Al-Wahidi (al-Basit)Taha · 20:78–87

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Taha 20:78–87

20:78Page 317

فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨

So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1

قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي: لحقهم كقوله. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175] وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10]، والباء في ﴿بِجُنُودِهِ﴾ في موضع حال من الفاعل على معنى ومعه جنوده، كما يقال: ركب بسلاحه، وخرج بثيابه، وهذا اللحاق إنما كان أن أول مقدمة فرعون قرب من ساقة قوم موسى وهم يعبرون البحر، أو يحمل على الإشراف على اللحاق والقرب منه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241.]]. ويجوز أن كون اتبع مطاوع تبع كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ [هود: 99]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42]، والباء على هذا تكون زائدة، كما يزاد في كثير من المفعولات نحو [[هذا جزء من عجز بيت ينسب إلى الراعي النميري وتمامة:

هُنْ الحَرائِرُ لا رَبَاتُ أَحْمِرة ... سُودُ المحَاجِر لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ

انظر: "ديوانه" 122، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "أدب الكاتب" 521، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 4، "خزانة الأدب" 9/ 107، "المخصص" 14/ 70، "مجالس ثعلب" ص 365، "شرح أبيات المغني" 1/ 128، "لسان العرب" (سود) 4/ 2141.]]:

لاَ يَقْرأَنَ بالسُّورِ

وروي عن أبي عمرو أنه قرأ: فأتبعهم موصولة [[قرأ عبيد عن هارون عن أبي عمرو (فأتبعهم فرعون) موصولة.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240.]]. وعلى هذا الباء للتعدية؛ لأن اتبع بمعنى تبع كما يقال: شوى واشتوى، وحفى واحتفى، وفدى وافتدى والمعنى: لحق جنوده بهم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]]. قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].

وقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الغرق) [[ذكره كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 191، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287 "زاد المسير" 5/ 316.]].

وقال أبو إسحاق: فغشيهم من البحر ما غَرَّقَهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].

وشرح ابن الأنباري هذا فقال: (يسأل فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾؟ فيقال: المعنى غشيهم من اليم البعض الذي غشيهم [لأنه لم يغشهم كل مائه، بل الذي غشيهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخه: (ص)]] بعضه فقال الله تعالى: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 311، وأورد نحوه بلا نسبة الزمخشري في "الكشاف" 2/ 547، "البحر المحيط" 6/ 264.]]. هذا كلامه. وأجود منه ما ذكره محمد بن يزيد الثمالي وهو أنه قال: (معناه: غشيهم من اليم ما عرفتم أنه غشيهم) [[ذكر نحوه في "الكامل" 1/ 44.]]. كما قال أبو النجم [[هذا الرجز لأبي النجم.

انظر: "الخزانة" 1/ 439، "الأغاني" 9/ 75، "الكشاف" 4/ 59، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "المصنف" 1/ 10، "الخصائص" 3/ 337.]]: أَنا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

أي: شعري ما قد عرفتم.

وقال سيبويه: (من كلام العرب: إن فعلت كذا وكذا فأنت أنت، أي: أنت كما تعرف، ويقولون: الناس ناس، أي: هم كما قد عرفتم) [[لم أقف عليه.]].

ومعنى ﴿غَشِيَهُمْ﴾ علاهم وسترهم.

20:79Page 317

وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩

And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ حيث دعاهم إلى عبادته (وما هدى) ما هداهم إلى مراشدهم، وهذا تكذيب له إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].

وقال ابن عباس: (يريد ما أرشد نفسه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 229، وذكره بدون نسبة "بحر العلوم" 3/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 287.]]. وعلى هذا معنى (ما هدى) ما هدى نفسه. والمعنى: أنه أهلك نفسه وقومه بضلاله ودعائهم إلى الضلالة حتى أوردهم مواقع الهلكة.

20:80Page 317

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠

O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,

قال ابن عباس: (ثم ذكر الله تعالى منته على بني إسرائيل فقال: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني فرعون أغرقه بمرآى منهم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 287، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 223، "إرشاد العقل السليم" 6/ 23، "روح المعاني" 16/ 238.]].

﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون التأني جانب الطور الأيمن، فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاجون إليه، وقد ذكرنا هذا المعنى عند قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]. واختلف القراء في: واعدنا ووعدنا [[قوله: (ووعدنا) ساقط من نسخة (ص).]] [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (وواعدناكم) بالنون. وقرا أبو عمرو البصري: (ووعدناكم) بغير ألف. وقرأ حمزة والكسائي: (وواعتكم) بالتاء.

انظر: "السبعة" 422، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "حجة القراءات" 460، "الغاية في القراءات" 323، "المبسوط في القراءات" 249.]].

وزعم أبو الحسن الأخفش أن: (واعدنا لغة في وعدنا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 242.]]. وإذا كان كذلك، فمن قرأ بالألف لم يدل اللفظ على أن الفعل من الاثنين، كما أن استحر واستقر ونحو ذلك من بناء استفعل، لا يدل على استدعاء الفعل، والقراءة بوعد أحسن؛ لأنّ واعد هاهنا بمعنى وعد، ويعلم من وعد أنه فعل واحد لا محالة، وليس واعد كذلك فالأخذ بالأبين أولى [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 242.]]. وهذا الذي ذكرنا زيادة في توجيه القراءتين لم نذكرها في سورة البقرة [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (51): ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.]]. وهذا الوعد إنما كان لموسى، ولكن خوطبوا به؛ لأن الوعد كان لأجلهم [["الكشاف" 2/ 547، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 230، "البحر المحيط" 6/ 265، "التفسير الكبير" 22/ 95.]]. والمعنى: واعدناكم إتيان جانب الطور فحذف المضاف، والمراد بالأيمن الجانب الذي على يمين موسى [["القرطبي" 11/ 230، "البحر المحيط" 6/ 265، "التفسير الكبير" 22/ 96.]]، وقد مر [[عند قوله سبحانه في سورة مريم الآية رقم (52): ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.]].

وقيل في التفسير: (وعدهم الله جانب الجبل ليسمعوا كلام الله -عز وجل- لموسى بحضرتهم هناك) [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 353.]].

20:81Page 317

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."

قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا أمر يقتضي التعديد بالنعم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول لا تظلموا) [["جامع البيان" 16/ 144، "الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.]].

وقال مقاتل: (ولا تعصوا) [["تفسير مقاتل" 5 أ.]]. والمعنى لا تبطروا فيما أنعمت عليكم فتظالموا. وهذا المعنى قول من قال: (لا تتقووا بنعمي على معاصي) [["الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.]].

وقال الكلبي: (لا تجحدوا نعمة الله فيما رزقكم منه فتكونوا طاغين) [["الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.]].

وقال مقاتل: (لا تتعدوا ما حد الله لكم في المن والسلوى فتتجاوزوا قدر ما يكفيكم وتدخروا، فمتى ادخرتم منهما شيئًا فأنتم في ذلك طاغون) [["تفسير مقاتل" 5/ أ، وذكر نحوه: "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.]].

وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، قاله قتادة وغيره [[المروي في كتب التفسير عن قتادة: ينزل عليكم غضبي. انظر: "تفسير القرآن للصنعاني" 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 193.]].

وقرئ: ﴿فَيَحِلَّ﴾ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بالكسر والضم [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعاصم: (فيحِل .. ومن يحلِل) بالكسر في الحاء من (فيحِل) واللام الأولى من (يحلِل)، وقرأ الكسائي: (فيحُل عليكم) بضم الحاء، (ومن يحلُل عليه) بضم اللام.

انظر: "السبعة" ص 442، "الحجة" 5/ 243، "التبصرة" 260، "النشر" 2/ 321.]].

قال الفراء: (والكسر أحب إلي من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 188.]].

وقال الزجاج: (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ معناه فيجب عليكم، ومن قرأ: بالضم، فمعناه التنزيل) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]]. هذا كلامه، ومعنى القراءتين قريب من السواء؛ لأن من قرأ بالكسر فمعناه: من حَل الشيء يَحِل حَلا وحَلال إذا حُلت عنه عقدة التحريم، وزال عنه الحظر والحجر والمنع، فمعنى يحل عليكم: ينزل بكم وينالكم بعدما كان ذا حظر وحجر ومنع عنكم، ومن فسر يحل يجب، فهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنهم ما لم يطغوا كان العذاب ممنوعًا محظورًا عليهم، فإذا طغوا ارتفع ذلك الحظر فحل العذاب لهم، ومعنى غضب الله: عذابه إياهم [[الغضب صفة من صفات الله سبحانه، نثبتها له سبحانه كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه، وتأويلها العذاب لا يصح؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 684، "العقيدة الواسطية" 23.]]، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 39]، أي: ينزل به بعد أن لم يكن، وقوله: {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) [طه: 86]، ولم يختلفوا في كسر هذين، ومن قرأ بالضم فوجهه: أن الغضب لما كان يتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب فقال: يَحُل أي: ينزل. فجعله بمنزلة قوله: حَلَّ بالمكان يَحُلَّ. هذا معنى قول أبي علي وبعض كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 243.]].

وقوله تعالى: (فقد هوى) يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا سقط من علو إلى أسفل، وهَوَتْ العُقَابُ تَهْوِى هُوِيًا: إذا سقطت على صيد، وهَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا وقع مَهْواه، وهَوَى فُلان: إذا مات، قال النابغة [[البيت للنابغة الذبياني. الشماتة: فرح العدو. وقيل: الفرح ببلية تنزل بمن تعاديه. انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.]]:

وقال الشامتون هوى زياد ... لكل منية سبب مبين

وهَوَى: إذا هلك. ومنه قول كعب بن سعد [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]] [[هذا صدر بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. وعجز البيت:

ومَاذَا يُودي الليلُ حِينَ يَؤُوبُ

انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "الصحاح" (هوى (6/ 39، "لسان العرب" (هوا) 15/ 169، "الأمالي" للقالي 2/ 150، "التكملة" للصنعاني (هوى) 6/ 540.]]:

هَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبُح غادِيَا

أي: هلكت أمه. هذا معاني (هوى) في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "مقاييس اللغة" (هوى) 6/ 15، "القاموس المحيط" (الهواء) 4/ 404، "الصحاح" (هوى) 6/ 2537 "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.]]. فأما التفسير فقيل: (هلك) [["تفسير مقاتل" 5 أ.]]. وقيل: (صار إلى الهاوية، بمعنى تردى فيها) [["جامع البيان" 16/ 194، "بحر العلوم" 2/ 351، "معالم التنزيل" 5/ 288.]].

قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول: فقد شقي) [["جامع البيان" 16/ 194، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "الدر المنثور" 4/ 544.]].

قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: (تاب من الشرك) [["جامع البيان" 16/ 194، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.]]. ﴿وَآمَنَ﴾: وحد الله وصدقه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى فرائض الله، وعمل صالحًا فيما بينه وبين الله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال في رواية عطاء: (علم أن ذلك بتوفيق من الله له) [["معالم التنزيل" 3/ 227، "زاد المسير" 5/ 214.]].

وقال في رواية الوالبي: (لم يشكك) [["جامع البيان" 16/ 194، "النكت والعيون" 3/ 416، "زاد المسير"، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 79، "الدر المنثور" 4/ 544.]].

وقال في رواية أبي صالح: (علم أن له ثوابًا بهذا) [["زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.]]، هذا قول سفيان، والكلبي، والشعبي، ومقاتل [["جامع البيان" 16/ 195، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 417، "معالم التنزيل" 5/ 288، "تفسير مقاتل" 5 ب.]]. واختيار الزجاج؛ لأنه يقول: (ثم أقام على إيمانه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].

وقال عطاء بن يسار: (ثم أصاب بقوله وعمله السنة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 417، "زاد المسير" 5/ 312، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 233، "لباب التأويل" 4/ 276.]]. وهذا نحو قول سعيد بن جبير: (لزم السنة والجماعة) [["معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الدر المنثور" 4/ 544.]].

وقال فضيل الناجي [[فضيل الناجي. ذكره ابن حجر في "التهذيب" وقال: مجهول، وعنه حفص بن حميد القمي.

انظر: "تهذيب التهذيب" 8/ 270، "تهذيب الكمال" 23/ 311، "تقريب التهذيب" 2/ 114.]]: (اتبع السنة) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ.]].

وقال زيد بن أسلم: (علم علما يحسن به عمله. قال: يقول: ﴿اهْتَدَى﴾ كيف يعمل) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312.]]. ونحو هذا قال ابنه: (أصاب العمل بالعلم) [["جامع البيان" 16/ 195، "النكت والعيون" 3/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231.]].

20:82Page 317

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.

No commentary for this ayah

20:83Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، قال المفسرون: (كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين يلحقون به على أثره) [["جامع البيان" 16/ 195، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312.]]. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد رقة من الله -عز وجل-) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 233.]]. يعني رحمة؛ كأنه يقول: إنما سأله الله -عز وجل- عن سبب عجلته رحمة عليه، ومحبة له وإلا فكان هو عالمًا بذلك.

20:84Page 317

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

فقال موسى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ وذكرنا معنى أولاء عند قول: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال الكلبي: (لتزداد رضا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 351، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 313.]].

20:85Page 317

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ألقيناهم في فتنة ومحنة من بعدك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.]].

وقال ابن الأنباري: (صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل لما سبق لهم في حكمنا من بعد انطلاقك من بينهم) [[ذكره الشوكاني في "فتح القدير"، وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 180: ابتليناهم اختبرناهم فلم يصبرا وحين وصلت إليهم المحنة كفروا.]].

﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن الضلالة كانت على يدي السامري) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 7، "معالم التزيل" 5/ 288، "النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 213، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 233.]]. يعني أنه كان سبب إضلالهم حين دعاهم إلى الضلالة، كما قال الكلبي: (فهم السامري إلى عبادة العجل) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 289، "روح المعاني" 16/ 244، "روح البيان" 5/ 414.]].

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان السامري من أهل باجرمى [[بَاجَرْمَى: بفتح الجيم، وسكون الراء، وميم وألف مقصورة: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 313.]] وقع بأرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل وفي نفسه ما في نفسه) [["بحر العلوم" 2/ 352، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 233، "الدر المنثور" 4/ 545، "التفسير الكبير" 22/ 101.]].

وقال في رواية عطاء: (كان السامري رجلًا من القبط، جارًا لموسى آمن به وصدقه وخرج معه فابتلي) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234، "التفسير الكبير" 22/ 101، "روح المعاني" 16/ 244.]].

وقال أبو إسحاق: (الأكثر في التفسير: أنه كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسَّامِرَة [[في (ص): (السامري).]] وهم إلى هذه الغاية في الشام تعرف بالسامريين) [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "الكشاف" 2/ 549، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 371، "التفسير الكبير" 22/ 101.]].

وروي عن راشد بن سعد [[راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحيراني الحمصي، تابعي ثقة، كان من أثبت أهل الشام، شهد صفين مع معاوية -رضي الله عنه-، روى عن: ثوبان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه: صفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم كثير، توفي -رحمه الله- سنة 113 هـ. == انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 483، "الكاشف" 1/ 299، "ميزان الاعتدال" 2/ 35، "تهذيب التهذيب" 3/ 195.]] أنه قال: (قال الله لموسى: إن قومك اتخذوا من بعدك عجلًا جسدًا له خوار. قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت أضللتهم يا رب؟ قال: يا موسى إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم) [["الدر المنثور" 4/ 545، "روح المعاني" 16/ 247.]]. ومعنى هذا أنهم كانوا يعتقدون التشبيه حين قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، فجزاهم الله بذلك الاعتقاد أن فتنهم بالعجل، فهذا معنى قوله: رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم.

وقال عطاء عن ابن عباس: (قال موسى: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن جعل له الجسد والخوار [[الخَوار: صوت الثور، وما اشتد من صوت البقرة والعجل، تقول: خَار يَخُور خَوارا.

انظر: "تهذيب اللغة" (خار) 1/ 959، "القاموس المحيط" (الخوار) 2/ 25، "الصحاح" (خور) 2/ 651، "لسان العرب" (خور) 3/ 1285.]]؟ قال الله تعالى: أنا. قال موسى: وعزتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلو سلطانك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235، "الدر المنثور" 4/ 544، "روح المعاني" 16/ 247. ولعل هذه من الروايات الإسرائيلية التي رويت في هذا الباب.]].

20:86Page 317

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ سبق الكلام في هذا في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم: (150): ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.]]. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ صدقًا لإيتاء الكتاب [["النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289، "الكشاف" 2/ 549، "زاد المسير" 5/ 313، "روح المعاني" 16/ 244.]]. ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مدة مفارقتي إياكم [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289، "زاد المسير" 5/ 313.]] ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل، وتلخيص المعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنعًا يكون سبب غضب ربكم؛ لأن أحدًا لا يتطلب غضب ربه، ولكن قد يأتي سبب ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي، هذا في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: 150].

وقال مجاهد: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ قال عهدي) [["زاد المسير" 5/ 313، "التفسير الكبير" 22/ 202، "تفسير مجاهد" 464.]]. يعني ما عهد إليهم موسى وأوصاهم به من الإقامة على طاعة الله. وقيل في التفسير: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: تركتم السير على أثري) [["جامع البيان" 16/ 196، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 46، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234.]]. وهذا إنما يصح لو روي أن موسى وعدهم ذلك، ولم نر في شيء من الروايات أن موسى وعد قومه: أن يسيروا على أثره.

وقال ابن الأنباري: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: نسبتموه إلى الخلاف) [[ذكر نحوه بلا نسبة القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 234، والرازي في "التفسير الكبير" 22/ 102.]]. يعني وعده بالرجوع إليهم.

20:87Page 317

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال قتادة: (بطاقتنا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 197، "النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 313، "الدر المنثور" 4/ 547.]]. وقال مقاتل: (ونحن نملك أمرنا) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "تفسير مقاتل" 5 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي يقول: (بأمرنا) [["جامع البيان" 16/ 197، "الدر المنثور" 4/ 547، "فتح القدير" 3/ 544.]].

وقال مجاهد: (بأمر نملكه) [["جامع البيان" 16/ 197، "الدر المنثور" 4/ 547.]].

قال الفراء: (في التفسير إنا لم نملك الصواب وإنما أخطأنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189.]].

وحكى الزجاج أيضًا: (﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ بأن ملكنا الصواب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 371.]]. ومعنى هذا أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نملك أمرنا حتى وقعنا بالذي وقعنا فيه من الفتنة، وهذا التفسير لا يطرد عليه نظم الآية، ولا يبقى معه معنى كقراءة من قرأ: بِمُلْكِنَا بالضم [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بمِلْكِنَا) بكسر الميم. وقرأ نافع، وعاصم: (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: (بِمُلْكِنَا) بضم الميم.

انظر: "السبعة" 422، "الحجة" 5/ 244، "التبصرة" 261، "النشر" 2/ 321.]]. ولكان يجب أن يقولوا: فأخرج لنا عجلًا جسدًا، ولكن الصحيح ما ذكره بعض أهل التفسير: (أن هذا من قول المؤمنين الذين لم يعبدوا العجل) [["النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 314، "التفسير الكبير" 22/ 102، "أضواء البيان" 4/ 494.]]. ولعل هذا أصح؛ لأن العتاب جرى معهم في سوء خلافتهم من ترك الإنكار على عبدة العجل، فقالوا له: ما أخلفنا موعدك الذي وعدناك من حسن الخلافة، ونحن نملك شيئًا من أمرنا، أو نطيق ردهم عن عظم ما ارتكبوا؛ لأنا كنا مغلوبين لقلتنا وكثرتهم، وكذا جاء في رواية: (إن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا وافتتن الباقون بالعجل وكانوا جميعًا ستمائة ألف) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "الكشاف" 2/ 549، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234.]].

وأكثر القراء: بِمِلْكِنَا بالكسر [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم.

انظر: "السبعة" ص 422، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 244، "المبسوط في القراءات" 250، "حجة القراءات" 471.]]. والتقدير: بملكنا أمرنا، فأضيف المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول، كما أنه قد يضاف إلى المفعول، ويحذف الفاعل في نحو: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24]، ومن قرأ: بِمِلكنا فهو المصدر الحقيقي يقال: مَلَكْتُ الشيء أَمْلِكُه مَلْكًا، والمِلْكُ ما مُلِكَ مثل: الطَّحْن والطِّحْن، والسَّقي والسِّقي، وقد وضع الاسم موضع المصدر، كما قال [[هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح فيها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت:

أَكُفْرأَ بَعَدَ رَدِّ الموْتِ عِنِّي

الرتاع: الإبل الراعية. يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع. انظر: "ديوانه" ص 37، "تذكرة النحاة" ص 456، "خزانة الأدب" 8/ 136، "الشعر والشعراء" 2/ 723، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 245، "الخصائص" 2/ 221، "شرح المفصل" 1/ 20، "همع الهوامع" 1/ 188، "لسان العرب" (عطا) 5/ 3001.]]:

وَبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتَاعَا أعمل الاسم إعمال المصدر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]].

ومن قرأ: بِمُلكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، يعني لم نقدر على ردهم، وأنكر أبو عبيد هذه القراءة [[لعل الإنكار للمعنى وليس للقراءة، فالقراءة ثابتة بالتواتر فلا يجوز إنكارها.]]، فقال: (المُلْك إنما هو من السلطان والعزة، وأي مُلْك كان لبني إسرائيل يومئذ، وإنما كانوا بمصر مستضعفين) [["غريب الحديث" لأبي عيدة 3/ 136، "جامع البيان" 16/ 198، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: 137] وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5]. فليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنه ليس معنى الملك هاهنا: السلطان الشديد والكبرياء، وإنما معناه: القدرة فقط [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. وأصل الملك راجع إلى معنى واحد ذكرناه عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4].

على أن أبا الحسن الأخفش حكى: (أن الملك مصدر في المالك) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. وحكى الفراء: (مَالِي مُلْك أي: شيء أَمْلِكُه) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 189.]]. وعلى هذا معنى الوجوه كلها واحد [[قال ابن جرير الطبري "تفسيره" 16/ 199: وكل هذا الأقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى؛ لأن من لم يملك نفسه لغلبة هواه على ما أمر فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول فعل فلان هذا الأمر وهو لا يملك نفسه وفعله وهو لا يضبطها، == وفعله لا يطيق تركه وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأي القراءات الثلاث قرأ ذلك القاري.]].

ثم ذكروا قصة إتخاذ العجل فقالوا: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: أثقالاً وأحمالًا [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "الكشف والبيان" 3/ 23، "جامع البيان" 16/ 199، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "النكت والعيون" 3/ 418.]]. قال قتادة: (كانت حليا تعوروها [[العارية والعارة: ما تداولوه بينهم، وقد أعاره الشيء وأعاره منه، والمعاورة والتعاور: شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين، واستعار الشيء واستعاره منه: طلب منه أن يعيره إياه.

انظر: "تهذيب اللغة" (عار) 3/ 2273، "القاموس المحيط" (العور) 2/ 97، "لسان العرب" (عور) 5/ 3165، "مختار الصحاح" (عور) ص 462.]] من آل فرعون فساروا وهي معهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 199.]].

وقال مجاهد: (أوزارًا من زينة الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وهي الأثقال) [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47.]]. وهذا قول ابن عباس، والسدي، وابن زيد [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418.]]. والأكثرين: أن (الأوزار) هي الأحمال، و ﴿زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ حلي آل فرعون استعارة بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى قد أمرهم بذلك [["جامع البيان" 16/ 199، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289.]].

وقال الزجاج: (يعنون بالأوزار: حليا كانوا أخذوها من آل فرعون، حين قذفهم البحر فألقاهم على الساحل، فأخذوا الذهب والفضة وسميت أوزارًا. قال: وسميت أوزارًا؛ لأن معناها الآثام) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]]. ونحو هذا ذكر الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189.]]. وعلى هذا المراد بزينة القوم: ما كان معهم حين أغرقوا من مصوغات الذهب والفضة للمناطق وزينة الدواب، وغير ذلك فسميت أوزارًا، بأن معناها أثام لم يحل لهم أخذها [["معالم التنزيل" 5/ 289.]]. وعلى هذا القول يجوز أن يكون المراد بالأوزار الأحمال؛ لأن الوزر في اللغة: الحمل [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 4/ 3883، "القاموس المحيط" (الوزر) 2/ 154، "الصحاح" (وزر) 2/ 845، "لسان العرب" (وزر) 8/ 4823.]].

وقرئ: بالتشديد وضم الحاء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (حُمِّلنا) بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (حَمَلنا) بفتح الحاء وتخفيف الميم. انظر: "السبعة" ص 423، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 246، "حجة القراءات" ص 462، "المبسوط في القراءات" ص 250.]]. المعنى: جعلونا نحمل، وحُمِلْنا على ذلك وأُردنا له وكلفنا حمله، ومن قرأ: حَمَلْنا أراد أنهم فعلوا ذلك. قال أبو عبيد: (وهو الاختيار؛ لأنّ التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان في أيديهم من حلي آل فرعون) [["تفسير القرآن" للصنعانى 2/ 17.]].

وقوله تعالى: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحناها، واختلفوا أين طرحوها؟ وكيف فعلوا؟ فقال قتادة: (لما مضت ثلاثون يومًا ولم يرجع موسى قال السامري: هذه العقوبة التي أصابتكم بتخلف موسى عن الوقت الذي وقته لرجوعه إليكم، إنما أصابتكم بالحلي التي معكم، فاجمعوها حتى يجيء موسى فنقضي منه فجمعت ودفعت إليه) [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 236.]]. وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها إليه، وهذا قول قتادة قال: (فقذفوها إليه) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 17.]].

وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قال لهم هارون: إنكم تحملتم أوزارًا من زينة آل فرعون فتطهروا منها، فإنها نجسة، وأوقد لهم ناراً وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الحلي فيقذفونها فيه، حتى استلب الحلي فيها) [["بحر العلوم" 2/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 289، "الدر المنثور" 4/ 546.]]. وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها في النار. ونحو هذا ذكر الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]].

وقال السدي: (قال هارون لهم: إن الحلي غنيمة ولا تحل لكم الغنيمة فاحفروا لهذا الحلي حفرة فاطرحوه فيها) [["جامع البيان" 16/ 200، "معالم التنزيل" 5/ 289، "روح المعاني" 16/ 247.]]. وعلى هذا المعنى فقذفناها في الحفرة.

قوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: فكما ألقيت (ألقى السامري) قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ألقى الحلي -وهو الذهب- في النار) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 199، "المحرر الوجيز" 10/ 76، "معالم التنزيل" 5/ 290 منسوب لابن عباس، "زاد المسير" 5/ 315، "الكشاف" 2/ 550، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180.]].

وهذا اختيار الزجاج والفراء، قالا: (وكذلك فعل السامري؛ أي: ألقى حليًا كان معه في النار) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]]. وعلى هذا دل كلام مجاهد؛ لأنه يقول: (فلذلك صنع السامري) [["جامع البيان" 16/ 200، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 235، "تفسير مجاهد" 465.]]. أي: فعل كما فعلنا. وقال آخرون: (وكذلك ألقى السامري يعني: ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل) [["جامع البيان" 16/ 199، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "بحر العلوم" 2/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 290، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.]].

قال قتادة: (وقد كان صر في عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقذفها فيها) [["جامع البيان" 16/ 199، "معالم التنزيل" 5/ 290، وذكر نحوه الصنعاني في "تفسير القرآن" 2/ 17.]]. فهذا معنى قول ابن عباس في رواية السدي عن أبي مالك عنه [["جامع البيان" 16/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180، "الدر المنثور" 4/ 545.]]. وعلى هذا معنى ﴿أَلْقَى﴾ ألقى القبضة التي كانت معه من التراب. ولعل الأقرب هذا القول [[قال ابن عطية 10/ 72: وروي -وهو الأصح الأكثر-: (أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل، وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا انخرقت للسامري عادة، وأما على أن يصوغه فلم تنخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذٍ بخواره فقط، وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة).]]؛ لأن الله تعالى أتبعه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском