116.]] بآية غيرها، وهو نسخها بآية سواها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، أي: مِن الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف؛ هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، وهذا اعتراض دخل في الكلام يتضمن توبيخ الكفار على قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾، أي إذا كان هو أعلم بما ينزل، ما بالهم ينسبون محمدًا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل في أن ذلك لمصلحة العباد؛ كالاستصلاح بإرسال نبي بعد نبي، والكلام في ذكر أكثرهم دون جميعهم قد مضى في موضعين من هذه السورة [[عند آية: [75] و [83].]].
16:102Page 278
قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢
Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾، أي: نَزَل به، أي بالقرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل، ومضى تفسير روح القدس في سورة البقرة [87]، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (من) صلة للقرآن، أي نَزَّل القرآنَ من ربك، أي: من كلام ربك جبريلُ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر الحق الصحيح الثابت لا الباطل، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما فيه من الحجج والآيات، فيزدادوا بها تصديقًا ويقينًا.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾، أي: وهو هدى، فهو خبر ابتداء محذوف.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences