Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:284–285
2:284Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهو مالكُ أعيانه، يملك تصريفه وتدبيره ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
اختلف الروايات عن ابن عباس في معنى هذه الآية، فقال في رواية مقسم ومجاهد [[أما رواية مجاهد فأخرجها سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 1004، والطبري في "تفسيره" 3/ 142، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572. وأما رواية مقسم فأخرجها أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 2/ 143، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 315، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص280.
وقد بين الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 316 أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر؛ لأنه حق من المشهود، وفي الآية ما قد منع من ذلكُ، وكذلك اعترض الشوكاني عليه في "فتح القدير" 1/ 463 قائلا: فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة.]]: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها، يعنى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أيها الشهود من كتمان الشهادة، وتخفوا الكتمان يحاسبكم به الله، وهذا قول الشعبي [[رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 143، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1826.]] وعكرمة [[رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 3/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.]].
وقال في رواية سعيد بن جبير [[رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 362، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 296، والطبري في "تفسيره" 3/ 145، وذكرها ابن أبي حاتم 2/ 574.]] وعطاء [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.]]: هذه الآية منسوخة، وذلك أنه لما نزلت جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف [[هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن زهرة القرشي الزهري، من كبار الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من الأجواد الشجعان العقلاء، شَهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، كان من أثرياء الصحابة أنفق كثيرًا في سبيل الله، توفي سنة 32 هـ. ينظر "أسد الغابة" 3/ 480، "الأعلام" 3/ 321.]] ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي ﷺ، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي ﷺ: "فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، فقولوا: سمعنا وأطعنا"، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولًا، فأنزل الله عز وجل الفَرَجَ والرحمة، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فنسخت هذه الآية ما قبلها [[تابع المصنف. رحمه الله. شيخه الثعلبي في "تفسيره" في ذكر هذه القصة بهذا السياق ["تفسير الثعلبي" 2/ 1827] وهي ملفقة من عدة أحاديث وآثار منها الصحيح البالغ في الصحة، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها الضعيف، ولذا أورد الحافظ في "العجاب" 1/ 654 هذه الرواية عن الثعلبي في "تفسيره" بتمامها وعقب قائلًا: وهذا من عيوب كتابه، ومن تبعه عليه، يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقًا واحدًا على لفظ من يُرْمَى بالكذب أو الضعف الشديد، ويكون == أصل القصة صحيحًا، والنكارة في ألفاظٍ زائدة، كما في هذه القصة من تسمية الذين ذكروا. اهـ فمن الأحاديث هنا: حديث أبي هريرة، رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق 1/ 115 برقم (125) وغيره. ومنها حديث ابن عمر، رواه البخاري في التفسير، باب: سورة البقرة 5/ 195 برقم (6546) وغيره. ومنها أثر ابن عباس في تسمية الصحابة المذكورين في القصة، رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبراني في "مسند الشاميين" 3/ 326. ينظر: تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1828.]].
فقال النبي ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا [[في (ش) و (ي): (يعملوا).]] أو يتكلموا به" [[أخرجه البخاري (5269) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، ومسلم (127) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس. وليس في روايتهما ما يدل على أن القصة المذكورة هى سبب ورود الحديث.]]، وهذا قول ابن مسعود [[رواه سعيد بن منصور 3/ 1018، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، والطبراني في "الكبير" 9/ 211.]] وأبي هريرة [[ذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 325، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.]] والقرظي [[رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.]] وابن سيرين [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 342.]] والكلبي [[ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 239، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355.]] وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 111، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.]].
وقال في رواية الضحاك [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147 - 148 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره"2/ 1833.]] ما يدل على أن الآية محكمة غير منسوخة، وهو أنه قد ثبت أن للقلب كسبًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225] والعبد [[في (ي): (والعمل).]] يجازى على عمل القلب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 19] وكل عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، فمن أبدى ما في نفسه أو أخفاه مما عزم عليه وعقد عليه في قلبه يحاسبه الله به، فأما ما حَدَّث به نفسه مما لم يعزم عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ به [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1832 - 1833، وبين أن مما يدل على هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].]]، وهذا معنى قول الحسن [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 148، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.]] والربيع [[انظر المرجعين السابقين.]].
وقال في رواية علي بن أبي طلحة [[رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.]] وعطية [[رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 573.]]: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى السرائر، وتخرج الضمائر، وإن كُتَّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، وأنا المطلع على سرائركم مما لم [[في (ش): (لا).]] تعملوه ولم تكتبوه، فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه، لتعلموا أنه لا يعزب عن علمي مثقال ذرة، ثم أغفر لمن شئت، وأعذب من شئت، فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك كله، ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم إظهارًا لفضله، وأما الكافرون فيخبرهم بها، ويعاقبهم عليها، إظهارًا لعدله.
فمعنى الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فتعملوا به ﴿تُخْفُوهُ﴾ مما أضمرتم ونويتم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ ويخبركم به، ويعرفكم إياه، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين. يدل على هذا قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، فالحِسَابُ ثابتٌ والعِقَابُ ساقط [["تفسير الثعلبي" 2/ 1843 - 1843، وذكر حديثين يتأيد بهما هذا القول: الأول: حديث النجوى عن ابن عمر مرفوعا: "يدنو العبد من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، فيقول الله عز وجل: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، لا نطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا"، وأما الكفار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18] رواه البخاري في المظالم، باب: قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ 3/ 134 برقم (2441)، ومسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله 4/ 2120 برقم (2768). والثاني: حديث أبي ذر مرفوعا: "يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه، فيقال له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وهو يقر ولا ينكر، وتخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، قال: فلقد رأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه". رواه مسلم (190) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.]].
وروى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما حدَّث العبد به نفسه [[في (ي): (من نفسه).]] من شرٍّ كانت محاسبةُ الله له عليه بِغَمٍّ يبتليه به في الدنيا أو حُزْنٍ أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه [[رواه الطبري في "تفسيره" عنها 6/ 116 - 117.]]. وروت هذا المعنى عن النبي ﷺ أنها سألته عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه [[حديث عائشة رواه الترمذي (2991) كتاب: التفسير، باب: سورة البقرة، وأحمد 6/ 218، والطيالسي 221 برقم 1584، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" 3/ 783 برقم (1413)، والطبري في "تفسيره" 3/ 149، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 574 من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أمية عن عائشة به.
قال الترمذي: حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 365: وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها في الكتب سواه.
ورواه أبو داود (3093) كتاب: الجنائز، باب: عيادة النساء، والطبري في "تفسيره" 5/ 295، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 1072 وغيرهم، من طريق صالح بن رستم أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عنها مرفوعا بمعناه، ولفظ الحديث عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله ﷺ فقال: "يا عائشة هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفرع لها يجدها في خبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".]].
والمحققون يختارون أن تكون الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ إنما يكون في الأمر والنهي، والأخذ بقول عائشة، وبقولِ من لم يحكم على الآية بنسخ أولى [[قال البيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 297: وهذا النسخ بمعنى التخصيص والتبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم، فوردت الآية التي بعدها، فبينت أن ما يخفى مما لا يؤاخذ به، وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، == وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه، وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع، بمعنى: أنه لولا الآية الأخرى لكانت الأولى تدل على مؤاخذته بجميع ذلك. وبِين شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 14/ 101، صحة هذا القول، وأن المراد بالنسخ في الأحاديث هنا نسخ ما وقع في نفوس الصحابة من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يقتضي أن الأمر إلِيه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره.
وقال الطبري في "تفسيره" 3/ 149: وأولى الأقوال: أنها محكمة وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر هو ناف له من كل وجوهه، وليس في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه. اهـ كلامه، باختصار.]].
وقوله تعالى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قُرِئ رفعًا وجزمًا [[قرأ ابن عامر وعاصم بالرفع في: (فيغفرُ) و (يعذب)، وقرأ الباقون بالجزم. ينظر: "السبعة" ص 195، "الحجة" 2/ 463.]]، فمن جزم اتبع ما قبله ولم يقطعه منه، وهذا أشبه بكلامهم، لأنهم يطلبون المشاكلة [[في (ي): (المشاركة).]].
ومن رفع قَطَعَه من [[في (ي): (عن).]] الأول، وقَطَعَه منه على أحد وجهين:
إما أن يجعل الفعل خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: فهو يغفر، فيرتفع [[في (ي): (ارتفع).]] الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ.
وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها [[من "الحجة" 2/ 464 - 465 باختصار.]].
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية. قد ذكرنا في بعض الروايات عن ابن عباس: أنه لما نزل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: سمعنا وأطعنا. فقيل على هذا القول: إن الله تعالى لما قالوا ذلك أنزل الله هذه الآية وأثنى عليهم [[ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 1858.]].
وقال أبو إسحاق: لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرضَ الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من الأحكام ختم السورة بذكر تصديق [[سقطت من (أ) و (م).]] نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك [["معاني القرآن" 1/ 368.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فيه قراءتان: التوحيد والجمع [[قرأ حمزة والكسائي (وكتابه) على الإفراد، وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع. ينظر: "السبعة" ص 195 - 196، "الحجة" 2/ 455.]]، والكُتُب: جمع كتاب، وهو مصدر كتَب، فنقل وسُمي به، فصار يجري مجرى الأعيان وما لا معنى فِعْلٍ فيه، وعلى ذلك كُسّر، فقيل: كُتب، كما قالوا: إِزَارٌ وأُزُر، ولِجَامٌ ولُجُم، فمن قرأ بالجمع؛ فلأن ما قبله وما بعده بالجمع، فَجَمَعَ الكتبَ أيضًا ليكون مُشاكلًا لما قبله وما بعده، وأما من أفرد؛ فيجوز أن يريد الجنس، كقولهم: كَثُر الدرهم في أيدي الناس والدينار، وكقوله: أهلك الناسَ اللبنُ، ونحو ذلك مما [[في (م) (فيما).]] يفرد، والمراد منه الجمع.
ويدل على هذا قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 213] فإن قيل: إن هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة تكون مفردةً معرَّفَةً باللام وهذه مضافة، قيل: قد جاء المضاف من الأسماء ويعني به الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34] وفي الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها" [[رواه مسلم (2896) كتاب: الفتن، باب. لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب من حديث أبي هريرة. والقفيز: مكيال معروف لأهل العراق. قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك. والمكوك: صاع ونصف. وهو خمس كيلجات.]] يراد به الكثرة كما يراد بما فيه لام التعريف وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: 187] وهذا الإحلال شائع في جميع ليالي الصيام [[من "الحجة" 2/ 458 بتصرف. وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1861.]] ولا يبعد أن يرجع الإفراد إلى كتاب محمد ﷺ الذي هو القرآن ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل [[ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 1860.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أكثر القراء فيه على التثقيل، وروى العباس [[في (ش): (أبو العباس).]] [[العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الواقفي الأنصاري، أبو الفضل الأنصاري، قاضي الموصل، من أكابر أصحاب أبي عمرو بن العلاء، كان عظيم القدر، جليل المنزلة في العلم والدين، متروك الحديث، توفي سنة 186 وقيل: 195. ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 212، "تهذيب التهذيب" 2/ 292.]] عن أبي عمرو فيه التخفيف، والصحيح من مذهب أبي عمرو أنه يخفف ما أضيف إلى مكنيّ على حرفين مثل ﴿رُسُلُنَا﴾ [الإسراء: 77] و ﴿رُسُلُكُم﴾ [غافر: 50] [[عزاها إلى أبي عمرو: ابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص 24، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1861، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 365، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 2/ 694، وقال ابن مجاهد في "السبعة" ص 195: قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكني على حرفين (رسلنا) و (رسلكم) بإسكان السين، وثقل ما عدا ذلك.]] فمن ثقل فلأن أصل الكلمة على فُعُل بضم العين، الدليل على أنه فُعُل مضموم العين رفضُهم هذا الجمع فيما كانت لامه حرف علة، نحو: كِسَاء ورِشَاء ورِدَاء وقِبَاء، لم يجمعوا شيئًا من هذا الجنس على فُعُل، كما جمعوا: قَذَالًا وحِمَارًا وكِتَابًا ورِغِيفًا، ولم يجمعوه أيضًا على التخفيف، لأنه إذا خفّف، والأصل التثقيل، كانت الحركة في حكم الثبات، ولو كان الأصل التخفيف لما رفضوا الجمع في هذه الأشياء على فُعْل كما قالوا: عُمْيًا وعُمْي، وعَشْواء وعُشْو، وقَنواء [[قنواء. مؤنث أقنى، كما في القاموس [القنوة]]] وقُنْو، فلم يرفضوا هذا الجمع؛ لأن أصله فُعْل مُخَففًا، فصار بمنزلة الآحاد نحو: حُلْوٍ وعُرْيٍ. وأما ما كان عينه حرف العلة من هذا الجنس، فإنهم جمعوه مخففًا، نحو: عَوَان، وعُوْنٍ ونَوارٍ ونُور، وخِوانٍ وخُوْن [[العَوان: كسحاب، من الحروب التي قوتل فيها مرة، ومن البقر والخيل التي نُتِجت
بعد بطنها البكر، ومن النساء: التي كان لها زوج، جمعها: عُون. ينظر: "القاموس" ص 1217 (مادة: عون)، والنَّوار: كسحاب، جمع: نور بالضم، والأصل: نُوُر، بضمتين، فكرهوا الضمة على الواو، ونارت نَورًا ونوَارًا بالكسر والفتح: نفرت، وبقرة نوار: تنفر من الفحل ينظر: "القاموس" ص 488 (مادة: نور).]]، كراهية الضمة في الواو، ثم إذا اضطر الشاعر رده إلى أصله، كما جاء:
......... سُوُكَ الإِسْحِلِ [[البيت: تمامه:
أغر الثنايا أحم اللِّثاث ... تمنحه سُوُك الإسحل
وهو لعبد الرحمن بن حسان. ينظر: "الحجة" 2/ 462، "المنصف" 1/ 338، "المقتضب" 1/ 113.]] في جمع سِوَاكٍ، وقوله:
وفي الأَكَفِّ اللامِعَاتِ سُوُرْ [[عجز بيت لعدي بن زيد العبادي، وصدره:
عن مبرِقاتٍ بالبُرين تبدو
ينظر: "الحجة" 2/ 462، "المنصف" 1/ 338، "المقتضب" 1/ 113.]]
وأما من خفّف، فلأن ما كان من هذا الوزن يخفّف في الآحاد، نحو: العُنُق والطنُب، وإذا خففت الآحاد فالمجموع [[في (ش): (فالجموع)، وهي كذلك في "الحجة"، وفي (ي): (فالجمع).]] أولى من حيث كان أثقل من الآحاد.
وأما وجه تخفيف أبي عمرو ما اتصل من ذلك بحرفين، فلأن هذا قد يخفف إذا لم يتصل بمتحرك، فإذا اتصل بمتحرك حسن التخفيف، لئلا تتوالى أربع متحركات، لأنهم كرهوا ذلك، ومن ثم لم تَتَوالَ في بناء الشعر إلا أن [[في (ي): (مزحفًا).]] يكون مُزَاحَفًا. ومن لم يخفف فلأن هذا الاتصال بالحرفين ليس بلازم، وما لم يكن لازمًا فلا حكم له، ألا ترى أن الإدغام في ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: 15] لم يلزم، وإن كان قد توالى [[سقطت من (ي).]] خَمْسُ متحركات، وهذا لا يكون في بناء الشعر [[في (ش) (بدل الشعر) كلمة لم أستطع قراءتها.]]، لا في مُزَاحَفِهِ ولا في سَالمِهِ ولا في الكلم المفرد [[من "الحجة" 2/ 460 - 463 بتصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فيه محذوف تقديره: يقولون: لا نفرّق بين [[بين ليست في (ش) ولا (ي).]]. كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: 93] أي: يقولون: اخرجوا [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1863، "التبيان" ص172، "البحر المحيط" 2/ 365، وذكر أن بعضهم يعربه خبرًا بعد خبر لكل.]]. ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسلِ وكفروا ببعضٍ، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم [["تفسيرالثعلبي" 2/ 1862.]].
و (بين) تقتضي شيئين فصاعدًا، وإنما جاز مع أحدٍ، وهو واحد في اللفظ، لأن أَحَدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] وفي الحديث: "ما أُحلت الغنائم لأحدٍ سُود الرؤوس غيركم" [[الحديث، رواه الترمذي (3085) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 529 رقم 229، وأحمد 2/ 252، والطيالسي في "مسنده" 318 رقم 2429، وسعيد بن منصور في سننه 2/ 376 [ط. حبيب الرحمن] وابن أبي شيبة في "مصنفه" 14/ 387، وابن حبان في "صحيحه" الإحسان 11/ 134 برقم (4806) عن أبي هريرة مرفوعا، وأصله في الصحيحين. رواه البخاري (3124) كتاب: فرض الجهاد، باب: قول النبي ﷺ. أحلت لكم الغنائم، ومسلم (1747) كتاب: الجهاد، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة عن أبي هريرة بمعنى الحديث أعلاه.]] وإنما كان كذلك، لأن أحدًا ليس كرجلٍ يثنى ويجمع، وقولك: ما يفعلُ هذا أحدٌ، تريد: ما يفعله الناس كلهم، فلما كان لفظ أحدٍ يؤديَ عن الجميع، جازَ أن يُسْتَعْمَل معه (بين)، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرّق بين رجل منهم، وقد استقصينا هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1864، "البحر المحيط" 2/ 365، وقال: ويحتمل عندي أن يكون مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد، فيكون أحد هنا بمعنى: واحد، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي، ومِنْ حذف المعطوف: "سرابيل تقيهم الحر" أي: والبرد.]].
والكلام في أحدٍ وأصلهِ ذكرناه [[في (ي) و (ش): (ذكرنا).]] عند قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: 102].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فحذف لأن في [[في سقطت من (ي) و (ش).]] الكلام دليلًا عليه من حيث مُدحُوا به [[ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 2/ 1865، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 147، "البحر المحيط" 2/ 366.]].
وقوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: اغفر غفرانك [[قوله: (أي اغفر غفرانك)، سقطت من (أ).]]، يُستغني بالمصدر عن الفِعْلِ في الدعاء، نحو: سَقْيًا ورعيًا وأشباههما.
قال الفراء: وهو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، قال: ومثله: الصلاةَ الصلاة [[هذه الجملة ليست في (أ).]]، وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت الأمر نصبت [["معاني القرآن" للفراء 1/ 188.]]، وهذا أولى من قول من يقول: معناه: نسألك غفرانك؛ لأنه على الفعل الذي أخِذ منه أدلّ، نحو: حمدًا، وشكرًا، أي: أحمد حمدًا، وأشكر شكرًا [[ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 2/ 1865 - 1866، "التبيان" ص 172.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ نحن مُقِرُّون بالبَعْث.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences