Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:101–106
21:101Page 330
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١
Indeed, those for whom the best [reward] has preceded from Us - they are from it far removed.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية، قال الكلبي: أتى رسول الله -ﷺ- قريشًا، وهم في المسجد مجتمعون، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فتلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيات الثلاث، فشق ذلك عليهم، فأتاهم عبد الله بن الزبعري السهمي، فرآهم قد ظهر ذلك منهم، فقال: مالي أراكم بحال لم أركم [[في (أ): (أراكم).]] عليها قبل أن أفارقكم؟ فقالوا: إنَّ محمدًا يزعم أنَّا وما نعبد في النار، فقال ابن الزبعري: والذي جعلها بيته لو كنت هاهنا لخصمته.
وقالوا: وهل لك أن نرسل إليه [[في (أ): (الله). وهو خطأ.]] فتكلمه [[فتكلمه: ساقطة من (د)، (ع). وهي في (أ): (فيكلمه)، والصواب ما أثبتنا.]]؟ قال: نعم. وكان رسول الله -ﷺ- إذا بعثت [[في (أ)، (ع): (بعث).]] إليه قريش أتاهم رجاء أن يسلموا، فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال ابن الزبعرى: أرأيت يا محمد ما قلت لقومك آنفاً أخاصٌ أم عام؟ قال: بل عام، من عبد شيئًا من دون الله فهو وما يعبد في النار. قال: قد خصمتك ورب الكعبة [أليست اليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح [[بنو مليح: بطن هن خزاعة، من القحطانية. وهم بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي. انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 238، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 1138.]] يعبدون الملائكة؟] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] فان كانوا هم ومعبودوهم في النار فما آلهتنا خير من معبوديهم [[في (أ): (معبودهم).]]، فسكت النبي -ﷺ- رجاء أن يأتيه جبريل، ولم يجبهم ساعة، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره عن الكلبي: هودُ بن محكّم الهواري.
والكلبي متهم بالكذب فلا يعتمد عليه في رواية.
قال ابن عطية 1/ 213. ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة.]].
وروى أن النبي -ﷺ- قال لابن الزبعرى: بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك. وأنزل الله هذه الآية [[روى الطبري 17/ 97 عن محمد بن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فذكره مرفوعًا بنحوه. وإسناده لا يصح لضعف شيخ الطبري محمد بن حميد، ولإرساله.]].
وأراد بقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ عزيرًا، وعيسى، والملائكة. وهذا قول يروى عن ابن عباس [[روى الطبري 17/ 96 من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وفيه عطاء بن السائب قد اختلط في آخره.
لكن يشهد له رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" 3/ 59 عنه بلفظ: عيسى بن مريم -عليه السلام- ومن كان معه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68: رواه == البزار، وفيه شرحبيل بن سعد مولى الأنصار وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.]]. وهو قول مجاهد، وسعيد ابن جبير، وأبي صالح، والضحاك [[روى الطبري في "تفسيره" 17/ 69 - 97 هذا القول عن مجاهد وسعيد وأبي صالح والضحاك.]]، والسدي.
وقال آخرون: هذه الآية مستأنفة ليست ترجع بمعناها إلى ما قبلها، وهي عامة في كل من سبقت لهم [[في (أ): (له).]] من الله السعادة.
وهذا مذهب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- روي أنه قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد [[هو سعد بن أبي وقاص.]]، وسعيد [[هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، العدوي، القرشي. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين، شهد المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح. توفي بالعقيق سنة 50 هـ وقيل: 51 هـ وحمل إلى المدنية.
"الاستيعاب" 2/ 614، "سير أعلام النبلاء" 1/ 124، "الإصابة" 2/ 44.]]، وعبد الرحمن بن عوف [[قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 372 - 374: رواه ابن أبي حاتم، والثعلبي، وابن مردويه في تفاسيرهم، من حديث محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، ثنا ليث -وتصحف في المطبوع إلى ليس- بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير- وفي المطبوع من "الدر المنثور" 5/ 681: عن النعمان بن بشير، وهو خطأ- وكان من سمار علي قال: تلا علي .. ثم قال الزلعي بعد سياقه للأثر: انتهى بلفظ الثعلبي لم يذكر فيه سعدًا، ولفظ ابن أبي حاتم: وعبد الرحمن بن عوف أو قال: سعد، شك فيه.
ورواه ابن عدي في الكامل عن داود بن علية الحارثي، عن ليث بن أبي سليم، == به، فذكره، ولم يذكر سعدًا كالثعلبي. أهـ كلام الزيلعي.
وفي النسخة الموجودة عندي من "تفسير الثعلبي" 3/ 44 ب ذكر سعدًا في الأثر، فلعله سقط من نسخته التي اعتمد عليه.
والأثر عند ابن عدي في "الكامل" 3/ 986.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه.
وهذا الأثر عن علي -رضي الله عنه- فيه علتان: الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم، والثانية: جهالة ابن عم النعمان بن بشير.
وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 51 - 52، والطبري في "تفسيره" 17/ 96، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 198 عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا يخطب، فقرأ هذه الآية "إن الذين سبقت .. قال عثمان -رضي الله عنه- منهم". ولفظ ابن أبي حاتم: عثمان وأصحابه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 - 682 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وإسناده صحيح.]].
وهذا اختيار أكثر [[أكثر: ساقطة من (د)، (ع).]] أهل المعاني. قالوا: وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ أراد أوثان قريش، ولو كان عزير وعيسى والملائكة داخلًا تحت الكلام لقيل: ومن تعبدون، ولأن الخطاب [[في (د)، (ع): (الكلام).]] لمشركي مكة وهم كانوا أصحاب أوثان والإشارة بقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ إلى تلك الأصنام التي وقف عليها رسول الله -ﷺ- وكانت حول الكعبة. وقوله لآبن الزبعري هي عامة يعني في ما عبد من دون الله من غير العقلاء، وسكوته عند إلزامه إياه حديث عزير وعيسى إنما كان لإرادة أن يكون الجواب من الله إنْ صح أنه سكت.
ومعنى قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال ابن عباس وعكرمة: يريد الرحمة [[ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 393 عن ابن عباس وعكرمة أنهما قالا: الجنة.]].
وقال ابن زيد: السعادة من الله لأهلها [[رواه الطبري 17/ 98، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 وعزاه لابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم.]].
وروي عن ابن عباس: الحسنى الجنة [[ذكره عنه ابن الجوزي كما تقدم. وانظر: "تنوير المقباس" ص 205.
وشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. والمعاني في تفسير "الحسنى" متقاربة.]]. وقد سبق من الله للمؤمنين الوعد بها.
21:102Page 331
لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ ١٠٢
They will not hear its sound, while they are, in that which their souls desire, abiding eternally.
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حسها وحركة تلهّبها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركة [["تهذيب اللغة" للأزهري (حسن) بنصّه.]].
وقال الليث: الحِسُّ والحسيس تسمعه من الشيء يمر منك قريبًا ولا تراه، وأنشد في صفة باز [[قول الليث وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 408 - 409 (حس). وهو في كتاب "العين" 3/ 16 (حس)، ولم ينسب البيت لأحد.
والبيت من غير نسبة أيضًا في "لسان العرب" 2/ 428 (جنح)، 6/ 50 (حسس)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 350 "جنح"، 15/ 4536 (حسس).]]:
ترى الطير العتاق يظلن منه ... جنوحا إن سمعن له حسيسا [[قول الليث وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 408 - 409 (حس). وهو في كتاب "العين" 3/ 16 (حس)، ولم ينسب البيت لأحد. == والبيت من غير نسبة أيضًا في "لسان العرب" 2/ 428 (جنح)، 6/ 50 "حسس"، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 350 (جنح)، 15/ 4536 (حسس).]] وقال أبو عبيدة: الحسيس والحس والجَرْس واحد، وهو الصوت الخفي الذي لا [[لا: ساقطة من (أ).]] يحس [[في "مجاز القرآن" 2/ 42: أي: صوتها، والحس والحسيس واحد.
لكن قال البخاري في "صحيحه" 8/ 435 (فتح) في أول تفسير سورة الأنبياء: .. وقال غيره: .. الحسيس والحس والجرس والهمس واحد. وهو الصوت الخفي. قال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 436 شارحًا لقول البخاري "وقال غيره": كذا لهم -يريد ابن حجر لرواة الصحيح- وللنسفي -وهو أحد رواه الصحيح- "وقال معمر"، ومعمر هذا بالسكون هو أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارة يصرّح باسمه وتارة يبهمه.]].
وقال ابن عباس: لا يسمعون حسيسها كما يسمع أهلها حسيسها من مسيرة خمسمائة عام.
والظاهر أن هذا مطلق لا يسمعون حسيسها أبداً.
وقال بعض المفسرين: يعني إذا نزلوا منازلهم من الجنة [[قال الطبري والثعلبي. انظر: "الطبري" 17/ 98 و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب.]].
وعلى هذا كأنهم قبل دخول الجنة يسمعون حسّ النار.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الجنة. ومعنى الشهوة والاشتهاء ذكرنا فيما تقدم [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالي: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81].]].
21:103Page 331
لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ١٠٣
They will not be grieved by the greatest terror,1 and the angels will meet them, [saying], "This is your Day which you have been promised" -
قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قال سعيد بن جبير، والضحاك، والكلبي، والثوري [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 44 ب عن ابن جبير والضحاك. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 98، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن الكلبي.]]: إطباق جهنم [على أهلها الفزع الأكبر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]].
وقال الحسن: هو أن يؤمر [[عند الطبري والثعلبي: حين يؤمر.]] بالعبد إلى النار [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب. ورواه الطبري 17/ 99، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن جريج: هو ذبح الموت بين الفريقين [[رواه الطبري 17/ 99. وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب.]].
وقال ابن عباس: هو النفخة الأخيرة [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب. ورواه الطبري 17/ 99 من رواية العوفي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. واختار الطبري هذا القول وقال: وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مما بعده أحرى أن لا يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده.
واستدل الثعلبي في "الكشف" 3/ 44 ب لهذا القول بقوله ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ..﴾ [النمل: 87].
وقال ابن الجوزي 5/ 594: ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
وذهب ابن عطية -رحمه الله- إلى أن الفزع الأكبر عام من غير تخصيص بشيء، فقال في المحرر 10/ 212: والفزع الأكبر عام في كل هول يكون في يوم القيامة، فكأن يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر، وإن خُصِّص شيء من ذلك فيجب أن == يقصد الأعظم هو له.
ثم ذكر ابن عطية الأقوال المخصصة لذلك الفزع، ثم قال:
وهذا -يعني قول من قال: هو وقت النفخة الآخرة- وما قبله أشبه أن يكون فيها الفزع؛ لأنها وقت لرجم الظنون وتعرّض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع طبق جهنّم فوقت قد حصل فيه أهل الجنّة في الجنّة، فذلك فزع بين أنه لا يصيب أحدًا من أهل الجنة فضلًا عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد: لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزعٌ أكبر، فأمّا إن كان فزعًا للجميع فلا بدّ مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة. أهـ.]].
وهذا [[(وهذا). ساقطة من (أ).]] كمما قال في رواية عطاء، يريد البعث. يعني أنهم لا يحزنون للبعث كما يحزن غيرهم ممن يعلم أنه يصير إلى النار.
قوله تعالى ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تستقبلهم ملائكة الرحمة. قال ابن عباس: وذلك عند خروجهم من القبور [[ذكره القرطبي 11/ 346 وأبو حيان في البحر 6/ 342 عن ابن عباس.
وذكره ابن كثير 3/ 199 مقتصرًا عليه من غير نسبة.
وقيل إنّ هذا التلقي قبل دخول الجنة رواه الطبري 17/ 99 عن ابن زيد، فالملائكة تستقبلهم على أبواب الجنة، يهنئونهم يقولون "هذا ...)]].
ومعنى التلقي: التعرض [[في (أ): (التعريض).]] للقاء الشيء، والمُسْتَقْبِلُ متعرض للقاء مُستَقْبَلَه [[انظر (لقا) في "تهذيب اللغة" 9/ 298، "الصحاح" 6/ 2484، "لسان العرب" 15/ 256.]].
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ أي يقولون لهم [[(لهم): زيادة من (أ).]] (هذا [[(هذا): ساقطة من (أ).]] يومكم الذي كنتم توعدون) أي: توعدونه في الدنيا.
21:104Page 331
يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٠٤
The Day when We will fold the heaven like the folding of a [written] sheet for the records. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.1
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السَّماء. وهذا يدل على أنَّ المراد بالفزع الأكبر البعث؛ لأنّه يقع في ذلك اليوم.
وقال أبو علي: ﴿يَوْمَ نَطْوِي﴾ يكون في انتصابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من الهاء المحذوفة من الصلة، ألا ترى أن المعنى: هذا يومكم الذي كنتم [[كنتم: ساقطة من (د)، (ع).]] توعدونه. والآخر: أن يكون منتصبًا بـ"نعيده" [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263.
وجوز أبو حيان 6/ 342، وتبعه السمين الحلبي 8/ 208 أن يكون "يوم" منصوبًا بـ"لا يحزنهم" و"تتلقاهم"، أو يكون منصوبًا بإضمار أذكر أو أعني.]].
وقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ اختلفوا في معنى ﴿السِّجِلِّ﴾:
فقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ملَكًا يقال له السجل [[في (أ): (سجل).]]، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه [[ذكره عن ابن عباس: الرازي 22/ 228، والقرطبي 11/ 347، وأبو حيان 6/ 343. ورواية عطاء عن ابن عباس هذه باطلة، وقد تقدم الكلام فيها.]].
وهذا قول السدي، قال: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنْسان دُفع كتابه إلى السجل [[في جميع النسخ: (سجل)، والتصحيح من تفسير ابن كثير "الدر المنثور".]] فطواه ورفعه إلى يوم القيامة [[رواه عن السدي بهذا اللفظ ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" 5/ 683.
ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 206، والطبري 17/ 100 عن السدي مختصرًا، بلفظ: (السجل) ملك.]].
وهذا القول مروي عن ابن عمر أيضًا [[رواه الطبري 17/ 99، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 683 من طريق يحيى بن يمان، قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا.]].
وقال [[يعني ابن عباس.]] في رواية أبي الجوزاء، وعكرمة: السجل كاتب كان لرسول الله -ﷺ- [[رواه أبو داود في "سننه" (كتاب الخراج والإمارة والفيء- باب اتخاذ الكاتب 8/ 154، والنسائي في التفسير 2/ 74، والطبري في تفسيره 17/ 100، وابن أبي حاتم في تفسيره (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، والبيهقي في "سننه" 10/ 126 كلهم من طريق يزيد بن كعب. عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، به.
وفي سنده يزيد بن كعب وهو العوذي قال الذهبي في "الميزان" 4/ 348: لا يدري من ذا أصلًا. وقال ابن حجر في التقريب 2/ 370: مجهول.
وعمرو بن مالك وهو النكري قال عنه ابن حجر في "التقريب" 2/ 426: صدوق له أوهام.
وقد تابع يزيد بن كعب يحيى بن عمرو بن مالك فرواه عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس به.
ورواه من هذا الوجه الطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 170، وابن عدي في "الكامل" 7/ 2662، والبيهقي في "سننه" 10/ 126.
لكن قال ابن كثير في "البداية والنهاية" 5/ 348 - بعد ذكره لهذه المتابعة-: ويحيى هذا ضعيف جدًّا، فلا يصلح للمتابعة.
وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200 وفي "البداية والنهاية" 5/ 348 عن ابن عمر شاهدًا لهذا الأثر رواه الخطب البغدادي في "تاريخه" 8/ 175 من حديث حمدان ابن سعيد، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر == قال: كان للنبي-ﷺ- كاتب يقال له سجل، فأنزل الله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾. ثم قال ابن كثير في "تفسيره": وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس -من رواية أبي داود وغيره- لا يصح أيضًا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي.
وقال في "البداية والنهاية" 5/ 347: وعرضت هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس- على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدًا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله.
وقال ابن القيم في تعليقه على ("سنن أبي داود" 8/ 154 حاشية عون المعبود): (سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله -ﷺ- كاتبٌ اسمه السجل قط. أهـ.
أما رواية عكرمة عن ابن عباس فقد ذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 أ.]].
قال أستاذنا أبو إسحاق [[هو أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري. صاحب التفسير الكبير المسمى بـ"الكشف والبيان".]] -رحمه الله-: هذا قول غير قوي؛ لأن كُتّاب رسول الله -ﷺ- كانوا معروفين، ليس [[في (د)، (ع): (ولم).]] يعرف فيهم من يسمى بهذا الاسم [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أإلى قوله: معروفين. ولم أجد في "تفسيره" قوله. وليس ..
وأصل الكلام للطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 100.
قال ابن كثير في تفسيره 3/ 200: وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، قال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي -ﷺ- معورفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.]].
قال الزجاج: وقيل: السجل بلغة الحبش الرَّجُل [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.]]. وعلى هذه الأقوال لا يعرف السجل اشتقاق.
وقال مجاهد: السجل: الصحيفة التي فيها الكتاب. يعني المكتوب [[رواه الفريابي في "تفسيره" (كما في "تغليق التعليق" 4/ 259)، والطبري 17/ 100 عن مجاهد مختصرًا، بلفظ: السجل: الصحيفة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 684 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 417 بمثل رواية الفريابي وغيره.]].
وهذا اختيار [[في (د)، (ع): (واختار هذا).]] الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]] وابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص 288).]]، وهو الذي يعرفه أهل اللغة من معنى السجل [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 100.]]. وهو قول الكلبي في روايته عن ابن عباس [[في (أ): (في رواية ابن عباس)، وهو خطأ.]] [[لم أجده من رواية الكلبي عن ابن عباس، وروى الطبري 17/ 100 هذا القول عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي، والعوفي.
قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة.]].
وقال قتادة: كطي الصحيفة فيها الكتب [[ذكره عنه ابن كثير 3/ 200.]].
وأصله في المساجلة، والمساجلة مأخوذ [[في المطبوع من "تهذيب اللغة" 10/ 587، و"اللسان" 11/ 325: مأخوذة. == وأشار محقق "تهذيب اللغة" في الحاشية أنَّ في الأصل: "مأخوذ".]] من السِّجل، وهو الدلو مَتْلأى ماء.
والرجلان يستقيان بالسجل فيكون لكل واحد منهما سجل. هذا هو الأصل، ثم قيل لكل أمر بين اثنين يكون [[(يكون): ساقطة من (ع).]] لهذا مرَّة ولهذا [[في (أ): (ولذلك).]] مرة: هو بينهما سجال: ومساجلة، ومنه قول اللهبي [[هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، القرشي. يقال له الذهبي نسبة إلى أبي لهب.
شاعر من فصحاء بني هاشم، كان معاصرًا للأحوص والفرزدق، وله معهما أخبار. ومدح عبد الملك بن مروان، وهو أول هاشمي يمدح أمويًّا. توفي في خلافة الوليد ابن عبد الملك.
"معجم الشعراء" للمرزباني 178، "المؤتلف" للآمدي ص 35، "الأعلام" للزركلي 5/ 150.]]:
من يساجلني يساجلْ ماجدًا ... يملأ الدلو إلى عَقْدَ الكَرَبْ [[في (أ): (الكذب)، وهو خطأ.]] [[البيت للهبي يقوله مفتخرا، وهو منسوب له في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 229، "والمعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 795، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 71، والطبري 12/ 94، و"الكامل" للمبرد 1/ 110، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 586 "سجل"، و"لسان العرب" 11/ 326 (سجل).
والكرب: هو الحبل الذي يشد على الدلو. "لسان العرب" لابن منظور 1/ 714 "كرب".
والكلام الذي ذكره الواحدي هنا مع البيت منقولٌ من مواضع متفرقة من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 584 - 588 "سجل".
وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أ.]].
ثم قيل للمكاتبة: مساجلة؛ لأنَّ المبتدئ يكتب مرة والمجيب أخرى، ولما قيل للكاتبة مساجلة قيل للكتاب: سِجل، وسَجَّل أي: كتب السجل.
هذه أربعة أقوال في السجل. وعلى الأقوال الثلاثة المتقدمة [[يعني أن السجل ملك، أو كتاب النبي -ﷺ-، أو الرجل بلغة الحبشة.]] قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بالكتاب وبالكتب علي اختلاف القراءتين [[قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: "للكُتُب" على الجمع والكاف والتاء مضمومتان وقرأ الباقون "للكتاب" على التوحيد.
"السبعة" ص 431، "التَّبْصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]]: الصحائف كما تقول: كطي زيد الكتب، ومن أفرد فإنه واحد يراد به الكثرة. وتكود اللام [[اللام: ساقطة من (أ).]] في (للكتاب) زائدة كالتي في: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: 72]. هذا كلام أبي علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264.
وانظر: "حجّة القراءات" لابن زنجلة ص470 - 471، 2/ 114 - 115.]].
وعلى القول الرابع [[يعني أن السجل: الصحيفة.]] المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل [[(والفاعل): ساقط من (د)، (ع).]] محذوف عن [[في "الحجة" 5/ 264: من.]] اللفظ كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] والتقدير: كطي الطاوي السجل، فحذف الطاوي وأضيف المصدر إلى المفعول، كما أن المعنى في سؤال نعجتك: بسؤاله نعجتك. وقوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أي: لدرج [[درج الكتاب: طيه وداخله. "تاج العروس" للزبيدي 5/ 556 (درج).]] الكتب، فحذف المضاف، والمراد بالكتب والكتاب: المكتوب. هذا كله قول أبي علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264 مع تصرف.]].
وقال المبرد: يجوز أن يكون الكتاب بدلاً من السجل، كأنه قيل: كطي الكتاب [[في (د)، (ع): (السجل)، وهو خطأ.]]، واللام مؤكدة. هذا كلامه [[لم أجده.]].
ويجوز تقدير آخر وهو أن [[(أنّ): ساقطة من (د)، (ع).]] السجل يكون بمنزلة الفاعل لما كان بانطوائه ينطوي المكتوب فيه، جعل كأنه يطوي الكتاب.
وتم الكلام [[في (أ): (الكتاب)، وهو خطأ.]]، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [[هذا قول الفراء 2/ 213، والطبري 17/ 101، والزجاج 2/ 406. والمعنى أن الكلام انقطع عند قوله "للكتب" ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذٍ، فقال: كما بدأنا أول خلق نعيده.
وقيل: إن الله تعالى لما قال "وتتلقاهم الملائكة .. " الآية، عقبه بقوله "يوم نطوي السماء .. " فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال "كما بدأنا أول خلق نعيده". انظر: "الرازي" 22/ 228.]] وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم [[في (أ): (أمهاتكم).]] حفاة عراة غُرلاً [[(غرلا): جمع أغرل، وهو الأقلف الذي لم يختن. الفائق في "غريب الحديث" للزمخشري 1/ 137، "غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 154.]]، كذلك نعيدهم يوم القيامة.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- خطيبًا [[(خطيبًا): ساقطة من (أ).]] بموعظة [[(بموعظة): ساقطة من (د)، (ع).]]، فقال: "إنَّكم مَحشورون حفاة عراة كما بدأكم [[هكذا في جمغ النسخ. وفي مصادر التخريج: بدأنا.]] أول خلق نعيده" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 351 تحقيق شاكر، والبخاري في "صحيحه" كتاب التفسير -تفسير سورة الأنبياء 8/ 437، ومسلم في "صحيحه" 41/ 2194 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بألفاظ مقاربة.]]
ونحو هذا روت عائشة عن رسول الله -ﷺ- [[رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 102، وصححه القرطبي 11/ 348.]].
القول الثاني: ما ذكره الفراء والزجاج، قال الفراء: ثم استأنف فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: نعيد الخلق كما بدأناهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]].
وقال الزجاج: نبعث الخلق كما ابتدأناه، أي: قدرتنا على الابتداء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406. وفيه: كما ابتدأناهم.]].
وقال أبو علي: المعنى نعيد الخلق إعادة كابتدائه، أي كابتداء الخلق والخلق هاهنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263. مع اختلاف يسير.]].
القول الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة [[رواه الطبرى في "تفسيره" 17/ 102 من رواية العوفي، عنه.]]. وهذا معنى قوله في رواية عطاء.
وعلى هذا المعنى: كما بدأنا أول خلق نعيده إلى الفناء والهلاك. وعلى هذا ليس الكلام بمستأنف بل هو متصل بالأول يقول: نطوي السماء ثم نعيده [[في (أ): (ونعيده).]] إلى الفناء. قال ابن عباس: كما بدأ خلقها ثم يذهب فلا يكون شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ قال الزجاج: منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ بمعنى وعدنا هذا وعدا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 344، "الدر المصون" 8/ 213.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الفعل بعينه.
ومعنى هذا ما ذكره الزجاج: أي قادرين على فعل ما نشاء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.]].
وقال الآخرون [[هذا قول الطبري 17/ 102، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب.]]: يعني البدء والإعادة. والمعنى إنا كنا فاعلين [[عند الطبري 17/ 102: إنا كنا فاعلي.]] ما وعدناكم من ذلك والموعود هو الإعادة.
21:105Page 331
وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥
And We have already written in the book [of Psalms]1 after the [previous] mention2 that the land [of Paradise] is inherited by My righteous servants.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور: جميع [[في (د)، (ع): (جمع)، وهو خطأ.]] الكتب المنزلة من السماء، والمراد بالذكر أم الكتاب الذي عند الله.
هذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن جبير ومجاهد وابن زيد. ورواه عن سعيد بن جبير سفيان في "تفسيره" ص 206، وسعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 أ، وهناد في "الزهد" 1/ 123، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لهناد وعبد بن حميد وابن جرير.
ورواه عن مجاهد الطبري 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. ورواه عن ابن زيد الطبري 17/ 103.]]، واختيار أبي إسحاق، قال: الزبور جميع الكتب: التوراة والإنجيل والقرآن [[في المطبوع من المعاني: الفرقان.]]، زبور لأنّ الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، والمعنى: ولقد كتبنا في الكتب من بعد ذكرنا في السماء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.]].
قال ابن عباس في رواية الكلبي، والضحاك، والسدي: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس والضحاك. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 103 عن ابن عباس من طريق العوفي. ورواه عن الضحاك أيضًا 17/ 103. ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن الكلبي.]].
وقال في رواية عطاء: يريد زبور داود من بعد التوراة. وهذا قول عامر الشعبي [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 555، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، والحاكم في "مستدركه" 2/ 587، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 686 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم.]].
والمختار قول سعيد لأنَّه الأجمع [[وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 17/ 104، وما نقله الواحدي بعد ذلك من قوله: وتأويل الكلام. هو كلام الطبري رحمه الله.]]، وتأويل الكلام: لقد حكمنا فأثبتنا حكمنا في الكتب من بعد أم الكتاب.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة. قاله ابن عباس -في رواية عطاء- ومجاهد والسدي، وأبو صالحِ، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد [[رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 104 من طريق مجاهد عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 687 وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. == وروى الطبري 17/ 104 - 105 هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وابن زيد.
وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 201 هذا القول عن أبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبي صالح وغيرهم.]]، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: 74] الآية، {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} قالوا: المؤمنون العاملون بطاعة الله [[انظر: "الطبري" 17/ 104 - 105، و"تفسير ابن كثير" 3/ 201، و"الدر المنثور" 5/ 686 - 687.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني الدنيا تصير للمؤمنين من هذه الأمة، وهذا حكم من الله -عَزَّ وَجَلَّ- بإظهار الدين وقهر الكافرين [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس بهذا النّصّ. وقد ذكر الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 693 أن القولين كليهما حق داخل في الآية ويشهد لكل منهما قرآن. واستشهد للأول -أنها أرض الجنة- ما استشهد به الواحدي، واستشهد للثاني بآيات منها قوله تعالى "وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا" [الأحزاب: 27]، وقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] وغيرها من الآيات.]].
21:106Page 331
إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ ١٠٦
Indeed, in this [Qur’ān] is notification for a worshipping people.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآن في قول الجميع [[انظر "الطبري" 17/ 105، الثعلبي 3/ 45 ب.
وقيل: الإشارة في قوله ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. انظر "القرطبي" 11/ 349، "البحر المحيط" 6/ 344.]]. ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية. يقال: في هذا الشيء بلاغٌ وبُلْغةٌ وتَبَلُّغ [[في (د)، (ع): (تبليغ).]]، أي: كفاية [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 139 "بلغ" منسوبًا إلى الليث.]].
والبلوغ: الوصول، والبلاغ: سبب الوصول، وهو ما يوصل به إلى الشيء كبلاغ المسافر [[انظر: "الصحاح" 4/ 1316 "بلغ"، "لسان العرب" 8/ 419، "القاموس المحيط" 3/ 103.]].
والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه إلى الجنة [[انظر: "الطبري" 17/ 105، "الكشف والبيان " للثعلبي 3/ 45 ب.]].
قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين [[ذكره القرطبي 11/ 349 عن ابن عباس، وذكره الماوردي 3/ 475 من غير نسبة. وقد روى الطبري 17/ 106 من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: عالمين. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 686 وزاد نسبته لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال كعب: هم أمة محمد -ﷺ- الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان سماهم الله سبحانه وتعالى عابدين [[ذكره بهذا اللفظ عن كعب: الثعلبيُ في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب. وقد رواه الطبري 17/ 105 - 106 عنه بنحوه مفرَّقَا.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 201: "لقوم عابدين" وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحجه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.]].
وذكر [[في (د)، (ع): (وذكرهم)، وهو خطأ.]] بعضهم: البلاغ في هذه الآية بمعني التبليغ، على معنى: إنّ في القرآن تبليغًا من الله إلى خلقه، فلا يبقى لأحد بعده عذر. وهذا بعيد؛ لتخصيص العابدين بالذكر، ولأنه قال "بلاغًا لقوم" فوجب أن يكون البلاغ لهم، ولو كان بمعنى التبليغ لم يوصل باللام.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences