Al-Wahidi (al-Basit)Maryam · 19:69–74

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:69–74

19:69Page 310

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩

Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنأخذن ولنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من كل فرقة وجماعة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي: الأعتى فالأعتى منهم، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم ثم الذي يليه. قال أبو الأحوص [[سلام بن سليم الكوفي، أبو الأحوص، عالم باللغة والتفسير، صدوق، زاهد، وثقه العلماء وأثنوا عليه، توفي -رحمه الله- سنة 199 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 176، "الكاشف" 3/ 269، "تذكرة الحفاظ" 1/ 250، "تهذيب التهذيب" 4/ 282، "طبقات الحفاظ" 106.]]: (يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 107، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 150، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 146، "الدر المنثور" 4/ 504.]]. وقال قتادة: (لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسهم في الشر) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "الدر المنثور" 4/ 504، "فتح القدير" 3/ 491.]]. ونحو هذا قال الكلبي في تفسير: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: (قائدهم ورأسهم في الشر) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "الكشف والبيان" 3/ 10 ب.]]. والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو: التمرد في العصيان [[انظر: "تهذيب اللغة" (عتا) 3/ 2313، "معجم مقاييس اللغة" (عتو) 4/ 225، "المفردات في غريب القرآن" (عتا) 321، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانا) [["جامع البيان" 16/ 107، "الدر المنثور" 4/ 504.]]. وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية) [["الكشف والبيان" 3/ 10 ب، "اللغات في القرآن" 34.]]. وقال مقاتل: (أيهم أشد علوا في الكفر) [[ذكرته التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 107، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 510، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 146.]].

وقال الكلبي: (يعني جراءة بالفراء والكذب) [["النكت والعيون" 3/ 383.]]. وقال مجاهد: (كفرا) [["جامع البيان" 16/ 107، "الدر المنثور" 4/ 504، "روح المعاني" 16/ 119.]]. قال أبو إسحاق: (فأما رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ فهي القراءة، ويجوز (أيَّهُم) بالنصب، حكاها سيبويه وذكر: أنها قراءة هارون الأعور [[هارون بن موسى بن شريك الدمشقي، أبو عبد الله التغلبي، شيخ المقرئين بدمشق في زمانه، وكان من أهل الفضل، قرأ على ابن ذكوان، وحدث عنه خلق كثير، ورحل إليه الطلبة من الأقطار لإتقانه وتبحره، صنف في القراءات والعربية، إليه رجعت الإمامة في قراءة ابن ذكوان.

انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي 263، "تذكرة الحفاظ" 2/ 659، "غاية النهاية" 2/ 347، "طبقات المفسرين" 2/ 347، "شذرات الذهب" 2/ 209، "معرفة القراءة الكبار" 1/ 247.]] [["الكتاب" 1/ 259، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 994، "الإنصاف == في مسائل الخلاف" 1/ 573، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "المحرر الوجيز" 9/ 150، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133.]].

وفي رفعها ثلاثة أقوال: قال يونس: قوله: ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ معلقة لم تعمل شيئا، ثم استأنف فقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ومثله عنده قول الشاعر [[البيت للأخطل، وصدره في ديوانه:

ولقد أكون من الفتاة بمنزل

انظر: ديوانه 84، "الكتاب" 1/ 259، "الخزانة" 2/ 553، "الإنصاف" 2/ 572، "الإغفال" للفارسي 995، "الدر المصون" 7/ 631]]:

وَلَقَدْ أَبِيْتُ مِن الفَتَاةِ بِمَنْزِلٍ ... فَأَبِيْتُ لا حَرِجٌ وَلاَ مَحْرُوْمُ

والمعنى: فأبيتُ بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 995، "إعراب القرآن" للنحاس (22312)، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 126، "الدر المصون" 7/ 721]]. وقال سيبويه: ﴿أَيُّهُم﴾ مبنية على الضم؛ لأنها خالفت أخواتها، واستعمل منها حذف الابتداء تقول: اضرب لأيهم أفضل تريد أيهم هو أفضل [فيحسن الاستعمال بحذف هو، ولا يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا تقول أيضا: خذ الذي أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما، ومن، والذي هذا الخلاف بنيت على الضم في الإضافة، والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، وقد قرئ: ﴿تَمَامًا عَلَى اَلَذِى أَحْسَنَ﴾ [لأنعام: 154] على معنى الذي هو أحسن) [["الكتاب" لسيبويه 2/ 398، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 573، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 223، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 997، "الدر المصون" 7/ 621.]]. انتهت الحكايه عن أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 340 وقال: والذي أعتقده أن القول في هذا قول الخليل، وهو موافق للتفسير؛ لأن الخليل كان مذهبه أو تأويله في قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذي من أجل عتوه يقال: أي: هؤلاء اشتد عتيا. فيستعمل ذلك في الأشد فالأشد.]]

وذكرنا أحكام "أي" في قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: 110] وفي مواضع. واعلم أن "أيًا" من الأسماء الموصوله [كمن، وما، والذي إلا أن العرب قد استعملت حذف الراجع إلى الموصول] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] مع أي أكثر من استعمالهم مع الذي، وقد شرح أبو علي الفارسي ما ذكره أبو إسحاق فقال: (ينبغي أن يكون مراد يونس أن الفعل معمل في موضع كل شيعة، وليس يريد أنه غير معمل في شيء البتة، والدليل على ذلك أنه قال فيه: إن ذلك معلق. ولفظ التعليق إنما يستعمل فيما يعمل في الموضع دون اللفظ، ألا تراهم قالوا في علمت أزيد في الدار، أن الفعل معلق وهو معمل في موضع الجملة، وكذلك إذا قال هنا معلق، كان معملا في موضع الجار والمجرور، ولو أراد أنه لا عمل له في لفظ لقال ملغى، ولم يقل معلق، كما تقول في زيد ظننت منطلق، فقوله فيه معلق دلالة على مراده فيه أنه عامل في الموضع، وإن لم يكن عاملا في اللفظ، وإذا كان كذلك كان قول الكسائي في الآية مثل قول يونس؛ لأن الكسائي قال: إن قوله ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقولك: أكلت من طعام [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 998، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "إملا ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 621.]]، فإذا كان كذلك كان ﴿أَيُهُم﴾ منقطعًا من هذه الجملة وكانت جملة مستأنفة، لا يجيء [[في (س): (لا يجوز).]] هذا على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرى في من مثل ما رآه الكسائي من زيادته في الإيجاب، فإن قال قائل: لم زعم سيبويه أنه إذا حذف العائد من الصلة وجب البناء على الضم؟ قيل: إن الصلة تبين الموصول وتوضحه، كما أن المضاف يبين المضاف إليه ويخصصه، فكما أنه لما حذف المضاف إليه من الأسماء التي تبينها الإضافة نحو: قبل، وبعد بنيت، كذلك لما حذفت العائد من الصلة إلى الموصول من هنا بنيت). وأطال أبو علي الكلام في هذه المسألة [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" لأبي علي الفارسي ص 998.]]. وليس يليق بهذا الكتاب أكثر مما حكينا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 340، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الإنصاف" 1/ 573، "الدر المصون" 7/ 621.]].

19:70Page 310

ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠

Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ الصِّلي: مصدر صَلَى النار، صَلاَهَا، صُلِيًّا ووزنه فعول، ويجوز فيه صِلِيًا بالكسر وقد تقدم القول فيه. ومعنى الصِّلي: دخول النار ومقاساة حرها وشدتها نعوذ بالله منها.

قال أبو إسحاق: (أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد عتيا فهم أولى بها صليا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 340.]]. يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا، فهؤلاء هم الأولى بالنار صليا على معنى الابتداء بهم دون أتباعهم؛ لأنهم كانوا رؤساء في الضلالة.

19:71Page 310

وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١

And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي: وما منكم أحد ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وارد جهنم ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك﴾ ورودكم ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ والحتم إيجاب القضاء، والقطع بالأمر، ويقال: كان ذلك الأمر حتما أي: موجبا، ويقال للأقضية والأمور التي قضى الله بكونها الحتوم، قال أمية:

حنَانَي رَبِّنَا وَلَه عَنَوْنَا ... بِكَفَّيْهِ المَنَايَا وَالحُتُومُ [[البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: "لسان العرب" (حتم) 2/ 771.]]

وقوله تعالى: ﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: قضاه الله عليكم.

قال ابن مسعود في قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: (قسما واجبا) [["جامع البيان" 16/ 114، "النكت والعيون" 3/ 385، "ابن كثير" 3/ 146.]]. وكان الإجماع أن هذه الآية قسم من الله بورود النار، وموضع القسم قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية وهذه الآية [[قوله: (وهذه الآية)، ساقط من نسخة (س).]] ترجع إلى ما قبلها بالعطف، وهي داخلة في الجملة المقسم عليها، وقيل: القسم مضمر بتقدير: وإن منكم والله إلا واردها كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] [المعنى: والله لمن ليبطئن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] فأضمر [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "المحرر الوجيز" 9/ 510، "البحر المحيط" 6/ 209، "الدر المصون" 7/ 625. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 354: الذي يظهر لي والله أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم، والحكم بتقدير قسم من كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسما قول من قال إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك، أما قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضا، ومحتمل، للاستئناف والعلم عند الله تعالى.]]. وأكثر الناس على الحكم بظاهر هذه الآية وهو: أن الخلق كلهم يرد النار ثم ينجي الله المؤمنين [["جامع البيان" 16/ 115 "النكت والعيون" 3/ 385، "المحرر الوجيز" 9/ 511، "معالم التنزيل" 5/ 246، "زاد المسير" 5/ 257، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]].

روي عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: "يرد الناس جهنم [[لفظ: (جهنم) ساقط من نسخة (س).]] ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كأجود الخيل، ثم كالراكب في رجله، ثم كشد الرَّجل، ثم كمشيه" [[أخرجه الترمذي في جامعه كتاب التفسير سورة مريم 12/ 16 ح 3159 وقال: حديث حسن. والحاكم في "مستدركه" 2/ 375 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في "مسنده" 1/ 433، والدرامي في كتاب: الرقائق، باب: في ورود النار 2/ 329، وأخرج نحوه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: الصراط جسر جهنم 8/ 146، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية 1/ 187، والطبري في "جامع البيان" 16/ 114، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 147.]]. وقال ابن عباس في هذه الآية: (الورود الدخول، وأخذ بيد مجاهد وقال: أما أنا وأنت فسندخلها) [["جامع البيان" 16/ 114، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]]. وخاصمه نافع بن الأزرق فقال: (إن الشيء ربما ورد الشيء ولكن لا يدخله، فقال ابن عباس: يا ابن الأزرق أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل ينجينا الله منها بعد أم لا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 512، "معالم التنزيل" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]]

وسئل جابر -رضي الله عنه- عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 329، ورجاله ثقات غير أبي سمية قال عنه الحافظ: مقبول، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" كتاب: البعث، باب: ما جاء في الصراط والميزان والورود 10/ 360 وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وابن حجر في "الكافي الشاف" 157، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 47 وقال: غريب ولم يخرجوه. وكذلك القرطبي في جامعه 11/ 136، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 505 ونسبة لابن أبي حاتم وابن مردويه، وعبد ابن حميد.

وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 351 بعد ذكره لهذا الحديث: أبو سمية قد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرى وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس وآثار جاءت عن علماء السلف -رضي الله عنهم- كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة، وذكره ابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول.]].

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (يرد الناس جميعا نار جهنم، وكان قسما من ربنا وحتما مقضيا تخلف فيها أهل الشرك وهم ظالمون، وأقام أهل الصلاة والإيمان فيها بقدر أعمالهم، ونادى المنادي فقال: إن الله يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخرجوا واحترق بعضهم). وذكر حديثًا طويلا [[لم أقف عليه وذكرت كتب التفسير نحوه مختصرًا. انظر: "جامع البيان" 16/ 83، "معالم التنزيل" 3/ 204 "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 11/ 48، "الكشف والبيان" 3/ 11 أ.]]. وهذا الذي ذكرنا مذهب أهل السنة واحتجوا من طريق اللفظ بأن قالوا: جرى ذكر الكافرين، ثم قال بعد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فنظم الكلام أوجب أن هذا عام، والورود بمعنى الدخول قد أتى في التنزيل قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: 99] ويراد بالورود هاهنا: الدخول، وقال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]؛ ولأن الله تعالى قال فيما بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلا مما دخلت فيه؛ ولأنه قال: ﴿نَذَرُ الظَّالِمِين﴾ ولم يقل وندخل الظالمين، ونذر: نترك الشيء وقد حصل في مكانه.

وروى الحسن بن مسلم [[الحسن بن مسلم بن يناق، المكي، روى عن صفية بنت شيبة، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وروى عنه: ابن جريج، وأبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع وغيرهم، وهو ثقة، ثبت، توفي -رحمه الله- سنة 98 هـ وقيل غير ذلك.

انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 322، "طبقات ابن سعد" 5/ 479، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 161، "الكاشف" 1/ 227، "تهذيب الكمال" 6/ 325.]] عن عبيد بن عمير في هذه الآية قال: (ورودها حضورها) [["زاد المسير" 5/ 178، وذكر البغوي في "تفسيره" 3/ 204 بدون نسبة.]]. وروى يزيد النحوي [[يزيد بن أبي سعيد النحوي، أبو الحسن القرشي مولاهم، المروزي، من بني نحو بطن من الأزد، روى عن سليمان بن بريدة، وعكرمة مولى بن عباس، ومجاهد وغيرهم، وروى عنه: الحسن بن رشيد، والحسين بن واقد، ومحمد بن بشار وغيرهم، وثقه العلماء، وكان متقنًا، من العباد، تقيًا من الرفعاء، تاليًا لكتاب الله، عالمًا بما فيه، قتل سنة 131 هـ.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 368، "اللباب" 3/ 301، "الكاشف" 3/ 178، "تهذيب التهذيب" 11/ 332، "الأنساب" للسمعاني 5/ 469، "تهذيب الكمال" 32/ 143.]] عن عكرمة في هذه الآية قال: (الورود الدخول) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 384 بدون نسبة، وكذلك البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 246.]]. وبكى عبد الله بن رواحة لما نزلت هذه الآية وقال: (إني علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147، "زاد المسير" 5/ 255.]]. هذا هو الكلام في الورود، ثم الله تعالى قادر بلطفه أن يسلم المؤمنين منها إذا وردوها حتى يعبروها ويخرجوا منها سالمين كما ذكرنا في حديث جابر أن النبي -ﷺ- قال: "فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا" [[سبق تخريج الحديث وعزوه.]].

وقال خالد بن معدان: (إذا جاز المؤمنون الصراط قال بعضهم لبعض: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر النار، فيقولون: بلى ولكنا مررنا عليها وهي خامدة لمرورنا) [["جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 330، "معالم التنزيل" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147، "زاد المسير" 5/ 255.]].

وقال أشعث الجذامي: (بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم تقول لهم: جوزوا عني قد بردتم وهجي ذروني لأهلي) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 141، "روح المعاني" 16/ 122، "لباب التأويل" 4/ 256.]].

وروى أن النبي -ﷺ- قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" [[أخرجه أبو نعيم في "الحلية" 9/ 329، والقرطبي في "تذكرته" ص 234، والطبراني في "الكبير" ص 668، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" كتاب البعث، باب: == ما جاء في الميزان والصراط والورود 10/ 360، وقال: رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. وأورده البغوي في "تفسيره" 3/ 205، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 282، وأورده الألباني في "السلسلة الضعيفة" (3413)، والحديث بجميع طرقه ضعيف فيه بشير بن طلحة ضعيف، وخالد بن دريك لم يسمع من يعلي بن منية فهو منقطع، وكذلك سليم بن منصور ضعيف.]].

وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد في هذه الآية قال: (من حمَّ من المسلمين فقد وردها) [["جامع البيان" 16/ 111، "النكت والعيون" 3/ 348، "المحرر الوجيز" 9/ 515، "معالم التنزيل" 3/ 205، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. لأن الحمَّى من فيح جهنم قال رسول الله -ﷺ-: "الحمَّي كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 252، عن أبي أمامة رضي الله عنه، ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 305، وقال: رواه أحمد وفيه أبو حصين الفلسطيني ولم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وأخرج نحوه البخاري في "صحيحه" كتاب الطب، باب: الحمى من فيح جهنم 5/ 2162، ومسلم في "صحيحه" كتاب السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي 4/ 1732، وابن ماجه في "سننه" كتاب الطب، باب: الحمى 2/ 1149، والدرامي كتاب الرقائق، باب: الحمى من فيح جهنم 2/ 224، والحاكم في "المستدرك" 1/ 345، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي، والطبري في "جامع البيان" 16/ 111، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 249، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]] [[قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 352 بعد ذكره لهذا القول: وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح فجهنم" قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ -إلى أن قال- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى.]].

وقال قوم: (إن هذا إنما يعني به المشركين خاصة) [["الجامع البيان" 16/ 110، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 136، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]]. واحتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَإِن مِّنهمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [[قرأ بها ابن عباس، وعكرمة رضي الله عنهما.

انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 511، "الكشاف" 2/ 419، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 38، "البحر المحيط" 6/ 210.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [["جامع البيان" 16/ 114، "زاد المسير" 5/ 255، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]]. ويكون على مذهب هؤلاء معنى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نخرجهم من جملة من يدخل النار.

وقال ابن زيد: (الورود عام لكل مؤمن وكافر غير أن ورود المسلمين على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 255، "روح المعاني" 16/ 122.]]. وهذا يروى عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: (ورودها ليس دخولها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 136، "البحر المحيط" 6/ 209 "معاني القرآن" للزجاج 3/ 341.]].

قال أبو إسحاق: (وحجتهم في ذلك قوية من جهات أحدها: أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم تدخله، ووردت بلد كذا إذا أشرف عليه ولم يدخله، قال: والحجة القاطعة عندي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 101، 102] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 341.]]. ومن قال بالقول الأول قال في هذه الآية: (وهم عن مكروهها مبعدون؛ لأنه لا ينالهم أذاها ووهجها إذا وردوها) [[والراجح -والله أعلم- القول الأول. قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 114: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ- من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم فناج مسلم ومكدس فيها.

وقال البغوي -رحمه الله- في "تفسيره" 5/ 249: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعًا يدخلون النار ثم يخرج الله -عَزَّ وَجَلَّ- منها أهل الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه لا ما وردت.

وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 352 بعد ترجيحه لهذا القول: وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 139، "التفسير الكبير" 11/ 244، "أضواء البيان" 4/ 350.]].

19:72Page 310

ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢

Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الشرك وصدقوا بنبيي) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 516، "معالم التنزيل" 5/ 249، "زاد المسير" 5/ 257، "إرشاد العقل السليم" 5/ 276.]]. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ قال: (يريد المشركين والكفار والمنافقين) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 331، "المحرر الوجيز" 9/ 516 "معالم التنزيل" 5/ 249، "التفسير الكبير" 21/ 245.]]. ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ قيل: على الركب، وقيل: جميعًا، وقد مر قبل ذلك [[عند قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. [مريم: 68]]].

19:73Page 310

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على المشركين ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يريد القرآن ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركوا قريش ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الفقراء المؤمنين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أنحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم [[قرأ ابن كثير المكي: ﴿خَيْرٌ مُقاما﴾ بضم الميم. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بفتح الميم.

انظر: "السبعة" ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 205، "التبصرة" ص 256، "الغاية في القراءات" ص 317.]]. وهما المنزل والمسكن، وكذا قال المفسرون [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 331 "النكت والعيون" 3/ 385 "المحرر الوجيز" 9/ 516.]].

والمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلاً، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 207، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 628.]]. والمَقَام والمُقَام في هذه الآية يراد به المكان كما ذكرنا.

قال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 206.]]. ومنه قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: 39] أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز [[هذا صدر بيت لقطر. وعجزه:

ذَبَّبَ حَتى دَلَكَتْ بَرَاحِ

والبَرَاحِ: الشمس. ومعنى البيت: أن الشمس قد غربت وزالت فهم يضعون راحاتهم على عيونهم ينظرون هل غربت أو زالت.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "النوادر" ص 315، "لسان العرب" (برح) 1/ 245.]]:

هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ

أي: موضع قيامه.

وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: 29] ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي [["تهذيب اللغة" (ندا) 4/ 3543، "الصحاح" (ندا) 6/ 2505، "المفردات في غريب القرآن" (ندا) ص 487، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4387.]]. قال كُثَير:

أُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ... بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ [[البيت لكثير. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "المنصف" 2/ 180.]]

والمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن معاشهم [["جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "معالم التنزيل" 3/ 152، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 157.]].

19:74Page 310

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤

And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?

فقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال الليث: (الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت ونحوه) [["تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118.]].

وقال أبو زيد: (الأثاث: المال أجمع، المال، والإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع قال: وواحدتها أثاثة) [["تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118.]].

وقال الفراء: (الأثاث: لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 171.]]. قال ابن عباس، والسدي: (الأثاث: المال) [["جامع البيان" 16/ 116، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].

وقال قتادة: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾: أكثر أموالًا) [["جامع البيان" 16/ 116، وذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 386 بدون نسبة، وكذلك ابن كثير في "تفسيره" 3/ 138.]]. وقال الحسن: (الأثاث: اللباس) [[ذكر في كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].

وقال مجاهد: (الأثاث: المتاع والزينة) [["جامع البيان" 16/ 116، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].

وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ قال: (مثل الدَّرَانِيْك [[الدَّرْنيك: ضرب من الثياب أو البسط، له خمل قصير كخمل المناديل، ويشبه فروة البعير والأسد.

انظر: "تهذيب اللغة" (درنك) 2/ 1181، "مقاييس اللغة" (الدرنوك) 2/ 341، "الصحاح" (درنك) 4/ 1583، "لسان العرب" (درنك) 3/ 1369.]]، والطَّنَافِس) [[الطَّنْفُسَة: بضم الفاء، البساط الذي له حمل رقيق. ويقال للإنسان إذا لبس الثياب الكثيرة: مطنفس.

انظر: "تهذيب اللغة" (طنفس) 3/ 2224، لسان (طفنس) 5/ 2710، "القاموس المحيط" (طنفس) 2/ 596.]] [[ذكر نحوه بالنسبة القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 143.]]. وأصل الحرف من قولهم: أَثَّ النبات يَئِثُّ أَثَاثَةً إذا كثر والتف، ويوصف به الشعر [[انظر: "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، "مقاييس اللغة" (أث) 1/ 8، "القاموس المحيط" (أث) 1/ 1616، "المعجم الوسيط" (أث) 1/ 5، "لسان العرب" (أثث) 1/ 24.]]، ومنه قوله [[هذا عجز بيت لامرئ القيس. وصدره:

وَفَرْع يِزينُ الَمَتَن أَسْوَدَ فَاحِمِ

والفرع: الشعر التام، والفاحم: الشديد السواد، العثكال: بمعنى القنو وقد يكون قطعة منه. فقد ذكر المرأة تبدي عن شعر طويل تام يزين ظهرها إذا أرسلته ثم شبه ذؤابتيها بقنو نخلة خرجت قنوانها.

انظر: "ديوانه" ص 44، "شرح القصائد" للتبريزي ص 44، "شرح المعلقات السبع" ص 32، "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، "لسان العرب" (أثث) 1/ 24.]]:

أَثِيْث كَقِنْوِ النَّخْلَة المُتَعَثْكِلِ

وقوله تعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ قال أبو إسحاق: (منظرًا من رأيت) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 342.]].

قال أبو علي: (رِئْيٌ فعل من رأيت، وكأنه اسم لما ظهر وليس المصدر، إنما المصدر الرأي والرؤية، ومنه قوله: ﴿رأي العين﴾ [آل عمران: 13] فالرأي الفعل، والرئي المرئي كالطَّحْن والطِّحْن، والسَّقْي والسِّقْي، والرَّعْي والرِّعْي) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 210]]. وقول المفسرين في تفسير الرئي: (المنظر)، قاله ابن عباس وغيره [["جامع البيان 16/ 117، "النكت والعيون" 3/ 386، "المحرر الوجيز" 9/ 520، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 143]]. وقال الحسن: (الصور) [["المحرر الوجيز" 9/ 520، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149، "البحر المحيط" 6/ 210.]]. وهو راجع إلى النظر. وقرئ: وريا بغير همز. [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ورئيا) مهموزة بين الراء والياء. وقرأ ابن عامر، ونافع: (وريا) بغير همز. (¬4)

انظر: "السبعة ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "حجة القراءات" ص 447، "المبسوط في القراءات" ص 244.]]

قال أبو إسحاق: (وله تفسيران: على معنى الأول بطرح الهمز، وعلى معنى أن منظرهم مُرْتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 342.]].

قال أبو علي: (ريا بغير همز يجوز أن يكون بمعنى رئيا فخففت الهمزة، وإذا خففت لزم أن يبدل منها الياء لانكسار ما قبلها، كما تبدل في: ذيب، وبير، فإذا أبدل منها الياء وقعت ساكنة قبل حرف مثله فلابد من الإدغام، وليس يجوز الإظهار لاجتماع المثلين الأول ساكن، ويجوز أن يكون أصله غير الهمز من الري الذي هو ضد العطش، والمراد به في الآية الطراوة والنضارة؛ لأن الري يتبعه ذلك، كما أن العطش يتبعه الذبول والجهد). [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 210.]] قال الفراء: (والقراءة بغير همز وجه جيد؛ لأنه مع آيات ليست بمهموزات الأواخر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 171.]]. وروي عن عاصم في بعض الروايات: وَرِئيًا مثل وريعًا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "المبسوط في القراءات العشر" ص 244.]]. وهذا على الهمز التي هي عين إلى موضع اللام ويكون تقديره: فَلِعًا، ومن العرب من يقول: رَاءَني زيدٌ بقلب الهمز فيؤخره فرئيا من رآني [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "المحتسب" 2/ 44.]]. والمعنى: أن الله تعالى قد أهلك قبلهم أقوامًا كانوا أكثر متاعًا، وأحسن منظرًا فأهلك أموالهم، وأفسد عليهم صورهم فليخافوا نقمة الله بالإهلاك كسنة من قبلهم من الكفار.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском