Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:9–22
19:9Page 305
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩
[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ قال الزجاج: (أي الأمر كما قيل لك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]]. وقال مقاتل بن سليمان: (كَذَلِكَ: بمعنى: هكذا) [["تفسير مقاتل" 2/ 232.]].
قال ابن الأنباري: (وعلى هذا القول كَذَلِكَ: بجملته في موضع نصب، ولا يقضي على الكاف بانفراد مما بعدها) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 406، "إملاء ما من به الرحمن" ص 407، "البحر المحيط" 6/ 175، "الدر المصون" 7/ 571.]].
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قال الفراء: (أي خلقه على هين) [["معاني القرآن" للفراء 3/ 162.]].
قال ابن عباس: (يريد: أردًّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد) [["مجمع البيان" 5/ 780، "روح البيان" 5/ 317.]].
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يحيى. قرئ: خلقناك [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خلقتك) بالتاء من غير ألف. وقرأ: حمزة، والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف. انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 255، "النشر" 2/ 317.]]، لكثرة ما جاء من [[قوله: (من لفظ الخلق مضاف إلى) ساقط من نسخة: (س).]] لفظ الخلق مضاف إلى لفظ الجمع كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الحجر: 26]، في مواضع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11]، ولغة الجمع قد جاء بعد لفظ الافراد كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: 1]، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: 2]. واختار أبو عبيد التاء [[ذكره بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195.]]؛ لأنها تشاكل الياء في: ﴿عَلَيَّ هَيِّنُ﴾.
وقال أحمد بن يحيى [[هو: ثعلب، تقدمت ترجمته.]]: (الاختيار النون والألف؛ لأن فيه زيادة حرف وبكل حرف عشر حسنات) [[لم أقف عليه. ويشهد له ما صح من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف".]]. والقراءة غير مخالفة خط المصحف؛ لأنهم يسقطون الألف من الهجاء في مئل هذا البناء؛ ولأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله -عز وجل- وله المثل الأعلى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، وفي هذا رد على القدرية في تسميتهم المعدوم شيئًا [[قال القاضي علي بن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 117: أهل السنة عندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، وأن المعدوم ليس بشئ في الخارج، ولكن الله == يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي: لم تكن شيئاً في الخارج، وإن كان شيئًا في علمه تعالى. وانظر: "أضواء البيان" 4/ 217.]]. والله تعالى يقول لزكريا حين كان معدوما: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. قال الزجاج: (أي فخلق الولد لك كخلقك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]].
19:10Page 305
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠
[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال قتادة: (سأل نبي الله آية على حمل امرأته بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة مشافهة) [["جامع البيان" 16/ 52، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7.]].
قال ابن الأنباري: (وفي سؤاله الآية وجوه:
أحدها: أن التماسه الآية كان على معنى المزيد من الله والتكرمة من الله بإعطائه الآية، ليتم نعمة إلى نعمة، وكلتاهما يد من الله -عز وجل- عنده.
والثاني: [أنه لما بشر بالولد كان على يقين منه، غير أنه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]].
والثالث: أنه لما بشر بالولد غلب عليه طبع البشرية، فسأل الآية ليزداد بها يقينا وإيمانا، فعاقبه الله بأن حبس لسانه ثلاث ليال حين احتاج إلى مشافهة الملائكة بالبشارة إلى علامة تدل على صحة ما وعد به) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 52، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7، "معالم التنزيل" 3/ 189.]].
وإلى هذا ذهب الكلبي ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 232.]]، وقتادة، قال [[قوله: (قال)، ساقط من نسخة (س).]] قتادة: (قوله: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} حبس لسانه عقوبة لما سأل الله الآية بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة، وكان لا يفيض بكلمة إنما يومئ إيماء) [["جامع البيان" 16/ 52، وذكره الهواري في "تفسيره" 3/ 7 بدون نسبة، "الدر المنثور" 2/ 192.]]. ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ أي قال الله علامتك على خلق الولد لذلك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، أي: تمنع الكلام فلا تقدر عليه ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ صحيحًا من غير ما بأس ولا خرس. قال مجاهد: (أي لا يمنعك مرض) [["جامع البيان" 16/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 220، "الدر المنثور" 4/ 469.]]. و ﴿سَوِيًّا﴾ هو منصوب على اقال. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿سَوِيًّا﴾ نعت مصدر محذوف على معنى أن لا يكلم الناس تكليمًا سويًا، يصحح هذا أنه كان يشير في الليالي الثلاث ولا يتكلم تكلما صحيحا) [[ذكر نحوه بلا نسبة "المسير الكبير" 21/ 190، "البحر المحيط" 6/ 176، "الدر المصون" 7/ 573.]].
19:11Page 305
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١
So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال ابن زيد: (من مصلاه) [["جامع البيان" 16/ 53، "النكت والعيون" 3/ 358، "الدر المنثور" 4/ 469.]].
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشار إليهم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 53، "المحرر الوجيز" 10/ 16، "النكت والعيون" 3/ 358، "معالم التنزيل" 5/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]]، وهو قول القرظي [["روح المعاني" 16/ 71، "فتح القدير" 3/ 264.]]، وقال قتادة: (أو ماء إليهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 54، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "روح المعاني" 16/ 71.]]. وقال مجاهد: (كتب إليهم في الأرض) [["جامع البيان" 16/ 54، "معالم التنزيل" 5/ 221، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 85.]]. وهو قول الحكم، وإبراهيم [["جامع البيان" 16/ 54، "الدر المنثور" 4/ 469.]]. ويدل على صحة الإشارة قوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ومعنى أمره إياهم بالصلاة ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا) [["روح المعاني" 16/ 71، "الدر المنثور" 4/ 469، "تنوير المقباس" 254.]]. والمعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة. فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام خرج عليهم فأمرهم بالصلاة.
19:12Page 306
يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢
[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy
وقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فوهبنا له وقلنا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]]. قال ابن عباس: (التوراة بقوة) [["النكت والعيون" 3/ 359، "تنوير المقباس" 254.]]. قال مجاهد: (بجد) [["جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 86، "الدر المنثور" 4/ 470.]]. وقال ابن عباس: (بقوة منك أعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 436، "النكت والعيون" 3/ 360، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 86، "التفسير الكبير" 21/ 191.]].
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: (يريد النبوة في صباه وهو ابن ثلاث سنين) [["زاد المسير" 5/ 213، "روح المعاني" 16/ 72، "الدر المنثور" 4/ 470 ونسبة لقتادة.]].
وقال مجاهد: (الحكم والفهم هو أنه أعطي فهما لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة) [["زاد المسير" 5/ 213، "الدر المنثور" 4/ 470، "فتح القدير" 3/ 466.]].
وقال معمر: (هو أن الصبيان قالوا له: اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقت) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 360، "المحرر الوجيز" 9/ 436.]].
وقال الحسن: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: اللب) [["زاد المسير" 5/ 213.]]. والحكم عند العرب: ما يمنع من الجهل والخطأ ويصرف عنهما [[انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885، "مقاييس اللغة" (حكم) 2/ 91، "الصحاح" (حكم) 5/ 1901، "لسان العرب" (حكم) 2/ 951.]].
19:13Page 306
وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣
And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh
قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ الحنان معناه في اللغة: العطف والرحمة. يقال: حنانك وحنانيك يذكره الرحمة والبر، ومنه قول الشاعر [[هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
انظر: "ديوانه" 66، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 2، "الكتاب" لسيبويه 1/ 348، "همع الهوامع" 1/ 190، "الدر المصون" 7/ 575، "لسان العرب" (حنن) 2/ 1030، "جمهرة أشعار العرب" 3/ 449.]]:
حَنَانَيْكَ بَعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
ويقال: حَنَّ عليه أي: عطف عليه، وحَنَّ إليه أي: نزع إليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (حن) 1/ 945، "القاموس المحيط" (الحنين) 1188، "الصحاح" (حنن) 5/ 2104.]]، ونحو هذا قال المفسرون في معنى الحَنَان، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: (رحمة من عندنا) [["جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214، "الدر المنثور" 4/ 471.]]. وهو قول عكرمة، وقتادة، والربيع [["جامع البيان" 16/ 55، "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126.]].
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال ابن عباس: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص) [["معالم التزيل" 5/ 222، "زاد المسير" 5/ 214.]].
وقال قتادة: (هي العمل الصالح) [["جامع البيان" 16/ 57، "معالم التزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214.]]. وهو قول الضحاك وابن جريج [["جامع البيان" 16/ 58، "النكت والعيون" 3/ 360، "معالم التزيل" 5/ 222.]]. ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاص، فعلى هذا الموصوف بالحنان والزكاة يحيى؛ لأن الله آتاه إياهما.
وقال ابن عباس في رواية عكرمة: (لا أدري ما الحنان؟ غير أني أظنه يعطف الله على عبده) [["جامع البيان" 16/ 56، "المحرر الوجيز" 9/ 437، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الدر المنثور" 4/ 471.]]. ونحو هذا قال مجاهد في تفسير: ﴿وَحَنَانًا﴾ (تعطفا من ربه على يحيى) [["جامع البيان" 16/ 56، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214.]].
وقال أبو إسحاق في تفسير ﴿وَزَكَاةً﴾: (الزكاة التطهير) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 322.]]. وعلى هذا معني الآية: وآيتنا يحيى تعطفا منا عليه، وتطهيرا إياه من عندنا، والموصوف بالحنان والزكاة هو الله تعالى على هذا القول؛ لأنه ذو الرحمة على يحيى والمطهر له.
وقال قوم: الحنان والزكاة يعودان إلى زكريا، وهو قول الكلبي والفراء. قال الفراء: (وفعلنا ذلك رحمة لأبويك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 163.]]. وقال الكلبي في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ (يعني: صدقه تصدق الله بها على أبويه) [["معالم التنزيل" 5/ 222.]]. وعلى هذا القول يحتاج إلى إضمار كما ذكره الفراء ويكون التقدير: وفعلنا ذلك يعني هبة الولد واستجابة الدعاء حنانا من لدنا أي: رحمة منا على زكريا، وزكاة، وصدقة منا عليه [[قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 229: والتحقيق فيه إن شاء الله هو أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي: طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 88.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري) [["زاد المسير" 5/ 214.]].
قال المفسرون: (وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها) [["جامع البيان" 16/ 58، "المحرر الوجيز" 9/ 438، "معالم التنزيل" 5/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 88.]]. كما قال رسول الله -ﷺ-: "ما من الناس عبد إلا قد هم بخطيئه أو عملها غير يحيى بن زكريا" [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 16/ 58، والصنعاني في "تفسيره" 2/ 7، والإمام أحمد في "مسنده" 1/ 215، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 126، بروايات مختلفة وضعفها جميعا. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 226: والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعًا: إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس، وإما بضعف راوٍ كما أشار له ابن كثير وغيره.
وأخرج نحوه ابن أبي شيبه في مصنفه موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص 11/ 561، و"الحاكم في مستدركه" 2/ 373 وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 471 وعزاه لأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده.]].
19:14Page 306
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤
And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.
قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ البَرُّ بمعنى البار كالصب والطب فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما [[انظر: "تهذيب اللغة" (بر) 1/ 308، "مقاييس اللغة" (بر) 1/ 177، "القاموس المحيط" (البر) 1/ 348، "الصحاح" (برر) 2/ 588، "لسان العرب" (برر) 1/ 252.
وانظر: "معالم التنزيل" 5/ 222، "بحر العلوم" 2/ 320، "زاد المسير" 5/ 215، "أضواء البيان" 4/ 229.]]. ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قال الكلبي: (هو الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 122 بدون نسبة.]]. ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيا. قال ابن عباس: (يريد لا يرتكب لي معصية) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 ب، "المحرر الوجيز" 9/ 440، "معالم التنزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "لباب التأويل" 4/ 240، "روح المعاني" 16/ 73.]].
19:15Page 306
وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥
And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.
قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (سلام مما يبتدأ به في النكره؛ لأنه اسم يكثر استعماله تقول: سلام عليك، والسلام عليك، وأسماء الأجناس يبدأ بها؛ لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها تقول: لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329.]].
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد سلام عليه مني في هذه الأيام) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 58، "المحرر الوجيز" 9/ 440، "زاد المسير" 5/ 215، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 89، "لباب التأويل" 4/ 240.]].
وقال الكلبي: (سلامة له منا) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب.]]. وقال سفيان بن عيينه: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، وأحكاما يشير له بها عهد، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله فيها بالكرامة يحيى بن زكريا فسلم عليه بالمواطن الثلاثة) [["جامع البيان" 16/ 59، "معالم التنزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 127، "زاد المسير" 5/ 215.]]. فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْه﴾ الآية.
قال ابن الأنباري: (لم يقصد باليوم قصد يوم واحد؛ لأنه يجوز أن يموت بالليل، وأن لا يولد نهارا، ولكن اليوم يقع على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي) [[ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (يوم) 4/ 3990، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 215.]].
وتلخيص معنى الآية: ويسلم عليه في زمان مولده، وكذلك ما بعده. وقد قال الكلبي عن ابن عباس: (وسلم عليه حين ولد) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب.]].
19:16Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباس: (يعني واذكر يا محمد من أمر مريم لأهل مكة) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 59، "بحر العلوم" 2/ 320، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 8، "المحرر الوجيز" 9/ 441، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 95. والأولى العموم فالذكر لأهل مكة ولغيرهم من أمة محمد -ﷺ-.]]. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ قال الكلبي والزجاج: (تنحت) [["الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "معاني القرآن للزجاج" 3/ 322.]]. وأصله من النبذ، وهو طرحك الشيء ورميك به. يقال: نبذْتُه ناحية فانتبذ، وجلس فلان نَبْذَةً ونُبُذَةً أي ناحية، وانْتَبَذَ فلان ناحية أي: تنحى ناحية [[انظر: "تهذيب اللغة" (نبذ) 4/ 3494، "الصحاح" (نبذ) 2/ 571، "المعجم الوسيط" (نبذ) 2/ 897، "المفردات في غريب القرآن" (نبذ) 480، "لسان العرب" (نبذ) 7/ 4322.]].
وقال قتادة: (انفردت) [["جامع البيان" 16/ 59، "النكت والعيون" 3/ 361، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. وقال ابن قتيبة: (اعتزلت) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 3.]]. والقولان معنى، وليس بتفسير، وتفسير (انتبذت): تَنحَّت.
﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يعني ممن كانوا معها في الدار ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى مكان في جانب الشرق. وقال ابن السكيت: الشرق: الشمس، والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس) [["تهذيب اللغة" (شرق) 2/ 1865.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم أذاها القمل [[القمل: دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة.
انظر: تهذيب اللغة (قمل) 9/ 186، "الصحاح" (قمل) 5/ 1805، "لسان العرب" (قمل) 6/ 4743.]] في رأسها كنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة الشمس) [["زاد المسير" 5/ 215، "الكشاف" 2/ 407، "البحر المحيط" 6/ 180 بدون نسبة.]].
وقال عكرمة: (أنها كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ثم أنها أرادت الغسل من الحيض فتحولت إلى مشرقة دارهم للسغل) [["معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. فذلك قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ونحو هذا قال الكلبي [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 3/ 505، "أنوار التنزيل" 4/ 4، "روح المعاني" 16/ 75، "مجمع البيان" 5/ 784، "روح البيان" 5/ 321.]].
19:17Page 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
قوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي من دون أهلها لئلا يرونها ﴿حِجَابًا﴾ سترًا حاجزًا. قال ابن عباس: (يريد جعلت الجبل بينها وبين الناس) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف البيان" 3/ 4 أ، "معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 2/ 506، "لباب التأويل" 4/ 141، "التفسير الكبير" 21/ 196، "البحر المحيط" 6/ 180.]]. والحجاب: الجبل كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] وهذا قول مقاتل [["معالم التنزيل" 5/ 223، "تفسير مقاتل" 232، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. وقال السدي: (حجابا من الجدران) [["جامع البيان" 16/ 60، "النكت والعيون" 3/ 361، "المحرر الوجيز" 9/ 442، "زاد المسير" 5/ 215.]]. ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال المفسرون: (بينما هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبريل -عليه السلام- في صورة شاب أمرد وضيء الوجه) [["معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 2/ 407، "زاد المسير" 5/ 217، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]].
فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور وتشبه ﴿لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدلًا تامًّا.
19:18Page 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
قال ابن عباس: (فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته مر بعيد) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 223 بدون نسبة.]] بقوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي مخلصا مطيعا. قال أبو إسحاق: (تأويله إني أعوذ بالله منك، فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 323.]].
19:19Page 306
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ هذا جواب جبريل -عليه السلام- لمريم ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ اللام متعلقة بمعنى قوله: ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: أرسلني ليهب لك. ومن قراء: لأهب [[قرأ: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع: (لأهب) بالهمز.
وقرأ: أبو عمرو البصري، وورش عن نافع: (ليهب) بغير همز.
انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 256، "النشر" 2/ 317.]]، استند إلى المتكلم وهو جبريل والهبة لله سبحانه، والرسول والوكيل قد يسندون هذا النحو إلى أنفسهم، وإن كان الفعل للموكل والمرسل للعلم به، وإن الرسول مترجم عنه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 195.]].
وقوله تعالى: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ قال قال ابن عباس: (يريد نبيا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "مجمع البيان" 5/ 784، "التفسير الكبير" 21/ 199، "روح المعاني" 16/ 77. "فتح القدير" 3/ 468.]]. وقال الكلبي: (يعني صالحا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التزيل" 5/ 223، "بحر العلوم" 2/ 320، "لباب التأويل" 4/ 241، "روح المعاني" 16/ 77.]]. وهو قول الضحاك [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 9، "معالم التنزيل" 5/ 223، "بحر العلوم" 2/ 320.]].
وقيل: (طاهرا من الذنوب) [["جامع البيان" 16/ 61، "معالم التزيل" 5/ 223، "زاد المسير" 5/ 217، سعيد "فتح القدير" 3/ 468.]]. وقيل: (ناميا على الخير) [["زاد المسير" 5/ 218، "التفسير الكبير" 11/ 219، "روح المعاني" 16/ 77.]].
19:20Page 306
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة زانية.
وقال ابن عباس: (تريد ليس لي زوج، ولست بزانية، وليس يكون الولد إلا من زوج أو من الزنا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 62، "المحرر الوجيز" 9/ 444، "معالم التنزيل" 3/ 191، "زاد المسير" 5/ 218، "لباب التأويل" 4/ 241.]].
ويقال: بَغَت المرأة تبغي بَغْيًا إذا فجرت، وأصله: من البَغْي والذي هو الطلب وذلك أنهم يبغين بالفجور، والعرب تسمي الإماء البَغَايا والواحدة منها: بَغِي، ذكره ابن السكيت [[انظر: "تهذيب اللغة" (بغي) 1/ 367، "مقاييس اللغة" (بغي) 1/ 272، "المفردات في غريب القرآن" (بغي) ص 55، "لسان العرب" (بغا) 1/ 321.]]. وذلك أن العرب كانوا يأمرونهن بالمباغاة تكسبا بهن فكن يبغين الأجور فجرى هذا الاسم على الإماء. وبغي فعيل بمعنى فاعل ويكون منقولا غير مبني على الفعل فلذلك لم تدخله الهاء، وقد ذكرنا تمام هذا الفصل عند قوله: (والنطيحة) [[عند قوله سبحانه في سورة المائدة الآية رقم (3): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ الآية.]].
وقال ابن الأنباري: (إن بغي النساء أغلب عليه، قل ما تقول العرب: رجل بغي، إنما يغلب عليهم امرأة بغي، ورجل عاهر فاجر، فلما انفردت المرأة بالوصف استغنى عن إلحاق علامات التأنيث، وجرى مجرى حائض وطالق) [["الكشاف" 2/ 407،"زاد المسير" 5/ 218، "إملاء ما من به الرحمن" ص 408، "الدر المصون" 7/ 578.]].
وقال المازني: (بغي [[في (س): (يعني)، وهو تصحيف.]] ليس بفعيل إنما هو فعول الأصل بغوي فلما التقت واو وياء وسبق أحدهما بالسكون أدغمت الواو في الياء فقيل: بغي، كما تقول: امرأة صبور بغير هاء؛ لأنها بمعنى صابرة) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 408، "المحرر الوجيز" 9/ 444، "إملاء ما من به الرحمن" 408، "الممتع" 1/ 549، "الدر المصون" 7/ 578.]].
19:21Page 306
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مفسر في هذه السورة [[عند قوله سبحانه في هذه السورة الآية رقم (9): ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.]]. ومعنى الهين: المتأتي من غير مشقة، والهين من باب الصيب والميت [[انظر: "تهذيب اللغة" (هَيَن) 4/ 3698، "القاموس المحيط" (هَيَنَ) (1240)، "المفردات في غريب القرآن" (هَيَن) ص 547.]].
قال ابن عباس: (يريد يسير أن أهب لك غلاما من غير فحل) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 62، "بحر == العلوم" 2/ 321، "زاد المسير" 5/ 218، "مجمع البيان" 5/ 789، "مدارك التنزيل" 2/ 975، "روح البيان" 5/ 323.]].
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: (يريد عجيبة للناس) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "روح المعاني" 16/ 78.]]. كونه غلاما ليس له أب ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه وصدق به.
وقوله تعالى: [﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ عطف جملة على جملة، واللام تعلق بمحذوف تقديره] [[ما بين المعقوتين ساقط من نسخه (س).]]: ولنجعله آية للناس، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ خلقناه. وقال ابن الأنباري: (هو معطوف على مضمر محذوف التقدير: هو علي هين لننفعك به ولنجعله، فحذف الكلام الأول اختصارا ودل الثاني عليه) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "التفسير الكبير" 21/ 200، "البحر المحيط" 6/ 181، "الدر المصون" 7/ 579.]]. ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي كان خلقه أمرا محكوما به مفروغا منه سابقا في علم الله أن يقع.
19:22Page 306
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢
So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.
قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ هو مختصر والمعنى: فنفخ فيها جبريل فحملته. وحذف ذلك؛ لأن النفخ قد بين في غير هذا الموضع، والقرآن كله كتاب واحد [[عند قوله سبحانه في سورة التحريم الآية رقم (12): ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.
وقوله في سورة الأنبياء الآية رقم (91): ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾.]]. قال ابن عباس: (دنا منها جبريل فأخذ ردن قميصها فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها بعيسى ووجدت حس الحمل) [["جامع البيان" 16/ 62، "الكشاف" 2/ 408، "زاد المسير" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "الدر المنثور" 4/ 478.]]. فذلك قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد. قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) [["معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.]]. وهو: وادي بيت لحم [[بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء قرية قرب البيت المقدس، عامرة حافلة، وهي مهد عيسى -عليه السلام-، ومن قرى فلسطين. انظر: "معجم البلدان" 1/ 521.]] [["المحرر الوجيز" 9/ 445، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92، "أضواء البيان" 4/ 240.]]. وهذا الإنتباذ إنما كان عند وضعها، فرارا من زكريا ومن قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.
قال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) [["بحر العلوم" 2/ 321، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الكشاف" 2/ 408، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119 وقال: وهذا غريب، "الدر المنثور" 4/ 479، "زاد المسير" 5/ 218.]]. وعلى هذا دل ظاهر قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ﴾ ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع [[وهذا خلاف قول الجمهور. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 129: فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .. والفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 445: وظاهر قوله: (فأجاءها المخاض) يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات على ذلك.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 244: وأظهر الأقوال أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقا للعادة.]] والقَصِي فَعِيْل بمعنى فَاعِل من قَصَى يَقْصُو إذا بعد [[انظر: "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، "مقاييس اللغة" (قصوى) 5/ 94، "لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، "المفردات في غريب القرآن" (قصى) 405.]]، قال الراجز [[ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 63، "معاني القرآن للفراء" 2/ 70، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 334، "لسان العرب" (ذا) 3/ 1472.]]:
لَيَقْعُدنَّ مَقْعَدَ القَصِي ... مِنِّي ذَي القَاذُورةِ المَقْلِي
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences