Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Taha 20:128–135
20:128Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ نبين لهم إذا نظروا يعني لكفار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قال الفراء: (﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بأهلكنا، ومثله من الكلام: أو لم يتبين لكم من يعمل خيرًا يجز به، فجملة الكلام فيها معنى رفع، ومثله أن تقول: قد تبين لي أقام عبد الله أم زيد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 195.
قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 167 بعد أن ذكر قول الفراء: (وليس الذي قال الفراء من ذلك كما قال: لأن كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للإستفهام بل هي واقعة موقع الأسماء الموصوفة، ومعنى الكلام ما قد ذكر قبل وهو أفلم يتبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أفلم يهد لهم من أهلكنا، فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله هي في موضع رفع بقوله: يهد لهم، وهو أظهر وجوهه وأصح معانيه، وإن كان للذي قاله وجه ومذهب على بعد).]].
قال أبو إسحاق: (والمعنى أفلم يتبين لهم الأمر بإهلاك من قبلهم من القرون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 379.]].
وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كان يتّجرون ويسيرون في مساكن عاد وثمود، وفيها علامات الإهلاك يقول: فلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين رأوا مساكنهم [["جامع البيان" 16/ 231، "معالم التنزيل" 5/ 352، "المحرر الوجيز" 10/ 111، "زاد المسير" 5/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 260.
ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم: (45): ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.]].
20:129Page 321
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى يوم القيامة وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني القيامة وهو عطف على الكلمة، وقد أخر عن موضعه والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزامًا [["جامع البيان" 16/ 232، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "بحر العلوم" 2/ 358، "النكت والعيون" 2/ 432، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. هذا قول الجميع.
وقال مجاهد: [﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني الدنيا [["جامع البيان" 16/ 232.]]. وعلى هذا الأجل في تركهم عن العذاب، ومن قال: هو القيامة] [[ما بين المعقوفين مكرر في الأصل وفي نسخة (س).]] فهو أجل تعذيبهم، واللِزَام يجوز أن يكون فعالا من الملازمة، ويجوز أن يكون مصدرًا كاللزوم، والمعنى: لكان العذاب لازمًا لهم، فهو مصدر وصف به، وأضمر اسم كان، وهو العذاب لتقدم ذكره وللعلم به [[انظر: "تهذيب اللغة" (لزم) 4/ 3260، "القاموس المحيط" (لزم) 4/ 175، "الصحاح" (لزم) 5/ 2029، "لسان العرب" (لزم) 7/ 4027.]]، والمعنى: لعذبوا في الدنيا ولزمهم العذاب كما لزم القرون الماضية لما كذبوا الرسل، هذا معنى الآية.
وقال أبو عبيدة: (اللزام: الفيصل) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 32.]].
ونحو هذا روى ثعلب عن ابن الأعرابي: (اللَّزْمُ: فصل الشيء من قوله تعالى: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ أي: فيصلاً) [["تهذيب اللغة" (لزم) 4/ 3260.]]. وعلى هذا معنى الآية: لكان العذاب فصلاً بينك وبين قومك، أي: لوقع الفصل بتعذيبهم، وتخبط المفسرون في تفسير اللِّزَام فقالوا: (أخذا وموتًا، وعذاب يوم بدر) [[بدر: هو ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، بينه وبين المدينة ثمانية وعشرون فرسخًا، وفيه حصلت الموقعة المشهورة بين المسلمين وكفار قريش في رمضان سنة 2 للهجرة، وبدر الآن فيها إمارة متابعة لإمارة المدينة المنورة، وغالب سكانها بنو سالم بن حرب.
انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 231، "معجم البلدان" 1/ 357، "معجم المعالم الجغرافية" 41، "مراصد الاطلاع" 1/ 170، "قاموس الأمكنة والبقاع" ص 46.]] [["جامع البيان" 16/ 232، "النكت والعيون" 3/ 432، "المحرر الوجيز" 10/ 111، "زاد المسير" 5/ 333، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. وكلل ذلك وَهْم لا يصح تفسير اللزام به، وتصحيحه أن يقال: لكان الأخذ أو الموت أو القتل كما وقع ببدر لزامًا، أي: لازما لهم فالذي ذكروا في تفسير اللزام هو تفسير المضمر من اسم كان لا تفسير اللزام [[قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 232: (ولولا كلمة سبقت من ربك يا محمد أن كل من قضى له أجلاً فإنه لا يخترمه قبل بلوغه أجله ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يقول وقت مسمى عند ربك سماه لهم في أم الكتاب وخطه فيه هم بالغوه ومستوفوه لكان لزامًا يقول للازمهم الهلاك عاجلاً).
وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 209، "غريب القرآن" 283، "معاني القرآن" للفراء 2/ 195، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 380.]].
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أمره بالصبر إلى أن يحكم الله، ثم حكم فيهم بالقتل، فنسخ الصبر على ما يسمع من أذاهم [["الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 260، "التفسير الكبير" 22/ 123.
والذي يظهر لي والله أعلم أنه لا نسخ في هذه الآية، فالآية تأمر النبي -ﷺ- بالصبر على ما كان يفعله كفار قريش وما يقولونه ويتهمونه به، وفي نفس الوقت تتوعد المشركين بعقاب الله الشديد في الآخرة، فلا تعارض بين الأمر بالصبر وقتالهم. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 251، "نواسخ القرآن" لابن الجوزي 399، "قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ" 140، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 40.]]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صل لله بالحمد له والثناء عليه [["جامع البيان" 16/ 233، "معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 333.]]. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يريد: الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يريد: العصر [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 168، "الكشف والبيان" 3/ 26/ أ، "بحر العلوم" 2/ 358، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 188.]]. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [[في نسخة (ص): أناء الليل ساعاته.]] ساعاته واحدها إِنْيٌ مثل: نِحْيٍ وأَنْحَاء، وإِنْيً مثل: مِعيً وأَمْعَاء [[انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "القاموس المحيط" (أنى) 4/ 301، "الصحاح" (أنا) 6/ 2273، "لسان العرب" (أنى) 1/ 167.]]، قال الأعشى [[هذا عجز بيت ينسب لأبي أثيلة المتنخل الهذلي، ولم أقف عليه منسوبًا للأعشى. وصدر البيت:
حُلْو وَمْر كَعَطْفِ الاقِدْح مِرَتُهُ
انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 102، "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1283، "الشعر والشعراء" 2/ 666، "المنصف" 7/ 107، "كتاب حروف المدود والقصور" 64، "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "لسان العرب" (أنى) 1/ 161، "الصحاح" (أنا) 6/ 2273.]]: بِكُلِّ إِنْيٍ قَضَاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ
وأنشد بن الأعرابي في الإنى [[لم أقف على قائله. وذكرته كتب اللغة بلا نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "لسان العرب" (أنى) 1/ 161.]]:
أَتَمَّتْ حَمْلَهَا في نِصْف شَهر ... وَحَمْلُ الحَامِلاَتِ إِنىً طَويلُ
قال ابن عباس: (يريد أول الليل المغرب والعشاء) [["معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 230.]]. ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يريد: الظهر. هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية من أوقات الصلاة المكتوبة، قول ابن عباس في رواية عطاء، ومذهب مجاهد، وقتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 1/ 2336، "زاد المسير" 5/ 333، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. وعلى هذا سمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار؛ لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني، فجعل الطرفان أطرافًا على مذهبهم في تسمية الإثنين باسم الجمع كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقد مر. وهذا قول الفراء في هذه الآية [["معاني القرآن" للفراء 2/ 195.]]. وقال أبو العباس: (جمع الطرفين؛ لأنه يلزم في كل نهار يعود) [["تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.]]. ومن المفسرين من حمل أطراف النهار على: الغدوة والعشية [["جامع البيان" 16/ 233، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 59.]]. وعلى هذا استفاد من الآية بقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن الأعرابي: (أطراف النهار: ساعاته) [["تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قال ابن عباس: (يريد: الثواب والمعاد واجبًا من الله لك) [[لم أقف عليه. ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة الضحى الآية رقم (5): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. والحق أن الله تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه، وما يعطيهم فهو فضل منه وكرم. قال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 283: رجاء أن تنال عنده ما ترضى به نفسك من الثواب، واستدل به على عدم الوجوب على الله تعالى.]] وفيه قراءتان:
ضم التاء وفتحها [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعا صم في رواية حفص: (لعلك تَرضى) بفتح التاء، وقرأ الكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (لعلك تُرضى) بضم التاء.
انظر: "السبعة" ص 425، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 252، "المبسوط في القراءات" ص 251، "التبصرة" ص 261]]. فمن فتح التاء وهو الذي فسره ابن عباس فحجته قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]. ومن ضم التاء فحجته قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] ويكون المعنى لعلك ترضى بفعل ما أمرك به من الأفعال التي يرضاها الله، أو ترضى بما تعطاه من الدرجة الرفيعة [["جامع البيان" 16/ 234، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 6، "بحر العلوم" 2/ 359.]]. واختار أبو عبيد هذه القراءة لاحتمالها معنيين أحدهما: ترضى: تعطى الرضى، والآخر: يرضاك الله، قال: (وتصديقها قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] قال: وليس في الآخرة إلا وجه واحد) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 253، "حجة القراءات" ص 464.]]. هذا كلامه.
20:131Page 321
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١
And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية، قال أبو رافع [[أبو رافع، مولى رسول الله -ﷺ-، اشتهر بكنيتته، واسمه على المشهور أسلم، دخل في الإسلام قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ- == وعن بعض الصحابة- رضوان الله عليهم-، توفي -رضي الله عنه- في آخر خلافة عثمان بن عفان وقيل في أول خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أجمعين.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 61، "الإصابة" 1/ 54، "الكاشف" 3/ 294.]]: (نزل رسول الله -ﷺ- ضيف فبعثني إلى يهودي فقال: "قل له إن رسول -ﷺ- يقول: بعني وأسلفني إلى رجب". وأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن [[الرهن: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه. يقال: رهنت فلانًا دارًا رهنًا، وارتهنته إذا أخذه رهنًا.
انظر: "تهذيب اللغة" (رهن) 2/ 1491، "القاموس المحيط" (رهن) 4/ 230، "الصحاح" (رهن) 5/ 2128، "لسان العرب" (رهن) 3/ 1757.]]. فأتيت رسول الله -ﷺ- وأخبرته، فقال: "والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه"، قال: فنزلت هذه الآية) [["جامع البيان" 16/ 235، "الكشف والبيان" 3/ 26 ب، "بحر العلوم" 2/ 359، "النكت والعيون" 3/ 433، "معالم التنزيل" 5/ 303، "الدر المنثور" 4/ 560، "أسباب النزول" للواحدي ص 313، "لباب القول في أسباب النزول" ص 147، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 217. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 126، "كتاب البيوع"، باب البيع إلى أجل. وقال: رواه الطبراني في "الكبير" والبزار وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.
وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" ص 109 وقال: (وفيه موسى بن عبيدة وهو متروك).
وقال ابن عطية -رحمه الله- في "تفسيره" 10/ 116 بعد ذكر هذا القول: (وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي -ﷺ- لأنه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة اقي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي).]].
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال أبي بن كعب: (أشباها من الكفار) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 235، "المحرر الوجيز" 15/ 116، "التفسير الكبير" 22/ 136، "روح المعاني" 16/ 283.]]. يعني أشكالاً من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك أنهم أشكال في الذهاب عن الصواب. وقد فسرنا هذه الآية في آخر سورة الحجر [[عند قوله سبحانه في سورة الحجر الآية رقم: (88): ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.]]. وقال أبي بن كعب في هذه الآية: (فمن لم يتعز بعزة الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه، ولا يشفى غيظه، ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في مطعمه ومشربه نقص علمه وحضر عذابه) [["معالم التنزيل" 3/ 237.]].
وقوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس، والسدي: (زينة الدنيا) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 189، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 235 ونسبة لقتادة، وكذلك الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 433، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 560.]]. وقال أهل اللغة: (زهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها، وأصلها من زهرة الشجرة، وهي الأنوار التي تروق عند الرؤية) [[انظر: "تهذيب اللغة" (زهر) 2/ 1569، "مقاييس اللغة" (زهر) 3/ 31، "القاموس المحيط" (الزهرة) 2/ 43، "الصحاح" (زهر) 2/ 674، "لسان العرب" (زهر) 3/ 1877.]]. قال أبو إسحاق: (و ﴿زَهْرَةَ﴾ منصوب بمعنى متعنا؛ لأن معناه جعلنا لهم ما متعناهم به زهرة الحياة الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 380.]].
وقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ قال السدي: (لنبتليهم) [[ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 359 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 262.]]. والمعنى: لنعاملهم معاملة المبتلي المختبر شكرهم بما أنعمنا عليهم.
وقال أبو إسحاق: (لنجعل ذلك فتنة لهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.]].
قال ابن عباس: (ضلالة مني لهم) [["التفسير الكبير" 22/ 136.]]. وعلى هذا معنى لنفتنهم فيه لنضلهم بأن أقلد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا. وهذا تفسير أشبه بحال الكفار وبمعاملة الله معهم.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: في المعاد) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 119، "معالم التنزيل" 5/ 354، "زاد المسير" 5/ 335، "الكشاف" 2/ 560، "الباب التأويل" 4/ 287.]]. وقال السدي وعْيره: (يعني الجنة) [["الدر المنثور" 4/ 560، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 359 بدون نسبة.]] ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أكبر وأدوم.
20:132Page 321
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢
And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.
قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ روي: (أنه لما نزلت هذه الآية كان رسول الله -ﷺ- يذهب إلى علي وفاطمة كل صباح فيقول: "الصلاة" فكان يفعل ذلك أشهر متوالية) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 263، "التفسير الكبير" 22/ 7137، "روح المعاني" 16/ 284، "فتح القدير" 3/ 564.]].
ومعنى الأهل هاهنا: قومه ومن كان على دينه [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 61، "بحر العلوم" 2/ 359، "النكت والعيون" 3/ 434، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 335]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية.
﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ للاستعانة على الصبر عن محارم الله -عز وجل-؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [[ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية رقم (45): ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.]]. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ قال ابن مسلم: (لا نسألك رزقا لخلقنا، ولا رزقا لنفسنا) [[ذكرته كتب التفسير من غير نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 359، "معالم التزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 263.]]. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ قال عبد الله بن سلام: (كان النبي -ﷺ- إذا أنزل بأهله ضيق أو قال شدة أمرهم بالصلاة ثم تلا هذه الآية) [["معالم التزيل" 5/ 304، "الدر المنثور" 5/ 561، "التفسير الكبير" 22/ 137، "روح المعاني" 16/ 285، "فتح القدير" 3/ 564.]].
وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يريد: بالعاقبة الجنة) [["الدر المنثور" 4/ 561، "التفسير الكبير" 22/ 137.]].
وقوله تعالى: ﴿لِلتَّقْوَى﴾ قال الأخفش: (أي لأهل التقوى) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 631.]]. قال ابن عباس: (يريد: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني) [["معالم التزيل" 5/ 304.]].
20:133Page 321
وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣
And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني المشركين ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء نحو الناقة والعصا [["جامع البيان" 16/ 237، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" == 11/ 264، "فتح القدير" 3/ 564، ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
وقوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.]]. قال أبو إسحاق: (وقد أتتهم الآيات ولكنهم طلبوا أن يأتيهم ما يقترحون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.]].
قال الله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يعني: أو لم تأتيهم بالقرآن ببيان ما في التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر أُمِّي بما فيها من غير قراءة كتاب على ما تصدقه أهل الكتب. هذا معنى قول الكلبي وغيره [["الكشف والبيان" 3/ 27، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 195، "التفسير الكبير" 22/ 137.]].
وفيه قول آخر وهو: (أن المعنى أولم تأتهم ببيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن) [["جامع البيان" 16/ 237، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264.]]. وقال بعض أهل التفسير: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ما تقدم من البشارة بمحمد -ﷺ- في الكتب المتقدمة وبيان نعته وصفته) [["بحر العلوم" 2/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264، "التفسير الكبير" 22/ 137.
كما قال سبحانه في سورة الصف الآية رقم (6): ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.]].
20:134Page 321
وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤
And if We had destroyed them with a punishment before him,1 they would have said, "Our Lord, why did You not send to us a messenger so we could have followed Your verses [i.e., teachings] before we were humiliated and disgraced?"
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني مشركي مكة ﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل بعث محمد ونزول القرآن ﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك في ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ نعمل بما فيها يعني بما نزل على ذلك الرسول ويأتينا به ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ في جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
20:135Page 321
قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ١٣٥
Say, "Each [of us] is waiting;1 so wait. For you will know who are the companions of the sound path and who is guided."
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿كُلٌّ﴾ منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ مهو نحن نتربص بكم وعدا لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتستريحوا منا [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الطور الآيتان (30، 31): ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾.]]. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الدين المستقيم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 434، "معالم التنزيل" 5/ 305، "زاد المسير" 5/ 337، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 265، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 190.]].
﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ أي: من الضلالة أنحن أم أنتم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences