Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Baqarah · 2:229–230

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:229–230

2:229Page 36

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩

Divorce is twice. Then [after that], either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allāh.1 But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allāh, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allāh, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allāh - it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال أهل التفسير: أتت امرأةٌ عائشة، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارُّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فذكرت ذلك عائشة [[في (ش): (عائشة ذلك).]] لرسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [[رواه الترمذي (1192) كتاب: الطلاق، باب: 16، والحاكم 2/ 307، وصححه البيهقي 7/ 333، والواحدي في "أسباب النزول" 81 عن عائشة بنحوه، ورواه مالك في "الموطأ" في الطلاق، باب جامع الطلاق 2/ 588، وعنه الشافعي في "الأم" 5/ 258، والطبري 2/ 456، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 418 عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا، والمرسل أصح كما قال الترمذي 3/ 497، والبيهقي 7/ 333، وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود برقم 2195، والنسائي 6/ 212.]].

فحُصِرَ الطلاق، وجعل حدّه ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ الآية [["تفسير الثعلبي" 2/ 1083.]].

والمرة من المرور والمرِّ أيضًا، يقال: المَرّةُ الأُولى، والمَرُّ [[في (م) و (ش): (المرة).]] الأوَّلُ. وقال أهل المعاني: الآية مختصرة معناها: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان [["تفسيرالثعلبي" 2/ 1084.]].

وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ﴾ الإِمْسَاكُ: خلاف الطلاق، والَمِسَاك والمَسَكَة اسمان منه، يقال: أنه لذو مَسَكَةٍ ومَسَاكَةٍ إذا كان بخيلا.

قال الفراء: يقال: إنه ليسيء [[في (ش): (لشيء).]] مَسَاكَ غلمانِه، وفيه مُسْكَةُ من خيرٍ، أي: قوة وتَمَاسُك، ومَسَكٌ من قوة ومَسَاكَة، وإنه لَمسِيْكٌ [[في (ي) و (ش): (لمسك).]] بين المَسَاكَة [[في (ي) (الماسكة).]] [[ينظر في مسك: "تهذيب اللغة" 4/ 3397، "المفردات" ص 471، "اللسان" 4202 - 4205.]].

وهو مرتفع بمحذوف يتقدمه، أي: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أو فعليه إمساك بمعروف [[ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307، و"المحرر الوجيز" 2/ 277.]].

ومعنى (بمعروف) أي: ما يعرف من إقامة الحق [[في (ي) (الحد).]] في إمساك المرأة [[ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 277.]].

وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ معنى التسريح في اللغة: الإِرسَال، وتَسْريحُ الشَّعْر، تخليصُك بعضَه من بعض، وسَرَحَ الماشيةَ سَرْحًا: إذا أرسلها ترعى، وناقة سُرُحٌ: سهلة السير لانطلاقها فيه [[ينظر في سرح: "تهذيب اللغة" 1665 - 1668. وذكر الراغب أن التسريح في الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعارًا من إطلاق الإبل.]]. واختلفوا في معنى قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال عطاء والسُدّي [[رواه عنه الطبري 2/ 460 بمعناه، وذكره في "الدر المنثور" 1/ 495 - 496.]] والضحاك [[رواه عنه الطبري 2/ 460.]]: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، يريد: إن كان من شأنه [[في (ي) و (ش) (شأنها).]] رجعتها وإمساكها، وإلّا فلا يرتجعها ويسرحها بإحسان كي يسلم من الإثم.

وقيل: قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أراد به: الطلقة الثالثة، روي ذلك عن النبي ﷺ، أن رجلًا قال له: أسمعُ الله يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثة؟ قال: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ هو الثالثة [[رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 337، وأبو داود في "المراسيل" ص 189، وسعيد بن منصور 1/ 384، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 259، والطبري في "تفسيره" 2/ 458، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 419، والبيهقي 7/ 340 عن أبي رزين، وهذا مرسل؛ لأن أبا رزين تابعي، ورواه الدارقطني في "السنن" 4/ 4، والبيهقي 7/ 340 عن أنس، قال البيهقي: وروي عن قتادة عن أنس وليس بشيء؛ وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى 3/ 195: قد أسند هذا عن إسماعيل بن سميع عن أنس، وعن قتادة عن أنس، والمرسل أصح. وقال ابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام 2/ 316: وعندي أن هذين الحديثين صحيحان.]].

وقال صاحب النظم: قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ ظاهره يقتضي أنه خبر، وتأويله في الباطن شرط وجزاء، على نظم: من طلق امرأته مرتين فليمسك بعدهما بمعروف، أو ليسرحها بإحسان، ومثله مما جاء على لفظ الخبر ومعناه الشرط: قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)﴾ [الدخان: 12] معناه: إن كشفت آمنَّا، وقال في الجواب: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: 15] ظاهره خبر وتأويله: إن كشفنا تعودوا [[ينظر: "البحر المحيط" 2/ 195.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما أعطاها من المهر وما نحلها وتفضل عليها ليطلقها؛ لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا بجوز أن يأخذ منها شيئًا إلا في الخلع [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1085 - 1086.]].

وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ [[جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول الخزرجية، وقد وقع الخلاف هل المختلعة بنت عبد الله المنافق أو أخته؟ واسمها جميلة أيضا، فذهب ابن سعد وابن منده إلى أن المختلعة هي جميلة بنت عبد الله، وذهب أبو نعيم وابن عبد البر إلى أنهما واحدة، وأن المختلعة هي جميلة بنت أبي، وصوب الحافظ ابن حجر أنهما اثنتان، وأن ثابتا تزوج أخت عبد الله فاختلعت منه، ثم تزوج الثانية ففارقها. ينظر "الطبقات الكبرى" 8/ 382، "فتح الباري" 6/ 398.]]، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس [[في (ش) (سماس).]] [[ثابت بن قيس بن شماس بن زهير الخزرجي الأنصاري، خطيب الأنصار، شهد أحدا وما بعدها، وبشره النبي ﷺ بالجنة في قصة معروفة، رواها البخاري (3613) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، قتل يوم اليمامة شهيدا بعد أن أبلى بلاء حسنا. ينظر "سنن الترمذي" 5/ 667، و"الاستيعاب" 1/ 276.]]، كانت تبغضه أشد البغض كان يحبها أشد حُبٍّ، فأتت رسول الله ﷺ وقالت: فرق بيني وبينه، فإني أبغضه، فقال ثابت: يا رسول الله مرها فلترد عليَّ الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: "ما تقولين"؟ قالت: نعم وأزيده، قال: "لا، حديقته فقط". وقال لثابت: "خذ منها ما أعطَيتَها، وخَلِّ سَبِيلَها"، ففعل، فكان أول خلع في الإسلام [[القصة رواها البخاري (5273) كتاب: الطلاق، باب: الخلع وكيف الطلاق فيه، والنسائي 6/ 169 كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، وأبو داود (2229) كتاب: الطلاق، باب: في الخلع، والترمذي (1185) كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، والطبري في "تفسيره" 2/ 461، "تفسير الثعلبي" 2/ 1086، ولفظ الواحدي مختصر منه، وقد روى أبو داود والنسائي في الموضعين السابقين == وغيرهما: أن المختلعة هي حبيبة بنت سهل، قال الحافظ في "الفتح" 6/ 399: والذي يظهر أنهما قضيتان وقعتا لامرأتين؛ لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين.]].

ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ أي: يَعْلَما، وإنما كان الخوف بمعنى العِلْم؛ لأن الخَوفَ مُضَارعٌ للظَّنِّ، وحكى الفراء: أن [[في (م) (ساقطة).]] العرب تقول للرجل: قد خرجَ غُلامُك بغير إِذْنك، فيقول له: قد خِفْتُ ذاك، يريد [[ساقطة من (ي).]]: قد ظَنَنْتُه وتَوَهّمْتُه، وأنشد:

أتاني [[في (ي) (وأتاني).]] كلامٌ عن نُصَيبٍ يقولُه ... وما خِفْتُ يا سَلّام أنكَ عَائِبي [[البيت لأبي الغول علياء بن جوشن من بني قطن، ينظر "الشعر والشعراء" ص 278،

"والنوادر في اللغة" لأبي زيد ص 46، وذكره الفراء والطبري دون نسبة 5/ 61.]] [["معاني القرآن" للفراء 1/ 146.]]

أراد: وما ظَنَنْتُ، والظَّنُّ بمعنى العِلْم صحيح، كذلك الخوف.

وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ إلا أن يوقنا [["مجاز القرآن" 1/ 74، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307 - 308، وقال النحاس 1/ 315: وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة.]]، وذلك أن في الخوف طرفًا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرفٌ من العِلْم جاز أن يكون علمًا [[ينظر في بيان أن الخوف يكون بمعنى الظن والعلم: "مشكل القرآن" لابن قتببة ص191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "الحجة" 2/ 328، "تفسير الثعلبي" == 2/ 1090، "البحر المحيط" 1/ 197، وقال: والأولى بقاء الخوف على بابه، وهو أن يراد به الحذر من الشيء فيكون المعنى: إلا أن يعلم أو يظن أو يوقن أو يحذر كل واحد منهما بنفسه أن لا يقيم حقوق الزوجية لصاحبه حسبما يجب فيجوز الأخذ.]].

ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضًا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي [[في (ش): (يتعدى).]] عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها [[ساقطة من (أ) و (م).]] إذا دعت إلى ذلك [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1092.]].

ويكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، فإن أخذ أكثر من ذلك صح الخلع ولم ينقض [[في (ي): (ينقص).]] [[ينظر: "الموطأ" 2/ 565، و"الأم" 5/ 211، و"الإشراف" 3/ 213، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 593، "فتح الباري" 9/ 397.]]، وهو مذهب ابن عباس [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471.]] وابن عُمر [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" 1/ 674 إلى مالك والشافعي وعبد بن حميد والبيهقي عن نافع.]] ورجاء بن حيوة [[هو: رجاء بن حيوة الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفلسطيني، ثقة فقيه، شيخ أهل الشام في عصره، من الوعاظ الفصحاء العلماء، لازم عمر بن عبد العزيز، توفي سنة 112هـ. ينظر: "تقريب التهذيب" ص208 (1920)، "الأعلام" 3/ 17.]] [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 471، وعزاه في "الدر" بمعناه 1/ 674 إلى عبد ابن حميد عن حميد الطويل.]]: أنه يجوز أن يأخذ زيادة من المهر.

ومذهب علي [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469.]]، والحسن [[في (ش): (الحسين).]] [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470.]]، وأبي حذيفة وعطاء [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469، وعزاه في " الدر" 1/ 673 إلى عبد بن حميد والبيهقي.]]، والزهري [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 470.]] والشعبي [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 469.]]: أنه يأخذ المهر فقط. وليست هذه الحالة حالة بعث الحكمين؛ لأن المرأة معترفة هاهنا بمنع حق الزوج وكراهتها [[ساقطة من (ش).]] صحبته، وإنما الحكمان إذا اشتبه المتعدي منهما، وموضعه في سورة النساء. والخلع فسخ بلا طلاق عند ابن عباس [[رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 485 - 487، وسعيد بن منصور 1/ 384، وقال الإمام أحمد كما في "الإشراف" 3/ 214: ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس.]]، وهو قول الشافعي في القديم، وقوله في الجديد [[ينظر: "مختصر المزني" 8/ 290، "تفسير الثعلبي" 2/ 1095، و"تكملة المجموع شرح المهذب" 17/ 14.]]: إن الخُلع [[من قوله: بلا طلاق .. ساقطة من (ي).]] تطليقة بائنة، إلّا أن ينوي [[في (ش): (يقوي).]] أكثر منها، وهو قول عثمان رضى الله عنه [[رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 483، وسعيد بن منصور 1/ 482، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 109 من طريق جهمان عن عثمان. وروى النسائي 6/ 186، كتاب: الطلاق، باب: عدة المختلعة، وابن ماجه (2058) كتاب: == الطلاق، باب: عدة المختلعة، عن الربيع بنت معوذ، قالت: اختلعت من زوجي فجئت عثمان فقال: تمكثي حتى تحيضي حيضة، وهذا يدل على أن عثمان يرى أن الخلع فسخ وليس بطلاق كما رجحه الخطابي في "معالم السنن" 2/ 256، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في "زاد المعاد" 5/ 198، ضعفوا الرواية الأولى عنه.]].

وقرأ حمزة ﴿يُخَافَا﴾ بضم اليَاءِ [[وقرأ الباقون (يُخافا) بفتح الياء. ينظر "السبعة" 183، "الحجة" 2/ 328.]]. وخَاف يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، فإن عديته إلى مفعول ثان ضَعَّفْتَ العين، أو [[في (ي) و (ش) (و).]] اجتلبتَ حرفَ الجر، كقولك: خَوَّفْتُ زيدًا أمرًا، واجتلاب حرف الجر كقوله:

لو خَافَكَ اللهُ عَليه حَرَّمَهُ [[من رجز نسبه في "اللسان"، مادة: روح، لسالم بن دارة، وقبله: يا أسدي لم أكلته لِمَه. وذكره في "الحجة" 2/ 229، وفي "الإنصاف" 257، والعيني 4/ 555، والأشموني 4/ 117.]]

فحرف الجر في موضع المفعول الثاني. وحمزة بنى الفعل للمفعول به وهو الزوجان، وقدر الجار ليتعدى إلى [[ساقطة من (ي).]] المفعول الآخر، الذي هو ﴿أَن يُقِيمَا﴾، فلابد من تقدير الجار في قراءة من [[ساقطة من (ي).]] ضم الياء، لأن الفعل قد أسند إلى المفعول، فلا يتعدى إلى المفعول الآخر إلا بالجار، ولا يحتاج في قراءة العامة إلى تقدير الجار، ثم يكون قوله: ﴿أن يقيما﴾ على هذه القراءة في محل الجر بالجار المقدر، على مذهب الخليل والكسائي، وفي محل النصب، على قول غيرهما، لأنه لما حذف الجار وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: أستغفر الله ذنبًا [[تقدم تخريج البيت [البقرة: 115].]] ........

وأمرتك الخيرَ [[تقدم تخريج البيت [البقرة: 83].]] .........

وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224]، وعلى قراءة العامة يكون في محل النصب لا غير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقدير الجار، وعاب الفراء قراءةَ حمزة، فقال: أراد أن يعتبر قراءة عبد الله (إلا أن يخافوا) فلم يصبه؛ لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على أن، وفي قراءة حمزة على الرجل والمرأة [[ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 146.]]، فقال من نصر حمزة: إن بلغ الفراء ما يقوله بروايةٍ عن حمزة: أنه أراد اعتبار قراءة عبد الله، فهو كما قال، وإلا فإذا اتجه قراءَتُهُ على وجه صحيحٍ لم يَجُزْ أن ينسب إليه الخطأ، وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لا تَحمِلْ فِعْلَ أخيك على القبيح ما وجدت له في الحَسَن مذهبًا [[ما تقدم كله ملخص من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 328 - 333.]].

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ كان من حق النظم أن يكون فإن خافا (يعنى الزوجين، ليشاكل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾، وفي قراءة حمزة (فإن خِيْفَا) ليشاكلَ قراءته (يُخَافا)، إلا أنه لا يلزم هذا، لأمرين:

أحدهما: أن يكون انصرف من الغيبة إلى الخطاب كما قال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)﴾ [الروم: 39] ونظائره كثيرة.

وخاطب في هذه الآية الجماعة بعد ما أخبر عن اثنين؛ لأنّ ضمير الاثنين في ﴿يَخَافَاَ﴾ ليس يراد به اثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من هذا شأنه فهذا حكمه.

والآخرُ: أن قولَه: (فإن خفتم) خطابٌ [[ساقطة من (ي).]] لولاة الأمر والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وقد خاطب الله تعالى في هذه الآية الجميعَ بقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ ثم رجع إلى الزوجين فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾، ثم رجع إلى المخاطبين بالجمع بينهم وبين الزوجين [[من قوله: فقال .. ساقطة من (ش).]] في لفظ واحد فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا﴾ [[من "الحجة" 2/ 331 - 332 بتصرف.]].

ومثل هذا النظم قد جاء في الشعر، قال:

أبا واصلٍ [[في (أ): (واصلى).]] فاكْسُوهُما حُلَّتَيْهِما ... فإنكما إن تَفْعَلا فَتَيَانِ [[البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.]]

نادى مفردًا ثم جمع بقوله: فاكسوهما، ثم ثنى [[في (أ) و (م): (كنى).]].

ومعنى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا﴾ أي: عَلِمْتُم وغَلَب على ظنكم، (أن لا يقيما حدود الله) في حسن العشرة وجميل الصحبة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ المرأةُ نفسَها من الزوج.

وإنما قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ والمقصودُ رفعُ الحرجِ عن الزوجِ في استرجاع المَهْرِ عند الخُلْع، لأنه لو خصَّ الرجلَ بالذكر لأوهم ذلك أنها عاصية بالنشوز والافتداء بالمال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، فأدخلت في الذِّكْر ليزول هذا الوهم، وفيه وجوه سوى هذا ذكرناها في قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] [[ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 147، "تفسير الطبري" 2/ 466 - 465، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 315، "تفسير الثعلبي" 2/ 1093 - 1094.]].

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية. يريد: ما حده الله من شرائع الدين [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096.]]. وذكرنا معنى الحد فيما تقدم.

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، قال عطاء: يريد: من يأخذ من أمرأته شيئًا وليست تريد أن تختلع منه، ويضارها ليأخذ منها شيئًا.

2:230Page 36

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٢٣٠

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him.1 And if he [i.e., the latter husband] divorces her [or dies], there is no blame upon them [i.e., the woman and her former husband] for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allāh. These are the limits of Allāh, which He makes clear to a people who know [i.e.,understand].

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ قال صاحب النظم: قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فصل مضمن فصلًا آخر، قد اعترض بينهما فصل سواهما، وهو قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ إلى آخرها. فلما فرغ من الفصل المعترض عاد إلى الفصل الأول الذي ضمنه الفصل الثالث، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنى: الزوج المطلق اثنتين المضمر في اللفظ الذي أخرجه مخرج الخبر بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ففي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [[من قوله: ففي هذا. ساقط من (ي).]] من طلق امرأته تطليقتين فليمسكها بمعروف أو ليسرحها ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ [[ساقطة من (ي).]]؛ لأن هذا الثاني منسوق على الأول مثل معناه، فكأنَّ الثاني مفسِّرٌ للأول.

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التطليقة الثالثة. وهو رفع على الغاية؛ لأنه لما حذف من الكلام ما أضيف إليه (بعدُ) رفع على الغاية [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1096، "البحر المحيط" 2/ 200.]].

﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: غير المُطَلِّقِ، والنكاح لفظ يتناول العقد والوطء جميعًا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني [[ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 476 - 477، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096.]]، ولأن النبي ﷺ قال لعائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى [[هي عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضيري القرظي، زوج رفاعة بن وهب، نزلت في طلاقها هذه آيات، صحابية. ينظر "أسد الغابة" 2/ 233، 7/ 193. وقد وقع في اسم المطلقة اختلاف ينظر "فتح الباري" 9/ 464 - 465.]]. وكانت تحت رفاعة بن وهب [[هو: رفاعة بن وهب بن عتيك، صحابي طلق زوجه طلاقا بائناً فنزل بشأنه قرآن. ينظر "أسد الغابة" 2/ 233. وينظر الاختلاف فيه في "فتح الباري" 9/ 464.]] فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير [[عبد الرحمن بن الزبير بن باطيا القرظي المدني، وقال ابن منده: هو ابن الزبير بن زيد الأوسي، قال ابن الأثير: واتفقوا على أنه هو الذي تزوج المرأة التي طلقها رفاعة. ينظر "المؤتلف والمختلف" 3/ 1139، و"الإصابة" 4/ 159.]]، ثم طلقها، فأتت نبي الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب [[أرادت أن متاعه في عدم الانتشار والاسترخاء كطرف الثوب الذي لم ينسج. ينظر "فتح الباري" 9/ 465.]]، وإنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى زوجي الأول؟ فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسيلتك [[رواه البخاري (2639) كتاب: الشهادات، باب: شهادة المختبئ، ومسلم (1433) كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا ويطأها عن عائشة.]] " قال أبو إسحاق: عَلم الله تعالى صعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث، لئلا يعجلوا بالطلاق [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 308 - 309.]].

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنى: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، لأنه قد ذكره بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [[ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعنى: على المرأة المطلقة وعلى الزوج الأول، ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لما كان بينهما قبل هذا من الزوجية، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.]].

ومحل (أن) في قوله: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ نصب؛ لأن المعنى: لا جناح عليهما في أن يتراجعا [[من قوله: (نصب ..) ساقطة من (ش).]]، فلما سقطت (في) وصل معنى الفعل. وعند الخليل والكسائي: يجوز أن يكون محله خفضًا بالجار المقدر، وإن حذف من اللفظ؛ لأن المعنى إرادته.

قال [[في (م): (وقال).]] الزجاج: والذي قالاه صواب؛ لأن أن يقع معها الحذف، لكونها موصولة، ويكون جعلها موصولة عوضًا مما حذف، ولو قلت، لا جناح عليهما الرجوع، لم يصلح حذف في [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 309.]]، وصلح مع (أن) لأن الكلام طال بالصلة فحسن الحذف، كما تقول: الذي ضربت زيد، تريد [[في (ي): (يريد).]]: ضربته، فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضعها جرًا على إرادة في، وأبى الفراء هذا، وقال: لا أعرفه [["معاني القرآن" للفراء 1/ 148.]]. وقد استقصينا هذه المسألة عند قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: 224] [[ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102، "التبيان" 135، "البحر المحيط" 2/ 202.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾ أي: إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدودَ الله [[ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 74، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 78، وتأويل مشكل القرآن ص 187، وقيل: (إن ظنا) أي: رجوا، ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم؛ لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله. ينظر "تفسير الطبري" 2/ 478 - 479، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.]].

وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خص العالمين بالذكر، وهو في المعنى عام لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين ينتفعون ببيان [[ساقطة من (ي).]] الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد بهم، ويجوز أن يُخَصّوا بالذكر لنباهتهم [[في (ش) (لنباهيهم).]] وتشريفهم، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском