Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:84–98
19:84Page 311
فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤
So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: بطلب العذاب لهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: أجلناهم إلى أجل يبلغونه بالعدد. وروي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: (أنفاسهم التي [[قوله: (التي)، ساقط من (ص).]] يتنفسون في الدنيا فهي معدودة كستيهم وآجالهم) [["جامع البيان" 16/ 126، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 517.]]. وقال في رواية عطاء: (يريد الأنفاس) [["زاد المسير" 5/ 262.]]. وقال الكلبي: (﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ الليالي والأيام والشهور والسنين والساعات) [["النكت والعيون" 3/ 389، "معالم التنزيل" 5/ 255 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 150.]]. والمعنى: أنا لم نغفل عنهم نعد لهم هذه الأشياء إلى الأجل الذي أجلنا لعذابهم، وهذا من أبلغ الوعيد. ومثله: كقول عمرو بن معد يكرب في الوعيد والتهديد [[لم أهتد إليه.]]:
أَغْنَى عَنَا المَيْتِين ... أَعُدُّ الأَعْدَاء عَدًا
قيل في تفسيره: أعدا أنفاسهم لأنتهز الفرصة في الإيقاع بهم. والمعنى: لا أغفلهم، وهذا مأخوذ من الآية.
19:85Page 311
يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥
On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: اذكر لهم يا محمد هذا اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه إلى الجنة، هذا معنى قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلى جنته ومحل كرامته، قاله قتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 13، "جامع البيان" 16/ 126، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]]. ﴿وَفدًا﴾ قال الفراء، والأصمعي (﴿وَفدًا﴾ الوَفْدُ، يَفِدُ، وَفْدًا، وَوِفَادَةً، وَوُفُودًا إذا خرج إلى ملك وأمير في فتح أوامر، ويقال: وَفَّدَ الأمير إلى الذي فوقه وأَوْفَدَ) [["تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "تاج العروس" (وفد) 5/ 322.]].
قال الفراء: (والوَفْدُ اسم الوَافدِين كما قالوا: صوم وفطر وزور) [[ذكرت كتب اللغة نحوه.
انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "تاج العروس" (وفد) 5/ 322، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881.]]. وقال ابن قتيبة: (الوَفْدُ جمع الوَافِدِ، كما يقال: رَاكِب ورَكْب، وصَاحِب وصَحْب) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 4.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (وفدا: ركبانًا) [["جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255، "زاد المسير" 5/ 263، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]]. وقال أبو هريرة: (على الإبل) [["جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]].
وقال سفيان: (على النوق) [["جامع البيان" 16/ 127، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "أضواء البيان" 4/ 391.]]. وجمع ابن عباس في رواية عطاء بين هذه الأقوال فقال: (من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله على خيل، لا تَرُوث، ولا تبول، لَجْمُها [[لَجْمَة الدابة: موقع اللجَام من وجهها. واللَّجَام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه.
انظر: "تهذيب اللغة" (لجم) 4/ 3238، "الصحاح" (لجم) 5/ 2027، "لسان العرب" (لجم) 7/ 4001.]] من الياقوت [[اليَاقُوت: حجر من الأحجار الكريمة، وهو أكثر المعادن صلابة بعد الماس. ويستعمل للزينة. وهو فاعول الواحدة ياقوتة والجمع اليواقيت. انظر: "الصحاح" (يقت) 1/ 271، "المعجم الوسيط" (الياقوت) 2/ 1065، "لسان العرب" (يقت) 8/ 4964.]] الأحمر، ومن الزَّبَرْجَد [[الزَّبَرْجد: حجر كريم يشبه الزمرد، ويستعمل للزينة، وهو من الجواهر المعروفة. انظر: "تهذيب اللغة" (زبرجد) 2/ 1508، "لسان العرب" (زبرجد) 3/ 1806، "المعجم الوسيط" (الزبرجد) 1/ 388، "مختار الصحاح" (الزبرجد) ص 113.]] الأخضر، ومن الدّر [[الدُّر: العظام من اللؤلؤ، الواحدة درة، ومنه الكوكب الدري نسبة إلى الدر في صفائه وحسنه.
انظر: "تهذيب اللغة" (درر) 2/ 1172، "مقاييس اللغة" (در) 2/ 255، "لسان العرب" (درأ) 3/ 1347، "القاموس المحيط" (الدر) ص 391.]] الأبيض وسُرُوحُهَا [[السَّرِيْح: السير الذي تشد به الخدمة فوق الرسغ، والسرائح والسرح: نعال الإبل، وقيل سيور نعالها كل سير منها سريحة
انظر: "تهذيب اللغة" (سرح) 2/ 1665، "القاموس المحيط" (السرح) 1/ 223، "لسان العرب" (سرح) 4/ 1984.]] من السندس [[السُّندس: رقيق الديباج ورفيعه. والاستبرق: غليظ الديباج.
انظر: "تهذيب اللغة" (سندس) 2/ 1772، "القاموس المحيط" (السندس) ص 551، "لسان العرب" (سندس) 4/ 2117، "المعجم الوسيط" (السندس) 1/ 454.]]، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نَجَائِب [[النَّجِيْبُ من الإبل: القوي منها، الخفيف السريع.
انظر: "تهذيب اللغة" (نجب) 4/ 3511، "القاموس المحيط" (النجيب) ص 136، "لسان العرب" (نجب) 7/ 4342، "مختار الصحاح" (نجب) ص 269.]] لا تبعر ولا تبول، أَزِمَّتُها [[الزَّمَام: الخيط الذي يشد في البرة، أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود، وزَمَمْتُ البعير: خطمته.
انظر: "تهذيب اللغة" (زم) 2/ 1559، "الصحاح" (زمم) 5/ 1944، "لسان العرب" (زمم) 3/ 1865، "المعجم الوسيط" (الزمام) 1/ 401.]] الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 151.]]
وقال أهل اللغة: (الوفد: الركبان المكرمون) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346، "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925.]].
وإلى هذا ذهب الربيع بن أنس فقال في قوله: ﴿وَفْدًا﴾ قال: (يُحيَّون ويعطون ويكرمون ويشفعون) [["بحر العلوم" 2/ 33، "الكشف والبيان" 3/ 13 أ، "الدر المنثور" 4/ 508.]].
قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن قوله: ﴿وَفدًا﴾ دليل على أنهم يثابون ويجزون؛ لأن الوفد هم الرسل يقدمون على الملوك بالصلح وبالفتوح والبشارات فهم يتوقعون الجوائز، وكذلك أهل الجنة بهذه الحال) [[ذكر نحوه الزمخشري في "الكشاف" 2/ 423 بلا نسبة، وكذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 216.]].
وقال أصحاب العربية: (اسم الوفد لا يقع إلا على الركبان؛ لأن اشتقاقه من قولهم أوفد على الشيء إذا أشرف عليه، وأنشدوا [[لم أهتد إلى قائله. ورود البيت في كتب اللغة والمعاجم.
العِلاَفَّي: هو الرجل المنسوب إلى علاف، رجل من الأزد وهو زبان أبو جرم من قضاعة كان يصنع الرحال، وقيل هو أول من عملها فقيل لها علافية لذلك.
انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881.]]:
تَرَى العِلاَفِيَّ عَلَيْهَا مُوْفَدًا ... كَأَنَّ بُرْجًا فَوْقَهَا مُشَيَّدَا
ويقال: رأيت فلانًا مسْتَوْفِدًا إذا قعد منتصبًا غير مطمئن. فهذا الاسم من حيث الاشتقاق يدل على أنه يقع على الركبان؛ لأنهم أشرفوا علي مركوبهم) [[انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "مقاييس اللغة" (وفد) 6/ 129، "الصحاح" (وفد) 2/ 553، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881، "المفردات في غريب القرآن" (وفد) ص 528.]].
ويدل على صحة هذا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أرى وفدًا إلا ركبانًا فما وفد الله؟ الحديث بطوله) [[رواه ابن كثير في "تفسيره" 3/ 141 عن ابن أبي حاتم وقال: وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي -ثم ذكر الحديث وقال في نهايته- هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه وهو أشبه بالصحة والله أعلم.
وأخرجه السيوطي في "الدر" 4/ 508، وعزاه لابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن علي، وذكره القرطبي 11/ 152، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 135. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" كتاب الجنة 12/ 161، والحاكم في "المستدرك" 2/ 377 وصححه، وتعقبه الذهبي لضعف عبد الرحمن بن إسحاق، وأخرج نحوه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 155.]]. ومن حيث العرف يدل على أن هذا الاسم يقع على من يُحيَّا ويكرم كما ذكره صاحب النظم، فإذا معنى الوفد: الركبان المكرمون، كما ذكره أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]].
19:86Page 311
وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦
And will drive the criminals to Hell in thirst
قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255، "زاد المسير" 5/ 264، "لباب التأويل" 4/ 260.]] ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) [["جامع البيان" 16/ 127، "النكت والعيون" 3/ 390، "المحرر الوجيز" 9/ 535، "معالم التنزيل" 5/ 255، "ابن كثير" 3/ 153، "الدر المنثور" 4/ 509.]]. وزاد أبو عبيدة والفراء، والزجاج: (مشاة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]]. والوُرُوْدُ في اللغة معناه: الجماعة التي تَرِد الماء من طير أو إبل [[انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "مقاييس اللغة" (ورد) 6/ 105، "الصحاح" (ورد) 2/ 549، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810، "المفردات في غريب القرآن" (ورد) ص 519.]].
قال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) [["تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810]].
قال رؤبة [[البيت لرؤبة. لم ينده: النده الزجر عن كل شيء والطرد عنه بالصياح تقول: ندهت البعير إذا زجرته عون الحوض وغيره.
انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.]]:
لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.
انظر: "الكشاف" 2/ 423، "زاد المسير" 5/ 264، "البحر المحيط" 6/ 217، "روح المعاني" 16/ 136، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.]]. ومضى الكلام في الورد عند قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98].
19:87Page 311
لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧
None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة﴾ أي: لا يملك هؤلاء الكافرون الشفاعة. والمعنى: لا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض وهو قول: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ و ﴿مِّن﴾ في موضع نصب على استثناء ليس من الأول على معنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ على معنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا فإنه يملك الشفاعة [["جامع البيان" 16/ 128، "المحرر الوجيز" 9/ 536، "البحر المحيط" 6/ 217، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 117 "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله) [["جامع البيان" 16/ 128، "المحرر الوجيز" 11/ 57، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 153، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 154، "الدر المنثور" 4/ 510.]].
ومضى الكلام في تفسير اتخاذ العهد عند قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78].
19:88Page 311
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨
And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود، والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله.
قال الله تعالى مخاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: (عظيمًا)، في قول ابن عباس، وجميع المفسرين [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 13، "جامع البيان" 16/ 129، "النكت والعيون" 3/ 390، "معالم التنزيل" 5/ 255، "ابن كثير" 3/ 153، "الدر المنثور" 4/ 511.]]. قال الراجز [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 129، "النكت والعيون" 13/ 327، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 19، "مجاز القرآن" 1/ 409، "الدر المصون" 7/ 528، "شواهد الكشاف" ص 130، "لسان العرب" (أمر) 1/ 129.]]:
قَدْ لَقِي الأَعْدَاءُ مِنَّي مُنْكرَا
دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًا إِمْرَا
قال الفراء، والزجاج: (يقال: إِدًّا وأَدًّا، وهي قراءة السلمي [[عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي، من كبار التابعين، ولد في عهد النبي -ﷺ-، ولأبيه صحبة، قرأ القرآن وجوده وعرضه على عثمان، وعلي، وابن مسعود -رضي الله عنهم- وروى عن عدد من الصحابة، توفي -رحمه الله- سنة 74 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 172، "الجرح والتعديل" 5/ 37، "تذكرة الحفاظ" 1/ 58، "غاية المنتهى" 1/ 413، "معرفة القراء الكبار" 1/ 52، "سير أعلام النبلاء" 4/ 267.]] [["جامع البيان" 16/ 129، "المحرر الوجيز" 9/ 540، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 156، "البحر المحيط" 6/ 218، "المحتسب" 2/ 45.]]، وآدّ بوزن: مَاد ومعناه: الشيء العظيم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]]. وأنشد الليث لرؤبة [[البيت لرؤبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أد) 1/ 133، "لسان العرب" (أدد) 1/ 43.]]:
وَالإِدَدَ الإِدَادَ وَالعَضَائِلاَ قال: (وواحد الإِدَد إِدَّة، وواحد الأَدَاد أَدّ) [["تهذيب اللغة" (أد) 1/ 133، "لسان العرب" (أدد) 1/ 43.]]. ومعنى الآية: قلتم قولًا عظيمًا.
19:90Page 311
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠
The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ وقرئ: بالياء [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (تكاد) بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي، (يكاد) بالياء.
انظر "السبعة" ص 413، "الحجة" 5/ 213، "التبصرة" ص 257، "النشر" 2/ 319.]]. وكلاهما حسن، وقد تقدم ذلك.
قال أبو علي: (إلحاق علامة التأنيث أحسن؛ لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، وكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو فكذلك مع الألف والتاء) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 214.]].
وأهل التأويل على أن المعنى ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا: تدنو من الانشقاق، كما يقال: كاد يفعل ذلك إذا دنا من أن يفعله. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا معناه: نريد من غير دنو فقال: (هممن به إعظامًا لقول المشركين، ولا يكون من هم بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة، ونحو هذا قال في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ [يوسف: 76]، أي: أردنا له) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 627، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215، "البحر المحيط" 6/ 219.]]، وأنشد:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْمِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى [[لم أهتد لقائله. وورد البيت في كتب التفسير واللغة. == انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215، "البحر المحيط" 6/ 218، "الدر المصون" 7/ 647، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 627، "المحتسب" 2/ 31، "الأضداد" لابن الأنباري ص 97، "لسان العرب" (كيد) 7/ 3966 ..]].
وقوله تعالي: ﴿يَتَفَطَّرْن﴾ وقرئ: ينفطرن [[قرأ أبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، وابن عامر: (ينفطرن) بالنون والتخفيف. وقرأ حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، والكسائي: (يتفطرن) بالتاء والتشديد.
انظر: "السبعة" ص 413، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 214، "التبصرة" ص 257، "العنوان في القراءات" 127.]]. ومعناهما واحد، يقال: انفطر الشيء، وتفطر: إذا تشقق. قال امرئ القيس [[هذا عجز بيت لامرئ القيس يصف فرسه وخروجه إلى الصيد، وصدره:
بَرَهْرَهَةُ رُودَةُ رَخْصَةُ
البَرَهْرَهَة: الرقيقة الجلد وقيل الملساء المترجرجة والرُوْدَة: الرخصة الناعمة، والخُرْعُوْبَة: القضيب الغض، والغض المنثني.
انظر: "ديوانه" ص 69، "تهذيب اللغة" (الخرعبة) 1/ 1014، "لسان العرب" (خرعب) 2/ 1138.]]:
كَخُرْعُوْبَةِ البَانَةِ المُنفَطِرْ
إلا أن انفَطَر مطاوع فَطَر، وتَفَطَّر مطاوع فَطَّر، واختار أبو عبيدة ينفطرن بالنون [["مجاز القرآن" لأي عبيدة 2/ 12، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 328.]]، لقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]، وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18].
قال أبو علي: (وهذا لا يدل على ترجيح هذه القراءة؛ لأن ذلك في القيامة لما يريد الله سبحانه من إبادتها وإفنائها. وما في هذه السورة إنما هو لعظم فِرْيتهم وعُتوهم في كفرهم. والمعنيان مختلفان، وتفطر بهذا الموضع أليق من انفطر، لما فيه من معنى المبالغة، لأنه يدل على الكثرة، كما أن فطر يدل على التكثير) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 214.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ تخر: تسقط. وقد مضى الكلام فيه [[عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الآية [الأعراف: 143].]]. والهد: الكسر الشديد والهدم، يقال: هّدَّنِي هذا الأمر وهَدّ ركني [[انظر: "تهذيب اللغة" (هد) 4/ 3728، "مقاييس اللغة" (هد) 6/ 7، "القاموس المحيط" (الهد) ص 328، "الصحاح" (هدد) 2/ 555، "المفردات في غريب القرآن" (هدد) ص 538.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (هدما) [["جامع البيان" 16/ 130، "تفسير ابن كثير" 3/ 154، "القرطبي" 11/ 157.]]. وروي عنه: (كسرًا) [["الكشف والبيان" 3/ 13 ب، وذكره "معالم التنزيل" 5/ 256 بدون نسبة، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "فتح القدير" 3/ 503.]]. وهو قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]].
وقال أبو عبيدة: (سقوطًا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 12.]]. وهو اختيار القتبي [["تفسير غريب القرآن" 2/ 4.]].
قال المفسرون: (لما قالوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ اقشعرت الأرض، وشاك الشجر [[صار ذا شوكٍ.]]، وغضبت الملائكة، واستعرت جنهم، وفزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين) [["المحرر الوجيز" 9/ 539، "معالم التنزيل" 5/ 256، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (فلما كادت السموات أن تنشق، والأرض أن تنشق، والجبال أن تنهد اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان، فصار في الحيتان الشوك، وفي الأشجار الشوك) [["معالم التنزيل" 5/ 256، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]]. هذا كلام المفسرين.
وذهب أهل المعاني: (إلى أن هذا مثل على عادة العرب، وذلك أن العرب كانت إذا سمعت كذبًا ومنكرًا تعاظمته عظمته بالمثل الذي كان عندها عظيمًا فتقول: كادت الأرض تنشق، واظلم على ما بين السماء والأرض، فلما افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها) [["المحرر الوجيز" 9/ 541، "الكشاف" 2/ 424، "البحر المحيط" 6/ 218، "التفسير الكبير" 21/ 254، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215.]].
ومما يقرب من هذا قول الشاعر [[لم أهتد إلى قائله. وقد ورد البيت في كتب التفسير.
انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 541، "البحر المحيط" 6/ 218، "ورح المعاني" 16/ 141، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216.]]:
أَلَمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيَّنًا ... عَلَى ابْنِ لُبَيْنَى الحَارِثِ بنِ هِشَام
وقول الآخر [[البيت للحارث بن خالد بن العاص.
انظر: "البحر المحيط" 6/ 218، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216، "الاشتقاق" ص 101، "الكامل" 2/ 487، "التصريح" 1/ 212، "لسان العرب" (قثم) 6/ 3534.]]:
وَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَام وقول آخر [[البيت لجرير، قاله في قصيدة يهجو بها الفرزدق. انظر: "ديوان جرير" ص 270، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216، "البحر المحيط" 6/ 218، "لسان العرب" (حرث) 2/ 821.]]:
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ ... سُوْرُ المَدِيْنَةِ وَالجِبَالُ الخُشَّعُ
قوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال الفراء: (أن دعوا، ولأن دعوا وموضع ﴿أَن﴾ نصب بسقوط الخافض) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]]. وقال الكسائي: (موضعها خفض) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 328، "الدر المصون" 7/ 648.]]. وهذه المسألة قد تقدمت. ومعنى: دعوا له ولدًا سموًا له ولدًا، وجعلوا له ولدًا. أنشد ابن الأعرابي على هذا [[لم أهتد لقائله.]]:
أَلاَ رُبَّ منْ تَدْعْو صدِيْقًا وَإِنْ تَرَى ... مَقَاَلَته بِالغَيْبِ يَأتِيْكَ مَا يفْرِي
قال: يريد تدعو: تحقق صداقته وتجعله صديقًا.
19:92Page 311
وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢
And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يليق به اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقتضي مجانسة وكل من اتخذ ولدًا اتخذه من جنسه والله تعالى منزه من أن يجانس شيئًا أو يجانسه شيء، محال في وصفه اتخاذ الولد، وقال المفسرون في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ (وما يصلح) [["جامع البيان" 16/ 131، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "زاد المسير" 5/ 265، "فتح القدير" 3/ 503.]]. وهذه اللفظة لا يستعمل منها المصدر والفاعل، وقد استعمل منها الماضي نادرًا
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ﴾ أي: ما كل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من فيها من الملائكة ﴿الْأَرْضِ﴾ من فيها من الخلق ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إلا يأتيه يوم ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا منقادًا يعني: أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرًا من جملة العبيد، وانتصب ﴿عَبْدًا﴾ على الحال ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: عرف عددهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يخفى عليه مبلغ جمعهم، ولا واحد منهم مع كثرتهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ بلا مال ولا معه شيء من الدنيا [["بحر العلوم" 2/ 334، "زاد المسير" 5/ 265، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 160.]]. وقيل -وهو الصحيح-: (أنه يأتي وحده لا أنصار له ولا أعوان؛ لاشتغال كل واحد بنفسه) [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 257/ 5، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.]].
19:93Page 311
إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣
There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.
No commentary for this ayah
19:94Page 311
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
No commentary for this ayah
19:95Page 311
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
No commentary for this ayah
19:96Page 312
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: يجعلهم يحب بعضهم بعضًا، فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض.
قال ابن عباس: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 144، "زاد المسير" 5/ 266، "الدر المنثور" 4/ 582.]]. ونحو هذا قال مجاهد، وقتادة [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 257 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.]].
وقال هرم بن حيان [[هرم بن حيان الأزدي، العبدي، أحد التابعين روى عن بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وروى عنه الحسن البصري، اشتهر بكثرة العبادة والزهد.
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 110، "الثقات" لابن حبان 7/ 558، "التاريخ الكبير" 4/ 242، "الطبقات الكبرى" 7/ 102.]]: (ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه محبتهم ومودتهم ورحمتهم) [["جامع البيان" 16/ 133 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161.]]. وقال بعضهم: (يجعل لهم في قلوب الملائكة ودا ثم في قلوب العباد) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161، "البحر المحيط" 6/ 220، "التفسير الكبير" 21/ 256.]].
وهذا مروي عن النبي -ﷺ- في حديث أبي هريرة قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنول له المحبة في أهل الأرض" [[أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة 6/ 303، ومسلم في البر والصلة، باب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده 4/ 2030، والإمام أحمد في "مسنده" 92/ 267، وانظر: ابن كثير 3/ 154، و"الدر المنثور" 4/ 513.]]. فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: (نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف جعل الله له في قلوب العباد المودة لا يلقاه مؤمن إلى وقره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه) [["القرطبي" 11/ 161، وذكره نحوه "جامع البيان" 6/ 133، وابن كثير 3/ 154، وقال: روي أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكاملها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم. انظر في "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 146، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 214.]].
وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: (سمي الواحد باسم الجمع لدخول من فعل مثل فعله في مثل وصفه وحسن جزائه) [[ذكر نحوه في "المذكر والمؤنث" ص671.]].
19:97Page 312
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧
So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ ﴿لِتُبَشِّرَ بِه﴾ أي: بالقرآن من أطاعك ﴿وَتُنْذِر﴾ من عصاك. وقال الكلبي: (هوناه على لسانك) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر "بحر العلوم" 2/ 334، "معالم التنزيل" 5/ 258، "زاد المسير" 5/ 266، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "لباب التأويل" 4/ 262.]]. وعلى هذا لم يرد باللسان اللغة.
وقوله تعالى ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قال أبو صالح [[هو باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب.، تقدم]]: (عوجًا عن الحق) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "البحر المحيط" 6/ 221، "روح المعاني" 16/ 144، "تفسير سفيان الثوري" ص 190.]].
وقال مجاهد: (لا يستقيمون) [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الدر المنثور" 4/ 513.]]. وقال قتادة: (جدلًا بالباطل) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "النكت والعيون" 3/ 391، "الدر المنثور" 4/ 513.]].
وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]. وروي عن الحسن أنه قال في "تفسيره": (صما) [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 513.]]. وزاد الربيع بيانًا فقال: (صم آذان القلوب) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 14 ب، وذكره ابن == كثير في "تفسيره" 3/ 155 بدون نسبة.]].
وهذه الأقوال كلها معنى وليس بتفسير. والتفسير قول قتادة، وذلك أن خصومتهم بالباطل إنما هو بصمم قلوبهم، ولو فهموا ما أتى به الي النبى -ﷺ- لتركوا جدالهم، فإذا الصمم وغير ذلك مما ذكرنا من قول المفسرين معاني اللدّ لا تفسيره.
قال ابن الأنباري: (وخص اللد بالإنذار؛ لأنهم إذا قامت عليه الحجة صار غيرهم لاحقًا بهم من أجل أن الذي لا عناد عنده يسرع انقياده، فالمقصود بالإنذار هؤلاء اللد المخاصمون) [[ذكر نحوه الزمخشري في "الكشاف" 2/ 426، والقرطبي 11/ 162.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني: قبل القوم اللد وهم قريش، وهذا تخويف لهم بالإهلاك.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم﴾ أي: هل ترى من الذين أهلكناهم ﴿مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: (صوتًا). قاله ابن عباس والمفسرون [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 514.]]. وقال زيد: (حسا) [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391،"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162.]]. وقال أهل اللغة: (الركز: الصوت الخفي) [[انظر (ركز) في "تهذيب اللغة" 2/ 1459، "القاموس المحيط" ص 512، "الصحاح" 3/ 880، "اللسان" 3/ 1717، "المفردات في غريب القرآن" ص 202.]]، وأنشدوا قول لبيد [[البيت للبيد، ذكره في معلقه.
انظر "ديوانه" ص 173، "شرح القصائد العشر" للتبريزى ص 184،"شرح المعلقات السبع" للزوزبي ص 238، "الدر المصون" 7/ 654.]]: وَتَوَجَّسْتُ رِكْزَ الأَنِيْسِ فَرَاعَهَا ... عَنْ ظَهرِ غَيْبٍ وَالأَنِيْسُ سَقَامُهَا
ومضى الكلام في معنى أحس [[عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ الآية [آل عمران: 52].]]، وتحقيق معنى الآية: وكم أهلكنا قبلهم من قرن بتكذيب المرسلين يعضهم بهذا، ويلزمهم الاعتبار بمن تقدم من الأمم المكذبة.
19:98Page 312
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨
And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences