Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Baqarah · 2:102–105

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:102–105, continued

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان [[قال في "مقاييس اللغة" 4/ 472: الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار.]]، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب: إنا أذبتهما بالنار؛ ليتميز الرديء من الجيد، وتعرف جودتهما من الرداءة، ومن هذا قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13]، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو [[من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن).]]، ثم جعل كل امتحان فِتْنَة، وقد جعل الله امتحانه عبيده المؤمنين باللأواء ليبلو صبرَهم فيثيبهم، أو جزعهم [[في (ش): (جوعهم).]] على ما ابتلاهم به فيجزيهم، جزاؤهم فتنة فقال: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:1 - 2] قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 3]، أي: اختبرنا [[بمعناه من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن).]].

والفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك [[في (ش): (كذلك).]] لم يُثَنَّ [[ينظر: "الوسيط" 1/ 185.]].

ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان:

لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ... سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم [[البيت لأعشى همدان، وقيل: لابن قيس الرقيات، كما في "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن) وذكر أنه قيل في سعيد بن جبير، وقال الأصمعي: هذا سمعناه من مخنث، وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن. وينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).]]

وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه [[في (ش): (افتنته).]]، وذُكر له هذا البيت فلم يعبأ به [[ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن)، "اللسان" 6/ 3344.]]. وأكثر أهل اللغة أجازوا اللغتين [[ما تقدم من "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).]]. ومعنى فتنته فلانة: أي: اختبرته، كأنه اختبر بها لجمالها.

وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا [[نقله في "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).]]، وقال:

رخيم الكلام قطيع القيام ... أمسى الفؤاد به فاتنا [[البيت في: "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن)، ولم ينسبه، وروايته: أمسى فؤادي بها فاتنا.]]

قال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ [[في (م): (افتنته).]] فافْتَتَنَ، واقعًا ومطاوعًا، وهو صحيح ذكره ابن شُميل [[هو: النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي، تقدمت ترجمته.]].

وأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة [[نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2740، ينظر في فتن: "المفردات" 374، "اللسان" 6/ 3345، "تاج العروس" 18/ 424 - 428.]].

ومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء واختبار لكم [["تهذيب اللغة" 3/ 2739.]]

وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [[ينظر في إعرابها: "التبيان" ص 80، "البحر المحيط" 1/ 331، وقد لخص أبو حيان الكلام فيها بقوله: وتلخص في هذا العطف أنه عطف على محذوف، تقديره: فيأبون فيتعلمون، أو يعلمان فيتعلمون، أي: على مثبت، أو يتعلمون: خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يتعلمون عطف على جملة اسمية على فعلية، أو معطوف على يعلمون الناس أو معطوفًا على كفروا أو على يعلمان المنفية، لكونها موجبة في المعنى، فتلك أقوال ستة أقربها إلى اللفظ هذا القول الأخير.]] هذا الفعل منسوق على فعل مقدّر يدل عليه الكلام، كأنه قال: حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فَيَأبَون فيتعلمون [[وهذا اختيار "الطبري" 1/ 462 واستحسنه الزجاج 1/ 185 لكنه جوّد ما بعده.]].

قال ابن الأنباري: وصلح إضمار يأبون هنا كما صلح إضمار الفعل في قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63]، والعرب تحمل على المعنى كثيرًا، من ذلك قول الفرزدق:

فكيف بليلةٍ لا نجمَ فيها ... ولا قمر لساريها منيرِ [[ورد البيت هكذا:

فكيف بليلة لا نوم فيها ... ولا ضوء لصاحبها منير

والبيت للفرزدق، ينظر: "ديوانه" ص 221.]]

عطف (ولا قمر) على مقدر في المعنى، كأنه قال: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر.

قال أبو إسحاق: والأجود في هذا أن يكون عطفًا على ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾، ويستغنى [[في "معاني القرآن" للزجاج: واستغنى.]] عن ذكر ﴿يُعَلِّمَانِ﴾؛ لما [[في "معاني القرآن" للزجاج: بما.]] في الكلام من الدليل عليه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 81.]]. وقال الفراء: هي مردودة على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فيتعلّمون [["معاني القرآن" للفراء 1/ 64، وقد جود الوجه الأول، ورد عليه النحاس هذا الوجه في "إعراب القرآن" 1/ 204، فقال: غلط؛ لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله. منهما، يمنع أن يكون التقدير: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر فيتعلمون، إلا على قول من قال الشياطين هاروت وماروت.]].

قال الزجّاج: هذا خطأ؛ لأن قوله: (منهما) دليل هاهُنا على التعلم منَ الملكين خاصّةً [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وقد أطال أبو علي في "الإغفال" ص 335 - 349 النفس في مناقشة كلام الزجاج.]].

وابن الأنباري صحح مذهب الفراء، وقال: معناه: يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون منهم عن [[في (أ): فيتعلمون عن منهم عن الملكين، وفي (م): فيتعلمون عن منهم من الملكين.]] الملكين، فلا يكون (منهما) على هذا صلة للتعلم، بل يكون كقولك: تعلمت من الفراء عن الكسائي، أي: الفراء تعلم عنه، وروى لي [[(لي) ساقطة من (م)]] عنه، (ومنهما) على هذا الوجه يكون بمعنى: عنهما، فقامت مِنْ مقام عن.

قال هشام: قال الأصمعي: سمعت [[في (م): (سمعت من).]] أفصح العرب يقول: حدثني فلان من فلان، وهو يريد عن فلان.

ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ أي: مِن السّحر والكُفر، أو من السحر والكهانة. و (أحدٌ): يقع على الواحد وَالاثنين والجميع؛ لذلك [[في (ش): (كذلك).]] قال: فيتعلّمُون بلفظ الجمع، والدليل على ذلك: قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47].

قال ابن الأنباري: وأجاز أصحابنا: ما مررت بأحدٍ يتكلّمون. ومررت على كُلّ رَجُل يتعجبون [[ابن الأنباري.]].

وروى سَلَمة [[هو: سلمة بن عاصم النحوي أبو محمد، تقدمت ترجمته [البقرة: 8].]] عن الفراء قال: (أحدٌ)، يكون للجميع والواحد في النفي، كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47]، جعل (أحد) في موضع جمع، وكذلك قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] فهذا جمع؛ لأن (بينَ) لا يقع إلّا على اثنين فما زاد [[نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3846 وقال سيبويه: هو معطوف على (كفروا)، قال: وارتفعت (فيتعلمون) لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا، ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره، نقله أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 331.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهو أن يُؤَخَّذَ [[يؤخذ: من التاخيذ، وآخذه: رقاه، والأُخْذَة: بضم فسكون: رقية تأخذ العين ونحوها كالسحر، أو خرزة يؤخذ بها النساء الرجال، ورجل مؤخذ عن النساء: محبوس، ينظر: "اللسان" (مادة: أخذ).]] كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغَّضَ كلُّ واحد إلى الآخر [[رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 463، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 193، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1080 كلهم عن قتادة.]].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرة، وقيل: الشياطين وعلى هذا دلّ كلام ابن عبّاس [[ينظر: "البحر المحيط" 1/ 332 وزاد قولًا ثالثًا: وقيل: على اليهود.]].

(به) أي: بالسحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا [[أي: من زائدة. ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 49، "تفسير القرطبي" 2/ 49، "البحر المحيط" 1/ 332.]].

﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عبّاس: يريد: ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه [[ليس في شيء من التفاسير المسندة، وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.]].

وقال المفسرون: الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 364، "ابن أبي حاتم" 1/ 193، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "تفسير القرطبي" 2/ 49.]].

وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464.]].

﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني: اليهود [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، وذكره في "البحر المحيط" 1/ 323 قولين آخرين أحدهما: أن المراد الشياطين، والثاني: أن المراد الملكين.]] ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: اختاره يعني السحر [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 465، ابن أبي حاتم 1/ 195، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "زاد المسير" 1/ 125، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 334 أربعة أقوال فيما يعود عليه الضمير، فقيل: السحر، وقيل: الكفر، وقيل: كتابهم الذي باعوه بالسحر، وقيل: القرآن لأنه تعوضوا عنه بكتب السحر.]]. ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب. والخلاق: النصيب الوافر من الخير [[ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، "الطبري" 1/ 465 - 466، "ابن أبي حاتم" 1/ 195، "البحر المحيط" 1/ 334، وذكروا خمسة أقوال هي: النصيب، والدين، والقوام، والخلاص، والقدر وقد فسره بالنصيب ابن عباس ومجاهد والسدي ورجحه الطبري والزجاج وغيرهما.]].

قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086.]].

ثعلب عن ابن الأعرابي: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 77] لا نصيب لهم في الخير. ويعني بهذا: الذين يعلّمون الناس السحر، وهم كانوا من علماء اليهود [[ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "زاد المسير" 1/ 125.]].

وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ جملتان [[ما سيأتي فىِ المسألة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 وما بعدها. وينظر في إعرابها "معاني القرآن" للفراء 1/ 65 - 69، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186 - 187، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 204، "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106 - 107، "التبيان" للعكبري ص 81.]]: إحداهما: مقسم عليها. والأخرى: مؤكدة بغير قسم.

ويحتمل أن تكون الجملتان كلتاهما مقسم عليهما، والجملة هي المحدّث عنه والحديث.

فأما الجملة المقسم عليها فقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ مقسم عليه؛ لدخول اللام في لقد، وهذه اللام إذا جاءت في الفعل الماضي والمستقبل فإنما تجيء على نية اليمين، كانت مذكورة معها أو محذوفة. قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ليفعلنّ إذا جاءت مبتدأة؟ فقال: هي على نية القسم [["الكتاب" 1/ 531 - 532 ط. بيروت.]]، واللام التي تدخل على الماضي هي هذه التي إذا دخلت على المستقبل لزمته النون، فتقدير ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: والله لقد علموا.

والأخرى المؤكدة غير المقسم عليها: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ إذا جعلت (مَنْ) بمعنى (الذي) كانت اللام للتأكيد دون القسم.

ومذهب سيبويه فيه هذا، وهو أن (من) فيه بمعنى (الذي)، كأنه قيل: للذي اشتراه ماله في الآخرة من خلاق [[ساقط من (أ)، (م).]]. فموضع (من) رفع بالابتداء.

وموضع ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ رفع على أنه خبر الابتداء. وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما:

فالأولى منهما أيضًا: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾، والأخرى المقسم عليها: قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ولا تجعله بمنزلة الذي. وتجعل قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر [[الذي استشهد به أبو علي في "الإغفال" ص 366 ونقله عنه سيبويه هو قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي.]]:

ولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ... لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ [[البيت لعامر بن حوط، في تاج العروس، (مادة: عدم). "المعجم المفصل" 7/ 163.]]

قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين. فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية.

فإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 501 ط. عبد السلام هارون.]].

ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1 - 2] إنه للعطف [[المصدر السابق.]]. معنى ضم الآخر إلى الأوّل، أي: يضم إليه بحرف العطف [[من قوله: معنى (ضم الآخر) ساقط من (ش).]] دون القسم، قلنا: هذا على ما ذكرت، ولكن قوله: ﴿وَلَقَد عَلِمُوا﴾ أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله [[في (ش): (وتالله).]] ليقومنّ، فليس يدخل على هذا قسم على قسم على [[(على) ساقطة من (ش).]] الحقيقة، إنما يدخل [[في (ش) يدخل الاسم على شيء.]] على شيء أقيم مقام القسم، وأصله غير ذلك، والأول هو الوجه الواضح [[هذه المسألة بتمامها ملخصة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 - 368.]].

قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير ابن كثير" 1/ 154.]].

وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.

قيل: وصفهم بالعلم [[في (ش): (وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم في قوله ... وهذا سيأتي).]] في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ على المجاز لا على الحقيقة، كأنه قال: علموا هذا عِلمًا ظاهرًا، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من بخس الآخرة من العقاب، لذلك [[في (ش): (كذلك).]] قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

وقيل: إن الله تعالى وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم؛ لأنهم لم يعملوا بما علموا، فكانوا بمنزلة من لم يعلم، كما تقول: صلَّيتَ ولم تصلِّ، وتكلّمتَ ولم تتكلّم، أي: لم تجوّد كلامك، فكنت بمنزلة من لم يتكلم.

وقيل: إنما وصفهم بوصفين مختلفين؛ لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 467، "تفسير البغوي" 1/ 132، "التفسير الكبير" للرازي 3/ 222، "البحر المحيط" 1/ 334، وأجاب الطبري 1/ 466 بأنه من باب التقديم والتأخير، ومعنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق، ثم رد على من قال: ولقد علموا، أي: الشياطين، ولو كانوا يعلمون، يعني به الناس، وبين أنه قول لجميع أهل التأويل مخالف، لأنهم مجمعون على أن قوله (ولقد علموا)، يعني به اليهود إلخ ما قال.]].

2:103Page 16

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أي: بمحمد والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ اليهودية والسحر [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير الطبري" 1/ 468، "تفسير البغوي" 1/ 132.]].

﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ يقال: أثابه إثابة ومَثَابة، والاسم: الثواب والمَثُوبَةُ والمثْوَبَةُ بفتح الواو [[المثْوَبة: بفتح الواو شاذ كما قال اللحياني. ينظر: "اللسان" 1/ 519، (مادة: ثوب).]]، كالمَشُورَة والمَشْوَرَة.

قال أبو العباس: الثوابُ في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته [[في (أ)، (ش): (والحقيقة).]]: الجزاء العائد على صاحبه مُكَافأةً لما فعل، ومنه: التَثْويب في الأذان، إنما هو ترجيع الصَوْت، ولا يقال لصوتٍ مرةً واحدةً: تثويب، ويقال: ثوّب الداعي: إذا كرر دعاه كما قال:

إذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا [[البيت نسب لزهير بن مسعود الضبي، ينظر: "لسان العرب" 8/ 4976 (مادة: يا) غير منسوب. "المعجم المفصل" 6/ 81. ونسب إلى الفرزدق في "لسان العرب" 7/ 4105 (لوم).]]

والثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 468، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 206، "تهذيب اللغة" 1/ 463 (مادة- ثاب)، "المفردات" للراغب الأصبهانى 89، "مقاييس اللغة" 1/ 393، وقال: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع.]].

وقوله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ في موضع جواب لو؛ لأنه ينبئ عن قولك: لأثيبُوا، فَحُذِفَ الجواب، وجُعل قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ بدلًا منه، واللامُ فيه لام الابتداء [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 187 و"البحر المحيط" 1/ 335، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 468 أن بعض نحوي البصرة يرد ذلك، ويرى أن الجواب (لمثوبة).]].

ومعنى الآية: أن ثواب الله خير لهم من كسبهم بالكفر والسحر [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 108، و"التبيان" ص 81، و"البحر المحيط" 1/ 335.]].

2:104Page 16

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤

O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ يقال: أرعى إلى الشيء، وراعاه: إذا أصغى إليه، مثل: عافاه وأعفاه. قال الفراء: هو من الإرعاء والمراعاة [["معاني القرآن" للفراء 1/ 69.]].

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: راعِنا سمعَك، أي: اسمع منّا حتى نفهمَك وتفهمَ عنّا، والعرب تقول: أرْعِنا سمعَك، وراعِنا سمعَك بمعنى واحد [[نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1430، (مادة: رعن).]]. وأصل الكلمة من الرعاية [[ذكر الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 188 أن في (راعنا) ثلاثة أقوال: أحدها: راعنا، من أرعنا سمعك. والثاني: من المراعاة والمكافأة، فقيل لهم: لا تقولوا: راعنا، أي: كافئنا في المقال، كما يقول بعضهم لبعض، وقولوا أنظِرنا، أي: أمهلنا، واسمعوا، كأنه قيل لهم استمعوا. والثالث: راعنا، كلمة تجري على الهزء والسخرية، فنهي المسلمون أن يتلفظوا بها بحضرة النبي ﷺ.]]، الذي هو الحفظ، فمعنى أرعيته سمعي، أي: حفظت عليه ما يقول. والمراعاة: المراقبة لأنها حفظ ما يكون من أحوال الشيء، والإرعاء: الإبقاء على أخيك؛ لأنك تحفظ ما تقدم من حقه. [[ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1430، "المفردات" للراغب204، "مقاييس اللغة" 2/ 407، "البحر المحيط" 1/ 336، "تاج العروس" 18/ 238 (رعن).]]

قال الكلبي: عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ: راعِنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا قبيحًا، فلما سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله ﷺ أعجبتهم، وكانوا يأتونه ويقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ [[سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس، شهد بدرًا، واستشهد من سهم أصابه بالخندق، ومناقبه كثيرة. ينظر: "تقريب التهذيب" ص 230 (2255) ط. دار الرسالة.]]، وكان يعرف لغتهم، فقال: عليكم لعنة الله، لئن سمعتُها من رجلٍ منكم يقولها لرسول الله ﷺ [[من قوله: أعجبتهم ... ساقطة من (ش).]] لأضربنَّ عنقه، فقالت اليهود [[ساقطة من (ش).]]: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله هذه الآية، ونُهوا عن ذلك [[أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" 1/ 47 من طريق عبد الغني بن سعيد عن موسى ابن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، والإسنادان ضعيفان كما ذكرت في الدراسة. وذكر الثعلبي القصة ولم يسندها لأحد 1/ 1087 وكذا قال مقاتل في "تفسيره". وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 36، عن عطاء عن ابن عباس، والسيوطي في "لباب النقول" ص 19 وفي "الدر" 1/ 195 - 196 وعزاه لأبي نعيم في "الدلائل". ويشهد له ما أخرجه الطبري 1/ 469 عن قتادة بمعناه، وذكره ابن حجر في "العجاب" 1/ 344، وفي "فتح الباري" 8/ 163 وقال: وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف جداً عن ابن عباس.

والصحابي الذي ذكره الواحدي في "أسباب النزول" هو سعد بن عبادة، وكذا هو عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 59. وهناك أسباب أخرى وردت في نزول الآية، ذكرها الطبري 1/ 470، وابن أبي حاتم 1/ 196، والسيوطي في "الدر" 1/ 195 - 196.]].

وهذا النهي اختص بذلك الوقت؛ لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذه اللفظة الآن.

وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا والعرب تقول: نظرت فلانًا، أي: انتظرته، قال الحطيئة:

وقد نَظَرْتُكُمُ إبناءَ صَادِرةٍ [[عجز البيت:

للخمس طال بها حَوْزي وتنساسي

في "ديوانه" ص 106، "تفسير الطبري" 1/ 473، "لسان العرب" 7/ 4466، "المعجم المفصل" 4/ 71، وفي رواية: للورد بدل للخمس والشطر الأول عند الطبري إعشاء: بدل إيناء. وهذه قصيدة مدح بها الحطيئة بغيض بن عامر بن شمّاس ويهجو الزبرقان بن بدر. والإيناء: مصدر آنيت الشيء: إذا أخرته. والصادرة: الإبل التي تصدر على الماء والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ثم ترد في الرابع، والحوز: السوق اللين، والتنساس: السوق الشديد لورود الماء، والشاعر يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار.]]

ومعنى (انظرنا) هاهنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون (انظرنا) أي: انظر إلينا، فحذف حرف الصفة، كقول قيس بن الخطيم [[هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد، شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية، اشتهر عنه تتبعه قاتلي أبيه وجده حتى قتلهما، أدرك الإسلام لكنه لم يسلم، قتل سنة 2 ق هـ. ينظر "جمهرة أشعار العرب" 123، و"الأعلام" 5/ 205.]]:

ظاهراتُ الجَمال والحُسْنِ ينظُرنَ ... كما ينظرُ الأراكَ الظباءُ [[نسب هذا البيت لقيس بن الخطيم كما في إحدى نسخ الثعلبي الخطية وفي بعضها بلا نسبة. "تفسير الثعلبي" 1/ 1090. وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" ص 454. ونسب لعبد الله بن قيس الرقيّات وهو في "ديوانه" ص 88، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 54، "البحر المحيط" 1/ 339، و"الدر المصون" 1/ 332.]] وإذا كان بتقدير: انظر إلينا كان من نظر العين [[ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 70، "تفسير الطبري" 1/ 473، "المفردات" 490 - 500، "اللسان" 7/ 4464، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 473 - 474: أن معناها: انظرنا وارقبنا، نفهم ما تقول لنا وتعلمنا، قال: وقد قرئ (أنظِرنا)، أي: أخرنا، ولا وجه له في هذا الموضع؛ لأن الصحابة أمروا بالدنو من رسول الله ﷺ والاستماع له لا بالتأخر عنه، قال: وقد قيل: إن معناها: أمهلنا، وبيَّنَ أنها قريبة المعنى مما ذكر لكن لا يقرأ بها. انتهى ملخصًا.]].

ونذكر معاني النظر عند قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210] إن شاء الله.

قال: المفسرون أمروا أن يقولوا: انظرنا، بدل راعنا.

وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: أطيعوا، أو اتركوا هذه الكلمة، فسمّى الطاعة سمعًا؛ لأن الطاعة تحت السمع [["تفسير الثعلبي" 3/ 1091، و"التفسير الكبير" للرازي 3/ 225.]].

2:105Page 16

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ﴾ إلى قوله ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ (من) صلة مؤكدة [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1092، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 206، "تفسير البغوي" 1/ 133.]]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ يقال: خَصَّه بالشيء واخْتَصَّه به بمعنى واحد [[زيادة من (ش) وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1092 أن الاختصاص أوكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك.]]، ويقال: اختَصَصْتُه بالفايدة واختصصت بها.

ومعنى الاختصاص: الانفراد بالشيء، ومنه: الخَصَاص للفُرَجِ [[أي: فُرَج بين الأثافي والأصابع، ينظر: "اللسان" 2/ 1173، وقال في "تهذيب اللغة" 1/ 233 - 234: وأصل ذلك من الخَصَاص، وكل خَلَلٍ أو خَرْق يكون في مُنْخل أو باب أو سحاب أو بُرقُع فهو خصَاص.]]؛ لأنه انفرد كل منهما [[زيادة من (ش).]] واحد عن الآخر من غير جمع بينها، ثم يقال لسوء الحال: الخصاصة [[في (ش): (خصاصة).]]، لأنها خللٌ في الحال وصدع [[ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1299، "المفردات" 155، "اللسان" 3/ 1476.]].

وقوله تعالى: ﴿بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أراد بالرحمة هاهنا: النبوة [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 474 - 475، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 189.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ قال الليث: ذو اسم ناقص، وتفسيره: صاحب ذاك [[في "تهذيب اللغة": ذلك.]]، كقولك: ذو مال. والتثنية: ذوان، والجمع [[في (أ) و (ش): (الجميع).]]: ذوون، وتقول في تأنيث [[في (م): (التأنيث).]] ذو: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الشعر يجوز: ذاتا. والجمع: ذوات مال [[ينظر: "المفردات" 186، "البحر المحيط" 1/ 236 - 237، "القاموس" ص 1351، "الإتقان" 2/ 195.]]، وأنشد للكميت:

وقد عَرَفَتْ مَوَالِيها الذَّوِينَا [[البيت هكذا:

فلا أعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا

وهو للكميت بن زيد، في "ديوانه" 2/ 109، و"معجم الشعراء" 8/ 101، وما ذكره المؤلف موافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1299.]]

أي [[في (ش): (أن).]]: الأخصين الأدنين، وإنما جاءت النون لذهاب الإضافة [[نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1299.]].

وسمعت أبا الحسن النحوي رحمه الله يقول: أصل ذو: ذوي أو ذوو، فلما تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلها صارت ألفًا فصار ذوا، ثم لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها صارت ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي ذا فلم يمكن إعراب الألف، فجعل إعرابه في الذال، فلما أعربت الذال بالرفع انقلبت الألف واوًا، ولما أعربت بالخفض انقلبت ياء، ولما أعربت بالنصب بقيت ألفًا كما كانت.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском