Al-Wahidi (al-Basit)Taha · 20:102–111

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Taha 20:102–111

20:102Page 319

يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢

The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1

قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ أبو عمرو (ننفخ) بالنون، والوجه قراءة العامة [[قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وعاصم: (ينفح) بالياء، وقرأ أبو عمرو البصري: (تنفخ) بالنون.

انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 250، "حجة القراءات" ص 463،"التبصرة" 261.]] لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [[وردت هذه الآية في سور متعددة: في الكهف: (99)، ويس: (51)، والزمر (68)، وق: (20).]]، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]، ولأن النفخ يكون من المَلَك الموكل بالصور بأمر الله، فالأجود أن يقرأ على غير تسمية الفاعل، ووجه قراءة أبي عمرو: أنه على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله تعالى، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ يقال: زَرِقَت عينه، تَزْرَقُ، زَرَقًا، وزُرْقَةً، وازْرَاقَّت، ازرِقَاقًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "القاموس المحيط" (الزرق) 3/ 240،== "الصحاح" (زرق) 4/ 1489، "لسان العرب" (زرق) 3/ 1827.]].

قال ابن عباس: (يريد: بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهًا) [[ذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 321 بدون نسبة.]].

قال: (يريد: زرق العيون سود الوجوه) [["روح المعاني" 16/ 260، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين: (أن معنى الزرق هاهنا أن في عيونهم زرقًا، وهي الخضرة في سواد العين) [["الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "بحر العلوم" 2/ 354، "عالم التنزيل" 5/ 294، "فتح القدير" 3/ 551.]]. كعين السَّنَّوْرُ [[السَّنَّوْرُ: الهر، مشتق منه، وجمعه السَّنَانيِر. انظر: "لسان العرب" (سنر) 4/ 2117، "المعجم الوسيط" (السنور) 1/ 454.]] والعرب تتشاءم بالزرت وتذمه [[قال الزمخشري في "تفسيره" 2/ 553: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد، أصهب السيال، أزرك العين.]]. والمعنى في هذا: تشويه الخلق بسواد الوجوه وزرقة العيون.

وقال الكلبي: (زرقا: عميا) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 244، "التفسير الكبير" 22/ 114، وذكرته بعض كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 210، "بحر العلوم" 2/ 354، "النكت والعيون" 3/ 424.]].

وذكره الفراء وابن الأعرابي، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 376، "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]]، قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء ويعمون في المحشر. قال: وإنما قيل للعمى: زرق؛ لأن السواد يزرق إذا ذهب نواظرهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]، هذا كلامه، ولم يكشف عن المعنى.

وذكر ابن قتيبة فقال: (أي بيض العيون من العمى قد ذهب الناظر والسواد) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 282.]]. وهذا كلامه كما قال؛ لأن العرب تسمى كل أبيض صافي البياض: أزرق، ويقال للمياه الصافية: زرق، قال زهير [[البيت لزهير بن أبي سلمى.

زرقاء: الزرقة: شدة الصفاء، يقال: ما أزرق إذا اشتد صفاؤه.

جِمَامَة: الجمام جمع جم الماء، وجمته وهو: ما اجتمع منه في البئر والحوض وغيرهما. وضع العصي: كناية عن الإقامة. الحاضر المتخيم: الحاضر النازل على الماء والمتخيم المقيم، وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة.

انظر: "ديوان زهير" ص 78، "المحرر الوجيز" 10/ 91، "البحر المحيط" 6/ 279، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 133، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 141، "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "لسان العرب" (زرق) 3/ 18027.]]:

فلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامهُ ... وَضَعْنَ عِصيّ الحَاضِر المتَخَيَمِ

ويقال للأسنة: زرق لصفاء لونها [[انظر: "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "القاموس المحيط" (الزرق) 3/ 240، "لسان العرب" (زرق) 3/ 1827.]]. وهذا التفسير يوافق قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: 97]، وحكى الفراء، والزجاج في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (عطاشا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]].

ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]].

قال أبو إسحاق: (ومن قال: عطاشا فجيد أيضًا؛ لأنهم من شدة العطش يتغير سواد أعينهم، حتى يزرق) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]]. وهذا الذي ذكره صحيح؛ لأن العطش يؤثر في العين، ومن مات عطشا ظهر ذلك في سواد عينيه، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (طامعين فيما لا ينالونه) [["تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]]. ووجه هذا التفسير: أن من يتطلع إلى شيء وطال به انتظاره يقول: قد ابيضت عيني بطول انتظاري [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة يوسف الآية رقم (84): ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.]].

20:103Page 319

يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣

They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."

قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: (يتسارون بينهم) [["جامع البيان" 16/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 51، "النكت والعيون" 3/ 425، "معالم التنزيل" 5/ 294، "المحرر الوجيز" 10/ 92.]]، وذكرنا معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ وذلك لهول ما عاينوا نسوا مقدار مدة لبثهم في الدنيا، فيقولون هذا القول [["جامع البيان" 16/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 51، "معالم التنزيل" 5/ 294، "زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245.]].

وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في الدنيا فيقولون هذا القول) [["جامع البيان" 16/ 211، "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "زاد المسير" 5/ 321.]].

وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لشدة ما يرون من أحوالهم التي دهمتهم فكأنهم كانوا نيامًا فانتبهوا) [["الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "النكت والعيون" 3/ 425، "معالم التنزيل" 5/ 294، "زاد المسير" 5/ 321.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ يريد من النفخة الأولى إلى الثانية، وذلك أنه يكف العذاب عنهم بين النفختين، فإذا كانت النفخة الثانية بعثوا) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. وذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52].

20:104Page 319

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤

We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."

قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بالنجوى بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ هو قال ابن عباس في رواية عطاء: (أعدلهم) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. [وقال الكلبي: (أعدلهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] قولاً) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 231 بدون نسبة.]]. وقال السدي: (أمثلهم حالاً) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245.]].

وقال سعيد بن جبير: (أوفاهم عقلاً) [["جامع البيان" 16/ 211، وذكره "بحر العلوم" 2/ 354 بدون نسبة. وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 294.]]. وعنه أيضًا: (أعلمهم في نفسه) [["جامع البيان" 16/ 211، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وهو اختيار الزجاج قال: (أعلمهم عند نفسه بما يقول) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]].

وقال الفراء: (أجودهم قولاً في نفسه وعندهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161.]]. والمعنى في ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أشبههم طريقة بأهل العقل. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: 63].

﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين النفختين على ما ذكرنا. ﴿إِلَّا يَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (وقد لبثوا أربعين سنة؛ لأن ما بين النفختين أربعين سنة) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245، "روح المعاني" 16/ 261، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]].

20:105Page 319

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥

And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ قال ابن عباس: (سأل رجال من ثقيف [[ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، وينسبون إلى ثقيف، وهو: ثقيف بن منبه بن بكر بن هوزان بن قيس بن عيلان بن مضر، وقيل إن اسم ثقيف: قيس. ونزلت هذه القبيلة بالطائف، وانتشرت منها في البلاد. انظر: "نهاية الأرب" ص 198، "الأنساب" 1/ 558، "المنتخب في ذكر أنساب العرب" ص 412.]] رسول الله -ﷺ- فقالوا: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية) [["بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 264، "المحرر الوجيز" 10/ 92، "زاد المسير" 5/ 322، وذكر نحوه الهواري في "تفسيره" 3/ 52، "لباب النقول في أسباب النزول" ص 146، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 216.]].

وقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الكلبي: (يقلعها قلعًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 211، "بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 345، "لباب التأويل" 4/ 280.]].

وقال الزجاج: (النسف: التذرية تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية) [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 376.]].

وقال المفسرون: (يصيرها الله رملاً يسيل سيلاً ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا) [["النكت والعيون" 3/ 425، "الكشاف" 2/ 553، "زاد المسير" 5/ 322، == "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القارعة

الآية رقم: (5): ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.]]

20:106Page 319

فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦

And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;

﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها (قاعا) قال الفراء: (القَاع: ما انبسط من الأرض، وفيه يكون السَّراب نصف النهار، وجمعه: قِيْعَة، كما قالوا: جَارٌ وجِيْرَة) [["معاني الفراء" 2/ 254.]].

وقال الليث، والأصمعي: (القَاع: أرض واسعة سهلة مطئنة قد انفرجت عنها الجبال والأكام) [["تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858.]]. وقال: هذه قَاع، وثلث أَقْوَع، وأقْوَاع كثيرة، وتجمع القِيعَة والقِيعَان، وهو: ما استوى من الأرض وما حواليه أرفع منه، وهو مصب المياه، ويصغر: قُوَيْعَةً في قول من أنت، ومن ذكر قال: قُوَيْعٌ، ودلت هذه الواو أن ألفها واوا [[انظر: "تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858، "مقاييس اللغة" (قوع) 5/ 42، "القاموس المحيط" (قاع) 3/ 77، "الصحاح" (قوع) 3/ 1274، "لسان العرب" (قوع) 6/ 3775، "المفردات في غريب القرآن" (قيع) ص 415.]]. وقال رؤبة [[هذا البيت ينسب لذي الرمة، ولم أقف عليه منسوبًا لرؤبة. الأقول: جمع قاع وهي الأرض المستوية حرة الطين لا رمل فيها ولا حجارة. الشماليل: مكان. أحرار البقل: ما روق منه وحلى، والذكر: ما خشن منه.

انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 305، "تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858، "لسان العرب" (قوع) 6/ 3775.]]:

وَوَدَّعْن أَقْوَاعَ الشَّمَالِيلِ بَعْدَمَا ... ذَوَى بَقْلُهَا أَحْرَارُهَا وذُكُورُهَا

وقوله تعالى: ﴿صَفْصَفًا﴾ قال الفراء: (هو الأملس الذي لا نبات فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191.]].

وقال الزجاج: (المستوي من الأرض) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]]. وقال ابن الأعرابي: (الصفصف: القرعاء) [["تهذيب اللغة" (صف) 2/ 2028.]]. وأنشد شمر [[البيت ينسب لشمر. الدو: الفلاة الواسعة، وداوية: إذا كانت بعيدة الأطراف، مستوية واسعة. مدلهمة: المدلهم الأسود، وادلهم الليل والظلام، وفلاة مدلهمة: لا علامة فيها. غرد: طرب في الصوت والغناء، والتغريد الصوت. حاديها: حدى الإبل وحدابها زجرها وساقها، والحدو سوق الإبل والغناء لها.

انظر: "تهذيب اللغة" (صف) 2/ 2528، "لسان العرب" (صفف) 4/ 2462.]]:

إِذَا رَكِبْتَ دَاوَّيةً مُدْلَهِمَّةً ... وَغَرَّدَ حَادِيْهَا لَهَا بِالصَّفَاصِفِ

قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾: (مستويا لا نبات فيه أملس) [["جامع البيان" 16/ 212، "النكت والعيون" 3/ 426، "معالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246.]]. هذا قول مجاهد، والسدي، وابن زيد [["جامع البيان" 16/ 212، "بحر العلوم" 2/ 354، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183.]].

20:107Page 319

لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧

You will not see therein a depression or an elevation."

قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ العِوَج: بكسر العين في الدين، وفي الطرف، وفيما لا ينتصب. والعَوَج: بالفتح في العود [[انظر: "تهذيب اللغة" (عاج) 3/ 2264، "مقاييس اللغة" (عوج) 4/ 179، "القاموس المحيط" (عوج) 1/ 201، "لسان العرب" (عوج) 5/ 3155، "المفردات في غريب القرآن" (عوج) ص 351.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ قال أبو عبيدة: (الأمت: إرتفاع وهبوط، يقال: مَدَّ حَبْلَه حتى ما ترك فيه [أَمَتًا، ومَلأَ سقاءه حتى لم يدع فيه أمتا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 29. ومن قوله (أمتا) ساقط من (س) ينتهي ص 558.]].

وأنشد ليزيد بن شيبة النميري [[يزيد بن مقسم الثقفي، من مواليهم، وضبة أمه، وهو شاعر كبير من أهل الطائف مات أبوه وخلفه صغيرًا فحضنته أمه فنسب إليها، انقطع إلى الوليد بن يزيد فكان لا يفارقه، ولما انتقلت الخلافة إلى هشام أبعده، وبقي في الطائف، يقال: أن له ألف قصيدة اقتسمها شعراء العرب وانتحلتها فدخلت في أشحارها، وكان يتعمد الإتيان بغريب اللغة، مات بالطائف سنة 130 هـ.

انظر: "تهذيب الكمال" 32/ 350، "تهذيب التهذيب" 11/ 317، "تقريب التهذيب" 1/ 605.]] [[ورد هذا البيت في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]]:

لَهَا صُوْرَةٌ كَالشَّمْس أَشْرَقَ ضَوؤهَا ... لُبَاخِية هَيْفَاء لَيسَ بِهَا أَمْتُ

قال المبرد: (الُبَاخِيَّة الممتلئة الخلق) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (لبخ) 14/ 423.]].

وقال الليث: (الأَمت: أن يصب في السِّقا ماء فلا يمتلئ فينثني، فذلك الشيء هو الأَمْت. وتقول للقربة إذا امتلأت: لاَ أَمْتَ فيها) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أمت) 1/ 194، "الصحاح" (أمت) 1/ 241، "لسان العرب" (أمت) 1/ 124.]].

وقال الفراء: (الأَمْتُ موضع النَّبْكُ [[النَّبْك هي: الأرض فيها صعود وهبوط، والجمع نَبَك بالتحريك، وقال الأصمعي: النبك: ما ارتفع من الأرض، وقيل: كل رابية من روابي الرمال كانت مسلكة الرأس ومحددته.

انظر. "تهذيب اللغة" (نبك) 4/ 3499، "القاموس المحيط" (النبكة) 3/ 321، "الصحاح" (نبك) 4/ 2612، "لسان العرب" (نبك) 7/ 3428.]] من الأرض وهو ما ارتفع منها، وسمعت العرب يقولون: مَلأَ القِربة مَلأً لا أَمْتَ فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191.]].

وقال ابن الأعرابي: (الأَمْتُ: وَهْدَةٌ بَين نُشُوزٍ) [["تهذيب اللغة" (أمت) 1/ 194.]].

قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ يقول: واديا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: رابية) [["جامع البيان" 16/ 213، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "النكت والعيون" 3/ 426، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]].

وقال قتادة: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أي: صدعا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ولا أكمة) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 19، "جامع البيان" 16/ 213، "معالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وهذا كقول ابن عباس سواء.

وقال الكلبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ وهي الأودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يعني النَّبَاك) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 323 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 346.]]. وقال مجاهد: (لا انخفاضا ولا ارتفاعا) [["جامع البيان" 16/ 213، "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323.]].

وقال عكرمة عن ابن عباس: (ليس فيها منخفض ولا مرتفع) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]].

وقال في رواية بن الأزرق: (الأَمْت: الشيء الشاخص من الأرض) [["الدر المنثور" 4/ 550، وعزاه لأبن الأنباري.]]. وقال في رواية عطاء: (﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يريد نتوا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشاف" 2/ 553، "البحر المحيط" 6/ 280، "روح المعاني" 16/ 263، "أنوار التنزيل" 4/ 30.]].

وقال السدي: (العوج: الطريق في الجبال، والأمت: الروابي) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183.]]. فهذه أقوال أهل اللغة والمفسرين في الأَمْت أنه: المرتفع.

وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: (العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: ما نشز من الروابي) [["معالم التنزيل" 5/ 295.

وقال الطبري -رحمه الله- في "جامع البيان" 16/ 213: (أصوب الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض لم يكن إلا عن ارتفاع، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام لا ترى فيها ميلا عن الاستواء ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا ولكنها مستوية ملساء كما قال جل ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾).]].

20:108Page 319

يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨

That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ قال الفراء: (صوت الداعي للحشر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]].

قال المفسرون: (يتبعون صوت داعي الله تعالى الذي يدعوهم إلى موقف القيامة) [["جامع البيان" 16/ 214، "الكشف والبيان" 3/ 24، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 295.]].

﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ قال الفراء: (لا عوج لهم عن الداعي، وجاز أن يقول: ﴿لَهُ﴾؛ لأن المذهب إلى الداعي وصَوته، فهو كما تقول في الكلام: دَعَوتني دَعْوةً لا عوج لك عنها، أي: إني لا أعوج لك ولا عنك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]].

وقال أبو إسحاق: (المعنى لا عِوَج لهم عن دعُائة، لا يقدرون أن لا يَتَّبِعوا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: البعيد والقريب سواء كلهم يتبع الصوت ولا يتعوج عنه) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 16/ 214 بدون نسبة.]].

﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال الوالبي عنه: (يريد: سكنت) [["جامع البيان" 16/ 214، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184.]].

وقال عطاء: (يريد: خضعت وذلت) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 295 بدون نسبة.]]. وهو قول السدي: (ذلت) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 355، "عالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. وهو قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ همس الأقدام أخفى ما يكون من الصوت، وقال أبو عبيدة: (الهمس والرِّكْز واحد وهو: الصوت الخفي. ويقال: همس لي بكذا، أي: أخفاه إلي) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]]. وذكر عن ابن عباس أنه تمثل بقول الراجز [[هذا صدر بيت من الرجز ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة. وعجزه:

إن يصدق الطير تبكي لميسا

انظر: "جامع البيان" 16/ 214، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "مجمع البيان" 7/ 49، "روح المعاني" 16/ 164، "معاني القرآن" للفراء 2/ 192، "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "لسان العرب" (همس) 8/ 4700.]]:

وَهُنَّ يَمْشِيْنَ بِنَا هَمِيْسَا

يعني: صوت أخفاف الإبل في سيرها. وقال أبو الهيثم: (إذا مَضَغَ الرجل الكلام وفُوه مُنضَمُّ قيل: هَمَس يَهْمِس هَمْسا) [["تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793.]]. قال [[لم أهتد إلى قائله، وقد ذكرته كتب التفسي بلا نسبة. وقبله:

لقد رأيت عجبًا قد أمسا ... عجائزًا مثل السعالي خمسا

انظر: "خزانة الأدب" 7/ 167، "شرح شذور الذهب" 128، "الكتاب" 3/ 284، "المقاصد النحوية" 4/ 357، "أوضح المسالك" 4/ 132، "جمهرة الذهب" ص 841، "شرح المفصل" 4/ 106، "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "تاج العروس" (همس) 4/ 275، "لسان العرب" (همس) 8/ 4700.]]:

يَأْكُلْنَ مَا في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا

والهَمُوسُ من أسماء الأسد؛ لأنه يَهْمِس في الظلمة، أي: يطأ وطأً خفيا [["تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793]]. ومنه قول أبي زبيد [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]] [[البيت لأبي زبيد الطائي. الدلجة: سير السحر، يقال: أدلج القوم: ساروا من آخر الليل. الدجى: سواد الليل. انظر: "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "لسان العرب" (همس) 1/ 4700.]]:

فَيَأتُوان يُدْلِجُون ويَأْتِ يَسرِي ... بَصِيرٌ بِالدُّجَي هَادٍ هَمُوسُ

يعني: الأسد.

قال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله: ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾ يقول: (الصوت الخفي) [["جامع البيان" 6/ 215، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184، "الدر المنثور" 4/ 551.]].

وفسر ذلك الصوت في رواية سعيد بن جبير وعطاء فقال: (يريد صوت وقع الأقدام كمشي الإبل) [["جامع البيان" 16/ 215، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184، "الدر المنثور" 4/ 551.]].

وهذا قول أكثر المفسرين قالوا: (يعني: صوت ثقل الأقدام إلى الحشر). وهذا قول عكرمة، وسفيان، والحسن والسدي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 215، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 53، "زاد المسير" 5/ 323.]]، واختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192، "معاني الزجاج" 3/ 377.]].

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (يعني: تحريك الشفاه بغير نطق) [["معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الدر المنثور" 4/ 551.]]. وهو قول مجاهد: (الكلام الخفي) [["جامع البيان" 16/ 215، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]].

قال الليث: (الهمس: حس الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق، ولكنه كلام مهموس في الفم كالسر) [["تهذب اللغة" (همس) 4/ 3793.]]. والمعنى على هذا التفسير: سكنت الأصوات ولا يجهر أحد بكلام إلا كالسر في الإشارة بالشفة وتحريك الفم بغير صوت.

20:109Page 319

يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩

That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال الفراء: (﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له أن يشفع فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]] هذا كلامه والمعنى: لا تنفع الشفاعة أحد من الناس إلا من أذن الله أن يشفع له فذلك الذي تنفعه الشفاعة، والكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود إلى ﴿من﴾ وهو المشفوع له المأذون له في شفاعته [["جامع البيان" 16/ 215، "المحرر الوجيز" 11/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]].

وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يعني قال: لا إله إلا الله. قاله ابن عباس، والكلبي [["معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "روح المعاني" 16/ 265.]].

قال الفراء: (يقال: رضيت لك عملك، ورضيته منك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وهذا يدل على أنه لا حظ في الشفاعة لغير المؤمن، وذكر في الآية وجه آخر وهو: أن المعنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، فعلى هذا من أذن هو الشفيع لا المشفوع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن كان مؤمنا، فإن الكافر لا يؤذن له في الشفاعة، ولا يكون شفيعًا ولا مشفوعًا له، وعلى هذا التأويل الكنايتان تعود إلى الشفيع [["المحرر الوجيز" 10/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. والآية تدل على أن الشفيع إنما يشفع بعد الإذن إذا كان مؤمنا.

قال الكلبي: (وذلك أن الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأباء والأبناء يشفعون) [[لم أقف عليه، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا قال: (فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط).]].

وقال رسول الله -ﷺ-: "وإن الرجل من أمتي ليشفع بالقبيلة، ويشفع للفئام من الناس، ويشفع للعصبة، والثلاثة وللرجلين وللرجل" [[أخرجه الترمذي في "جامعه"، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة 4/ 541، وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه الإمام أحمد 3/ 20.

وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف مدلس، قال الذهبي في "الميزان" قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد. قلت: يوهم أنه الخدري. وقال النسائي وجماعة: ضعيف.]] [[والشفاعة نوعان: الأول: شفاعة نفاها القرآن وأخبر أنها لا تقبل وهي الشفاعة للكفار والمشركين فقال سبحانه في سورة المدثر الآية (48): ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.

النوع الثاني: شفاعة أثبتها القرآن وهي الشفاعة للمؤمنين الموحدين ولا تحصل إلا بشرطين: الأول: إذن الله للشافع بالشفاعة كما قال سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (255): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الآية.

الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له بأن يشع له كما قال سبحانه في سورة الأنبياء الآية رقم: (28): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.

انظر: "العقيدة الطحاوية" ص 252، "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص 204.]].

قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الكناية راجعة إلى الذين ذكروا في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [[سورة طه الآية رقم: (108).]] أي: يعلم ما يصيرون إليه من الثواب والعقاب. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما قد وقع من أعمالهم. قال ابن عباس: (يريد ما قدموا وما خلفوا) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "التفسير الكبير" 22/ 119، "مجمع البيان" 7/ 50.]].

20:110Page 319

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠

He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.

وقال الكلبي: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الدنيا) [[ذكره "جامع البيان" 16/ 215، ونسبة لقتادة، وذكره الهواري في "تفسيره" 3/ 53 بدون نسبة، وكذلك البغوي في "تفسيره" 5/ 296.]].

وقال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "التفسير الكبير" 22/ 119، "مجمع البيان" 7/ 50، "روح المعاني" 16/ 265.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الظاهر أن الكناية في قوله ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه [["جامع البيان" 16/ 215، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]]. وعلى هذا كلام ابن عباس حيث قال: (يريد ولا يحيطون بشيء من علمه أي: بما علمه) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "التفسير الكبير" 22/ 119.]]. ويجوز أن تعود الكناية إلى الله تعالى؛ لأن عباده لا يحيطون به علمًا [["جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 551.]].

20:111Page 319

۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١

And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2

قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي، وقتادة: (ذلت) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 216، "بحر العلوم" 2/ 355، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 552.]].

وقال مجاهد، وسفيان: (خشعت) [["جامع البيان" 16/ 216، "النكت والعيون" 3/ 427، "تفسير سفيان الثوري" ص 196.]]. وقال السدي: (استسلمت) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 25 بدون نسبة.]].

قال عطاء عن ابن عباس: (خضعت) [["الدر المنثور" 4/ 552، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 52 بدون نسبة، وذكره ابن الملقن في "تفسير غريب القرآن" ص250.]].

قال أبو إسحاق: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ مهو في اللغة: خضعت، يقال: عَنَا يَعْنُوا إذا خَضعَ، ومنه يقال: أخذت البلاد عَنْوَةً إذا أخذت غَلَبَة، وأُخِذت بِخِضوعٍ من أهلها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]].

وقال أهل المعاني: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له، والعاني: الأسير لخضوعه وذله) [[انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 267، "الصحاح" (عنا) 6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120، "المفردات في غريب القرآن" (عنت) 349.]].

قال أبو عبيدة: (وكل من ذل واستكان فقد عَنَا، والاسم منه العنوة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2585، وورد نحوه مختصرًا في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]].

وأنشد للقطامي [[البيت لعمر القطامي. انظر: "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "معجم مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "لسان العرب" (عنن) 5/ 3139.]]:

وَنأَتْ بِحَاجَتِنَا وَرُبَّتَ عَنْوَةٍ ... لَكَ مِن مَوَاعِدِها التي لَمْ تَصْدُقِ

أي: رب ذلة وخضوع منك لها لأجل مواعدها. ومن هذا يقال: أخذت الشيء عَنْوَة أي: غلبة بذل المأخوذ منه، ومن صريح التفسِر وعنت. قال: (والعاني الأسير، والعاني العبد) [["مجاز القرآن" 2/ 30، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580.]]. وقال الفراء: (عَنَا يَعْنُوا عَنْوا إذا خضع، وقولهم: أخذت الشيء عَنْوة يكون غلبة، ويكون عن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء؛ لأنه على طاعة الذليل للعزيز) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وأنشد أهل التفسير في ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ بمعنى: ذلت وخضعت، قول أمية [[البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 25، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]]:

مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاء مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّته تَعْنُو الوجُوهُ وتَسْجُدُ

وفسر طلق بن حبيب [[تقدمت ترجمته في سورة الإسراء.]] عَنْو الوجوه في هذه الآية: (بالسجود) [["جامع البيان" 16/ 216، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 428، "معالم التنزيل" 5/ 296، "المحرر الوجيز" 10/ 96، "الدر المنثور" 4/ 552.]]. هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التأويل. وقال الكلبي: (وعملت الوجوه. قال: ويقال نصبت) [["النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]].

واختاره الفراء فقال في تفسيره: (يقال: نصبت به، وعملت له) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وعلى هذا عَنَت من العَنَا بمعنى التعب، والعَنَا: الحبس في شدة وذل، هذا أصل معناه، ثم قيل لكل تعب: عَنَا، يقال: لقيت من فلان عَنْيَة وعَنَاء أي: تَعَبا، وعَنَّيْتُه أُعَنِّيه تَعْنِية إذا أسرته فحبسته مضيقا عليه في الشدة، وكل حبس طويل عَنية [[انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 367، "الصحاح" (عنا) (6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120.]]، ومنه قول الشاعر [[البيت للوليد بن عقبة يخاطب فيه معاوية رضي الله عنهما.

السَّدِمُ: الذي يرغب عن فحلته فيحال بينه وبين الافه ويقيد إذا هاج، فيرعى حوالي الدار، وإن سأل جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه. الهدير: تردد صوت البعير في حنجرته. الريم: البراح يقال: ما يريم يفع ذلك أي: ما يبرح، وريم المكان: أقام به.

انظر: "تهذيب اللغة" (عني) 3/ 2580، "الصحاح" (عنا) 6/ 2441، "لسان العرب" (سدم) 4/ 1976.]]:

قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ ومَا تَرِيمُ

قال ابن قتيبة: (والعاني بمعنى الأسير) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 282.]]. من هذا، فالقولان إذًا يعودان إلى أصل واحد ومعنى واحد؛ لأن نصب الوجوه يعني به: السجود لله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حْسر من أشرك بالله -عز وجل-) [["معالم التنزيل" 5/ 296، "زاد السير" 5/ 324، "روح المعاني" 16/ 266.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском