Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:63–75
18:63Page 301
قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣
He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."
قال المفسرون: فلما قال له موسى ذلك تذكر قصة الحوت؛ لأنه كان من عنده عذابهما، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: 63] الآية.
قال صاحب النظم: (الأمر عند الناس قوله: أرأيت من رؤية البصر، وليس كذلك، إنما هي كلمة وضعت لتنبيه المسؤول [[في نسخة (ص): (على ما يسأل عنه).]] عنه وبعثه على التفهم والإجابة كما قال -عز وجل -: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: 11]، والدليل على ذلك أن الفاء في قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ يدل على أنه جواب لمعنى يقتضي الفاء، والتأويل: إن شاء الله أرأيت. أي: اسمع وتفهم فإني نسيت الحوت) [[ذكر أبو علي الفارسي نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 309.]]. ونحو هذا قال أبو علي الفارسي: (وأما ما جاء أرأيت فيه بمعنى انتبه فقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ كأن المعنى: انتبه فإني نسيت الحوت، ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجزاء. ومثله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ [الملك: 30]، كأنه انتبهوا فمن يأتيكم) [[ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 309.]].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ يعني: حين نزلا هناك ووضع يوشع المكتل الذي فيه الحوت عند الصخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال ابن عباس في حديث أبي بن كعب مرفوعًا: (فإني نسيت الحوت أن أحدثكه) [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. وعلى هذا المعنى نسيت قصة الحوت وأمره على ما ذكرنا. ثم اعتذر فقال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ وذلك؛ لأنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي شكاه في قوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ فاعتذر فتاه من ذلك بأن أنساه الشيطان إياه. قال أهل المعاني: (معناه شغل قلبي بوسوسته حتى نسيته؛ لأن الشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما عرضه له) [["النكت والعيون" 3/ 324، "التفسير الكبير" 21/ 147.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الهاء لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]]. قال ابن عباس: (يريد أن أحدث بقصة الحوت) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 278، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "بحر العلوم" 2/ 305، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 271، "المحرر الوجيز" 9/ 354 - 355، "النكت والعيون" 3/ 324.]]. وهذه الآية تدل على صحة قول المفسرين في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا) [["جامع البيان" 15/ 275.]]. ونحو هذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد [["جامع البيان" 15/ 275، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 472.]]. وقد ذكرنا: أن مسلك الحوت لم يلتئم فدخل موسى ذلك المسلك. وينتصب ﴿عَجَبًا﴾ على هذا بوقوعه موقع الحال، كأنه قيل: واتخذ موسى سبيل الحوت عاجبًا من ذلك الأمر [["إملاء ما من به الرحمن" ص 402، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 284.]].
قال مجاهد: (تعجب موسى من أثر الحوت في البحر ودورانه التي غاب فيها) [["جامع البيان" 15/ 276، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 284.]].
وقال ابن زيد: (أي شيء أعجب من حوت كان دهرًا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيًا حتى مشى في البحر) [["جامع البيان" 15/ 275،"معالم التنزيل" 5/ 187.]]. وهذا القول اختيار الفراء فقد قال: (واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 154.]]. ويجوز أن ينتصب عجبا بأنه نعتُ محذوفٍ؛ كأنه قيل: سبيلاً عجبًا. ذكره ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 1/ 268.]]. وهذا القول الذي ذكرنا عن هؤلاء بعيدة لأن اتخاذ موسى سبيل الحوت مسلكًا كان بعد أن ارتدا على آثارهما قصصًا، إلا أن تحمل النظم على التقديم والتأخير، ولكن التقريب أن يجعل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ من قول يوشع [إخبارًا عن الحوت أنه فعل ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من المفسرين فقالوا: (هذا من قول يوشع] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] يقول: اتخذ الحوت سبيله في البحر سبيلاً عجبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "المحرر الوجيز" 9/ 355، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14.]]. وذكر الزجاج هذا القول [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]].
وذكر كثير من أهل العلم: (أن الكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ ويحسن الوقف هاهنا ثم تقول [[قوله: (تقول)، ساقط من (ص).]]: ﴿عَجَبًا﴾) [["المحرر الوجيز" 9/ 355، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14، "البحر المحيط" 6/ 146، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 370، "الإيضاح" 2/ 259، "القطع والإئتناف" ص 448.]]. ووجه هذا ما قاله أبو إسحاق: (وهو أن يكون قال يوشع: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ فأجابه موسى فقال: ﴿عَجَبًا﴾ كأنه قال: أعْجَبُ عَجَبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]].
ونحو هذا حكى أبو حاتم [[هو السجستاني.]] عن أهل التفسير فقال: (إنهم قالوا: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ تمام، ثم قال: ﴿عَجَبًا﴾ أي: أعْجَبُ عَجَبًا، وعلى هذا يجوز أن يكون العجب راجعًا إلى يوشع أخبر عن اتخاذ الحوت سبيله في البحر، ثم أخبر عن تعجبه من ذلك) [["الكشف والبيان" 3/ 391، "بحر العلوم" 2/ 306، "المحرر الوجيز" 9/ 355، "لباب التأويل" 4/ 222، "الكشاف" 2/ 492، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14، "إرشاد العقل السليم" 5/ 233.]]. والوقف على قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ مذهب الحسن، وعيسى بن عمر [[في (ص): (عيسى بن مريم)، وهو تصحيف.]]، ويعقوب [["المكتفى في الوقف والابتداء" ص 370، "القطع والائنتاف" ص 448، "الإيضاح" 2/ 259.]].
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما قال هذا يوشع ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 324 بدون نسبة، وذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 417.]].
18:64Page 301
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (أي هذه حاجتنا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 391 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم " 2/ 306.]]. وهذا اللفظ يحتمل معنيين أحدهما: أن المراد بحاجته التي كان يطلبها الخضر -عليه السلام-، وعلى هذا الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الخضر. هذا قول ذكره المتأخرون من أهل التفسير. والصحيح: أنه أراد بقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ انسراب الحوت [["المحرر الوجيز" 9/ 356، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 15، "البحر المحيط" 6/ 147.]]؛ لأن هذا جواب لقول يوشع حين أخبره بذلك الحوت، وعنده الخضر في ذلك المكان الذي تنسرب فيه السمكة، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلب ونريد من العلامة، ولو أراد الخضر بقوله: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ لقال: ذلك من كنا نبغي. ولكن يوشع لم يخبره عن الخضر بشيء حتى يكون معنى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ الخضر. ودل كلام أبي إسحاق، والفراء على هذا القول [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300، "معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
وقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ قال المفسرون: (رجعا وعادا عودهما على بدئهما في الطريق الذي جاءا منه) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "المحرر الوجيز" 9/ 356، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103 - 104، "الكشاف" 2/ 396.]]. ﴿قَصَصًا﴾ أي: يقصان آثارهما قَصَصا. والقَصَص: إتباع الأثر [["العمدة في غريب القرآن" ص 191.]]، وقد مر ذكره. وانتصابه على المصدر [["البحر المحيط" 6/ 147، "الدر المصون" 7/ 525، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 445.]].
ودل قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل عندها الحوت ما فعل، وأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر فوجدا الخضر [["جامع البيان" 15/ 279، "الدر المنثور" 4/ 421.]].
18:65Page 301
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
فذلك قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: صادفا وأدركا الخفر. قال المفسرون: (اسمه بليا بن ملكان) [["معالم التنزيل" 5/ 188، "البحر المحيط" 6/ 147،"روح المعاني" 15/ 319.]].
وقال مقاتل بن سليمان: (اسم المذكور في القرآن اليسع) [["النكت والعيون" 3/ 325، "البحر المحيط" 6/ 147، "روح المعاني" 15/ 319.]].
قال مجاهد: (سمي الخضر؛ لأنه إذا صلى اخضر ما حوله) [["معالم التنزيل" 5/ 188، "النكت والعيون" 3/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16، "الدر المنثور" 4/ 424 وقد صح عند البخاري 6/ 309، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- النبي -ﷺ- قال: إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء.
وانظر:"صحيح مسلم بشرح النووي" 15/ 136، "مسند الإمام أحمد" 2/ 312.]].
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد نبوة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 325، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.
وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 356. والخضر نبي عند الجمهور، والآية شهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله.
وقال القرطبي 11/ 16: إن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي.
وانظر: "الزهر النضر في نبأ الخضر" ص 110،"الخضر بين الواقع والتهويل" ص 62، "الخضر نسبه ونبوته" ص 17، "الخضر وآثاره بين الحقيقة والخرافة" ص 18.]].
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ قال: (أعطاه علمًا من علم الغيب) [["جامع البيان" 15/ 276، "معالم التنزيل" 3/ 188، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
18:66Page 301
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وقرئت: رَشَدا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (رشدا) مضمومة الراء خفيفة الشين. وقرأ ابن عامر: (رُشُدا) مضمومة الراء والشين، وقرأ أبو عمرو البصري: (رَشَدا) مفتوحة الراء والشين.
انظر: "السبعة" ص 394، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 154، "التبصرة" ص 250، "حجة القراءات" ص 422، "النشر" 2/ 311.]]، ومثله كثير في العربية نحو: البُخْل والبَخَل، والعُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَب.
قال أبو علي الفارسي: (فُعْل وفَعَل قد أجرى العرب كل واحد منهما مجرى الآخر [[في نسخة (ص): (الأثري)، وهو تصحيف.]]، ألا ترى أنهم جمعوهما جمعًا واحدًا فقالوا: تاجٌ وتِيْجان، وقاعٌ وقِيْعان، وحُوت وحِيْتان، ونُوْنٌ ونيْنان، وكما جمعوا فعلاً على فعلٍ نحو: أَسَد وأُسْد، ووَثَن ووُثْن، جمعوا فُعْلا على فُعْلٍ أيضًا، كما جمعوا فَعَلاً وذلك قولهم: الفلك، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: 119] أراد الواحد. وقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: 164]، أراد الجمع. وقيل: أرجح الوجهين قراءة من قرأ: رَشَدا، لاتفاقهم على الفتح في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: 14]. وقد اجتمعا في أن كل واحد منهما فاصلة. فأما وجه انتصابه فقوله: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ حال من قوله: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، والراجع إلى الموصول في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ محذوف تقديره: مما علمته. و ﴿رُشْدًا﴾ منصوب على أنه مفعول له، كأنه قيل: أتبعك للرشد. ويجوز أن يكون مفعولاً به تقديره: هل أتبعك على أن تعلمني رشدًا مما علمته [["مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، "إملاء ما من به الرحمن" 402، "الدر المصون" 7/ 525.]].
ومعنى: ﴿رُشدًا﴾ أمرا ذا رشد، وعلما ذا رشد) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 155.]]، وذكرنا معنى الرشد عند قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشَدِ﴾ [الأعراف: 146] وفي موضع آخر.
وهذه الآية بيان عما يوجبه العلم من تعظيم صاحبه، ألا ترى كيف دعت موسى مع جلالة شأنه وما أتاه الله من التوراة والعلم، في إتباع من يتعلم منه فيزداد إلى علمه.
قال أبو إسحاق: (وفيما فعل موسى وهو من جلة الأنبياء عليهم السلام من طلب العلم والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 301.]].
وقال قتادة: (لو كان أحد مكتفيًا من العلم لاكتفى موسى نبي [[في (س): (نجبى)، وهو تصحيف.]] الله حيث قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية) [["روح البيان" 15/ 274، "مجمع البيان" 6/ 446.]].
18:67Page 301
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ هذا قول الخضر لموسى عليهما السلام. قال ابن عباس: (يريد لن تصبر على صنيعي؛ لأني علمت علم غيب، علم ربي) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 15/ 280، "ومعالم التنزيل" 3/ 173، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
18:68Page 301
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
وقال أبو إسحاق: (ثم أعلمه العلة في ترك الصبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على ما ظاهره منكر، والأنبياء والصالحون لا يصبرون على ما يرونه منكرًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 301.]].
وقال الكلبي: (يقول لا ينبغي لرجل صالح أن يصحبني يرى مني ما ينكر لا يغيره) [[ذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 306 بدون نسبة، وكذلك القرطبي 11/ 16.]]. وقال ابن عباس: (يريد لم تحط بعلم الغيب) [["الكشف والبيان" 3/ 391 أ. وذكر نحوه بدون نسبة:"جامع البيان" 15/ 283، "النكت والعيون" 3/ 326.]].
وقال الزجاج: (نصب ﴿خُبْرًا﴾ على المصدر؛ لأن معنى ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: لم يخبره خبرا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ومعنى لم يخبره خبرا: لم يعلمه. والخبر: علمك بالشيء، يقال: من أين خبرت هذا؟ أي: علمت. وليس هذا من الخبر بمعنى التجربة. وقد روي ذلك عن عطاء في هذه الآية قال: (يريد لم يخبر من علم الغيب شيئًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 283، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "النكت والعيون" 3/ 326، وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 420 نحوه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن مردويه.]]. وهو بعيد مع قوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ولفظ الإحاطة يستعمل في معنى العلم لا في معنى التجربة، فقوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ كقولك: لم تحط به علمًا.
18:69Page 301
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
﴿قَالَ﴾ موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ قال الكلبي: (يقول لا أسألك عن شيء حتى تكون أنت تحدثني) [[ذكره نحوه السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 306 بدون نسبة.]] {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} قال ابن عباس: (يريد ولا أخالفك في شيء) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 189، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 104، "لباب التأويل" 4/ 223.]].
18:70Page 301
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ قال ابن عباس: (وذلك أنه كان رجلاً يعمل على الغيب) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 15/ 283، و"معالم التنزيل" 5/ 189، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: (يريد حتى أكون أنا الذي أفسره لك؛ لأنه قد غاب علمه عنك) [["الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "الدر المنثور" 4/ 420 وعزاه لابن عساكر.]]. هذا كلامه، وتفسير ﴿أُحْدِثَ لكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أبتدئ بذكره لك وبيانه.
18:71Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
وقوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقَا﴾ روي عن أبي بن كعب مرفوعًا أنه قال: (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة وكلموهم أن يحملوهما، فحملوهما بغير أجر، فلما ولجوا البحر أخذ الخضر فأسًا فخرق لوحًا من السفينة، فحشاها موسى بثوبه، وقال له: ﴿أَخَرَقنَهَا﴾ الآية) [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكبَا في اَلسَّفِينَهِ﴾ أراد ركبا البحر في السفينة، فحذف المفعول للعلم به. والسفينة معروفة أصلها: من السَّفن وهو القشر، سميت لِسَفْنِهَا وجه الماء كأنها تَقْشرة، وهي فَعِيلَة بمعنى فَاعِلة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (قيل لها سَفِينَة؛ لأنها تَسْفِنُ الرَّمْل إذا قلَّ الماء. قال: ويكون مأخوذًا من السَّفن، وهو الفأس التي ينجر به النجار) [["تهذيب اللغة" (سفن) 2/ 1708.]]. ومنه قوله [[هذا عجز بيت اختلف في نسبته. وصدره:
تخوَّف الرَّحل منها تامكًا صلبًا
تخوف: التخوف التنقص شيئًا فشيئًا. والتامك: السنام المرتفع.
والنبعة: واحدة النبع وهو شجر تتخذ منه القسي. والسَّفن: مبرد الحديد الذي ينحت به الخشب.
انظر: "الجامع البيان" 14/ 113، "الكشاف" 2/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "تهذيب اللغة" (سفن) 2/ 1708، "لسان العرب" (سفن) 4/ 2032، "الصحاح" (سفن) 5/ 2136.]]:
كما تخوَّف عود النبعة السَّفن
فهي على هذا فعيلة بمعنى مَفْعولة؛ لأنه نُحِتَت من الخشب بالسَّفَن فهي مَسْفونة، أي: منجورة منحوتة [[انظر المواضع السابقة من: "تهذيب اللغة"، "الصحاح"، "لسان العرب".]].
وقوله تعالى: ﴿خَرَقَهَا﴾ أي: شقها. جاء في التفسير: (أنه قلع لوحين مما يلي الماء) [["معالم التنزيل" 3/ 173، "المحرر الوجيز" 9/ 360، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشاف" 2/ 397.]]، فقال موسى منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: (منكرا) [["جامع البيان" 15/ 284، "المحرر الوجيز" 9/ 361، "النكت والعيون" 3/ 327، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 19.]]. وهو قول قتادة، والمفسرين [["جامع البيان" 15/ 284، "فتح القدير" 3/ 431.]].
وقال أبو عبيدة: (داهية نكرا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 409.]]، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. انظر: "الطبري" 15/ 284، "النكت والعيون" 3/ 327، "القرطبي" 11/ 19، "مجاز القرآن" 1/ 409، "الدر المصون" 7/ 528، "شواهد الكشاف" ص 130، "اللسان" (أمر) 1/ 129.]]:
قد لقي الأقران منِّي نكرا ... داهيةً دهياء إدًّا إمرا
وقال الكسائي: (شديدًا عظيمًا) [["روح المعاني" 15/ 337.]]. من أَمِر الأمر إذا كبر أمرا بفتح الميم، والإمر الاسم [["جامع البيان" 15/ 285، "القرطبي" 11/ 19، "فتح القدير" 3/ 432، "لسان العرب" (أمر) 1/ 129.]].
18:72–73Page 301
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
فقال له الخضر محققًا ما كان قال له أولاً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ روى ابن عباس، وأبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: "كانت الأوُلى من أمر موسى في النسيان، والثانية العذر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص" [["جامع البيان" 15/ 184، "النكت والعيون" 3/ 327، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 105. وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فعلى هذا معنى قوله: ﴿نَسِيتُ﴾ غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك ونسيت ذلك.
وروي عن ابن عباس نفسه أنه قال: (بما تركت من عهدك) [["جامع البيان" 15/ 285، "معالم التنزيل" 5/ 190، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ.]]. وهو قول الكلبي يقول: (ما تركت من وصيتك) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة، وكذلك "جامع البيان" 15/ 285، و"الكشاف" 2/ 493.]]. وعلى هذا القول النسيان بمعنى: الترك، لا بمعني الغفلة. وروي عن أبي بن كعب نفسه أنه قال: (لم ينسها ولكنها من معاريض الكلام) [["جامع البيان" 15/ 285، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150، "روح المعاني" 15/ 338.]]. وهذا القول مروي عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما كان نسي [[في (ص): (مني)، وهو تصحيف.]]، ولكن هذا من معاريض الكلام) [[لم أقف عليه عن أبي عمرو. وذكره "جامع البيان" 15/ 285 ونسبه لأبي بن كعب، وكذلك "الكشف والبيان" 3/ 391، و"المحرر الوجيز" 9/ 362، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الدر المنثور" 4/ 428.
وذكره "بحر العلوم" 2/ 307، ونسبه لابن عباس، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 190، و"النكت والعيون" 3/ 327، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20.]]. ومعني هذا: أنه اعتذر بالنسيان كالعادة في الكلام، وأن لفظ النسيان كثيرًا ما يذكر معترضًا به من غير حقيقة. وقال بعضهم: (أراد أنه لم يقل له: نسيت فيكون كاذبًا، ولكنه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النسيان تعريضًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 262، "بحر العلوم" 2/ 307.]]. وقد حصل في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ثلاثة أوجه [[والقول الأول -والله أعلم- هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. قال ابن جرير الطبري 15/ 184: والصواب من القول في ذلك أن يقول أن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه وهو لعهده ذاكرًا للصحيح عن رسول الله -ﷺ- بأن ذلك معناه من الخبر.
وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (تلحقني) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 328 بدون نسبة.]]. روى سلمة عن الفراء: (رهِقَني الرجل، يَرْهَقني، رهقًا، أي: لَحِقَني وغَشِيَني، وأَرْهَقته إذا أَرْهَقَته غيرك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1479.]].
وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿تُرْهقِنى﴾ تغشيني) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ونحو ذلك قال ابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 269.]]، وهو قول العامة. ويغشني ويلحقني بمعنى واحد، ومن لحق شيئًا فقد غشيه.
وقال الكلبي في قوله: (﴿وَلَا تُرْهِقْنى﴾ لا تكلفني) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة.]] قال أبو زيد: (أرهقتُه عُسْرًا إذا كلَّفته ذاك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489.]]. وهذا قريب من الأول، والكلام في هذا الحرف قد سبق عند قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26].
ومعنى الآية؛ عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق عليَّ الأمر في صحبتي إياك [["جامع البيان" 15/ 185، "معالم التنزيل" 5/ 190، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
وقال الفراء في قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنىِ﴾: (لا تعجلني) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
قال ابن شميل: (أرهَقَني القوم أن أصلِّي، أي: أعْجَلُوني) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "تاج العروس" (رهق) 13/ 183.]].
وقال ابن الأعرابي: (إنه لرَهِقٌ أي: سريع إلى الشر سريع الحِدَّة) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]].
وقال الكسائي: (فيه رَهَق، أي: خفِّة وحدِّة) [["لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]]. والأحسن في تفسير ﴿ترهقني﴾ مع قوله: ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قول ابن عباس، والكلبي. وقول الفراء بعيد في تفسير الآية، لا يحسن أن نقول: لا تعجلني من أمري عسرا، والله أعلم.
18:74Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ في حديث أبي بن كعب: (أنهما خرجا مع الصبيان فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه فقلعه. وأشار عبد الرزاق [[عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ أبو بكر الحميري بالولاء، من علماء اليمن، حدث عن جماعة منهم: الأوزاعي، والثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه: الإمام أحمد وغيره. توفي -رحمه الله- سنة 211 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "ميزان الاعتدال" 2/ 609، "سير أعلام النبلاء" 9/ 563.]] حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 340، "معالم التنزيل" 5/ 190، "المحرر الوجيز" 9/ 364.
وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصبحهم) [["جامع البيان" 15/ 286. وذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 308.]].
وقال أبو العالية: (كان الخضر عبدًا لا تراه الأعين، ورآه موسى، ولو رآه الناس يقتله ما تركوه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20، "فتح القدير" 3/ 436 وقال رحمه الله: وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستندًا إلاَّ قوله: ولو رآه القوم .. الخ ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أولاً: فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير أن == يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين بل لكونه فعل ذلك من غير إطلاعهم. وأما ثانيًا: فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، فسلموا لأمر الله.
وانظر: "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 173.]].
قال موسى حين رأى ذلك: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد: (لم يبلغ الحلم) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، و"زاد المسير" 5/ 172.]]. ومعنى الزاكية: الطاهرة من الذنوب، وذلك؛ لأنه كان صغيرًا لم يبلغ حد التكليف. وقرئ: زاكيه [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: (زاكية) بالألف.
وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (زكية) بغير ألف مع التشديد.
انظر: "السبعة" ص 395، "المبسوط في القراءات" ص 237، "التبصرة" ص 250، "حجة القراءات" ص 424، "النشر" 2/ 313.]]. وهي البرئية من الذنوب. كذا قال الأعمش وغيره، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" 3/ 303، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. وقال الفراء: (الزَاكِية والزَكِية مثل: القَاسِية والقَسِية) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
قال الليث: (الزكاة: الصلاح) [["تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542.]]. ورجل زاكٍ وزَكِي أي: تَقِي، ومنه قوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: 81] أي: صلاحًا.
قال الكسائي: (والفعل منه زَكَوْتُ، يزْكُو، زُكُوًا، وزكاءً ممدود) [["الكشف والبيان" 3/ 391/ ب، وذكر نحوه بدون نسبة "تهذيب اللغة" (زكا).]]. هذا الذي ذكرنا أنه كان صبيًا لم يبلغ الحنث، قول أكثر المفسرين [["معالم التنزيل" 5/ 191، "المحرر الوجيز" 9/ 364، "النكت والعيون" 3/ 328، "زاد المسير" 5/ 172.]].
وقال الضحاك: (كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 391.]].
وقال الكلبي: (كان يقطع الطريق) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 22، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. وعلى هذا معنى قوله: "زاكية" ما قال قتادة: (الزاكية التائبة) [["جامع البيان" 15/ 286، "النكت والعيون" 3/ 329.]]. يعني النامية، وكل شيء يزداد ويسمن فهو يزكو، زكاء والمعنى: أنه كان غلامًا مقتبل الشباب [["النكت والعيون" 3/ 329، "زاد المسير" 5/ 173.]]. أو تقول معنى زاكية على تفسير الضحاك والكلبي: (أنها كانت زاكية في رأي العين؛ لأنه لم يجن جناية توجب قتله بحضرة موسى) [["جامع البيان" 15/ 286، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد من غير قود) [["جامع البيان" 15/ 286 بغير نسبة.]]. والمعنى: بغير قتل نفس: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْراً﴾ أي: فظيعًا منكرًا لا يعرف. قال قتادة: (والنكر أشد من الإمر) [["جامع البيان" 15/ 287، "معالم التنزيل" 5/ 191، "النكت والعيون" 3/ 330، "الدر المنثور" 4/ 428.]]. وهو اختيار ابن كيسان [["الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. والمعنى على هذا: لقد جئت شيئًا أنكر من الأول.
وقال أبو إسحاق: (و ﴿نُّكْرًا﴾ أقل من قوله: ﴿إِمْرًا﴾؛ لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]]. وانتصاب قوله: {شَيْئًا نُّكْراً} على المفعول به؛ لأن المعنى: أتيت شيئًا نكرا. قال الزجاج: (ويجوز أن يكون معناه جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء أمضى الفعل فنصب) [[؛ "معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]].
18:75Page 302
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences