Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Baqarah · 2:14–16

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:14–16

2:14Page 3

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال المفسرون: يعني: أبا بكر -رضي الله عنه- وأصحابه [[لعل المؤلف هنا يثير إلى الأثر الطويل الذي أخرجه في (أسباب النزول) بسنده عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والذي ورد فيه قصة لقاء عبد الله بن أبي ومعه طائفة من أصحابه بأبي بكر ومعه نفر من الصحابة .. الأثر. "أسباب النزول" للواحدي ص 25. وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وأورده == السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 69، وذكره في "لباب النقول" وقال: هذا الإسناد واهٍ جداً فإن السدي الصغير كذاب وكذا الكلبي وأبو صالح ضعيف ص 17. وفي "تفسير الطبري"، عن ابن عباس المراد: أصحاب محمد، 1/ 129 - 130، وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 54.]]. و (لقوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على (الياء)، فحذفت ونقلت ضمتها إلى القاف [[في "الكشف" للثعلبي (فاشتقلت الضمة على (الياء) فنقلت إلى القاف، وسكنت، و (الواو) ساكنة فحذفت لاجتماعها) 1/ 51 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 179.]]. الحراني عن ابن السكيت:

لَقِيتُه لقَاءً ولِقْيَاناً ولُقِيًّا [[(ولقيا) ساقط من (ب).]] ولُقًى [["تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 311. قال أبو حيان: (سمع لـ (لقى) أربعة عشر مصدرًا)، "البحر" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 144.]].

الليث: وكل شيء استقبل شيئا أو صادفه فقد لقيه من الأشياء كلها [["تهذيب اللغة" (لقى) 4/ 3290.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾. يقال: خَلاَ المكان يَخْلُو [[في (أ)، (ج): (مخلو) وأثبت ما في (ب).]] خَلَاءً وهو خَلاَء [[في (ب): (يخلو خلاوة وخلاء).]] وخَالٍ [[في "التهذيب" قال الليث: خلا المكان والشيء يَخْلُو خُلْوَّا وخَلاَءً وأَخْلَى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073، وانظر "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" (خلا) ص 1280.]]، وخَلَوْتُ بفلان، أَخْلُو به خَلْوَةً وَخَلاَءً [[ذكره الأزهري عن اللحياني. "التهذيب" (خلا) 1/ 1073.]]، ويقال: خَلَا به وخَلَا معه وخَلَا إليه بمعنى واحد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 51 أ، "تهذيب اللغة" (خلا) 1/ 1073، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، "القاموس" ص 1280.]]. وقال النضر [[هو النضر بن شميل بن خَرَشة بن يزيد التميمي، من أهل مرو، كان صاحب غريب وشعر، ورواية للحديث، من أصحاب الخليل بن أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين. انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 3/ 348، "نزهة الألباء" ص 73، "وفيات الأعيان" 5/ 397، "إشارة إلى التعيين" ص 364.]]: (إلى) هاهنا بمعنى: (مع) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 51 أ، وذكره الجوهري ولم ينسبه للنضر. "الصحاح" (خلا) 6/ 2330، "اللسان" (خلا) 2/ 1254، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 131.]] كقوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] و ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [[وردت في سورة آل عمران: 52 قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وفي سورة الصف: 14 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.]] [آل عمران: 52، الصف: 14]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:2] [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 571.]].

وقال النحويون: معنى الآية: إذا انصرفوا من لقاء المؤمنين إلى شياطينهم، فدخلت (إلى) لدلالة [[في (أ)، (ج) (الدلالة) وأثبت ما في (ب).]] الكلام على معنى الابتداء [[في (ب): (الابتدار الانتهاء).]] والانتهاء؛ لأن أول لقائهم للمؤمنين ثم للشياطين، فكأنه [[في (ب): (فكانوا).]] قال: وإذا خلوا من المؤمنين وانصرفوا [[في (ب): (فانصرفوا).]] إلى شياطينهم. وهذا أحسن من إخراج (إلى) عن حدها [[(خلا) تتعدى بـ (إلى) وبـ (الباء) فإذا عديت بـ (إلى) كان معناها الانفراد في حاجة خاصة، وإذا عديت بـ (الباء) كان لها معنيان: أحدهما: ما سبق، والآخر: بمعنى السخرية به، فتعديتها بـ (إلى) أفصح، لأنه يخلو من الالتباس. وبعضهم يجعل (إلى) في الآية بمعنى (مع)، وبعضهم يجعلها بمعنى (الباء)، وهذان ضعيفان عند بعض العلماء؛ لأن الحروف لا يجوز تحويلها عن معانيها إلا بحجة، وبعضهم قال: ضُمِّن (خلا) معنى (ذهبوا) و (انصرفوا) وهذا قول الكوفيين، وقد رجحه الواحدي والطبري وكثير من المفسرين؛ لأنه يُبقي (إلى) على معناها. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 131، و"تفسير أبن عطية" 1/ 174، "الدر المصون" 1/ 145، "مغني اللبيب" 1/ 75.]].

والشيطان كل متمرد عات من الجن والإنس [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 32، "تفسير الطبري" 1/ 49، "تفسير الثعلبي" 1/ 15 ب.]]، قال الله تعالى. ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]. واختلفوا في اشتقاقه: فقال الليث: الشيطان فَيْعَال من شَطَن أي: بعد، يقال: نَوى شَطُون [[النوى: الدار، ويطلق على التحول من مكان إلى آخر. "اللسان" (نوى) 15/ 347. والكلام لأبي عبيد أدخله المؤلف في كلام الليث، قال في "التهذيب" (أبو عبيد: نوى شطون: أي بعيدة شَاطَّة، وقال الليث: غزوة شطون: أي بعيدة، وشَطَنَت الدار شُطُونا، إذا بعدت ...). "التهذيب" (شطن) 2/ 1877.]] وشَطَنَت [[في (ب): (وشطين الداري) ولفظ الداري بخط مخالف كبير.]] الدار، أي: بعدت، ويقال: شَيْطَن [[في (ب): (شيطان).]] الرجل وتَشَيْطَن [[في (ب): (شيطن).]] إذا صار [[في (ب): (صاب).]] كالشيطان وفعل فعله.

وقال رؤبة: شَافٍ لِبَغْي الكَلْبِ المُشَيْطِنِ [[ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص165، "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، "اللسان" (شطن) 4/ 2264، "البحر المحيط" 1/ 62. وبهذا انتهى كلام الليث. "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1877، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 83، "الحجة" لأبي علي2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "تفسير الثعلبي" 1/ 51 ب، وقال أبو حيان: وهو قول البصريين. "البحر المحيط" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 10.]]

فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة. وقال قوم: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق، بوزن: هَيْمَان وعَيْمَان [[في (ب) (عثمان) وفي "التهذيب" (غيمان) 2/ 1877.]]، من هام وعام [[الكلام بنصه في "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، ونسب أبو حيان القول للكوفيين. "البحر" 1/ 62، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "تفسير ابن عطية" 1/ 76.]] وقال الأعشى:

وقد يشيط على أرماحنا البطل [[صدره:

قد نخضب العير من مكنون فائله

العير: حمار الوحش، الفائل: عرق يجرى من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، يشيط: يهلك. انظر (ديوان الأعشى) ص 149، "الحجة" لأبي علي 2/ 22، "شرح المفصل" 5/ 64، "البحر المحيط" 1/ 62، "تفسير القرطبي" 1/ 79.]]

قال أبو علي: هو (فَيْعَال) من شَطَن [[في (ب): (شيطن).]] مثل: البَيْطَار والغَيْدَاق [[(الغيداق) الكريم، وولد الضب، والطويل من الخيل. "القاموس" ص 914. و (البيطار): الخياط. "القاموس" ص 352.]]. وليس بفَعْلَان من قوله: وقد يَشِيُط البيت.

لأن سيبويه قد حكى: (شيطن) [[في (ب) (شيطان).]] وهو (فَيْعَل) لا (فَعْلَن)، لأنا لا

نعلم أن [[في (ب) (لأن).]] هذا الوزن جاء في كلامهم [[نص كلام أبي علي في "الحجة": (ألا ترى أن سيبويه حكى: شَيْطَنتُه فَتَشَيْطَن، فلو كان من يَشِيطُ لكان شَيْطَنَتُه (فَعْلَنْتُه)، وفي أنا لا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم ما يدلك أنه. (فَيْعَلْتُه)، مثل: بَيْطَرتُه ومثل: هَيْنَم. وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله: ...) 2/ 22. وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 217، 218.]]. ومثل (فَيْعَل) بَيْطَر وَهَيْنَم [[الهينمة: (الصوت الخفي) "القاموس" ص1172.]]،

والحجة القاطعة قول أمية:

أيُّمَا شاطنٍ عصاهُ عكاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبَالِ [[البيت لأمية بن أبي الصلت يذكر سليمان -عليه السلام- يقول: أيما شيطان عصى سليمان، عكاه: شده بالأكبال، وهي القيود ثم يلقى في السجن. انظر "تفسير الطبري" 1/ 49، "الحجة" 2/ 22، "التهذيب" (شطن) 2/ 1878، (إعراب ثلاثين سورة) لابن خالويه ص 7، "تفسير ابن عطية" 1/ 76، "زاد المسير" 1/ 34، و"تفسير القرطبي" 1/ 79، "البحر المحيط" 1/ 62، "اللسان" (شطن) 4/ 2265، "الدر المصون" 1/ 10.]]

فكما أن (شاطناً) فاعل، والنون لام، كذلك (شَيْطان) فَيْعَال، ولا بكون (فَعْلَان) من يَشِيط [[انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 22، وقد نصر جمهور العلماء هذا الرأي وأن شيطان (فَيْعَال) من شَطن، منهم ابن جرير في "تفسيره" 1/ 49، والأزهري في "تهذيب اللغة" (شطن) 2/ 1878، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 760.

قال السمين الحلبي: قال جمهورهم: هو مشتق من شَطَن يَشْطُن، أي بعد. "الدر المصون" 1/ 10.]].

قال أبو إسحاق: ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس [["معاني القرآن" 1/ 83.]].

قال ابن عباس: أراد بشياطينهم كبراءهم وقادتهم [[أخرج ابن جرير بسنده عن السدي خبرا ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما شياطينهم: فهم رؤوسهم في الكفر. وأخرج نحوه عن قتادة ومجاهد وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 130، وأخرج هذِه الآثار ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 47 - 48، وانظر "الدر" 1/ 69 - 70.]].

وقوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾. (مع) كلمة تضم الشيء إلى الشيء، ونصبها كنصب الظروف؛ لأن تأويل قولك: (أنا معك): أنا مستقر معك، كما تقول: أنا خلفك [[في (ب): (جعلك). انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 54، "تهذيب اللغة" (مع) 4/ 3417، "مغني اللبيب"1/ 333.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. (الهُزْءُ): السخرية، يقول: هَزِئَ به يَهْزَأُ [[في (ب): (هزاته يهزئ).]] وتَهَزَّأ به واسْتَهْزَأَ به [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (هزأ) 4/ 3755، "الصحاح" (هزأ) 1/ 84.]]، وهو أن يظهر غير ما يضمر استصغارا وعبثا [[انظر: "الكشاف" 1/ 186، و"تفسير الرازي" 2/ 69، "لباب التفاسير" للكرماني 1/ 134 (رسالة دكتوراه).]].

2:15Page 3

ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥

[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (هو [[(هو أنهم) ساقط من (ب).]] أنهم كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة) [[لم أجده بهذا النص منسوبا إلى ابن عباس، وذكره القرطبي في "تفسيره" ولم ينسبه 1/ 181.]]. فشبه هذا من الله بالاستهزاء والمكر؛ لأنه غيب عنهم غير ما أظهر لهم، كالمستهزئ منا يظهر أمرا يضمر غيره. [[انظر: "تفسير الطبري" 1/ 134، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، و"تفسير الثعلبي" 1/ 52 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، "زاد المسير" 1/ 36، و"تفسير الرازي" 2/ 70، وقد ضعف الرازي هذا وقال: لأن الله أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة.]].

وقال ابن الأنباري: الاستهزاء من الله جل وعز مخالف الاستهزاء من المخلوقين؛ لأن استهزاءه أن يستدرجهم من حيث لا يعلمون [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 36.]].

وقال جماعة أهل المعاني: معنى الله يستهزئ بهم: يجازيهم [[(يجازيهم) ساقط من (أ)، (ج).]] جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40] وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] ومنه قول عمرو:

فنجهل فوق جهل الجاهلينا [[البيت لعمرو بن كلثوم وصدره:

ألا لا يجهلن أحد علينا

وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾.]]

وهذا هو الاختيار [[هذا القول ذكره الطبري ورده كما سيأتي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 56، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 97، و"تفسير ابن عطية" 1/ 177، و"تفسير == ابن الجوزي" 1/ 36، و"تفسير الثعلبي" 1/ 47 ب، و"تفسير القرطبي" 1/ 185، وغيرهم من المفسرين. وصرح الواحدي باختياره له، وفي هذا القول تفسير للسخرية بالمجاز، وتأويل لها، ورده ابن جرير، ورجح أن المراد: أن الله يستهزئ بهم حقيقة، ولا يلزم لها اللوازم الباطلة، حيث قال: (وإذا كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، ... ثم قال: وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة، فنافون عن الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها ...) "تفسير الطبري" 1/ 133. وإلى هذا المعنى أشار ابن تيمية -رحمه الله- حيت قال: (وكذلك ما ادعوه أنه مجاز في القرآن، كلفظ (المكر) و (الاستهزاء) و (السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذِه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له، وأما إذا فعلت بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا ... إلى أن قال: ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم، كما روي عن ابن عباس: أنه يُفْتح لهم باب إلى الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق ... ثم ذكر قولًا عن الحسن البصري بمعناه ... وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة، وقيل: هو تجهيلهم وتخطيئهم فيما فعلوه، وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة)، "مجموع الفتاوى" 7/ 111، 112. وما يقال في هذا يقال عند قوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ وما قيل هناك يقال هنا.]]؛ لأنه [[في (ب): (لأن).]] حمل الكلام على المزاوجة، ولأنه أظهر وأشكل بما جاء من نظائره في القرآن، وكل ذلك على المجاز الذي يحسن في الاستعمال للمبالغة في البيان والتصرف في الكلام.

وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أصل (المد) في اللغة: الزيادة، والمد: الجذب [[انظر. "اللسان" (مدد) 7/ 4156، "القاموس" ص 318.]]: لأنه سبب الزيادة في الطول.

قال الفراء: والشيء إذا مَدَّ الشَّيءَ كان زيادة فيه. تقول: دجلة تَمُدُّ بئارنا [[في (أ)، (ج) (بيارنا) وما في (ب) موافق لـ "معاني القرآن" للفراء 2/ 329.]] وأنهارنا، أي: يزيد فيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 329، وانظر "التهذيب" (مد) 4/ 3361. وقد نقل المؤلف كلام الفراء بتصرف.]].

(والمادة) كل شيء يكون مددا [[في "التهذيب": (مدادا).]] لغيره [[ذكره الأزهري عن الليث. "التهذيب" (مد) 4/ 3361.]]. و (المُدَّةُ) [[في (أ)، (ج): (المد)، وأثبت ما في (ب).]] الأوقات المتزايدة إلى غاية، ومنه مد الله في عمرك [[انظر "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537.]].

الأصمعي: امتد النهر ومد إذا امتلأ بالزيادة، ومده نهر آخر [["تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361.]].

ابن المظفر [[هو الليث بن المظفر، ويقال له. الليث بن نصر، صاحب الخليل، ينقل الواحدي كلامه كثيرًا من طريق "تهذيب اللغة". انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 47، "إنباه الرواة" 3/ 42.]]: وادي كذا يمد في نهر كذا. أي: يزيد فيه [[في (أ)، (ج): (يزيده)، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة" وهو ما أثبته.]] وأنشد [[الكلام في "التهذيب" ويظهر أنه من كلام الأصمعي حيث عطفه عليه، ولم يرد ذكر الليث في هذا الموضع. "التهذيب" (مد) 4/ 3361، وأنظر: "اللسان" (مدد) 3/ 397.]]:

سَيْلٌ أَتِيٌّ مَدَّهُ أَتيُّ [[البيت منسوب للعجاج، وهو في "التهذيب" (مد) 4/ 3361، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "اللسان" (مدد) 7/ 4157، وقد نسبه للعجاج وأنشد بعده: == غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ

وفي "ديوان العجاج":

مَاءٌ قَريٍّ مَدَهُ قَرِيُّ ... غِبَّ سَمَاءٍ فَهْوَ رَقَرَاقِيُّ

القَري: المسيل، الرقراقِي: المُتَرَقْرِق الذي يتكفأ. (الديوان) ص 318.]] والمدّ: أن [[في (ب): (والمداد يمد).]] يمُدّ الرجلُ الرجلَ [[في (ب): (للرجل).]] في غيّه [[ذكره في "التهذيب" عن ابن أبي حاتم عن الأصمعي (مد) 4/ 3361.]].

قال أهل التفسير في قوله ﴿يَمُدُّهُمْ﴾: أي يمهلهم [[في (ب): (يهملهم) تصحيف.]] ويطول في أعمارهم ومدتهم [[اختلف العلماء في ﴿يَمُدُّهُمْ﴾ هل هي من المد بمعنى الإمهال والتطويل فىِ العمر. أو من المدد بمعنى: الزيادة. وقد رجح هذا الطبري حيث قال: وأولى الأقوال بالصواب أن يكون بمعنى: يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم. "تفسير الطبري" 1/ 135، وانظر: "تفسير أبن عطية" 1/ 177 - 178، "الكشاف" 1/ 188، و"تفسير القرطبي" 1/ 182.]].

و (الطغيان): مصدر كالرجحان والكفران والعدوان [["الحجة" لأبي علي 1/ 366.]]. قال الليث: [والطُّغْوَان لغة فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).]] والفعل: طَغَوْت وطَغَيْتُ، ومعناه مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، كما طغى الماء على قوم نوح. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: 12] وطغت الصيحة على ثمود [[انتهى كلام الليث وقد نقله المؤلف بتصرف، "تهذيب اللغة" 3/ 2196، "العين" 4/ 435.]]، فقيل فيهم: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [[كتبت في جميع النسخ (أهلكوا) وسياق الآية: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.]]. وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17] [[(طغى) ساقط من (ب).]] أي أسرف حيث ادعى الربوبية [[انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 52 ب.]].

فأما الطغوى والطاغية والطاغوت فهي مذكورة في مواضعها مشروحة. وكان الكسائي يميل ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾ في رواية أبي عمر [[هو حفص بن عمر عبد العزيز المقرئ النحوي البغدادي الضرير، قرأ عن الكسائي ويحيى اليزيدي، توفي سنة ست وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 191، "غاية النهاية" 1/ 255.]] ونصير [[ونصير ساقط من (ب). ونصير هو: نصير بن أبي نصر الرازي ثم البغدادي النحوي، أبو المنذر، صاحب الكسائي، مات في حدود الأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "معرفة القراء الكبار" 1/ 213، "غاية النهاية" 1/ 255.]] [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" لأبي علي1/ 365، "الكشف" لمكي 1/ 171.]]. وذلك لأن [[في (ب): (أن).]] الألف قد اكتنفها شيئان كل واحد منهما يجلب الإمالة [وهما، الياء التي قبلها، والكسرة التي بعدها.

فإن قلت: إن أول الكلمة حرف [مستعل] [[في (ب): (مستعمل) وصححت الكلمة من "الحجة" 1/ 368.]] مضموم، وكل واحد من هذين يمنع الإمالة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج). الكلام في "الحجة" مع الاختصار 1/ 367، 368، وانظر: "الكشف" 1/ 171.]]. قيل: إن المستعلي تراخى عن الألف بحرفين فلم يمنع الإمالة.

وقوله تعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال أهل اللغة: (الْعَمِه والعَامِه) الذي يتردد متحيراً لا يهتدي لطريقه ومذهبه، ومعنى [[في (ب): (معي).]] ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون، وقد عَمِه يَعْمَه عَمَهاً فهو عَمِه إذا حار عن الحق [["تهذيب اللغة" (عمه) 3/ 2575، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب.]].

قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لأن معناه يطول أعمارهم ومدتهم ليتحيروا في طغيانهم وكفرهم، مكراً [[في (ب): (ومكرا).]] بهم، وهم يحسبون أن ذلك مسارعة لهم في الخيرات، ولا يشعرون أنه عقوبة لهم في الحقيقة [[هذا على أن (يمدهم) من المد بمعنى الإمهال والتطويل، وقد سبق بيان ذلك عند قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وأنظر "تفسير الطبري" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 56، "الكشاف" 1/ 188.]].

2:16Page 3

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ الآية. حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وكل اشتراء استبدال، وليس كل استبدال اشتراء، ووضع الاشتراء موضع الاستبدال هاهنا، لأنه أدل على الرغبة [[في (أ): (الرعية).]]، وذلك أن المشتري للشيء [[في (ب): (التي).]] محتاج إليه راغب فيه، فهو أبلغ من لفظ الأصل مع ما فيه من حسن التصرف في الكلام، والرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له وبائعاً للآخر، وإن لم يكن ثم شراء ولا بيع ظاهر [[انظر. "تفسير الطبري" 1/ 138، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "الأضداد" لابن الأنباري ص 72، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 183، == و"تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير الخازن" 1/ 63، (ضمن مجموعة من التفاسير)، "الدر المصون" 1/ 135.]].

قال ابن عباس في هذه الآية: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى [[أخرج ابن جرير بسنده عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. "تفسير الطبري" 1/ 137، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن السدي 1/ 50، وانظر. "تفسير ابن كثير" 1/ 56.]].

قال أهل المعاني: هؤلاء المنافقون لم يكونوا على الهدى قط، لكنهم [[في (ب): (ولكنهم).]] لما تركوا الواجب عليهم من الهدى، واستبدلوا به الضلالة قيل في صفتهم: اشتروا الضلالة بالهدى [[للعلماء في معنى الآية أقوال ذكرها ابن جرير في "تفسيره" وهي: منهم من قال إن معنى اشتروا استحبوا كما قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، فالمعنى اختاروا الضلالة على الهدى. ومنهم من قال: إنهم كانوا مؤمنين وكفروا، ولو كان الأمر على ذلك لكان هؤلاء تركوا الإيمان واستبدلوا به الكفر، وهو المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل الآيات في نعوتهم دالة على أنهم لم يكونوا مؤمنين قط، إنما أظهروا الإيمان كذباً. ومنهم من قال: المراد أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فكل كافر مستبدل بالإيمان كفرا، وهذا ما اختاره ابن جرير وهو أختيار أكثر المفسرين. انظر "تفسير الطبري" 1/ 137 - 139، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 57، "تفسير ابن عطية" 1/ 180، و"تفسير القرطبي" 1/ 182 - 183، و"تفسير ابن كثير" 1/ 56.]].

وأصل ﴿اشْتَرَوُا﴾ اشتريوا، فلما تحركت (الياء) وانفتح ما قبلها صارت (ألفا)، فاجتمع ساكنان، فحذفت (الألف) [[لأن حذفها أولى لأن الواو دخلت لمعنى والألف لم تدخل لمعنى "البيان" لابن الأنباري 1/ 58.]] فصار (اشتروا) ساكنة (الواو) [[قيل في إعلالها: استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفا، فاجتمع ساكنان: الياء والواو. فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وما ذكره المؤلف أولى.

انظر: "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، "الدر المصون" 1/ 152.]]. وسقطت همزة الوصل من الضلالة للدرج، فالتقت الواو الساكنة مع الساكن المبدل من لام المعرفة، فحركت الأولى بالضم [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 369.]]. واختلفوا في العلة الموجبة لضم الواو [[اتفقوا على أن (الواو) في (اشتروا) تحرك لالتقاء الساكنين، ثم اختلفوا لماذا اختبر الضم على الكسر؟ انظر: "الحجة" 1/ 369.]] في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ فقال أكثر النحويين: إن واوات الجمع كلها [[في (ب): (كأنها).]] تحرك بالضم نحو: ﴿لَتُبلَوُنَّ﴾ [آل عمران: 186] و ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ [التكاثر: 6].

وقالوا: مُصْطَفَوُ الله؛ لأن الضم أدل على الجمع وأشكل به، وهذه الواو للجمع فحرك بما هو أدل على الجمع [["الحجة" لأبي علي 1/ 369، وانظر: "الكتاب" 4/ 155، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 55، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير الثعلبي" 1/ 49 أ، "البيان" لابن الأنباري 1/ 58، "تفسير ابن عطية" 1/ 179.]]. ألا ترى أن [[(أن) ساقطة من (ب).]] الواو في (أو) أو (لو) لما لم تكن للجمع لم تحرك بالضم، بل حركت بالكسر، فقرئ [[في (ب): (فقرا)]] ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الجن: 16] [[قراءة الجمهور بالكسر، وقرئ في الشاذ بضم الواو، روى عن الأعمش وابن وثاب. انظر: "البحر المحيط" 8/ 352.]].

وقد أجازوا الكسر [[قراءة الجمهور بالضم، وبالكسر قراءة شاذة، قرأ بها يحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق.

انظر: "الحجة" 1/ 370، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204، "تفسير ابن عطية" 1/ 179، و"تفسير القرطبي" 1/ 182، "الدر المصون" 1/ 151.]] في ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ تشبيهاً بمثل: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: 42] و ﴿أَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. وأجازوا [[في (أ)، (ج): (وجازوا) وأثبت ما في (ب).]] الضم [[وهي قراءة شاذة حيث قرأ بالضم الأعمش وزيد بن علي، انظر "البحر" 5/ 46.]] في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ تشبيها بواو الجمع [[انتهى من "الحجة" لأبي علي 1/ 369.]].

وقال ناس: إن [[(إن) ساقطة من (ب).]] (الواو) ضمت ههنا لأنه فاعل في المعنى [[في (ب): (بالمعنى).]] فجعلت حركة التقاء الساكنين فيه كحركة الإعراب. وهذا لا يستقيم، لأنهم كسرو (الياء) في قولهم: (أخْشَيِ الله يا امرأة) والياء فاعلة في المعنى [[(المعنى) ساقط من (ب). أي: وسع كونها فاعلا في المعنى لم تحرك بالضم، انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 371، "الكتاب" 4/ 155، "الدر المصون" 1/ 151.]].

وقوم كسروا الواو في مسألتنا [[المراد قوله: (اشتروا) وقد سبق بيان أن قراءة الكسر شاذة.]] وفي قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] [[قال أبو حيان: قرأ يحيى بن يعمر: (ولا تَنْسَوِ الفضل) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين تشبيها للواو التي هي (ضمير) بواو (لو) في قوله تعالى: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾، كما شبهوا واو (لو) بـ (واو) الضمير فضموها. "البحر" 2/ 238.]] فلو كان كما ذكروا [[ما ذكروه: هو أن (الواو) ضمت لأنها فاعل في المعنى.]]، لم يجز الاختلاف [[أي لم يجز الاختلاف في حركة الواو هل هي بالضم أو بالكسر.]] فيه كما لم يجز [[(يجز) ساقط من (ج).]] في حركة الإعراب [[ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 372.]].

وقال الفراء: إنهم إنما حركوا (الواو) هاهنا بالحركة التي كانت تجب للام الفعل من الضمة [[ذكره أبو علي قال: حكاه أحمد بن يحيى عن الفراء. "الحجة" 1/ 372.]].

قال أبو علي [["الحجة" 1/ 372، وما قبله كله من كلام أبي علي وقد اعتمد الواحدي في هذا المبحث على "الحجة".]]: الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه [[انظر: "الكتاب" 4/ 155.]]. ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت)، و (قُلت)، و (خِفت)، و (مِست) [[الميس: التبختر، ماس يَميِس مَيْسا ومَيَسَانا: تبختر واختال. انظر. "اللسان" (مَيَس) 6/ 224، "القاموس" (مَيَس) ص 576.]]، و (ظِلْت)، و (أَحَسْت) [[أصلها: أحسست، حذفت السين الثانية، وهي بمعنى: علمت. انظر. "تهذيب اللغة" (حس) 1/ 817، "اللسان" (حسس) 2/ 871. في هذِه الكلمات نقلت حركة العين إلى الفاء، ولم تنقل إلى ما بعدها. انظر: "الحجة" 1/ 372، 373. ولكن نلحظ فيما سبق عند الكلام على (نحن) أنه ورد في أحد الأقوال: إن حركة الضمة نقلت من الحاء إلى النون.]]، و (أَصَمّ) [[في (أ): (أضم) وكذا في (ج) بدون شكل، وما في (ب) موافق لما في "الحجة".]]، و (أَعَدّ)، و (أَخِلَة). وكذلك نقل حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) [[في (ج): (جل). و (جيل) أصلها جَيْأَل، ولكن خففت بحذف الهمزة في اللفظ، مبقاة في النية، ونقلوا حركة الهمزة إلى الياء. والجيأل: الضبع، والضخم من كل شيء. انظر. "اللسان" (جأل) 1/ 259، "القاموس" (جأل) ص 974.]] و (المرَة) [[(المَرَة) أصلها (المرأة) خففت الكلمة بحذف الهمزة، ونقلت حركتها إلى الراء، بعضهم قال: تخفيف قياسي مطرد، وبعضهم قال: غير مطرد. "اللسان" (مرأ) 7/ 4166.]]. وكذلك قولهم: (قَاضُون)، و (غَازُون)، و (مُشْتَرُون)، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما [[(ما) ساقطة من (ب).]] ادعاه، ثبت [[في (أ)، (ج) (وثبت) زيادة واو.]] فساد ما ذهب إليه لدفع [[في (ب) (لرفع).]] الأصول ذلك، وقوله [[في (أ)، (ج) (وقوله تعالى)، وفي (أ) كتبت بخط كبير.]] يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو [[في (ب) (الياء).]] بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا [[قوله (ذلك وقوله يوجب .... إلى قوله: لا إلى ما بعده كما بينا) ليس في "الحجة". انظر: "الحجة" 1/ 373.]]. وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه [[عبارة أبي علي: (فلو كانت حركة نقل كما قال، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه بها، التقى مع ساكن، أو لم يلتق ...) "الحجة" 1/ 374.]]، التقى مع الساكن أو لم يلتق [[في (ب): (يليق).]]، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك [[في (ب): (لتحرك).]] بالحركة المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية [[في (ب): (المتلقية).]] مع سواكن أخر [[في (أ): (آخر) وفي (ب)، (ج)، بدون همز، وما أثبت موافق لما في "الحجة". بهذا انتهى رد أبي علي على الفراء، وقد اختصر الواحدي بعض كلامه. انظر "الحجة" 1/ 372 - 374.]].

قال أبو أسحاق: من أبدل واو [[نص كلام الزجاج: (فأما من يبدل من الضمة همزة فيقول: (اشترؤ الضلالة) فغالط ...)، "معاني القرآن" 1/ 57.]] ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [[قال الزجاج: الأصل وقتت 1/ 57.]] [المرسلات: 11] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) [[قال الزجاج: وكذلك (أَدْؤر) إنما أصلها (أَدْوُر) 1/ 57.]] فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم [[انتهى كلام الزجاج. انظر "معاني القرآن" 1/ 57، وقوله: (فلا يلزم) ليس من كلام الزجاج، والمعنى: أن ضمة (اشتروا) إنما هي لالتقاء الساكنين فليست ضمة لازمة، فلا تقلب الواو المضمومة همزة، لعدم لزوم الضمة فيها.]].

وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾. (الربح) الزيادة على أصل المال [[انظر: "لباب التفسير" 1/ 142، "البحر" 1/ 63، "الدر المصون" 1/ 154، "تفسير أبي السعود" 1/ 49.]]. و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء [[انظر: "مفردات الراغب" ص 73، وانظر المصادر السابقة.]]. يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر [[انظر: "مجمل اللغة" (تجر) 1/ 49، "مقاييس اللغة" 1/ 341، "مفردات الراغب" ص 73، وقالوا: ليس في كلام العرب تاء بعدها جيم إلا هذا اللفظ.]].

قال الشاعر:

قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه [[البيت للفضل بن عباس بن أبي لهب، وكان (عقرب بن أبي عقرب) رجل من تجار المدينة، مشهور بالمطل حتى قيل: (هو أمطل من عقرب) فعامله الفضل، فمطله فقال قصيدة يهجوه بها مطلعها هذا البيت المذكور، وردت القصيدة في "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" 1/ 98، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 281، "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 33، "مجمع الأمثال" 1/ 260، "اللسان" (عقرب) 5/ 3039.]]

ومعنى قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك [[(خسر بيعك) ساقط من (ب).]]، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33] أي مكرهم فيهما. وقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: 21] وإنما العزيمة للرجال في الأمر [[انظر "تفسير الطبري" 1/ 139، "معاني القرآن" للفراء 1/ 14، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 207، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 58، "تأويل مشكل القرآن" ص 138، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 42، "زاد المسير" 1/ 38.]].

وقال جرير:

وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ [[من قصيدة له هجا فيها النبهاني، وكان قد هجا جريرا، ورد البيت في "الطبرى" 1/ 140، "ديوان جرير" ص 203.]]

فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده بهما الموصوف من نبهان [[ذكره " الطبري" في "تفسيره" 1/ 140.]].

قال الفراء: وهذا إنما يجوز إذا عرف الكلام ولم يشكل، فإذا أشكل لم يجز، كما لو قال: خسر عبدك، وأراد أن يجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع [[أي: يخسر فيه.]]، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح، فلا يعرف معناه إذا ربح [[في "معاني القرآن" للفراء: (إذا ربح هو) 1/ 15.]] من معناه إذا كان مَتْجُورًا [[في (ب): (متجوزا).]] فيه [[نقل كلام الفراء بمعناه انظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 15.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском