Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Baqarah · 2:85–87

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:85–87

2:85Page 13

ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allāh is not unaware of what you do.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ الخطاب في هذه الآية لقُريظة والنضير [[قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 61.]]. روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية، قال: كان [[في (ش): (كانوا).]] بنو إسرائيل إذا استضعف قومٌ قومًا أخرجوهم من ديارِهم، وقد أُخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأُخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم بعضًا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض [[أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 389، أبن أبي حاتم في "تفسيره". بمعناه 1/ 163.]].

وقد كشف السُدِّي عن هذا، فقال: أخذ الله عليهم أربعةَ عهود: تركَ القتل، وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم، وفدى أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء. وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس [[هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" 1/ 50.]]، والنضير حلفاء الخزرج [[هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس. ينظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 342.]]، وكانوا يقتتلون، فتقاتل بنو قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيّرهم العرب بذلك، وتقول: كيف تقاتلونهم وتفادونهم؟ فيقولون: إنَّا أُمرنا أن نفادَيهم، وحُرّم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ [[ساقطة من (أ) و (م).]] قالوا: إنا نستحيي أن يُسْتَذَلّ [[في (م): (يذل).]] حلفاؤنا، فذلك حِين عيّرهم الله تعالى فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أي [[رواه بمعناه الطبري في تفسيره 1/ 396، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1021، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 110 وورد نحوه عن ابن عباس، أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 305، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 164.]]: يا هؤلاء، فحذف حرف النداء [["تفسير الثعلبي" 1/ 1017.]]، وقيل: معناه التوكيد لأنتم، و (تقتلون) في موضع الرفع بالخبر. وقال الزجاج: هؤلاء في معنى: الذين (وتقتلون) صلة لهؤلاء، كأنه قيل: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة [[قوله: (ولا موضع لتقتلون إذا كان صلة) ليست عند الزجاج في "معاني القرآن".]]، ومثله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.]] بمنزلة: وما التي بيمينك.

وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها [[قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة والكسائي) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ينظر: "السبعة" ص162 - 163و"النشر" 2/ 218.]]، فمن شدّد: أدغم التاء في الظاء لمقاربتها، ومن خفف حذف التاء التي أدغمها الآخرون، فكل وَاحِد من الفريقين كره اجتماع الأمثال والمقاربة، فبعضهم خفف بالحذف، وبعضهم بالإدغام [[ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 166.]]، والمحذوفة هي التي تدغم، والمدغمة هي التي تحذف، وذلك أنها لما أُعِلّت بالإدغام أُعِلّت بالحذف.

قال سيبويه [["الكتاب" 2/ 425 - 426.]]: الثانية أولى بالحذف؛ لأنّهَا هي التي تُسَكن وتدغم، في نحو ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [البقرة: 72] و ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: 24]. ومما يقوي ذلك: أن الأولى لمعنًى، فإذا حذفت لم يبق شيء يَدُلّ على المعنى، والثانية من جملةِ كلمةٍ إذا حذفتْ دل ما بقي من الكلمة عليها [[هذا كله كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 2/ 134 - 135.]]. ومعنى تظاهرون تعاونون [[في (م): (تعارفون).]]، ومنه قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَليهِ﴾ [التحريم: 4]، وقوله: ﴿سِحرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [[قرأ الكوفيون (سحران) من غير ألف، وقرأ الباقون (ساحران). ينظر "السبعة" "النشر" 2/ 341.]] [القصص: 48] أي: تعاونا [[في (م): (تعارفا).]] على سحرهما، ومنه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، أي: معين [["تفسير الثعلبي" 1/ 1019.]]. والتقدير فيه الجمع، وإن كان اللفظ على الإفراد، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] [[من كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف 2/ 131.]] وسمي العون ظهيرًا لاستناد ظهره إلى ظهر صاحبه [["تفسيرالثعلبي" 1/ 1019.]].

وأصل الباب من الظهور وهو البُروز، فظهر الشيء ظاهره الذي هو خلاف البطن، والظهيرة؛ لأنه أظهر ما تكون الشمس بانبساط شُعَاعها، وقرأه ظاهرًا، ومن ظهر قلبه؛ لأنّه ظهر له من غير كتاب. هذا أصل الباب. ثم استعمل من هذا التأليف أحرف ليس فيها معنى الظهور، ولكنها من الظهر الذي هو خلاف البطن، من ذلك: الظهر: الإبل التي تحمل الأثقال، والظهار: في مظاهرة الرجل من امرأته، والظِهريُّ: الشيء الذي تنساه وتحطّه وراء ظهرك [[انظر: "مقاييس اللغة" 3/ 741.]].

وقوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم. ومعنى العدوان: الإفراط والظلم، يقال: عَدَا عَدْوًا وعُدوانًا وعُدُوًّا وعِداءً [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 166، "تفسير الثعلبي" 1/ 1019.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ أي: إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقُرئ: (أُسَارى) (وأَسرى) [[قرأ حمزة (أَسْرى) بفتح الهمزة وسكون السين من غير ألف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وألف بعد السين. ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، "النشر" 2/ 218.]]، وهما جمع أسير. وأسير: فَعِيل في معنى مفعول؛ لأنك تقول: أسرته، كما تقول: قتلته، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول فجمعه يُكسَّر على فَعْلَى، نحو: لديغ ولدغَى، وقتيل وقتلى، وجريح وجَرحَى، وإذا [[في (ش): (وإن).]] كان كذلك فالأقيس الأسرى، وهو أقيس من الأسارى، كما أن الأسارى أقيس من قولهم: أُسَراء. والذين قالوا أُسَرَاء شبهوه بظُرَفاء، كما قالوا في قتيل: قُتلَاء، فكما أن أُسَراء وقُتلَاء في جمع قتيل وأسير ليس بالقياس، كذلك أُسارى ليس بالقياس [[هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" بتصرف يسير 2/ 143، وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1020 أن أحدًا من العلماء الأثبات لم يُفَرق بين أسرى وأسارى إلا أبو عمرو فإنه قال: ما قد أُسِر فهو أسارى، وما لم يؤسر فهو أسْرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صاروا في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأسرًا فهم أسرى، وأنكر الفرق ثعلب. وبين القرطبي في "تفسيره" 18/ 19 أن ما ذكره أبو عمرو لا يعرفه أهل اللغة.]].

ووجه قول من قال أُسارى: كأنه شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسًا عن كثير من تصرفه للأسر كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته [[في "الحجة": لعادته السيئة شبه به.]]، شُبِّه به، فقيل في جمعه: أُسارى، كما قيل: كسالى، وأجرى عليه هذا الجمع للحمل على المعنى، كما قيل: مرضى وموتى وهلكى؛ لما كانوا مُبتلين بهذه الأشياء ومصابين بها، فأشبه في المعنى فَعِيلًا الذي بمعنى مفعول، فلما أشبهه أجري عليه في الجمع [[في "الحجة" 2/ 144: فلما أشبهه في المعنى أجري عليه في الجمع اللفظ الذي لفعيل بمعنى مفعول.]]. والحمل على المعنى لا يكون الأصلَ عند سيبويه، قال: ولو كان أصلًا قبح (هالِكون وزَمِنون)، وكذلك أُسَارى ليس بالأصل في هذا الباب، ولكن قد استعمل كثيرًا. قال سيبويه: قالوا: كَسْلى شبهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبهوه بكُسالى. قال: وإنّما جمع ما كان على فعلان نحو سكران وكسلان على فُعَالى، وإن كانت في أبنية الآحاد نحو: حيارى؛ لأن فعالًا قد جاء في بعض أبنية الجموع، نحو: رُخَالٍ [[في (ش) كأنها (رجال).]] [[رخال: بكسر الراء وضمها: جمع رِخل، الأنثى من أولاد الضأن، ينظر

"القاموس" ص 1005 (مادة: رخل).]] وظُؤارٍ [[الظؤار: جمع ظئر، وهي العاطفة على غير ولدها المرضعة له. ينظر القاموس ص 432 مادة: ظئر.]] وثُناء [[الثُّنَاء: أي اثنين اثنين، يقال: جاءوا مثنى وثُنَاء، كغُراب، أي: اثنين اثنين، وثنتين ثنتين، ينظر "القاموس" ص 1267.]]، وقد لحقت تاء التأنيث بعض الجموع [[في "الحجة" وقد لحقته تاء التأنيث، فقالوا في جمع نقوة: نُقاوة، كما قالوا: الحجارة والذكارة.]]، نحو: الحجارة والذِّكارة [[الذكارة: بالكسر، ما يصلح للرجال، كالمسك والعنبر والعود. انظر "اللسان" 3/ 1509 مادة: ذكر]]، وكما لحق التاء في هذا النحو الذي يراد به الجمع، كذلك لحق علامة التأنيث في سكارى وكسالى، فجعلت الألف بمنزلة التاء، كما جعلت بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء [[القاصعاء والداماء: من أسماء جِحَرَةِ اليربوع السبعة. "اللسان" 3/ 1426 مادة: دمم.]] ودوامّ [[هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 143 - 145 بتصرف يسير.]].

وأصل الأسر في اللغة: الشدّ. قال الأصمعي: تقول العرب: ما أحسن ما أسَرَ قَتَبَه، أي: ما أحسن ما شدّه بالقِدّ، والقِدُّ: الذي يؤسَرُ به القَتَبُ، يسمى الإسار، وقيل للأسير من العدوّ: أسير؛ لأن آخذه يستوثق منه بالإسار، وهو القِدّ، لئلا يُفْلِتَ [[نقله عنه في "تهذيب اللغة"1/ 159. مادة (أسر)]]، ثمّ كثر استعماله حتّى قيل للمأخوذ: أسير، وإن لم يكن هناك شدّ [[ينظر في "تهذيب اللغة"1/ 159، "اللسان" 4/ 78. (مادة: أسر)]].

وقوله تعالى: ﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ أيضا بوجهين [[قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف. ينظر "السبعة" ص 162 - 163، "التيسير" للداني ص 64، و"النشر" 2/ 218.]]: بالألف، من المفاداة، وبغير ألف، من الفداء. يقال: فديتُه بمال، فيتعدّى إلى مفعولين، ويتعدّى إلى الثاني بالجار، كقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]، وكقول الشاعر:

يودّون لو يَفْدُونَني بنفوسهم ... وَمَثْنَى الأواقي والقِيَانِ النواهدِ [[البيت لأبي ذؤيب في "شرح أشعار الهذليين" ص 192. مثنى الأواقي: (الذهب)، مثنى: أي: مرة بعد مرة. والقيان: الخدم.]]

فإذا ثَقَّلْتَ العين زدتَ المفعولين ثالثًا، كقوله:

لو يَستطعن إذا نابتك مُجْحِفَةٌ ... فَدَّيْنَك الموتَ بالآباء [[في "الحجة" بالأبناء.]] والولد [[ذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 146 ولم ينسبه.]]

وقالوا: فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 146.]]. فأما الفداء فيجوز أن يكون مصدرًا مثل: الكتاب، ويجوز أن يكون مصدر فاعل، وقد قالوا: فديتُهُ وافتديتُه، أنشد أبو زيد: ولوأنّ مَيْتًا يُفْتَدَى لَفَدَيْتُه ... بما اقتال [[في (ش) لعلها (أفتال) أو (أفتاك).]] من حُكْمٍ عليَّ طبيبُ [[البيت لكعب بن سعد الغنوي في النوادر ص 244، وعنه نقل أبو علي في "الحجة" دون نسبة 1/ 342، ورواية "اللسان" والصحاح مادة [قول] والأصمعيات ص 97 هكذا:

ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما اقتال من حكم علي طبيب

فلو كان ميت يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب

وذكره صاحب "اللسان" في مادة [فدى] 6/ 3366 دون نسبة.]] [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147.]]

فمن قرأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع (الأسير) [[سقطت من (ش).]]، ومن المأسور منهم دفع الفداء، وإذا كان كذلك فوجه (تفادوهم) ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه تفادونهم بالمال. ومن قرأ (تَفْدُوهم) فالمعنى فيه مثل معنى من قرأ: (تُفَادوهم) إلا أنّه جاء بالفعل على يفعل، ألا ترى أن في هذا الوجه أيضًا دفعًا من كل واحد من الآسرين والمأسور منهم [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 147 بتصرف يسير.]].

أخبرني العَرُوضي، عن الأزهري، عن المنذري، عن ثعلب قال: المفاداة: أن تدفع رجلًا وتأخذ رجلًا. والفِداء: أن تشتريَه بمال فداءً. ويقال: فديته بنفسي [[في "تهذيب اللغة" 14/ 200، وينظر: "اللسان" 5/ 150 (مادة: فدى).]].

وقال نصير [[في (ش): (نظير).]] الرازي [[هو: نصير بن أبي نصير الرازي، تقدمت ترجمته [البقرة: 15].]]: يقال: فاديتُ الأسيرَ، وفاديت الأُسارى، هكذا تقوله العرب. وإذا قلت: فديت الأسير فهو أيضا جائز بمعنى فَدَيْتُه مما كان فيه، أي: خلّصته، منه وفاديت أحسن في هذا المعنى. ومعنى فديته بالشيء، أي: خلّصته به، وجعلته عوضًا منه؛ صيانة له، كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] أي: خلّصناه به [[من قوله: خلصناه به. ساقط من (أ) و (م).]] من الذبح [["تهذيب اللغة" 3/ 2754 بتصرف واختصار. (مادة: فدى).]].

قال الفراء: والعرب تقصر الفداء وتمدّه، يقال: هذا فداؤك وفداك، وربما فتحوا الفاء إذا قصروا [[نقله عنه "تهذيب اللغة" 3/ 2754، وعنه ابن منظور في "اللسان" 6/ 3366، "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 91. (مادة: فدى).]].

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾. (هو) إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾. ثم بيّن لتراخي الكلام أنّ ذلك الذي حُرِّم: الإخراج، فقال: (وهو محرّم عليكم)، ولو اقتصر على هذا القدر أشبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، لأن معناه وإخراجهم [[قوله: (لأن معناه، وإخراجهم) ساقطة من (أ) و (م).]] فأظهر المكنى عنه فأعاده، فقال: إخراجهم فكان رفع الإخراج [[في (ش): (الإحرام).]] بالتكرير على هو؛ لأن معناه: وإخراجهم، محرم عليكم، فهو مبتدأ مؤخر عن خبره، تقديره: وإخراجهم محرم عليكم، وهذا معنى قول الفرّاء [[في "معاني القرآن" للفراء 1/ 50 - 51.]] والزجّاج [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.]] جميعًا. قال الفراء: وإن شئتَ جعلتَ هو عمادًا [[كذا نقله عنه "القرطبي" في "تفسيره" 2/ 22.]].

قال: وإذا رأيت الواو في موضع تطلب الاسم دون الفعل، صلح في ذلك الموضع العماد، كقولك: أتيت زيدًا وأبوه قائم، فإن أردت أن تقدم الفعل على الأب، فقلت: أتيت زيدًا قائم أبوه [[في "معاني القرآن" للفراء: فقبيح أن تقول: أتيت زيدًا قائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه.]]، أو ويقوم أبوه قبح؛ لأن الواو تطلب الاسم، فإذا قبح ذلك أدخلوا هو؛ لأنه اسم فقيل: أتيت زيدًا وهو قائم [["معاني القرآن" للفراء 1/ 51.]]، كذلك ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: حُرّم عليكم إخراجهم، والاسم المبني على الفعل ينوب عنه في العمل، ومحرم على: حُرِّم .. [[من قوله: حُ (رِّم عليكم) .. ساقط من (أ) و (م).]] ورفعت الإخراج في هذا الوجه بمحرّم لأن معنى قوله: (ومحرم) مبني على حُرِّمَ.

وقال الزجاج: وجائز أن يكون هو للقصة والحديث والخبر والأمر والشأن، كأنه قال: والخبر [[في (ش): (الخير).]] محرم عليكم إخراجهم، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: 1] أي: الأمر الذي هو الحق: الله الأحد، وتأويله [[في (أ): (وتأويل).]]: الأمر الذي هو الحقُّ توحيدُ الله عز وجل [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 167.]].

ونظم الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وهو محرّم عليكم إخراجُهم، وإن يأتوكم أسرى [[في (م): (أسارى).]] تَفْدُوهم [["تفسير الثعلبي" 1/ 1022.]].

والمحرم: الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما [[(ما) بمعنى الذي.]] ناله سواه. وقول زُهَير:

يقول [[في (أ): (يقول).]] لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ [[ديوان زهير ص 79، وصدر البيت:

وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ.]]

أي: ليس بممنوع، والحَرَم والحَرَام واحد، كقولهم: زَمَنٌ وزَمَانٌ [[ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 793 - 797، و"لسان العرب" 2/ 844. مادة (حرم).]].

وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ استفهامٌ في معنى توبيخ. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني [[في (ش): (بمعنى).]]: ما نال قُريْظة وبني النضير؛ لأن بني النضير أُجلوا عن مَساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم [["تفسيرالثعلبي" 1/ 1023.]]. والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه [[ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1023.]]. شمر [[هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة 255 هـ. ينظر: "إنباه الرواة" 2/ 77 - 78، و"بغية الوعاة" 2/ 4 - 5.]]: أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: {وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِي} [هود: 230] أي: لا تفضحوني [[ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 (مادة: خزي).]]. أبو عبيد: يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك [[كذا في "غريب الحديث" له 2/ 381.]].

وقال ابن السراج: معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا [[ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 381، "تهذيب اللغة" 1/ 10274، (مادة: خزى)، "تفسير القرطبي" 2/ 23.]]. ثم أعلم الله عز وجل أن ذلك غير مكفِّر عنهم ذنوبهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾

والردُّ: الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام [[ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1390 مادة (ردد).]].

وإنما قال: (يُردّون) بلفظ الجمع لمعنى مَنْ.

وفي (أشد العذاب) قولان:

أحدهما: أنه عذاب لا رَوْح [[لا روح فيه: أي لا راحة فيه.]] فيه تتصل أجزاؤه.

والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا بتضعيف الألم فيه.

2:86Page 13

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٨٦

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية. أي: استبدلوا قليل الدنيا بكثير الاخرة [[ينظر: الطبري في "تفسيره" 2/ 316 - 317، "زاد المسير" 1/ 98.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ﴾ أي: لا ينقص، والخِفّة: نُقْصَان الوَزْن.

ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ﴾ للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين.

2:87Page 13

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ ٨٧

And We did certainly give Moses the Scripture [i.e., the Torah] and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel]. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، قال الطبري في "تفسيره" 1/ 403: وقفينا من بعده بالرسل أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى عليه السلام إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها.]].

يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا. قال:

إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ... لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب [[البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 6/ 3708، و"أساس البلاغة" ص 2/ 269،]].

ومنه: قافية الشعر [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تهذيب اللغة" 3/ 3013، "المحرر الوجيز" 1/ 385، "اللسان" 6/ 3708 مادة (قفا).]]، ونذكر استقصاءه عند قوله: ﴿وَلَا تَقفُ مَا ليَسَ لَكَ بِهِ عِلم﴾ [الإسراء:36] إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران [[في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: 49].]] والمائدة [[في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ الآية: 110 من سورة المائدة وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024.]].

﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: قويناه [["تفسير الطبري" 1/ 403، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024و"المحرر الوجيز" 1/ 385.]]، والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس:

فَأَثَّتْ [[في (م) (فأتت).]] أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه [[عجز البيت:

ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا

يصف نخيلًا، انظر "ديوانه" ص 60، "لسان العرب" 1/ 189 (مادة أيد). "المعجم المفصل" 3/ 140.]]

أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به [[ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.]]، قال العجاج:

متخذًا مِنها إيادًا [[البيت للعجاج يصف الثور: متخذًا منها إيادًا هدفًا. ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189.]]

واختلفوا في معنى (روح القدس). فقال قتادة [[أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 168، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1026.]] والربيع والضحاك [[أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره الثعلبي فى "تفسيره" 1/ 1026.]] والسُّدّي [[أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 404.]]: إنه جبريل. واختاره الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 168 وكذا اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 404 بعد أن ذكر قولين آخرين: الأول: أنه الإنجيل، والثاني: أنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. ثم قال: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إِذْ == قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، وانظر "تفسير ابن كثير" ص 112.]]. والقُدسُ: الطهارة [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، الطبري في "تفسيره" 1/ 132.]]، كأنه منسوبٌ إلى الطهارة، وذلك أنه ممن لا يقترف ذنبًا ولا يأتي مأثمًا.

وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء [[ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1026، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 112 - 113 في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه. والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله. والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.]]، ودليل هذا التأويل: قوله عز وجل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: 102]، يعني: جبريل [["تفسير الثعلبي" 1/ 1026 وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 1/ 142 هو جبريل على الأصحِ، ويدل ذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: 193] وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]، انتهى. ويؤيده أيضًا قول النبي ﷺ لحسان - رضي الله عنه -: "ياحسان أجب عن رسول الله ﷺ، اللهم أيده بروح القدس". رواه البخاري (453) في الصلاة، باب الشعر في المسجد ومسلم (2485) كتاب: في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت وينظر "التفسير الصحيح" 1/ 192.]]. وإنّما سُمي جبريل رُوحًا؛ لأنه بمنزلة الأرواح للأبدان تحيا بما يأتي من [[في (م): (عن).]] البيان عن الله عز وجل من يُهدَى به، كما قال عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]، أي: كان كافرًا فهديناه.

وقيل [[سقطت من (م).]]: لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته، وكذلك سائر الملائكة.

وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى عليه السلام.

وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث [[في (م): (الطوارق).]] [["تفسير الثعلبي" 2/ 1025، "الكشاف" للزمخشري 1/ 80، "تفسير ابن كثير" 1/ 132.]]. وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم [[في (م): (لما أخذ من ظهر آدم الذرية).]] وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل [[قرأ ابن كثير في تفسيره (القُدْس) بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها. ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، و"النشر" 2/ 216.]]، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه [[من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 150.]]. ومعناه: الطهارة.

قال العَجّاج:

قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس [[وبعده:

إن أبا العباس أولى نفس ... بمعدن الملك القديم الكِرسِ

ذكره في: "اللسان" 6/ 3550 (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب).]].

وذكرنا ما فيه عند قوله ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30].

وقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ ذهب أبو الحسن [[أي: الأخفش.]] في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها.

وعلى هذا قوله ﷺ، وقد قيل له لما جهد [[في (م): (أجهد).]] نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورًا" [[رواه البخاري (1130) في أبواب التهجد، باب: قيام النبي ﷺ الليل حتى ترم قدماه، ومسلم (2819) في الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.]]. فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة [[ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300.]].

ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف [["معاني القرآن" للزجاج 1/ 169.]]، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء [["اللسان" 11/ 591، وقال في "البحر المحيط" 1/ 88: كل للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وأحكام كل كثيرة.]].

وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً [[نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 450 وعنه ابن منظور في "اللسان" 11/ 591، وينظر: "مغني اللبيب" 1/ 201 - 202.]].

و (ما) هاهُنا حرف جزاء [[في (ش): (وخبر).]]، ضم إلى (كل) [[ينظر: "مغني اللبيب" 2/ 201.]].

ومعنى ﴿أسْتَكبَرْتُم﴾: تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة [["تفسيرالثعلبي" 1/ 1027.]].

﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ مثل: عيسى ومحمد، ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ مثل: يحيى وزكريا. نظيره في المائدة [70]: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [[ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 405 - 406، "تفسير الثعلبي" 1/ 1027.]]، والفريق: الطائفة من الناس [["تفسيرالثعلبي" 1/ 1027.]].

قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ فيما دل عليه قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ كأنه قال: فما استقمتم [[ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском