Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Isra · 17:13–18

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:13–18

17:13Page 283

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية. روى الحكم عن مجاهد قال: مكتوب في ورقة شقي أو سعيد معلقة في عنقه [[أخرجه "الطبري" 15/ 51، بنحوه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن الجوزي" 5/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 303 - 304 وزاد نسبته إلى أبي داود في كتاب القدر [لم أجده في سننه] وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وهذا كما روي عن الحسن في قوله: ﴿طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ قال: شَقَاوَته وسعادته [[ورد في "تفسير مجاهد" 1/ 359 بنصه عن الحسن، أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن الجوزي" 5/ 15.]].

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: عمله من شَقَاوَة أو سعادة [["تفسير مجاهد" ص 359 بمعناه، وأخرجه "الطبري" 15/ 51 مختصرًا من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 130 مختصرًا.]].

وقال السدي: ما كُتبَ له من خير أو شر [[انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 15 بمعناه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 303 - 304 وعزاه إلى ابن أبي حاتم بمعناه.]].

وروي عن ابن عباس: أنه قال عَمَلُه وما قُدّر عليه فهو ملازمه أينما كان [[أخرجه "الطبري" 15/ 51 بنصه من طريق عطاء الخرساني (منقطعة)، وأخرجه مختصرًا من طريق العوفي (ضعيفة)، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 130، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 105 ب بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"ابن عطية" 9/ 31، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 303 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، هذا قول المفسرين في هذه الآية، وإنما قيل لما يأتيه الإنسان ويعمله [[في (أ)، (د) تصحفت إلى: (يعلمه).]] من خير وشر: طائر، على مذهب العرب وتعارفهم في ذلك؛ نحو قولهم: جرى طائرُه بكذا من الخير، وجرى له الطائرُ بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطِّيرة، أنشد أبو زيد لحسان بن ثابت:

ذَرِيني وعِلْمي بالأمور وسيرتي ... فما طائري فيها عليكِ بأَخْيَلا [[" ديوانه" ص 206 برواية: (وشيمتي) بدل (وسيرتي)، (ويومًا) بدل (فيها)، وورد في: "الحجة للقراء" 5/ 89، و"تفسير الطوسي" 6/ 456 برواية: (وشيمتي)، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 392 عجزه، و"اللسان" (خيل) 3/ 1306، و"شرح التصريح" 214، وورد بلا نسبة في: "الاشتقاق" ص 300 عجزه، و"أوضح المسالك" 4/ 120 عجزه، و"شرح الأشموني" 3/ 436، (الأخيل): طائر يُتشاءَم به، وهو ما يسمونه الشّقِرَّاق، تقول العرب: أشأَم من أخْيَل.]] أي ليس رأي بمشؤوم، قال أبو زيد: كلما مرَّ من طائر أو ظبي أو غيره، وكل ذلك عندهم طائر وطير [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 456 بنصه تقريبًا.]]، وأنشد لكثير:

جرت لي بهجرانك يا عز لا جرت ... ظباء اللوى لو أنني أتطير

ذكر في هذا البيت الظباء ثم جعلهن طيرًا؛ فقال:

فقلت لأصحابي ازجروا لا ... أبا لكم لعلكم للطير مني أزجر

فقالوا نراها طير صدق وقد جرى ... لي الطير منها بالذي كنت أحذر [[لم أجده في "ديوانه"، ولم أقف عليه.]]

ومذهبهم في العِيَافة والزجر [[العيافة: زَجْر الطير؛ وهو أن يرى طائرًا أو غرابًا فيتطيَّر، قاله الأزهري، وفي اللسان، العيافة: زجْرُ الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرِّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عافَ يعيف عيفًا إذا زجَرَ وحدَس وظن، والعائف: الذي يَعيفُ الطير فيَزْجُرُها.

انظر: "تهذيب اللغة" (عاف) 3/ 2285، و"المحيط في اللغة" (عيف) 2/ 172، و"اللسان" (عيف) 5/ 3193. الزَّجْرُ للطير وغيرها: التَّيَمُّنُ بِسُنُوحها، أو التَّشاؤم بِبُرُوحها، وإنما سُمّي الكاهنُ زاجرًا؛ لأنه إذا رأى ما يظن أنه يُتَشَاءمُ به زَجَرَ بالنَّهي عن المُضيِّ في تلك الحاجةِ برفع صوتٍ وشدَّةٍ، قاله الزجاج، وقال الليث: الزَّجرُ: أن يَزْجُرَ طائرًا أو ظَبْيًا سانِحًا أو بارحًا فيتطيَّر منه. [والسانحُ: ما وَلاَّك مَيَامِنَه، والبارح: ضِدُّه] انظر زجر في "تهذيب اللغة" 2/ 1513، و"المحيط في اللغة" 7/ 20، و"اللسان" 3/ 1813.]] معروفٌ، وأشعارهم في ذلك كثيرة، وهو باطل من أهل الجاهلية، إلا أنهم لما كانوا يتفاءلون [[في جميع النسخ: (يتألفون)، والصحيح المثبت؛ لأن الكلام في التفاؤل لا التألف، فهو تصحيف.]] في الخير والشر في الطائر والطير، سموا ما تفاءلوا [[في جميع النسخ: (ما تعالوا)، ولا معنى لذلك، والصواب المثبت، فلعلها تصحفت عنها.]] به طائرًا وطيرًا، وإن لم يكن من ذوات الأجنحة.

ثم سموا الخير والشر أيضًا طائرًا وطيرًا على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سببًا، فخاطبهم الله بما يستعملون، وهذا كلام ابن قتيبة [["الغريب" لابن قيبة 1/ 252 باختصار.]] وأبي علي الفارسي [["الحجة للقراء" 5/ 88 باختصار.]]، ويدل على صحة هذا الذي ذكرناه قراءة الحسن ومجاهد: (أَلْزَمْنَاهُ طَيره فِي عُنُقِهِ) [[وهي قراءة شاذة وردت عن الحسن ومجاهد وأبي رجاء. انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 79، و"إعراب القراءات الشاذة" 1/ 778، و"تفسير الرازي" 20/ 167، و"القرطبي" 10/ 229، و"أبي حيان" 6/ 15.]]، وعلى هذا معنى طائره: أي عمله من خير وشر.

قال الفراء: الطائر معناه عندهم العمل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 118، بنحوه.]].

وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ [["مجاز القرآن" 1/ 372، بنحوه.]]، وهو الذي تسميه الفرس البخت، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر: ما طار له من خير أو شر، أي صار له عند القسمة؛ من قولهم: أَطَرْتُ المالَ وطَيَّرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه، أي صار له [[ورد في "تهذيب اللغة" (طار) 3/ 2149 بنصه.]]، وقد بينا هذا المعنى في سورة الأعراف عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [[الأعراف [131].]].

قال الأزهري: والأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم عَلِمَ المطيعَ من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه [[في جميع النسخ: (ما عمله)، وهو تصحيف.]] منهم أجمعين، وقضى سعادة مَنْ عَلِمَه مطيعًا وشقاوة مَنْ عَلِمَه عاصيًا، فصار لكلٍّ ما هو صائرٌ إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، أي: ما طار له في علم الله بدءًا [[في (أ)، (د): (بريًا)، وفي (ش)، (ع): (بمريًا)، ولم أجد لذلك معنى في هذا السياق، والمثبت من المصدر.]] من الخير والشر [["تهذيب اللغة" (طار) 3/ 2150 بتصرف، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 15 بنصه.]].

وقوله تعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ عبارة عن اللزوم، قال أبو إسحاق: وإنما يقال للشيء اللازم: هذا في عنق فلان؛ أي لُزُومه له كلزوم القلادة من بين ما يُلْبَس في العنق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 230 بنصه.]].

وقال أبو علي: وهذا مِثْلُ قولهم: طَوَّقتُك كذا وقَلَّدتك كذا؛ أي صرفته نحوك، وألزمته [[في جميع النسخ: (ألزمت) بدون الضمير، والسياق يقتضيه، وهو كذلك في المصدر.]] إياك، ومنه: قَلَّده السلطانُ كذا؛ أي صارت الوِلَاية في لزومها له في موضع القلادة [و] [[إضافة يقتضيها السياق، وهي مثبتة في المصدر.]] مكان الطوق [[في جميع النسخ: (الطرق) والتصويب من المصدر.]]، قال الأعشى:

قَلَّدتُك الشِّعرَ يا سَلَامةُ ذا الـ ... تّفْضَالِ والشيءُ [[في جميع النسخ: (الشعر)، والصواب ما أثبته من الديوان وتفسير ابن عطية.]] حيثُ ما جُعِلَا [["ديوانه" ص 138، وورد في "تفسير ابن عطية" 9/ 33، (التفضال): الإحسان.]] [["الحجة للقراء" 5/ 89 بنصه.]] هذا قول الجمهور [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، و"الطبري" 15/ 51، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 130، و"تفسير السمرقندي" 2/ 262، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، و"الماوردي" 3/ 233، و"الطوسي" 6/ 455، و"الفخر الرازي" 20/ 168.]]، وقال بعض أهل المعاني: إنما خص العنق؛ لأن عمله لا يخلو إما أن يكون خيرًا يَزِينُه أو شرًا يَشِينُه، وما يُزَيِّنُ كالطوق والحُلِي، أو يَشِينُ كالغل، فإضافته إلى الأعناق [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 15/ 51، و"الثعلبي" 7/ 105 ب، و"الطوسي" 6/ 457، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الفخر الرازي" 20/ 168، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 15.]]، وعلى ما ذكر مجاهد [[تقدم قريبا.]]: ما قُسِمَ له أُثبت في ورقة وعُلّقت من عنقه، غير أنَّا لا نشاهد ذلك مرئيًا [[في (ش)، (ع): (بمريًا).]]، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ قال الحسن: يا ابن آدم، بُسِطت لك صحيفة، ووُكِلَ بك ملكان، فهما عن يمينك وعن شمالك، فأما الذي [[في جميع النسخ: (الذين)، والمثبت هو الصحيح.]] عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، حتى إذا مِت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تُخْرَج لك يوم القيامة [[أخرجه الطبري 15/ 52 - 53، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 105 ب، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 168، و"ابن كثير" 3/ 32، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 304، و"تفسير الألوسي" 15/ 32.]]، فعلى هذا معنى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾، أي: من قبره معه، ويجوز أن يكون معنى: ﴿نُخْرِجُ﴾ نظهر له ذلك؛ لأنه لم ير كتابه في الدنيا، فإذا بُعث أُظهر له ذلك وليبرز من الستر.

وقرأ يعقوب: (ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) [[قرأ يعقوب: ﴿وَيَخرُج﴾ بالياء مفتوحةً والراء مضمومةً، قال الطبري: وكأن من قرأ هذه القراءة وجَّه تأويل الكلام إلى: ويخرج له الطائرُ الذي ألزمناه عنق الإنسان يوم القيامة، فيصير كتابًا يقرؤه منشورًا، وقال الزمخشري: والضمير للطائر؛ أي يَخْرجُ الطائرُ كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال.

انظر تفسير "الطبري" 15/ 52، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"تفسير الزمخشري" 2/ 354، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 750، و"النشر" 2/ 306، و"الإتحاف" ص 282.]] على معنى ويَخْرُجُ له طائرُه، أي عملُه، ﴿كِتَابًا﴾، أي: ذا كتاب، ومعنى (ذا كتاب) أنه مثبت في الكتاب الذي قيل فيه: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: 49]، وعلى هذا المعنى قرأ أبو جعفر [[أبو جعفر يزيد بن القعقاع، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور، انتهت إليه القراءة بالمدينة، قرأ على زيد بن ثابت وسمع ابن عمر -رضي الله عنهم-، توفي سنة 130 هـ. انظر: "وفيات الأعيان" 6/ 274، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 72، و"غاية النهاية" 2/ 382، و"النشر" 1/ 178.]]: (ويُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) [[قرأ أبو جعفر: ﴿وَيُخْرَجْ﴾ بضم الياء وفتح الراء، على ما لم يُسَمَّ فاعله، ونائب الفاعل: ضمير الطائر. قال الطبري: وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: ويُخْرَج له الطائر يوم القيامة كتابًا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيَّره كتابًا. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 53، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"النشر" 2/ 306، و"الإتحاف" ص 282.]] أي يُخْرَجُ له الطائر؛ أي عمله، ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ كقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: 10]، وقرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) [[قرأ ابن عامر: (يُلَقَّاهُ) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، جعل الفعلَ لغير الإنسان؛ أي: الملائكة تلقاه بالكتاب الذي فيه نسخة عمله وشاهده؛ أي: يستقبل به. انظر: "السبعة" ص 378، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 364، و"علل القراءات" 1/ 316، و"المبسوط في القراءات" ص 227، و"النشر" 2/ 306.]] من قولهم: لَقَّيْتُ فلانًا الشيءَ، أي: استقبلته به، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11]، وهو منقول بالتشديد؛ من لَقَّيْتُ الشيءَ ولَقَّانِيهِ زيدٌ [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 90، بنحوه.]].

17:14Page 283

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ قال الفراء والكسائي: (يُقَال) هاهنا مضمرة كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر: 46]، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بنصه، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكسائي.]] [آل عمران: 106]، وقد مر.

قال الحسن يقرأه أُمِّيًا كان [[ساقطة من (د).]] أو غير أمِّي [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"القرطبي" 10/ 150.]].

وقال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 53 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن عطية" 9/ 35، و"أبي حيان" 6/ 15، و"الدر المنثور" 4/ 304 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، و"تفسير الشوكاني" 3/ 306، والألوسي 15/ 33.]].

وقال بكر بن عبد الله [[بكر بن عبد الله المزني البصري، أبو عبد الله، ثقة ثبت جليل، روى عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما- وعنه: قتادة وحبيب بن الشهيد مات سنة (108 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 388، و"الكاشف" 1/ 274 (628)، و"تقريب التهذيب" ص 128 (743)، و"تفسير الطبري" شاكر 1/ 274 (628)]] يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفة حسناته في ظهره يغبطه الناس عليها، وسيئاته [في] [[إضافة يقتضيها السياق؛ كما في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169.]] جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته، قال الله له: اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك، فَيُسَرُّ ويُشْرِقُ لونُه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 262، بنحوه عن ابن عباس.]] [الحاقة: 19].

وقوله تعالى: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، الحَسِيْبُ بمعنى الحاسب، كالشريك والنديم، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]، أي: محاسبًا.

قال الحسن: عدلٌ واللهُ عليك، مَنْ جعلك حَسِيبَ نَفْسِك [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 82، و"الزمخشري" 2/ 354، و"ابن الجوزي" 5/ 16، و"الفخر الرازي" 20/ 169، و"الخازن" 3/ 159، و"أبي حيان" 6/ 16، و"الألوسي" 15/ 33.]].

وقال السدي: يقول الكافر يومئذ: إنك قضيتَ أنك لست بظلام للعبيد، فاجعلني أُحاسبُ نفسي، فيقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 169، و"الدر المنثور" 4/ 304، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، ومثل هذه الأخبار لا تثبت إلا بخبر صحيح عن المعصوم.]].

17:15Page 283

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.

قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾، أي: ثواب اهتدائه له ولنفسه؛ يعني الخير باهتدائه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: على نفسه عقوبة ضلاله؛ فهُداه له كما أن ضلاله عليه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 481، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17، و"القرطبي" 10/ 151، و"الألوسي" 15/ 35، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" 9/ 36، و"أبي حيان" 6/ 16، وحمل الآية على العموم أولى من التخصيص.]].

قال قتادة: لا والله، ما يحمل اللهُ على عبدٍ ذَنْبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذ إلا بعمله [[أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه.]]. قال أبو إسحاق يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازرٌ وَزْرًا وَوِزْرًا، [و] [[هذه الواو إضافة يقتضيها المقام؛ كما في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17.]] وِزْرَةً، معناه: أثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال: وفي تأويل هذه الآية وجهان؛ أحدهما: أن الآثِمَ والمُذْنِبَ لا يؤاخذ بذنب غيره، ولا يؤاخذ بذنبه غيرُهُ، والوجه الثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسانُ بالإثم لأن غيرَه عَمِلَه؛ كما قالت الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه، إلا أنه أورد الآية [22] التي قبلها وهي: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.]] [الزخرف: 23]، ومضى الكلام في معنى الوِزْر والأوْزَار في سورة الأنعام [[آية [31].]].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ قال ابن عباس: يريد اتخاذ الحجة على خلقه.

وقال قتادة: إن الله ليس معذبًا أحدًا حتى يسبق من الله إليه خبرٌ [[في جميع النسخ: (خير)، والصحيح المثبت، كما في المصادر.]] ويأتيه من الله بَيِّنَة [[أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه تقريبًا.]].

وقال أبو إسحاق: أي حتى [[في جميع النسخ: (حين)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.]] نبين ما به نُعَذِّبُ وما من أَجْله نُدْخِلُ الجنَّةَ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه.]]، وهذا يدل على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل؛ لأن الواجبَ ما لا يؤمن العقاب في تركه، وقد أخبر أنه لا يعذب قبل بعثته الرسول، فدل أنه إنما يُعرفُ الواجبُ بقول الرسولِ، ولا يجبُ شيءٌ على أحدٍ قبل بَعْثِ الرسولِ [[وهو بهذا يرد على المعتزلة القائلين بأن الواجبات تجب بالعقل أولاً ثم بالشرع .. ، انظر: "فضل الاعتزال" ص 139 نقلاً عن كتاب "الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة" 1/ 166.]]، ولذا وجبتْ الدعوةُ قبلَ القتالِ، حتى لو أن المسلمين أناخوا بساحةِ قومٍ لم تبلغهم الدعوةُ، لم يجز لهم أن يهجموا عليهم بالقتال والثُّباتِ [[جمعُ ثُبَةٍ، وهي الفرقة، والمقصود النفير بفرق وسرايا. انظر: "عمدة الحفاظ" 1/ 317.]] قبل تقديم الدعوة، ولو فعلوا ذلك ضَمِنوا دماءهم، كذلك قال الشافعي -رضي الله عنه- [[كتاب "الأم" 4/ 157، بنحوه، وقد نص على ذلك الماوردي، وقال: فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة، وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم وكانت -على الأصح من مذهب الشافعي- كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها اختلاف معتقدهم. "الأحكام السلطانية للماوردي" ص 46، انظر: "حواشي تحفة المحتاج على المنهاج" 9/ 242، "الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته" 1/ 206.]].

17:16Page 283

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ هذا يُتَأول على وجهين:

أحدهما: أنهم أُمروا بالطاعة فعصوا، وهذا قول سعيد بن جبير [[أخرجه "الطبري" 15/ 55، بنحوه، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه، و"الطوسي" 6/ 461، بنحوه.]]، والمعنى على هذا: أَمَرْناهم على لسان رسولٍ بالطاعة ففسقوا، هذا نحو قولك: أمرتُك فعَصَيْتني، فقد عُلِمَ أن المعصية مخالفة للأمر [[في المصدر: (الأمر).]]، ولذلك؛ الفسق مخالفة أمر الله [[ورد في "تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، بنصه تقريبًا.]]، فقوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ يدل على أنه أمر بالطاعة وإن لم يُذْكر؛ كما تقول: أمرتك فعصيتني؛ معناه: أمرتك بطاعتي، فإن قيل: لِمَ خص المترفين بالأمر بالطاعة، وأمره بالطاعة لا يكون مقصورًا على المترفين، وقد أمر الله بطاعته جميع خلقه من مترف وغيره؟! قيل: لأنهم الرؤساء الذين من عداهم تبع لهم، كما أن موسى بُعث إلى فرعون ليأمره بطاعة الله وكان من عداه من القبط تبعًا له [[في جميع النسخ: (لها)، والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يرجع إلى فرعون، وورد هذا التعليل في "تفسير الجصاص" 3/ 195، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 460 بنصه تقريبًا.]]، هذا إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ من الأمر الذي هو ضد النهي.

الوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ أكثرنا، وهو قول مجاهد في رواية عبد الكريم [[ذكر محقق "تفسير مجاهد" 3/ 359 أن راويين اسمهما عبد الكريم رويا عن مجاهد؛ أحدهما: عبد الكريم بن مالك الجَزَري: تقدمت ترجمته. والآخر: عبد الكريم بن أبي المُخارق: هو أبو أميّة المعلِّم البصري، نزيل مكة، وهو ضعيف، قال يحيى: ليس بشيء، روى عن سعيد بن جبير، وعنه مالك والسفيانان، قال ابن حجر: وقد شارك الجَزَري في بعض المشايخ فربما التبس به على من لا فهم له، مات سنة 126 هـ انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 58 - 59، و"ميزان الاعتدال" 3/ 360 - 361، و"الكاشف" 1/ 661 (3432)، و"تقريب التهذيب" ص 361 (4156).]]، قال: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أكثرنا فساقها [["تفسير مجاهد" 1/ 359 بنصه، أخرجه "الطبري" 15/ 55 - 56، بنحوه عن عكرمة وسعيد، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 134 ، بنحوه عن مجاهد، و"تفسير الجصاص" 3/ 195، بنحوه عن مجاهد وعكرمة، و"الدر المنثور" ص 359 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.]]، ونحوه روى سِمَاك [[سِمَاك بن حرب بن أوس الهُذلي الكوفي، أبو المغيرة، تابعي أدرك ثمانين رجلاً من أصحاب النبي -ﷺ-، صدوق صالح من أوعية العلم، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وتغير بأخرة، مات سنة (123 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 279، و"ميزان الاعتدال" 2/ 422، و"الكاشف" 1/ 465 (2141)، و"تقريب التهذيب" ص 255 (2624).]] عن عكرمة وعمر بن ثابت [[عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي، ثقة، سمع أبا أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، وروي عنه الزهري ومالك بن أنس. انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 101، و"الكاشف" 2/ 56، و"تقريب التهذيب" ص 410 (4870).]] عن أبيه عن سعيد بن جبير، والعرب: تقول أَمِر القومُ إذا كثروا، وأمرهم اللهُ، أي: كَثَّرَهم، وآمَرَهم أيضًا بالمد [[ورد بنحوه في "غريب الحديث" 1/ 208، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 196، و"الحجة للقراء" 5/ 92.]].

روى الجَرْميُّ [[أبو عمر، صالح بن إسحاق الجَرْميّ البصري، مولى جَرْم بن زَبّان؛ من قبائل اليمن، إمام في النحو، ناظر الفراء ببغداد، أخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس وأخذ عن أبي زيد اللغة، وعن أبي عبيدة والأصمعي. انظر، "أخبار النحويين البصريين" ص 84، و"نزهة الألباء" ص 114، و"البلغة" ص 113، و"البغية" 2/ 8.]] عن أبي زيد: أمِرَ اللهُ القومَ وآمرهم أي كَثَّرَهم، قال: مِثلُ نَضَّرَ اللهُ وجهه وأنضره، ومثل أَمِرَ القوم وأمَرَهم غيرُهم، ورَجَعَ ورَجَعْتُه، وسَلَكَ وسَلَكْتُه، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]، وشَتِرتْ [[الشَّتَرُ: انقلاب في جفن العين قلّما يكون خلقةً. انظر: "اللسان" (شتر) 4/ 2193.]] عَيْنُه وشَتَرْتُهَا [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 92، عن الجرمي مختصرًا، و"المحتسَب" 2/ 17، عن أبي زيد مختصرًا، والمقصود بهذه الأمثلة، التدليل على أن بعض الأفعال يعدى بالهمزة، وبعضها -الذي من باب فَعِل بكسر العين- يتعدى بفتح العين والمعنى واحد. انظر: "المُوضح في القراءات" 2/ 752، و"تفسير الطوسي" 6/ 461.]].

قال أبو عبيدة [[في جميع النسخ (أبو عبيد)، والتصويب من "الحجة للقراء" 5/ 92.

وهو في "مجاز القرآن" 1/ 373 بمعناه، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 92 بنصه، وواضح أنه نقله من "الحجة" لا من "المجاز".]]: وقد وجدنا تثبيتًا لهذه اللغة، وهو قوله -ﷺ-: "سِكّة مَأْبُورة، ومُهْرة مَأْمورة" [[وطرفه: (خيْرُ المال سِكَّة ..) أخرجه أحمد 3/ 468 بنصه عن سويد بن هبيرة عن النبي -ﷺ-، والطبري 8/ 51 بنصه، والطبراني في "الكبير" 7/ 91، بنحوه من طريقين عن سويد بن هبيرة، وورد بنصه في "غريب الحديث" 1/ 208، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 135، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365، و"علل القراءات" 1/ 317، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، و"تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، و"الماوردي" 3/ 236، وأورده الهيثمي في "المجمع" 5/ 258 وقال: ورجال أحمد ثقات، والسيوطي في الجامع [فيض القدير] 3/ 491 ورمز له بالصحة، وفي بعض هذه المصادر تقديم مهرة على سِكَّة، (السِّكة): السَّطْر من النَّخل، (المأبورة): المُصْلَحةُ المُلقحةُ، يقال: أبَرت النخل آبُرُه أبْرًا إذا لَقَّحْته وأصلحته، (المُهْرَة): قال الليث: المُهْر ولد الرَّمَكَةِ -البرذون- والفرس، والأنثى مُهرة، والجميع مِهار، وقيل: أول ما نُتِجَ من الخيل والحُمُر الأهلية، قال ابن خالويه: يعني بالمُهرة: الكثيرة النِّتاج. انظر "أمالي القالي" 1/ 103، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365، و"تهذيب اللغة" (مهر) 4/ 3462، و"متن اللغة" 4/ 3339.]].

قال أبو زيد: هي التي قد كَثُر نَسْلُها، يقولون: أمَر اللهُ المُهْرةَ؛ أي كَثَّر ولَدَها [[ورد في "تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، بنصه.]]، وأبى قوم أن يكون (أَمَر) بمعنى أكْثَر، وقالوا: أمِرَ القوم إذا كَثُروا، وآمرهم اللهُ بالمد، أي: أكثرهم، وتأولوا في قوله: (مهرة مأمورة) أنها على الإتْبَاع لمأبورة؛ نحو الغدايا والعشايا [[ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197، و"الطوسي" 6/ 461.]].

وروى أبو العباس [[أحمد بن محمد بن عبد الله أبو العباس الليثي المعروف بختن ليث، روى القراءة عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عنه هارون بن حاتم التيمي. "غاية النهاية" 1/ 121.]] -ختن ليث- عن أبي عمرو أنه قرأ ﴿أَمَّرْنا﴾ بالتشديد [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 317، و"الحجة للقراء" 5/ 91، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 752.]]، وهو يوافق تفسير ابن عباس فيما روى عنه الوالبي، يقول: سَلَّطنا شرارها فعَصوا [[ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 119 - بمعناه، وأخرجه "الطبري" 15/ 55 بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 136 مختصرًا، و"تهذيب اللغة" (أمر) 1/ 197 بمعناه، و"الدر المنثور" 4/ 307 بنصه وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس.]].

وقال أبو إسحاق: أي جعلنا لهم إمْرةً وسلطانًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232، بنصه.]]، وقال في رواية عطاء: يريد سَلَّطنا مُلُوكَها [[انظر: "تنوير المقباس" ص 298، بنحوه.]].

قال أبو علي الفارسي: حَمْلُ أَمَّرْنا على أنه مثل: آمَرْنا؛ نحو: كَثَّرَهُ اللهُ وأَكْثَرَه، ولا يُحْمَل أمَّرْنا على أن المعنى: جعلناهم أُمراءَ؛ لأنه لا يكاد يكون في قرية واحدة عدّةُ أُمراءَ [["الحجة للقراء" 5/ 93، بنصه.]].

وهذا الذي قاله أبو علي لا يقدح في قول ابن عباس؛ لأن القريةَ الواحدة قد يكون فيها أمراء كثير تبعًا لواحد هو أكبرهم، فهم يُسَمَّون أمراء ويكونون مُسَلَّطين، وإن كان فوقهم غيرُهم هو الأعظم، فهؤلاء لا يخرجون عن سِمَة الإمارة، ويُقَوّيَ ما قاله أبو علي: أن يونس روى عن أبي عمرو أنه قال: لا يكون أمَرْنا مخففة بمعنى كثرنا [["الحجة للقراء" 5/ 92، بنحوه.]]، ولمّا أراد معنى الكثرة شَدَّد الميم ولم يقرأ بمد الألف لمّا لم يكن بالمصحف إلا ألف [[في (أ)، (د): (الألف).]] واحدة.

وروى حماد بن سلمة عن ابن كثير: آمَرْنا بالمد [[انظر: "السبعة" ص 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 316، و"الحجة للقراء" 5/ 91.]]، وهي اللغة العالية [[قاله ابن قتيبة في "غريبه" 1/ 253.]]؛ يقال: أمِرَ القوم وآمرهم الله، أي: أكثرهم، فهم مؤمَّرُون [[ورد بنحوه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 365.]].

ونحو هذا روى خارجة [[خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، أبو زيد، وينسب إلى جده، ضعيف الحديث، روى عن أبيه ونافع، وعنه مَعْن والقَعْنبي، مات سنة (165 هـ). انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 374، و"الكاشف" 1/ 361 (1302)، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"تقريب التهذيب" ص 186 (1/ 16).]] عن نافع [[انظر: "السبعة" 379، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 366، و"علل القراءات" 1/ 316، و"الحجة للقراء" 5/ 91.]]، قال أبو إسحاق: ويكون لقوله [[في جميع النسخ: (كقوله)، والصواب المثبت؛ كما يدل عليه السياق.]]: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ معنى آخر غير كثرة العدد، وهو أن تكثر [[في جميع النسخ: (أن يكون)، وهو تصحيف ظاهر، والتصويب من المصدر.]] جِدَتُهم ويَسَارُهُم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 232 بنصه تقريبًا.]].

قال أبو عبيد: الوجه قراءة العامة؛ لاحتماله معنى الأمر والكثرة [[لم أجده في كتابه "غريب الحديث"، وأخرجه ابن خالويه عنه في "إعراب == القراءات السبع وعللها" 1/ 366، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، وقد رجّح الطبري القول الأول، وعلله: بأن الأغلب من معنى أمرنا، الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره، ثم قال: وتوجيه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى -ما وجد إليه سبيل- من غيره. انظر: "تفسير الطبري" 15/ 54، 57.]]، فإنه يقال: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أبنصه.]].

وأما المترف فمعناه في اللغة: المُنَعَّم الذي قد أبطرته النعمة وسِعةُ العيش [[انظر: (ترف) في "المحيط في اللغة" 9/ 426، و"الصحاح" 4/ 1333، و"العباب الزاخر" [ف/ 42]، و"اللسان" 1/ 429 وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19، و"الفخر الرازي" 20/ 175.]].

والمفسرون يقولون في تفسيرها: الجبارين والمسلطين والملوك [[ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 263، بنحوه، و"تهذيب اللغة" (ترف) 1/ 436 بلفظه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ - بمعناه، و"الماوردي" 3/ 236 بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19.]].

وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أي تمردوا في كفرهم، إذ الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 461 بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 19.]].

﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد استوجبت العذاب [[انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 234، بنحوه، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 106 أ، بنحوه، و"الفخر الرازي" 20/ 175 بنصه.]]، يعني قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ﴾ الآية [القصص: 59]، وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} الآية [هود: 117]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فقد قال -عز وجل- وحكم بأنه لا يُهلك قرية حتى يخالفوا أمره [[في (أ)، (د): (أمر).]] في الطاعة، فإذا خالفوا الأمر حق عليهم قوله بالعذاب.

وقوله تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، أي: أهلكناها إهلاكَ الاستئصال، والدمارُ هلاكٌ بالاستئصال. وهذه الآية تأكيد لما سبق في الآية الأولى؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ وبَيَّنَ أن العقاب إنما يحق على الناس بعد مخالفتهم أمر الله.

17:17Page 283

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.

ثم ذكر سُنته في إهلاكِ القرون الماضية تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ الآية. وهذه الآية كقوله [[في جميع النسخ: (لقوله)، وهو تصحيف ظاهر.]]: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: 6]، وقد مر.

وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ ذَكَرنا الكلام في هذه الباء في مواضع [[وقد ذكر الواحدي عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6] أن استقصاء الحديث عن الباء في السورة نفسها عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [آية: 45]، لكن الجزء المتضمن لهذه الآية مفقود -كما ذكر محقق هذا الجزء.]].

وقال الفراء: لو ألقيت الباء كان الحرف مرفوعًا، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يُمدح به صَاحبُه أو يذم؛ كقولك: كفاكَ به، ونهاكَ به، وأكرِم به رجلاً، وبِئس به [[(به): ساقطة من (د).]] رجلاً، ونِعْمَ به رجلاً، وطاب بطعامك طعامًا، وجاد بثوبك ثَوبًا، ولو لم يكن مدحًا أو ذمًا لم يجز دخولها، ألا ترى أنه لا يجوز: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، ولا قعد به، وأنت تريد: قعد هو [["معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بتصرف يسير، انظر: "تفسير الطبري" 15/ 58.]].

17:18Page 284

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ قال المفسرون: أىِ الدنيا [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 ب بلفظه، وأخرجه الطبري 15/ 59 بلفظه عن ابن زيد، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 138 بلفظه، و"تفسير الجصاص" 3/ 196، والثعلبي 7/ 106 ب، و"الدر المنثور" 4/ 308 وعزاه نسبته إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك.]]، والعاجلة نقيض الآجلة؛ وهي الدنيا عُجّلَت وكانت قَبْل الآخرة، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾، هذا ذم لمن أراد بعمله وطاعته وإسلامه الدنيا ومنفعتها وعروضها، وقد بين الله تعالى أن من أرادها [[في جميع النسخ: (أراد بها)، والصواب ما أثبته بإسقاط الباء؛ لأنها تجعل المعنى مضطربًا.]] لم يدرك منها إلا ما قَدَّره اللهُ له إذا أراد أن يُقَدّر له؛ لأنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، أي: القَدْر الذي نشاء، نُعَجّل له في الدنيا لا الذي يشاء هو.

ثم بَيّن أن ما يُعَجَّل ليس عامًّا لكل أحد، فقال: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾، أي: لمن نريد أن نعجل له شيئًا قدرناه له، فإذًا قد يخيب كثير ممن يتعب للدنيا ويطلبها بسعيه [[مطموسة في (ع)، وفي (أ)، (د): (بسعته)، والمثبت من (ش)، وهو الصواب.]]، والذي يدركها لا يدرك إلا ما قُدِّر له، ثم يدخل النار في الآخرة ﴿مَذْمُومًا﴾، قال ابن عباس: ملومًا [[أخرجه الطبري 15/ 59 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، و"الدر المنثور" 4/ 309، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ﴿مَدْحُورًا﴾: منفيًا مطرودًا، وذكرنا معنى ﴿مَدْحُورًا﴾ في سورة الأعراف [آية 18]، ومعنى هذه الآية كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 145]، وقد مر، قال أبو إسحاق: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه لم يرد الله بعمله [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 233، بنصه.]]، ﴿مَدْحُورًا﴾: مباعدًا من رحمة الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском