Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Taha 20:63–66
20:63Page 315
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾)] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] [["جامع البيان" 16/ 178، "النكت والعيون" 3/ 410، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215.]].
[وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ص).]] إلى قوله: ﴿من استعلى﴾. وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا.
وقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟ على ما ظنوه من أمرهما. وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 57] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾.
واختلفوا في وجه ارتفاع ﴿هَذَانِ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب [[بالحارث بن كعب: ينسب إليه فخذ من القحطانية، وهم بنو الحارث بن كعب من مذحج.
انظر: "نهاية الأرب" 2/ 203، "معجم قبائل العرب" 1/ 102.]]، وخثعما [[خثعم: قبيلة تنسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وخثعم: جبل قيل أن هذه القبيلة سميت بذلك لنزولها إياه وتعاقدها عليه، وقيل: سموا بذلك من الخثعمة وهي: أن يدخل كل واحد من الرجلين إصبعه في منخر ناقته ينجو به ثم يتعاقدا، وقيل غير ذلك.= انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 387، "الأنساب" 2/ 326، "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 289، "التعريف في الأنساب" ص 187، "المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 503.]]، وزبيدًا [[زبيدًا: قبيلة قديمة من مذحج، أصلهم من اليمن، نزلوا الكوفة، وتنسب إلى زبيد واسمه: منبه بن صعب، وهو زبيد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زبيد، ومن ولد منبه بن ربيعة، وهو زبيد الأصغر، وقيل لهم زبيد: لأن منبهًا الأصغر قال: من يزبدني رقده؟ فأجابه أعمامه كلهم من زبيد الأكبر، فقيل لهم جميعًا: زبيد. وقيل نسبة إلى موضع في اليمن.
انظر: "الأنساب" للسمعاني 3/ 135، "معجم البلدان" 3/ 131.]]، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضًا هذه المعاملة، كما قال قائلهم [[البيت لهوبر الحارثي. هابي التراب: ما اختلط منه بالرماد.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 20 أ، "المحرر الوجيز" 11/ 85، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 217، "سر صناعة الإعراب" 2/ 704، "جمهرة اللغة" ص 707، "خزانة الأدب" 7/ 453، "شرح المفصل" 3/ 128، "تاج العروس" (هبا) 10/ 405، "لسان العرب" (صرع) 4/ 2433.]]:
تَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ
فقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفاً وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة [[البيت للمتلمس من قصيدة يعاتب فيها خاله الحارث اليثسكري. الشُّجَاع: الحية الذكر. المَسَاغ: المدخل. صَمَّم: عض ونيب فلم يرسل ما عض.
انظر: "ديوانه" ص 34، "الأصمعيات" ص 246، "الشعر والشعراء" ص 80، "خزانة الأدب" 7/ 487، "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" == للزجاج 3/ 362، "المؤتلف والمختلف" ص 71، "الحيوان" 4/ 263، "لسان العرب" (صمم) 4/ 2500.]]: فَأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاه الشُّجَاعُ لَصَّمَمَا
وقول آخر [[البيت لرجل من بني الحارث ولم يذكر اسمه.
قَلوص: القَلوص بفتح القاف الناقة الفتية. طَاروا: نفروا مسرعين، وارتفعوا على إبلهم. انظر: "الكشف والبيان" 20/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 347، "الإنصاف" ص 18، "تأويل مشكل القرآن" ص 50، "الخصائص" 2/ 269، "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 7/ 68.]]:
أَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ... طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا
وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 344، "الإنصاف" ص 18 "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 8/ 68.]].
وحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و ﴿هَذَانِ﴾ ابتداء وخبره ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. القول الثاني: أن معنى ﴿إِنْ﴾ نعم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.]]، وينشدون [[البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات.
انظر: "ديوانه" ص 66، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 50، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345، "سر صناعة الإعراب" == 2/ 492، "خزانة الأدب" 11/ 213، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 375، "الخصائص" 2/ 269، "لسان العرب" (أنى) 1/ 156.]]: وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ ... وَقَدْ كَبِرْتَ فَقلْتُ إِنَّه
هذا الذي ذكرنا حكاية القولين.
فأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:57، 58] فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و ﴿إِنْ﴾ بمنزلة: نعم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. وقد قال سيبويه: (نعم عدة وتصديق) [["الكتاب" 1/ 475، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "أعراب القرآن" للنحاس 2/ 343.]].
وعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. وأنشدوا في ذلك [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.
انظر: "خزانة الأدب" 10/ 323، "سر صناعة الإعراب" 1/ 378، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 263، "شرح التصريح" 1/ 174، "المقاصد النحوية" 1/ 556، "شرح ابن عقيل" 1/ 237، "فوائد القلائد" ص 81، "شرح الأشموني" 1/ 100، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.]]: خالِي لأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ العُلاءَ ويَكْرُمِ الأَخوَالا
وأنشدوا أيضًا [[هذا صدر بيت من الرجز ينسب إلى رؤية بن العجاج وعجزه:
تَرْضى مِنَ اللحْمِ بِعظْمِ الرَقَبة
الحُلَيْس: تصغير حلس وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأصل هذه كنية الأتنان.
الشَّهْرَبَه: العجوز الكبيرة انظر: "ديوان رؤبة" ص 170، "شرح التصريح" 1/ 174، "شرح المفصل" 3/ 130، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1105، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الخزانة" 3/ 130، "أوضح المسالك" 1/ 210، "المقاصد النحوية" 1/ 535، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.]]:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ
ويقبح حمل كتاب الله على لغة لا تجوز في السعة ومختار الكلام. قال ابن الأنباري: (أنكر الكسائي والفراء هذا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]]؛ لأن المبتدأ لا يحال بينه وبين خبره باللام، لا يقال: عبد الله لقائم؛ لأنّ اللام تحجز بين الحرفين، ومنع الذي بعدها من تقريب الذي قبلها) [[ذكر نحوه الفراء في "المعاني" 2/ 184، والعكبري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 123، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، ومكي في "الكشف" 2/ 100]].
وقال أبو إسحاق: (هذا أجود ما سمعنا إن ﴿أَن﴾ بمعنى: نعم، واللام وقعت موقعها المعنى: نعم هذان لهما ساحران. قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد [[إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي، روى عن: عبد الله بن مسلمة القعقبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وعمرو بن مرزوق، وحجاج بن المنهال وغيرهم كثير، وثقه العلماء وأثنوا عيه، اشتهر بصدقه وصلاحه، ولي القضاء ببغداد، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 158، "كتاب الثقات" 8/ 105.]] فقبلاه، وذكر أنه أجود ما سمعاه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.]].
قال أبو علي: (ما ذكره أبو إسحاق من التقدير تأويل غير مرضي، وذلك أن هذه اللام للتأكيد، ويقبح أن يذكر التأكيد ويحذف نفس المؤكد، ألا ترى أن إظهار المؤكد وترك إضماره وحذفه أولى من أن يحذف ويذكر ما يؤكده، ولو كان المبتدأ محذوفًا من الآية كما ذهب إليه أبو إسحاق لم يحتج معه إلى التأكيد باللام، ويدلك على أن هذا ليس بالوجه أن النحويين أنشدوا [[سبق ذكر البيت وعزوه.]]:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَه
وحملوا هذا على الضرورة، وعلى أنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ، فلو كان ما ذكره وجهًا في الآية لكان النحويون لا يحملون هذا الكلام على الضرورة، ويقدرون فيه ما قدر من أنه دخل على مبتدأ محذوف، ولا يحملونه على الاضطرار إذا وجدوا له مصرفاً قريبًا إلى الاختيار والسعة، فحملهم ذلك على الضرورة دلالة على أنهم تجنبوا ما ذكر من التقدير؛ لأنه أذهب في باب الفتح والضرورة مما حملوه عليه) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1013.]].
وقال الفراء: (الوجه في هذه المسألة أن تقول وجدت الألف من هذا دعامة وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا تدل على الجماع فقالوا: (الذين) في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كذلك تركوا (هذان) بالألف في رفعه ونصبه وخفضه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]].
وحرر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذا اسم منهوك؛ لأنه على حرفين أحدهما: حرف علة وهو الألف وهاء للتنبيه، وليس من الاسم فلما ثني واحتيج إلى ألف التثنية لم يوصل إليهما لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحدهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها؛ لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض، وعلى هذا القول الألف في هذان التي كانت في هذا ليس الذي جلبتها التثنية) [[ذكر نحوه مختصرًا بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.]].
قال أبو علي: (لو كان الأمر على ما زعم لم تقلب هذا الألف في تثنيته فقط [[في (ص): (قط).]]، كما أن الألف التي في هذا لا تنقلب على حال، وفي كون هذه الألف مرة ياء ومرة ألفًا دلالة على أنه كسائر التثنية، ويدل على أن هذا الألف للتثنية أن التي كانت في الواحد قد حذفت، كما حذفت الياء من الذي والتي إذا قلت: اللذان واللتان واللذين واللتين، فالياء كانت في الاسم قد حذفت وجيء بالتي للتثنية، كذلك تحذف من قولهم: هذا، ألفه، وتلحق التي تكون علمًا للتثنية، ومن ثم انقلبت مرة ياء ومرة ألفًا، والتي تثبت لا يتعاوره القلب، ولا تزول عن أن تكون ألفًا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.]]. هذا كلامه.
وهذه الأقوال هي التي قالها المتقدمون من النحويين، ولم يسلم من هذه الأقوال على الاعتبار إلا قول من يقول: إنها لغة بلحارث. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: (هي لغة بلحارث بن كعب) ذكره عطاء عنه [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 180، "معالم التنزيل" 5/ 281، "النكت والعيون" 3/ 411، "زاد المسير" 5/ 297، "الكشاف" 2/ 543، "البحر المحيط" 6/ 255، "إرشاد العقل السليم" 6/ 25.]].
وقال أبو إسحاق في ارتضاء هذا المذهب في هذه الآية: (حق الألف أن تدل على الاثنين وكان حقها ألّا تتغير كما لم تتغير ألف رحى وعصى، ولكن نقلها إلى الياء في النصب والخفض أبين وأفضل بين المرفوع والمنصوب والمجرور) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقال الفراء في ارتضاء المذهب: (العرب جعلوا الواو تابعة للضمة والياء متابعة للكسرة نحو قولهم: مسلمون ومسلمين، فلما رأوا الياء من الاثنين لم يمكنهم كسر ما قبلها وثبت مفتوحًا تركوا الألف تتبعه فقالوا: رجلان في كل حال. وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في: كلا الرجلين في النصب والخفض وهما اثنان) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]].
وحكى ابن الأنباري قولًا آخر للفراء وهو: (أن الألف في هذان شبهت بالألف في: تفعلان ويفعلان، فلما كانت تلك الألف لا تتغير في تثنية الفعل لم يغيروا هذه الألف في شبه الاسم) [[ذكره نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" بلا نسبة 3/ 20 ب، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 219.]]. وذكر علي بن عيسى النحوي [[علي بن عيسى بن علي أبو الحسن النحوي، المعروف بالرماني، تقدمت ترجمته.]] قولًا آخر فقال: (إنما جاز ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ لضعف عمل ﴿إِنً﴾ وذلك أنها تعمل بالشبه للفعل وليست بأصل في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل، فلما ضعف عملها لم تعمل في هذان) [[ذكره الألوسي في "روح المعاني" 16/ 223.]].
هذا الذي ذكرنا كله وجه قراءة العامة. وقرا أبو عمرو: إن هذين بالياء [[قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (إن هذان لساحران). وقرا أبو عمرو البصري: (إن هذين لساحران). انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "النشر" 2/ 321.]]. بخلاف المصحف، واحتجاجه في ذلك أنه روي: أنه غلط من الكتاب، وإن في الكتاب غلطًا ستقيمه العرب بألسنتها. يروي ذلك عن عثمان، وعائشة -رضي الله عنهما- [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 280، "المحرر الوجيز" 10/ 297، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 216، "البحر المحيط" 6/ 255، "الإتقان" 1/ 182.
وقد رد العلماء هذا الأثر المروي عن عائشة وعثمان -رضي الله عنهما- من جهة إسناده ومتنه، فلا يصح الاحتجاج به على رد القراءة المتواترة الثابتة عن النبي -ﷺ-. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 2/ 252: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ لحن وأن عثمان -رضي الله عنه- قال: إن في المصحف == المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.
وقال في "تفسيره" 5/ 209: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 224: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -ﷺ- ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه "رسم المصحف" ص 131 بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 106، "جامع البيان" 16/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 14، "دقائق التفسير" 5/ 202، "الإتقان" 1/ 182، "مناهل العرفان" 1/ 186، "رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين" ص 131.]].
وهذه القراءة هي قراءة عيسى بن عمر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 361، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 343، "البحر المحيط" 6/ 255، "التفسير الكبير" 22/ 74.]].
قال أبو إسحاق: (ولا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأن إتباعه سنة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم: إنْ هذان بتخفيف ﴿إِنْ﴾ [[قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إنْ هذان) بتخفيف (إنّ). وقرا نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (إنَّ هذان) بتشديد (إنّ). وكذلك قرأ أبو عمرو: بتشديد (إنّ).
انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "المبسوط في القراءات" ص 249.]]، على معنى ما هذان إلا ساحران كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: 186]، وإن إذا خفف كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، وإذا كان كذلك رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خط المصحف.
قال أبو إسحاق: (أستحسن هذه القراءة، وفيها إمامان عاصم والخليل، وكان يقرا بهذه القراءة، والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل؛ ولأن هذه القراءة توافق قراءة أبي في المعنى، وإن خالفه اللفظ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]]. وقراءته: إن ذان إلا ساحران [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 348، "النكت والعيون" 3/ 410، "الكشاف" 2/ 542، "التفسير الكبير" 22/ 75.]].
وقال الأخفش: (﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب الاثنين في كل موضع) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.]]. هذا كلامه.
وقد بأن أن القراءة الصحيحة في هذه الآية قراءة العامة، وقراءهَ من خفف ﴿أَن﴾ على التعليل [[وقوله المؤلف -رحمه الله-: (وقد بأن أن القراءة الصحيحة) لا يفهم منه أن == القراءة الأخرى قراءة ضعيفه؛ لأنها قد ثبتت القراءة بها وصحت عن الرسول -ﷺ- كما وصلت إلينا بالتواتر، فلا يجوز ترجيح قراءة على أخرى؛ لأنها كلها ثابتة متواترة عن النبي -ﷺ- والقراءة سنة متبعة. أما عن توجيه القراءة فما ذكره المؤلف -رحمه الله- هو قول جمهور العلماء من المفسرين.
قال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 255: والذي نختاره في تخريج هذه القراءة بأنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائمًا، وهي لغة كنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 347، "التفسير الكبير" 22/ 75، "روح المعاني" 16/ 223، "الفتاوى" لابن تيمية 2/ 252.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال عكرمة: (يذهبا بخياركم) [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175.]].
وقال الحسن، وأبو صالح: (بأشرافكم) [["جامع البيان" 16/ 182، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.]].
وعن أبي صالح: (بسراة الناس) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 162، "تفسير سفيان الثوري" ص 1954.]].
وقال مجاهد: (أولوا العقل والشرف والأسنان) [["جامع البيان" 16/ 186، "النكت والعيون" 3/ 411، زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174، "الدر المنثور" 4/ 541.]]. وهذه الأقوال معناها واحد، هو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: (أمثلكم) [["زاد المسير" 5/ 208.]].
قال الزجاج: (معناه بجماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طَرِيقَة قَومِه، ونَظِيرة قَومِه، ونَظُورَة قَومِه، للرجل الفاضل، وإنما تأويله: هذا (الذي) [[كذا في نسخة (س) وهو أصوب، وكذا هي في معاني الزجاج، وفي غيرها (الفتى).]] ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه ويتبعوه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقال الفراء: (العرب تقول للقوم: هؤلاء طَريقة قومهم، وطرائق قومهم لأشرافهم [[في نسخة (س): (أشرافهم).]]، ويقولون للواحد أيضًا: طَريقة قومه ونَظُورة قومه
ونَظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد، والجميع يعني طريقه، وطرائق، قال: ومن ذلك قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11]) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]]. وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف، فقال: (المعنى عندي: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، قال: وكذلك قول العرب: هذا طريقة قومه، معناه هذا صاحب طَريقة قومه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. هذا كلامه. وليس يحتاج إلى تقدير المضاف على ما ذكره الفراء، فإن الطريقة اسم للأفاضل على معنى أنهم الذين يقتدى بهم ويتبع آثارهم، كما تسلك الطريقة، فتقدير المضاف تكلف. و (المثلي) تأنيث الأمثل، والأمثل معناه في اللغة: الأفضل، يقال: فلان أَمْثَل قومه أي: أفضلهم، وهم الأماثل [[انظر: "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3342، "القاموس المحيط" (المثل) 4/ 48، " مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (الأمثل) 2/ 854، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 463.]].
ومنه قول الشاعر [[لم أهتد لقائله. وذكره نحوه: "تاج العروس" (نصف) 6/ 256، ونسبة لابن == العربي، وكذلك ابن منظور في "لسان العرب" (نصف) 7/ 4443 بلفظ:
وإن أتوك فقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفها الذي غبرا]]: وَإِنْ أَتَوكَ فَقالوا إِنَّها نصَفٌ ... فَإِنَ أَمْثَل نِصْفَها الذِي ذَهَبا
أي: أشقهما وأفضلهما.
قال الأخفش والكسائي: (يقال: قد مَثَلَ يَمْثُلُ مُثُولًا، أي: صار فاضلًا) [[ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3343.]].
واختلف لم قيل للأفضل أَمْثَل؟ فقال بعضهم: معنى الأمثل: الأشبه بالحق، ثم صار اسمًا للأفضل [["القاموس المحيط" (المثل) 1056، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.]]. وقيل: معنى الأمثل في اللغة: الأظهر، من قولهم: مَثَلَ الشيء يَمْثُلُ مُثُولًا: إذا قام وانتصب فظهر للعيون [[انظر: "الصحاح" (مثل) 7/ 4134، "مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (مثل) 2/ 853، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.]]. قال لبيد [[البيت للبيد بن ربيعة.
أصدرناهما في وارد: الصادر والوارد الطريق، يقال: طريق صادر أي: أنه يصدر بأهله عن الماء، أو طريق وارد يرد بهم. وَهْم: واسع ضخم. والصُوَى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على طرقها، واحدتها صُوة.
انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 143،"تهذيب اللغة" (صدر) 2/ 1987، "لسان العرب" (صدر) 4/ 2411.]]:
ثمَّ أَصدَرْناهُما في وارِدٍ ... صادِرٍ وَهْمٍ صُواه قَدْ مَثَلْ
أي: انتصب وظهر، ولما كان الفاضل الشريف ظاهرًا من القوم بفضله وشرفه قيل له: الأمثل. ومعنى الآية ما روى الشعبي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يصرفا وجوه الناس إليهما) [["جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 282، "زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174.]].
والمعنى: أن يغلبا بسحرهما، فتمثل إليهما السادة والأشراف منكم. وقال قتادة: (طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالًا، فقالوا: إنما يريد أن يذهبا بهما لأنفسهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20/ ب، "النكت والعيون" 3/ 411، "معالم التنزيل" 5/ 282.]]. فجعل قتادة هؤلاء الأفاضل من بني إسرائيل. وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي: (هم بنو إسرائيل) [["جامع البيان" 16/ 182، "روح المعاني" 16/ 224.]]. هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، وأهل التأويل، وعلى هذا مقاتل، والكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 20، "تفسير مقاتل" 4 أ.]].
وقال ابن زيد: (ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة) [["جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.]]. وهذا القول اختيار أبي عبيدة، والكسائي، قال أبو عبيدة: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وقال الكسائي: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ يعني سنتكم وهداكم وسمتكم) [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب.]].
و (المثلى)] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] نعت للطريقة. ولا إشكال على هذا القول، و (المثلى) تأنيث الأمثل، بمعنى: الأفضل، وبمعنى: الأظهر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
20:64Page 315
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قال الفراء: (الإجماع: الأحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل: أزمعت، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "الجامع لأحكام القرآن" 12/ 121، "معاني القرآن" للفراء 2/ 158، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 64، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 681، "نوادر أبي زيد" ص 133، "إصلاح المنطق" ص 263.]]:
يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَع ... هَلْ أَغْدُون يَومًا وأَمْرِي مُجْمَعُ
يريد قد أحكم وعزم عليه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]].
وقال أبو إسحاق: (معناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مُجْمَعًا لا تختلفوا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. ومضى الكلام معنى الإجماع عند قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]. وقرا أبو عمرو: فاجْمَعوا [[قرأ: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وعاصم: (فَأجْمِعوا) بقطع الألف وكسر الميم. وقرا أبو عمرو البصري: (فَاجمَعوا) بوصل الألف وفتح الميم.
انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" ص 232، "المبسوط في القراءات" ص 249، "التبصرة" ص 260.]]، موصولًا من الجمع، وحجته قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: 60].
قال الفراء: (معناه: فلا تَدعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتم به) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]].
وقال الزجاج: (جيئوا بكل ما تقدرون عليه، ولا تبقوا منه شيئًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. واختار الأخفش هذه القراءة وقال: (إنما يقولون بالقطع إذا قالوا: أجمعنا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: أجمعوا أمركم، وأجمعوا شركأكم، فلا يقولون إلا بالوصل. والقطع أكثر القراءة، ولعله لغة في جمع؛ لأنّ داب فَعَلت وأَفْعلت كثير) [[ذكر نحوه "معاني القرآن" للأخفش 2/ 571، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.]].
قال أبو علي: (يشبه أن يكون ذلك على لغتين، كما ظنه أبو الحسن، كقول الشاعر) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.]] [[البيت لذي الإصبع العدواني.
مَعْشَر: المعشر الجمع ولا واحد له من لفظه، ومعشر الرجل أهله. طُرًّا: جمعًا. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 233، "شرح المفصل" 1/ 30، "لسان العرب" (عشر) 5/ 1295، "مجمع البيان" 7/ 29.]]:
وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زيدٌ عَلَى مِائَةٍ ... فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فَكِيْدُوني
وقال الهذلي [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا.
الجَزْع، ونُبَاع، وأُولاَت ذِى العَرجَاء: أسماء أماكن. والنَّهَب المُجْمَع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص، وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 17، "المفصليات" ص 423، "الجامع لأحكام == القرآن" 11/ 220، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 678.]]: فَكَأَنَّهَما بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايعٍ ... وَأَولاَتِ ذِي العَرْجَاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ
أي: مجموع، وهذا فيما يتواصى به السحرة من جمع كيدهم، وما يستظهرون به من المبالغة في سحرهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قال أبو عبيدة: (الصف: موضع الجمع، ويسمى المصلّى: الصف، يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ أي: المصلّى الذي يصلى فيه. قال: وقد يكون على المصدر، كما تقول: جاءوني صفًا أي: مصطفين) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت صَفا بمعنى أتيت المصَلّى، قال: ويجوز أن يكون ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم [[قوله: (ليكون أنظم)، ساقط من نسخة (س).]] لأموركم وأشد لهيئتكم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
والمفسرون يقولون في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: (جميعًا)، قاله مقاتل، والكلبي، وابن عباس في رواية عطاء [["الكشف والبيان" 3/ 21 أ، "معالم التنزيل" 5/ 283، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 221، "تفسير مقاتل" 4 أ.]]. وهو بمعنى: مصطفين ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد قد سعد اليوم من غلب) [["زاد المسير" 5/ 301، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 184 بدون نسبة.]].
قال الليث: (ويقال لكل من قهر أمرًا أو علاه: اعتلا، واستعلاه واستعلى عليه) [["تهذيب اللغة" (علا) 3/ 2536.]].
وقال الزجاج: ((استعلى) أي: علا بالغلبة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
20:65Page 316
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥
They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قال الفراء: (المعنى: اختر أحد هذين الأمرين) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]]. والمراد بالإلقاء هاهنا: إلقاء العصا على الأرض، وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [[وردت في سورة [الأعراف: 107]، وفي سورة [الشعراء: 32].]]، ولما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول.
20:66Page 316
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
فقال موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ أمرهم بالإلقاء أولًا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم بم معهم، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع كل ذلك على ما ذكر [[ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: 45].]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فألقوا فإذا حبالهم.
[قال أبو إسحاق: (وترك هاهنا؛ لأنه قد جاء في موضع آخر: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: 44] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، ومع كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفن) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 184، "النكت والعيون" 3/ 413، "المحرر الوجيز" 10/ 52، "الكشاف" 2/ 543.]].
وقال عكرمة، وابن جريج: (كانوا تسع مائة) [["جامع البيان" 16/ 185، "النكت والعيون" 3/ 413، "التفسير الكبير" 22/ 83.]].
وقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألفًا) [["جامع البيان" 16/ 185، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 52 بدون نسبة.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 225 بعد ذكر هذه الأقوال: ولا يخفى حال الأخبار في ذلك، والقلب لا يميل إلى المبالغة والله تعالى أعلم.
وقال الشنقطي في "أضواء البيان" 4/ 438 بعد ذكر هذه الأقوال: وهذه الأقوال من الإسرائيليات.]].
وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يقال خُيل على الرجل تخييلا: إذا أدخل عليه التهمة والشبهة، وأصل هذا الحرف: من الشَبَه والاشتباه الذي ينافي الحق والحقيقة، ومنه الخَيَال الذي يشبه الشيء وليس منه كخَيال الإنسان في المرآة، وخَياله في النوم، وأَخَال الشيء إذا اشتبه وأشكل فهو مخيل [[انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 966، "القاموس المحيط" (خال) ص 996، "الصحاح" (خيل) 4/ 1692، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.]]، ومنه قول الشاعر [[لم أهتد إلى قائله. وذكر في كتب اللغة بلا نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 968، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.]]:
والصَّدْقُ أَبْلَجُ لا يُخَيلُ سَبِيلُهُ ... والصَّدقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلبَابِ
ومعنى هذه الآية كمعنى قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: 116] وذكر الكلام فيه. وموضع (أن) من قوله: ﴿أَنَّها تَسْعَى﴾ رفع على معنى يخيل إليه سعيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 186، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 366، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 348.]].
قال الكلبي: (خُيل إلى موسى أن الأرض حيات كلها، وأنها تسعي على بطنها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 222.
اختلف العلماء هل للسحر حقيقة أم لا؟ فقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 437: والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخيل لا حقيقة له، ومنه ما هو تخيل لا حقيقة له.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 44، "التفسير الكبير" 3/ 213، "أحكام السحر والسحرة" للرازي ص 110، "السحر" للدكتور مسفر الدميني ص 25، "السحر بين الحقيقة والخيال" للدكتور أحمد الحمد ص 37.]]. وكثير من الكلام اللائق بهذه الآيات قد مضى في سورة الأعراف [[وردت قصة موسى عليه السلام مع فرعون في سورة الأعراف (103 - 162).]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences