Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:22–25
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: (إن نصارى نجران [[نَجْرَان: بفتح النون وإسكان الجيم: بين مكة واليمن، قيل: أول من عمرها نجران بن زيدان بن سبأ بن قحطان، وكان أهلها يدينون بالنصرانية، حتى فتحت سنة عشر صلحًا، وهي الآن مدينة من مدن المملكة العربية السعودية. انظر: "معجم البلدان" 5/ 266، و"معجم ما استعجم" (1298)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 176.]] كانوا عند النبي -ﷺ-، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية [[اليعقوبية: فرقة من النصارى، منسوبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إن المسيح هو الله نفسه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- وإنه تعالى مات، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وإنه عاد محدثًا وأن المحدث عاد قديمًا. انظر: "الملل والنحل" ص 226 - 227، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.]] منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية [[النسطورية: فرقة من فرق النصارى، منسوبون إلى نسطور، وكان بالقسطنطينة، قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان == وإنما ولد الإله -تعالى الله عما يقولون- انظر: "الملل والنحل" ص 225، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.]]: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم)، هذا حكاية ما ذكره المفسرون [["الكشف والبيان" 3/ 389 ب، و"بحر العلوم" 2/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 385، و"زاد المسير" 5/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 382.]].
ونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ﴾، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي -ﷺ- بعد الهجرة.
واختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 271.]].
فقال صاحب النظم: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ ابتداء و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ثلاثةٌ﴾ [[ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" 6/ 114، و"الدر المصون" 7/ 466، و"روح المعاني" 15/ 240.
وقال العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" ص 396: رابعهم مبتدأ وكلبهم خبره، ولا يعمل اسم الفاعل هنا لأنه ماض والجملة صفة لثلاثة وليس حالاً، إذ لا عامل لها؛ لأن التقدير: هم ثلاثة، وهم لا يعمل ولا يصح أن يقدر هؤلاء لأنها إشارة إلى حاضر ولم يشيروا إلى الحاضر.]]. وتأويله: سيقولون ثلاثة بهذه الحال فيكون قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ توقيتًا للآية وحالاً لهم، وكذلك قوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالاً لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) [[و (¬2) و (¬3) و (¬4) "سر صناعة الإعراب" 2/ 643]].
وقال آخرون: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿كَلْبُهُمْ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (¬2).
قال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿كَلْبُهُمْ﴾ بما في ﴿رَابِعُهُمْ﴾ من معنى الفعل) (¬3). وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18]، من كلام أبي علي.
وقال بعضهم: (﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (¬4).
قال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا. والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] [[ما بين المعاقوفين مكرر في نسخة (س).]] فكذلك هي -والله أعلم- مرادة في أوله؛ لتتجنَّس الجمل في أحوالها والمراد بها، فكأنه قيل: سيقولون: ثلاثة ورابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة وسادسهم كلبهم رجمًا بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين؛ لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الحال ولا عقد الوصف لما ذكرنا، ولكن عقد الإتباع، لا سيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين)، انتهى كلامه [["سر صناعة الإعراب" 2/ 644.]].
ونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ثلاثةٌ﴾، والتقدير: هم ثلاثة) [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 28.]]. وهذا الذي ذكره أبو علي وأبو الفتح في وجه نظم هذه الآية معنى قول أبي إسحاق: (دخول الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ وإخراجها من الأول واحد) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 227.]]. وعلى ما قالوا قوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض. و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس [[الحَدَس: التوهم في معاني الكلام والأمور. انظر: "تهذيب اللغة" (حدس) 1/ 764، و"مقاييس اللغة" (حدس) 2/ 33، و"القاموس المحيط" (الحدس) ص 537، و"الصحاح" (حدس) 3/ 915، و"لسان العرب" (حدس) 2/ 805.]].
ومنه قول زهير [[هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى. وصدره:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
انظر: "ديوانه" ص 81، و"تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي ص140، و"خزانة الأدب" 3/ 10، و"لسان العرب" (رجم) 3/ 1602، و"همع الهوامع" 2/ 92، و"الدر المصون" 7/ 467.]]:
وما هو عنها بالحديث المرجَّم
وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء. قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.]]. ومعنى قول المفسرين: ظنًّا من غير يقين.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) [["الكشاف" 2/ 385، و"روح المعاني" 15/ 242.]]؛ يريد أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإلى هذا المعنى أشار أبو إسحاق فقال: (وقد يجوز أن يكون الواو يدخل ليدل على انقطاع القصة وأن الشيء قد تمَّ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.]]. إلى هاهنا إخبار عما يقوله المختلفون في عدد [[من قوله: (يعرفون ملأتني ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).]] أصحاب الكهف، ثم قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) [["جامع البيان" 15/ 226، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"الكشاف" 2/ 385، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. فقال في رواية الضحاك: (أنا من أولئك القليل، ثم ذكرهم بأسمائهم، فذكر سبعة) [["معالم التنزيل" 5/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. وقال في رواية عكرمة: (كانوا سبعة) [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 456، و"جامع البيان" 15/ 226، و"النكت والعيون" 3/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 275.]]. وقال في رواية سعيد بن جبير: (كانوا سبعة أو ثمانية) [[ذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 75 ونسبه لابن جريج.]]. وقال في رواية عطاء الخراساني: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، يعني أهل الكتاب) [["جامع البيان" 226/ 15، و"الكشف والبيان" 389/ 3، و"الكشاف" 2/ 385.]].
وروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) [["بحر العلوم" 395/ 2، و"المحرر الوجيز" 9/ 275، و"معالم التنزيل" 162/ 5.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ قال السدي: (يقول بما أوحى إليك من القرآن) [[ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" بلا نسبة 9/ 275، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.]].
وقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 227، و"النكت والعيون" 3/ 238، و"زاد المسير" 5/ 127، و"لباب التأويل" 4/ 207.]].
وروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) [["جامع البيان" 15/ 227، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"النكت والعيون" 3/ 298، و"زاد المسير" 5/ 127، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. وقال ابن زيد: (المراء الظاهر: أن تقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تعلمون عدتهم) [["جامع البيان" 15/ 227، و"زاد المسير" 5/ 127.]]؛ يعني إنما يعلمهم القليل. ومعنى المراء في اللغة: الجدال، يقال: مَارَى يُماري، مُمارَاة ومِراء، أي: جادل [[المِرَاء: المماراة والجدل، وأصله في اللغة: الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظرة كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (مرى) 4/ 3383، و"مقاييس اللغة" (مرى) 5/ 314، و"مختار الصحاح" (مرا) (260)، و"المصباح المنير" (المرئ) ص 217.]].
قال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) [["معاني القرآن" للزجاج 277/ 3]]. فعلى ما قالوا المراء الظاهر هو: أن يجادلهم بما أنزل إليه من أنه لا يعلم عددهم إلا القليل، كما قال ابن زيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من اليهود وأهل الكتاب. قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي -ﷺ- عن عددهم فَنُهي) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]]. قال أصحابنا: (وهذا دليل على منع المسلمين من استفتاء اليهود والنصارى) [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.]].
18:23Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكرنا قبل هذا سبب نزول هذه الآية [[عند قوله سبحانه في سورة الإسراء (85) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. وعند قوله سبحانه في سورة الكهف (9) ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.]]. قال المفسرون: (هذا تأديب من الله تعالى لنبيه -عليه السلام-، وأمر له بالاستثناء فيما يعزم بمشيئة الله، إذا قلت لشيء: إني فاعله غدًا، فقل: إن شاء الله) [["جامع البيان" 15/ 228، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"المحرر الوجيز" 9/ 277، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 88.]]. قال الفراء في قوله: (إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ}: إلا أن يريد الله) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَن﴾ نصب، المعنى: لا تقولن إني أفعل إلا بمشيئة الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. جعل أبو إسحاق ﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرًا وأضمر الباء.
وقال الأخفش: (أي: إلا أن يقول: إن شاء الله. فأجزأ من ذلك هذا، وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، شبيه بالإيماء؛ لأن بعضه يدل على بعض) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 618.]]. ونحو هذا روي عن المبرد عن الكسائي والفراء قالا: (المعنى إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يقول: إن شاء الله) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 397.]]؛ فأضمر القول، ومثله كثير في القرآن، وهذا على ما ذكروا، ولما حذف يقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال.
18:24Page 296
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أكثر الناس على أن معناه: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله تعالى فاذكره، وقله إذا ذكرت.
قال ابن عباس رواية عطاء: (يريد الاستثناء ولو بعد شهر) [["زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"التفسير الكبير" 11/ 110.]]. يعني أن من قال: أفعل غدًا كذا وكذا، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فقد واقع ما نهى الله عنه، فإذا ذكر أنه كان قد نسي الاستثناء فقاله وضع عنه الحرج.
وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء إنك فاعله غدًا، فنسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة) [["الكشاف" 2/ 386، و"زاد المسير" 5/ 128، و"الدر المنثور" 4/ 394، و"التفسير الكبير" 11/ 110.]].
وقال أبو العالية: (إذا ذكرت فاستثن) [[انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الدر المنثور" 4/ 394.]].
وقال عمرو بن دينار: (له الاستثناء متى ما ذكر) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 431، وذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1235، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 485.]]. هذا كله فيما يعد من نفسه أن يفعله من غير يمين، فإن حلف ثم استثنى بمشيئة الله متصلاً بيمينه فلا حنث عليه، كذلك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ: "مَنْ حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث" [[أخرجه ابن ماجة في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، النسائي في "سننه" كتاب الأيمان والنذر باب: الاستثناء 7/ 23، والترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان باب: ما جاء في الاستثناء في اليمين 4/ 91 وقال: حديث حسن. والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 275، والدارمي في "سننه" كتاب: النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: الأيمان، باب: في الاستثناء في اليمين 11/ 664.]].
وروى ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فهو بالخيار" [[أخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان، باب: الاستثناء في اليمين 4/ 91، والنسائي في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء 7/ 23، وابن ماجة في "سنة" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 6، ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين 2/ 477 والدارمى في "سننه"، كتاب. النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 395.]].
ولا خلاف في هذا بين الناس، وإنما الخلاف فيه إذا انقطع الاستثناء عن اليمين، روى قتادة عن الحسن في الرجل يحلف فيستثني في يمينه قال: (له ثنياه إذا اتصل كلامه، ولم يكن بين ذلك كلام) [["المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" == 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"المغني" لابن قدامة 13/ 273.]].
وقال طاووس: (له ثنياه ما كان في مجلسه) [["الكشاف" 2/ 386، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"التفسير الكبير" 11/ 110، و"روح المعاني" 15/ 249، و"الدر المنثور" 4/ 394.]]. وعن حماد [[حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.]] قال: (إن استثنى في نفسه فليس بشيء حتى يسمع نفسه) [[ذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"المحلى" 8/ 406، و"بلغة السالك" 1/ 700، و"المغني" لابن قدامة 3/ 485، كتاب: "الأيمان والنذور" لأبي فارس ص 37.]].
وقال الحسن: (إذا حرك لسانه أجزأ عنه) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283 بلا نسبة، وابن قدامة في "المغني" 13/ 485.]]. ومذهب الشافعي -رحمه الله-: أن الحالف إذا نسي الاستثناء موصولاً بكلامه، فات وقته في الطلاق والعتاق وسائر الأيمان [[انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 3، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 274.]]. حتى قال بعض أصحابنا: (إنما ينفعه الاستثناء إذا أنشأ أول يمينه مع نية الاستثناء ثم وصله باليمين، فإن أنشأ اليمين ثم بدا له أن يستثني فوصل الاستثناء لم ينفعه) [[انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 4، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.]].
والصحيح: أنه إذا اتصل نفع، ووقع موقعه [[وهذا ما عليه جمهور العلماء. قال الإمام الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 229: فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بيمينه، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 79: والتحقيق الذي لا شك فيه أن == الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك. وانظر: "روضة الطالبين" 11/ 4، و"بداية المجتهد" 8/ 406، و"أحكام القرآن" للكيا الهراس 4/ 207، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: (يستثني الرجل في يمينه متى ما ذكر، وإن تطاول الزمان، وقرأ هذه الآية) [[ذكرت نحوه كتب التفسير. انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"زاد المسير" 5/ 129، و"ابن كثير" 3/ 89.]]. وهذا لا يصح؛ لأن سبيل الاستثناء أن لا يكون منفردًا بنفسه، هو مضمر كلام غيره، والآية وردت في غير اليمين، وليس في الآية: ولا تحلفن على شيء إني فاعل ذلك غدًا، يدل على هذا سبب نزول الآية، والنبي -ﷺ- لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف قال: غدًا أخبركم، ولم يحلف على ذلك، ويؤكد هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير ويُكَفّر عن يمينه" [[أخرجه البخاري كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] 8/ 229، ومسلم، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها 3/ 1268، والنسائي كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث 7/ 9، وابن ماجة كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها 1/ 681 ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما جاء فيه الكفارة من الأيمان 2/ 478.]].
ولو كان يخرج بقوله: إن شاء الله عن الحنث، لقال: وليقل: إن شاء الله، وأيضًا فإن الإنسان إذا حلف من غير نية [فقد تمت يمينه واستقرت، فلم يجز أن ينقض حكمها شيء يحدثه بعد ذلك، بخلاف ما يقارنه الاستثناء] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في بقية النسخ.]]؛ لأنه لا يستقر، على أن كثيرًا من المفسرين حملوا قوله: ﴿اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ على غير الاستثناء؛ لأن قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ابتداء كلام آخر وقصة أخرى، والاستثناء الذي ذكر وقع في موضعه متصلاً.
قال عكرمة: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال: إذا غضبت) [["جامع البيان" 15/ 229، و"معالم التنزيل" 5/ 163، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]
ومعناه أنه إنما يغضب لما يطرأ عليه من نسيان ذكر الله، فأمر بذكر الله ليزول غضبه. وروي عن السدي والضحاك أنهما قالا: (هذا فيمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها) [["معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.]].
وقال المبرد: (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقله. فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروي عنه ذلك في اليمين) [[انظر: "جامع البيان" 15/ 229. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 79/ 4: والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح، إلا مقترنًا بالمستثى منه وأن المستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أن تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما تري.]].
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها، قال أبو إسحاق: (أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]].
قال المفسرون: (إن الله -عز وجل- فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف) [["معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 129 و"التفسير الكبير" 11/ 111.]].
وقال بعضهم: (هذا نبأ أمر أن يقوله مع الاستثناء إذا ذكر، وهو كفارة نسيان الاستثناء أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها) [["جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"المحرر الوجيز" 9/ 281، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]. والمعنى: عسى أن يهدين حتى لا أنسى الاستثناء بمشيئته، وهو أقرب رشدًا من أن ينسى ذلك.
وقال بعضهم: (هذا فيما ينساه النبي -ﷺ- أمر أن يذكر الله تعالى فسأله أو يذكره ما نسي، أو يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه) [["معالم التنزيل" 5/ 164، و"الكشاف" 2/ 387.]].
18:25Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين أحدهما: أن هذا إخبار عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 458، و"جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 16، و"النكت والعيون" 3/ 300.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك قال: (إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد مما بين السماء والأرض ثم تلا: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، قال: فلو كانوا لبثوا ذلك لم يقل الله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، ولكنه حكى مقالة القوم، فقال: سيقولون: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية [["زاد المسير" 5/ 130، و"الدر المنثور" 4/ 395 وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.]].
وقال قتادة: (هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ قال: ويدل على صحة هذا قراءة ابن مسعود: قالوا لبثوا في كهفهم) [["جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"المحرر الوجيز" 9/ 282، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]. ونحو هذا قال مطر الورّاق [[مطر بن طهمان الوراق، أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، من أهل البصرة، روى عن: أنس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، ومعمر بن هشام، وشعبة، وغيرهم كثير، وكان من أكبر أصحاب قتادة، وثقه بعض العلماء، توفي سنة 125 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 287، و"الكاشف" 3/ 149، و"ميزان الاعتدال" 4/ 126، و"تهذيب التهذيب" 10/ 152.]] [["جامع البيان" 15/ 231، و"المحرر الوجيز" 9/ 282.]].
القول الثاني: أن هذه الآية إخبار عن الله تعالى، أخبر عن قدر لبثهم في الكهف من يوم دخلوا إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق [["جامع البيان" 15/ 231، و"عالم التنزيل" 5/ 164، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.]]؛ وهذا قول مجاهد قال في هذه الآية: (هو عدد ما لبثوا) [["جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ.]]، ونحوه قال عبد الله بن عبيد بن عمير [[عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، المكي، أبو هاشم، إمام تابعي مشهور، عرف بالصلاح والتقوى، وثقة العلماء، وروى لي الأربعة، ومسلم في "صحيحه"، == روى عن أبيه وغيره، عنه الأوزاعي وطائفة من التابعين، توفي -رحمه الله- سنة 113 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 249، و"الجرح والتعديل" 2/ 101، و"الحلية" 3/ 354، و"تهذيب التهذيب" 5/ 308، و"شذرات الذهب" 1/ 194.]]، والضحاك [["جامع البيان" 15/ 231، و"زاد المسير" 5/ 130.]].
واختاره الزجاج وقال: (هو الأجود عندي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]، وهو اختيار ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 266.]]. وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ما قاله القتبي: (وهو أنهم اختلفوا في لبثهم فقال الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي. وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 267.]]. وهذا معنى قول الزجاج، والكلبي: (قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها، فنزلت: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [["معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 92، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.]].
وقال كثير من أهل التفسير: (معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أن أهل الكتاب قالوا على رسول الله -ﷺ-: أن الفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله -عز وجل- عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم المرة الثانية إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله تعالى) [["جامع البيان" 15/ 231، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 9/ 28، و"زاد المسير" 5/ 130.]].
هذا الذي ذكرنا تفسير الآية [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 231: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره، ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودًا إلى أن بعثهم الله ليتساءلوا بينهم وإلى أن أعثر عليهم من أعثر ثلاثمائة سنين، وذلك لأن الله بذلك أخبر في كتابه. وقال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 89: والظاهر من الآية إنما هو أخبار من الله لا حكاية عنهم، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم. وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 9/ 283.]]، فأما إعرابها فقال ابن عباس في رواية عطاء: (نزل قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ فلم يدرِ رسول الله -ﷺ- أسنين، أم أشهر، أم أيام، أم ساعات، حتى نزل جبريل فقال: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 130، و"لباب النقول في أسباب النزول" 144، و"جامع النقول في أسباب النزول" 2/ 209.]]؛ ونحو هذا قال الضحاك، ومقاتل [["الكشف والبيان" 3/ 389 أ.]]. وعلى هذا أجاز ابن مجاهد الوقف على ثلاثمائة، لفصل ما بينهما في النزول [[ذكر نحوه بلا نسبة "المكتفى في الوقت والابتداء" 368.]]. والاختيار ترك الوقف؛ لأن سنين وإن نزل بعد ثلاثمائة فقد التحق به في قول جميع النحويين، وصار التقدير: سنين ثلاثمائة. قاله الفراء، والزجاج، وأبو عبيدة، والكسائي. وعلى هذا ﴿سِنِينَ﴾ في موضع نصب بالفعل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 272، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. قال أبو إسحاق: (ويجوز في تقدير العربية أن يكون سنين معطوفًا على ثلاث، عطف البيان والتوكيد) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. وقال أبو علي: ﴿سِنِينَ﴾ بدل من قوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ} وموضعه نصب، كما أن موضع المبدل منه كذلك وهذا كما تقول: أعطيته ألفا درهما ومائة أثوابا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 141.]]. قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ نصبا بالتفسير للعدد، كما قال عنترة [[البيت لعنترة. كَخَافِية الغُرَاب: أواخر الريش من الجناح مما يلي الظهر، وسميت بذلك لخفائها.
والأسْحم: الأسود. والشاهد فيه قوله: (سودا) وهو حال من النكرة (حلوبة) في بعض التخريجات، وفيه دليل على مجيء صاحب الحال نكرة واستشهد به أبو حيان على نعت التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى. انظر: "ديوانه" ص 13، و"الحيوان" 3/ 425، و"خزانة الأدب" 7/ 390، و"شرح شذور الذهب" ص 311، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 305، و"شرح القصائد العشر" 217، و"المقاصد النحوية" 4/ 487.]]:
فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودًا كخافية الغراب الأسحم
[وهي جمع مفسرة كما يفسر الواحد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
وقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ من نعت المائة، وهو راجع في المعنى إلى ثلاث، كما قال الشاعر، وأنشد البيت)] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]]. فجعل سودا نعتا للحلوبة، وهي في المعنى نعت لجملة العدد. وهذا القول أحسن من قول الفراء؛ لأنه جعل سودًا تفسيرًا للعدد، وليس كذلك تفسير العدد حلوبة، وسودًا نعت للحلوبة راجع إلى جملة العدد، كذلك قوله: ﴿سِنِينَ﴾ نعت المائة راجع إلى جملة العدد، وعلى هذا يكون ﴿سِنِينَ﴾ في محل الجر، غير أنه يفتح النعت بالسنين؛ لأنها اسم جامد فلا يحسن النعت بها.
وقد حصل في قوله: ﴿سِنِينَ﴾ خمسة أوجه من الإعراب: الظرف، وعطف البيان، والبدل، والتفسير، والنصت. هذا الذي ذكرنا وجه قراءة العامة وهو تنوين (مِائَةٍ)، وقراءة حمزة، والكسائي: "ثلاثمائةِ سنين" مضافة غير منونة [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: (ثلاث مائةٍ سنين) منونًا. وقرأ حمزة، والكسائي: (ثلاث مائةِ سنين) مضافًا غير منون. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 136، و"المبسوط" (234)، و"التبصرة" (248)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 58، و"النشر" 2/ 310.]]، وهذه قراءة غير جيدة [[قول المؤلف -غفر الله له- هذه قراءة غير جيدة. غير جيد؛ لأنها قراءة سبعية صحيحة ثابتة عن النبي -ﷺ- فلا يجوز الطعن فيها.
قال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 285: وهي قراءتنا معشر المغاربة ولا يقوم فيها مخالفة قانون النحاة المشار إليه بقول الخلاصة: ومائة والألف للفرد أضف. لأن القرآن برواية أهل السبع عن رسول -ﷺ- حجة على النحاة لا العكس، لا سيما وأبو علي الفارسي يرى أن قاعدة إضافة المائة إلى الفرد، أغلبية لا كلية مطردة، وبهذا يرد على من أنكر هذه القراءة.
وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 117: وقرأ حمزة والكسائي مائة بغير تنوين مضافًا إلى سنين أوقع الجمع موقع المفرد، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يجوز له ذلك.]].
قال أبو الحسن: (لا يحسن إضافة المائة إلى السنين، لا تكاد العرب تقول: مائة سنين) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 137، و"مجمع البيان" 3/ 716.]].
وقال صاحب النظم: (من أضاف وأظهر العدد اعتسف) [[ذكر نحوه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 137 بلا نسبة.]]. إلا أن أبا الحسن قال: (هو جائز، وقد يقوله بعض العرب) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 137.]].
قال الفراء: (مِنَ العرب من يضع السنين في موضع سنة، وهي حينئذٍ [[في (ص): (مسد)، وهو تصحيف.]] في موضع خفض لمن أضاف) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
وقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قال أبو إسحاق: (لا يكون على معنى تسع ليال، ولا تسع ساعات؛ لأن العدد يعرف تفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكر التفسير، تقول: عندي مائة درهم وخمسة، فتكون الخمسة قد دل عليها ذكر الدراهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.]].
وقال أبو علي: (﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: ازدادوا لُبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصاب تسع انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك) [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 323.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences