Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:107–112
21:107Page 331
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a mercy to the worlds.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد للبر والفاجر؛ لأن كل نبي غير محمد -ﷺ- إذا كُذِّب أهلك الله من كذَّبه، ومحمد أُخر من كذّبه إلى موت أو قيامة، والذي صدقه عُجلت له الرحمة في الدنيا والآخرة.
وقال في رواية سعيد بن جبير: تمت الرحمة لمن آمن به [[به: ساقطة من (د)، (ع).]]، ومن [[في (د)، (ع): (ولمن)، وهو خطأ.]] لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم قبلنا من المسخ [[المسخ: تحويل خلق إلى صورة أخرى. "لسان العرب" 3/ 55 (مسخ).]] والخسف والقذف [[رواه الطبري 17/ 106، وابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 202) من طريق المسعودي، عن سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه.
ورواه الطبري في "المعجم الكبير" 12/ 23 من طريق أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 69: رواه الطبراني، وفيه: أيوب بن سويد، وهو ضعيف جدًّا وقد وثقه ابن حبان بشروط فيمن يروى عنه وقال: إنه كثير الخطأ، والمسعودي قد اختلط.
وقد ذكر هذا الأثر عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 687 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في "الدلائل".]].
وقال الكلبي: يعني الجن والإنس. وقال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 ب. ورواه الطبري 17/ 106 بنحوه واختار الطبري 17/ 106 العموم.
فإن قيل: الكفار لم يرحموا به، فالجواب من وجهين:
الأول: ما ذكره الطبري 17/ 106 - وجاءت به الرواية عن ابن عباس- وهو أنه دفع به عنهم عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبه.
الثاني: ما ذكره غير واحد منهم ابن جزي في التسهيل 3/ 72، والألوسي في روح المعاني 17/ 104 واستظهره، والشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 694 واستظهره، واللفظ له: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خيري الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تل الرحمة == العظمى ... ويوضح ذلك قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28].]].
21:108Page 331
قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٨
Say, "It is only revealed to me that your god is but one God; so will you be Muslims [in submission to Him]?"
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال الكلبي: يعني مخلصون العبادة [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 399 ونسبه إلى ابن عباس.]].
ومعناه: فهل أنتم مسلمون [[فيكون "مسلمون" بمعنى مستسلمون أو مذعنون أو منقادون. انظر: "الطبري" 17/ 107، وابن كثير 3/ 202.]] لهذا [[في (ع): (بهذا).]] الوحي [[(الوحي): ساقطة من (أ).]] الذي يوحى [[في (د)، (ع): (أوحي).]] إليَّ من إخلاص الإلهية والتوحيد لله.
والمراد بهذا الاستفهام الأمر [[نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 399 إلى أهل المعاني.]]، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [[هود: 14. ووقع في (أ)، (د): (هل أنتم مسلمون)، وهو خطأ.]]. وقد مرَّ.
21:109Page 331
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ ١٠٩
But if they turn away, then say, "I have announced to [all of] you equally.1 And I know not whether near or far is that which you are promised.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: يريد فإن لم يسلموا ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ قال: يريد للحرب ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يريد على بيان [[القرطبي 11/ 350 من غير نسبة لأحد. وانظر الماوردي 3/ 476.]].
والمعنى: أعلمتكم أنّي حرب لكم إعلامًا ظاهرًا، أستوي أنا وأنتم في العلم به، فاستوينا في العلم [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 289.]].
وقال أبو إسحاق: أعلمتكم بما يوحى إلى لتستووا في الإيمان به [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 408.]].
ومعنى هذا على سواء. وقد مرَّ.
وقال أبو علي الفارسي: سواء تحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون صفة لمصدر محذوف، التقدير: آذنتكم إيذانا على سواء، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ [البقرة: 181] التقدير: كتابة كما كتب، فحذف المصدر. ومعنى إيذانا على سواء: إعلامًا نستوي في علمه لا أستبد أنا به [[في (أ): (لا استيدابانه)، وفي (د)، (ع): (لا ستيذانابه)، ولعل الصواب ما أثبتناه.]] دونكم؛ لتتأهبوا لما يراد منكم. والثاني: أن يكون حالاً. فإذا جعلته حالاً أمكن فيه ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون حالاً من الفاعل [[يعني الرسول -ﷺ-.]]. والآخر: أن يكون حالاً من المفعول به [[يعني المخاطبين، وهم الكفار.]]. والثالث: أن يكون منهما جميعًا، على قياس ما جاء في قول عنترة:
متى ما نلتقي فردين ترجف ... روادف إليتيك وتستطارا [[البيت في "ديوانه" ص 234، وفيه: روانف. و"تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 14 (طار)، و"أمالي ابن الشجري" 11/ 16، و"المخصص" لابن سيده 2/ 44، و"لسان العرب" 4/ 513 "طير". وفي جميع ما مضى: روانف.
وهو من قصيدة قالها عنترة يهجو بها عمارة بن زياد العبسي أحد سادة عبس، وكان يحسد عنترة ويقول لقومه: إنكم أكثرتم ذكره، والله لوددت أني لقيته خاليًا حتى أعلمكم أنه عبد، قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص 234: قوله: نلتقي فردين: أي: منفردين أنا وأنت .. ، والروانف: جوانب الإليتين وأعلاها وإجدتها رانفة. ومعنى ترجف: تضطرب جزعًا وجبنا، وتستطار: تكاد تطير، والألف في تستطار ضمير الروانف لأنهما في معني رانفين، ويجوز أن تكون ضمير الإليتين. اهـ. وانظر "الخزانة للبغدادي" 3/ 377.
والشاهد فيه: نصب "فردين" على الحال من ضميره النهاعل والمفعول في "نلتقي".]] [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 483 - 484، "إعراب القرآن" للأنباري == 2/ 166 - 167، "الدر المصون" 8/ 216.]]
21:110Page 331
إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ ١١٠
Indeed, He knows what is declared of speech, and He knows what you conceal.
No commentary for this ayah
21:111Page 331
وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ١١١
And I know not; perhaps it1 is a trial for you and enjoyment for a time."
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل القيامة لا يدريه أحد لا نبي ولا ملك [[ذكره القرطبي 11/ 350 عن ابن عباس. ثم قال القرطبي: وقيل: آذنتم بالحرب، ولكن لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.]].
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ قال الزجاج: ما أدرى لعل ما آذنتكم به ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 408.]].
يعني: ما أخبرهم [[في (أ): (اختبرهم).]] به من أنه لا يدري وقت عذابهم وهو القيامة، وكأنه قيل: لعل تأخير العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم.
وهذا معنى قول سعيد ابن جبير والأكثرين: أن الفتنة هاهنا بمعنى الاختبار [[لم أجد من ذكره عن سعيد، وقد ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 253، والجشمي في "التهذيب" 6/ 164 ب ولم ينسباه لأحد.]].
وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: لعله هلاككم [[في (د)، (ع): (هلاكهم).]]. يعني: أنهم يزدادون طغيانًا وتماديًا في الشر بتأخير العقوبة عنهم [[ذكره الماوردي 3/ 477 من غير نسبة لأحد.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تتمتعون إلى [[في (د)، (ع): (في)، وهو خطأ.]] إنقضاء آجالكم.
21:112Page 331
قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢
[The Prophet (ﷺ)] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."1
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: كانت الأنبياء يقولون ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. فأمر الله نبيه -ﷺ- أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 9/ 685.]].
فعلى هذا معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بعذاب كفار قومي الذي هو حق نازل بهم. ويدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- كان إذا شهد قتالاً قال: رب احكم بالحق [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 30، والطبري 17/ 108 عن قتادة مرسلاً. وهو ضعيف لإرساله، ومراسيل قتادة من أوهى المراسيل.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 689، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، به مرسلا.]].
قال الكلبي: فحكم عليهم بالقتل [[في جميع النسخ: (القتل)، والمثبت من "الوسيط" 3/ 255.]] يوم [بدر، ويوم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أحد، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، ويوم الخندق.
فدل على أن المسئول بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ عذاب قومه، والمعنى على هذا القول: افصل بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع.
وقال أبو عبيدة: معناه: رب احكم بحكمك [الحق] [[زيادة من "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 46 أ.]]، فأقيم الحق [[في (أ): (بالحق)، هو خطأ.]] مقامه؛ لأن حكمه لا يكون إلا حقًّا [[لم أجده في المطبوع من "مجاز القرآن". وهو عند القرطبي 11/ 351 منسوبًا إلى أبي عبيدة. وذكره الطبري 17/ 108 هذا القول وصدّره بقوله: وقد زعم بعضهم أن معنى .. فذكره، ثم قال الطبري: ولذلك وجه، غير أن الذي قلناه -يعني القول الأول الذي ذكره الواحدي، وهو أن معخى الحق هنا عذاب قومه- أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه.]].
وقال أهل المعاني: هذا الدعاء مما تُعبّد النبي -ﷺ- أن يقوله، ويدعو به، وإن كان الله لا يفعل غيره، لما في ذلك من التضرع [[في (د)، (ع): (النضر)، وهو خطأ.]]، والعبودية كقوله [[في (أ): (لقوله).]]: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] والله منجز وعده، وإن لم يسأل ذلك، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: 7، 8] الآيتان [[ذكره هذا المعنى باختصار الطوسي في "التبيان" 7/ 253 ولم ينسبه لأحد.]].
وقرأ حفص [[قرأ حفص عن عاصم: (قال) بألف، وقرأ الباقون: (قُل) بغير ألف. "السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 156.]] ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني قال الرسول ذلك [[أي: إخبار عن الله عز وجل عن نبيه -ﷺ- فهي مسألة سألها ربه، وقراءة الباقين: (قل) على الأمر، أي: قل يا محمد: يا رب احكم بالحق فهو تعلم من الله لنبيّه أن يسأله الحكم بالحق.
"علل القراءات" الأزهري 2/ 417، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 471.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي وخلافكم إياه، واتخاذكم الحجارة أربابًا.
وقال غيره [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 109.]]: على ما تكذبون في قوله ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: 3] وقولكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: 26]. والمعنى ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من كذبكم وباطلكم.
والوصف بمعنى الكذب -على الوجه الذي ذكرنا- قد ذكر في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139]، وقوله: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ وقرئ (تصفون) بالتاء والياء [[قرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: (يصفون) بالياء على الغيبة. وقرأ الباقون: (تصفون) بالتاء على الخطاب.
"السبعة" ص 432، "النشر" 2/ 325.]].
فمن قرأ بالتاء ففي الآية إضمار، أي: وقيل للمشركين: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون. ومن قرأ بالياء فهو [[(فهو): ساقطة من (د)، (ع).]] إخبار عن الكفار [[انظر: "الحجة" للفارسي 5/ 265، "علل القراءات" للأزهري 2/ 417.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences