Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Anbya · 21:22–32

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:22–32

21:22Page 323

لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.

ثم ذكر الدلالة على توحيده وأنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض، وجرى ذكرهما قبل.

﴿آلِهَةٌ﴾ معبودين يستحقون العبادة. ﴿إلا اللهُ﴾ قال الزجاج: "إلا" صفة في معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، وأنشد [[البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 3878 من غير نسبة. وهو منسوب لعمرو بن معدي كرب في: "الكتاب" 2/ 334، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 131، "البيان التبيين" للجاحظ 1/ 228، الطبري 8/ 527. وهو في ديوان عمرو ص 187، ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" ص 85 لحضرمي بن عامر الأسدي ضمن أبيات قالها. وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 296، "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 424. قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 371: وهذا على مذهب الجاهلية، وكأنه قاله قبل الإسلام، ويحتمل أنه يريد في مدة الدنيا. اهـ. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب يهتدي بهما. انظر الصحاح للجوهري 2/ 519 "فرقد"، "القاموس المحيط" 1/ 323.]]:

وكلُّ أخٍ مُفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ

وقال: المعنى: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 388. وهذا قول سيبويه والكسائي وغيرهما. انظر: "الكتاب" 2/ 313 - 332، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 67.]].

وعلى هذا التقدير: آلهة غير الله، فغير الله صفة الآلهة على معني: آلهة هم غير الله كما يزعم المشركون [[وذهب الفراء إلى أن "إلا" هنا بمعنى سوى، وتقديره: لو كان فيهما آلهة سوى الله. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 200، "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 159.]].

وقال الأخفش [[في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 295: ... وقد يكون ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 99] رفعا، تجعل (إلا) وما بعده في موضع صفة بمنزلة: غير ... ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله (إلا الله) صفة.]] في هذه الآية: إلا وما بعدها بمنزلة غير، تقول: لو كان فيهما أحد إلا أنت لم أبل [[قال سيبويه في "الكتاب" 4/ 405: وسألته -يعني الخليل- عن قولهم: لم أبل، فقال: هي من باليت، ولكنهم لما أسكنوا اللام حذفوا الألف؛ لأنه لا يلتقي ساكنان.]] [أي غيرك، وكذلك لو أنه إلا أنت لم أبل إلا غيرك، ولو كان إلا أياك لم أبل] [[ساقط من (أ)، (ت).]] كأنك قلت كغيرك.

قال أبو علي في "الإيضاح": تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فتنصب الاسم بعد إلا على الاستثناء، ويجوز أن ترفعه إذا جعلت إلا وما بعدها صفة فتقول: جاءني القوم إلا زيد، وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [["الإيضاح العضدي" لأبي علي الفارسي 1/ 229.]].

فظهر أن قوله: ﴿إلاَّ اللهُ﴾ ليس باستثناء إنما هو صفة للآلهة كما ذكرنا.

وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي: لخربنا وبطلتا وهلكتا، وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة [[يشير الواحدي بهذا إلى الدليل المشهور عند المتكلمين الذي يسمونه دليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أولا يحصل مراد واحد منهما. والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع ببن الضدين، والثالث ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل واحد منهما والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية. انظر: "الإنصاف" للباقلاني ص 34، "الشامل في أصول الدين" للجويني ص 352، "غاية المراد" للآمدي ص 151 - 152، "منهاج السنة النبوية" لأبي العباس أحمد بن تيمية 3/ 304 - 305، "شرح الطحاوية" ص 78 - 79.

لما كان كلام الواحدي هنا قد يفهم منه المقصود بهذه الآية دليل التمانع فإنه ينبغي الإشارة هنا إلى ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن جزي الكلبي وابن أبي العز الحنفي وغير واحد من أهل العلم وهو: أن طوائف من المتكلمين والمفسرين == يظنون أن دليل التمانع الذي تقدم ذكره هو الدليل المذكور في القرآن في قوله "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وليس الأمر كذلك، فإن هؤلاء -كما يقول ابن أبي العز- في "شرحه" للطحاوية ص 86 - 87: "غفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباب، وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضًا فإنه قال: "لفسدتا" ولم يقل: لم يوجدا. ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه، فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد". اهـ. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 461: "هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى، فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع وجوده بعد فساده". ويقول في كتابه "منهاج السنة النبوية" 3/ 334 - 335 بعد ذكره لدليل التمانع وبيان أنه دليل عقلي صحيح، ثم تنبيه على غلط من ظن أن هذا الدليل هو المقصود من قوله "لو كان فيهما آلهة إلا الله" يقول: والمقصود هنا أن من هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة، فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته. وهذا معني قول النبي -صلي الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل

ولهذا قال الله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقدم اسم الله على اسم الرب في أولها حيث قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالمعبود هو المقصود المطلوب المحبوب لذاته، وهو الغاية والمعين، وهو البارئ المبدع الخالق، ومنه ابتداء كل شيء، والغايات تحصل بالبدايات، والبدايات بطلب =]]، فلا يجرى أمر العالم على النظام، ويؤدي ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلى هلاك العالم؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لا يجري على النظام وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: 42] الآية.

والمعنى: على نفي أن يكون في الأرض أو في السماء آلهة فهم [[(فهم): ساقطة من (ت).]] غير الله وإذا بطل ذلك ثبت أنه لا إله غيره.

ثم نزه نفسه عما يصفه به الكافرون من الشريك والولد بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

21:23Page 323

لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣

He is not questioned about what He does, but they will be questioned.

قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: لا يسأل الله عن فعله والناس يسألون عن أعمالهم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 201.]].

وقال الضحاك: لا يسأل عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤلون [[في (ت): (مسؤل).]] عن أعمالهم [[رواه الطبري 17/ 14. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 622 وعزاه لابن أبي حاتم فقط.]].

وقال أبو إسحق: لا يسأل في القيامة عن حكمه في عباده، ويَسْألُ عباده عن أعمالهم إيجاباً للحجة عليهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 388.]].

قال المفسرون [[معناه عند الطبري 17/ 14، و"الكشف والبيان" للثعلبى 32/ 8 ب.]]: إن الله تعالى لا يسأل عما يحكم في عباده من إعزاز وإذلال،. وهدى وضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الأعيان، والخلق يُسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم [[في (ت): (لم تعلم).]] كذا وكذا؛ لأنهم العبيد وواجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟.

وهذا معنى ما روي عن أبي الأسود الديلي قال: غدوت على عمران ابن حصين يوما من الأيام فقال: أبا الأسود رأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون؟ قال: قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً فقلت [[في (ت): (وقلت).]]: إنه ليس شيء إلا خَلْقُ الله وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله ما سألتك إلا لأجرب عقلك [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 438، ومسلم في "صحيحه" 4/ 2041، والطبري 30/ 211، واللالكائي في "شرح أصول السنة" 3/ 542.]].

وهذا الآية بتفسير المفسرين والصحابة دليل ظاهر على القدرية في مسألة القدر.

21:24Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤

Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.

ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم احتجاج من وجه آخر وهو [[(وهو): ساقط من (د)، (ع).]] قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: بينتكم [[في (ت): (بينكم).]] على ما تقولون من جواز اتخاذ إله سواه.

﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [[موضع هذا بياض في (ت).]] يعني القرآن يقول: فيه خبر [[في (ت): (خير).]] من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.

﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من المفسرين من يجعل هذا أيضًا من صفة القرآن يقول: معناه: وخبر من قبلي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة. وهذا مذهب السدي والكلبي [[ذكره الرازي 22/ 158 عن السدي، ونسبه أيضًا لسعيد بن جُبير وقتادة ومقاتل. ولم أجد من ذكره عن الكلبي وقد روى الطبري 17/ 15 هذا المعنى عن قتادة.]].

وعلى هذا المعنى: أنه لما طالبهم بالبرهان على ما هم عليه من الشرك أمره أن يذكر لهم برهانه على ما هو عليه من التوحيد وهو القرآن الذي فيه ما تحتاج إليه هذه الأمة من الأحكام مع أخبار الأمم السالفة.

وقال ابن عباس -في رواية عطاء- في قوله: ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: يريد التوراة والإنجيل وما أنزل الله من الكتب [[ذكره البغوي 5/ 314 من رواية عطاء، عن ابن عباس.]].

وهذا القول هو اختيار الزجاج وعبد الله بن مسلم [[هو ابن قتيبة، وقوله في كتابه "غريب القرآن" ص 285.]] وصاحب النظم.

والمعنى على هذا القول: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أقر باتخاذ إله [سواه؟

فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود] [[ساقط من (أ)، (ت).]] سواه من [[موضع (سواه من) بياض في (ت).]] حيث الأمر بذلك.

قال أبو إسحاق: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل [[في (أ)، (ت): (الرسول)، وهو خطأ.]] أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 389.]].

وقال صاحب النظم: لما قال عز وجل: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: حجتكم على ما تفعلون قال لنبيه -ﷺ- قل لهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي القرآن الذي أنزل علي ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: ما عند اليهود والنصارى، هل فيه شيء [[شيء: ليست في (د)، (ع).]] أني أذنت لأحد، أو أمرته بأن يتخذ إلهاً دوني؟ وهل في ذلك [[في (أ)، (ت): (ذكر).]] كله إلا أني أنا الله وحدي لا شريك لي؟

فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم على جهلهم بمواضع الحق وتركهم للتأمل والتفكر فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.

ويدل [[في (ع): (يدل).]] على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

21:25Page 324

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥

And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."

No commentary for this ayah

21:26Page 324

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦

And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.

قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الملائكة [[مثله في "تنوير المقباس" ص 201.]].

﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عما يقولون ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ بل هم عباد يعني الملائكة. ﴿مُكْرَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أكرمتهم واصطفيتهم [[انظر المرجع السابق ص 201.]].

21:27Page 324

لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧

They cannot precede Him in word, and they act by His command.

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم.

وقال ابن مسلم: أي لا يقولون حتى يقول ويأمر وينهى، ثم يقولون عنه [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 285.]].

وقال غيره: لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به فقولهم طاعة لربهم.

21:28Page 324

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨

He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.

قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد الدنيا [[ذكره عنه القرطبي 11/ 281.]].

وعنه أيضًا: أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم أي ما عملوا وما هم عاملون [[رواه بنحوه الطبري 17/ 16 من طريق العوفي عن ابن عباس. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 ب.]].

وقال السدي على عكس قول عطاء [[لم أجده.]].

﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله [[رواه الطبري 17/ 16. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 624 وعزاه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث.]].

وقال مجاهد: لمن رضي عنه [[رواه الطبري 17/ 17، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 624 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

وقال السدي: للمؤمنين.

﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون لا يأمنون مكره. وذكرنا الكلام في هذا أبلغ عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [[المؤمنون: 57. ولم تتقدم، وستأتي بعد.]].

21:29Page 324

۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.

قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: الملائكة ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ قال قتادة: [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 17، وذكره السيوطي في في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم.]]، والسدي، والكلبي: يعني إبليس لعنة الله، لأنه أمر بطاعته ودعا إلى عبادة نفسه [[قال ابن عطية 10/ 140: وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرد قط أنه ادعى ربوبية. اهـ. والأظهر أن يقال إنّ السياق في الملائكة، والمعنى على سبيل الفرض أنهم يقولون ذلك، وهم لا يقولونه. انظر: "روح المعاني" للآلوسي 17/ 33.]].

﴿كَذَلِكَ﴾ كما جزيناهم جهنم ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.

21:30Page 324

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?

قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أولم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: ﴿كَانَتَا﴾ لأنه أراد السماء والأرض [[قول أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 36. وقول الزجاج في كتابه: "معاني القرآن" 2/ 390.]].

وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان [[في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 634: (سودان).]] وفي كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41] [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 633 - 634. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 69، "الدر المصون" 8/ 147.]].

قوله تعالى: ﴿رَتْقًا﴾ الرتق معناه في اللغة: السد. يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج [[انظر: (رتق) في "تهذيب اللغة" للأزهري (9/ 53 - 54)، "الصحاح" للجوهري 4/ 480، "لسان العرب" 10/ 114.]].

وقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا. ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه [[انظر: (فتق) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 62، "الصحاح" للجوهري 4/ 1539 - 1540، "لسان العرب" 10/ 296 - 297.]].

قال أبو إسحاق: وقيل ﴿رَتْقًا﴾ لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]].

واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه:

أحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله -عَزَّ وَجَلَّ- السماء بالمطر والأرض بالنبات [[روى الحاكم في "مستدركه" 2/ 382 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 43 من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله طلحة واه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في "الأسماء والصفات". وأخرج أبو نعيم في "الحلية" 1/ 320 من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا أتاه فسأله عن قوله ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر .... فذكره بنحوه ما هنا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية. وفي "الدر المنثور" 5/ 625: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله "كانتا رتقا" قال لا يخرج منهما شيء "ففتقناهما" قال: فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات. فهذه روايات ثلاث عن ابن عباس رضي الله عنهما، يعضد بعضها بعضًا.]].

وهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب [[هو أبان بن تغلب، أبو سعد -وقيل: أبو أمية- الربعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ. قال ابن عدي: وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. وقال الذهبي: وهو صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار. وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه للتشيع. توفي سنة 140 هـ، وقيل: 141 هـ. "الكامل" لابن عدي 1/ 380، "تهذيب الكمال" للمزي 2/ 6 - 8، "سير أعلام النبلاء" للذهبي 308 - 309، "تقريب التهذيب" لابن حجر 2/ 30، "غاية النهاية" لابن الجزري 1/ 4. ولم أجد هذه الرواية عن مجاهد من طريق أبان، لكن وجدتها من طريق خصيف، عن مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (ص 200) عن خصيف.]]، وعطية العوفي، وابن زيد [[رواها الطبري في "تفسيره" 17/ 17. وذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.]]، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.]] وابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 286.]].

الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. وهذا قول الحسن، وقتادة [[رواه الطبري 17/ 18 عن الحسن وقتادة، وذكره عهما السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[ذكره عن الضحاك الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ. وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص 200 عن الضحاك قال: كن سبعًا ملتزقات ففتق بعضهن عن بعض. ورواه الطبري 17/ 18 من طريق الضحاك، عن ابن عباس.]]، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[روى سفيان في "تفسيره" ص 200 عن أبيه، عن عكرمة، سئل ابن عباس رضي الله عنهما. أيهما كان قبل الليل أو النهار؟ فقرأ "أو لم ير .... " الآية ثم قال: وهل كانن بينهما إلا ظلمة. وكذا رواه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1368. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23 والطبري 17/ 19 من طريق عكرمة مختصرًا.]].

قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً توسطتها ففتحها بها [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ. وهو من الإسرائيليات.]].

الوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون.

وهذا قول أبي صالح [[رواه عنه الطبري 17/ 19، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1025، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأي الشيخ في العظمة.]]، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيج [[رواه الطبري 18/ 18، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1026، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": 5/ 626 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشخ في "العظمة".]]، والسدي [[رواه الطبري 17/ 19. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.]]، واختيار أبي إسحق، قال: المعنى أن السموات كانت سماء واحدة [[في (أ)، (ت): (واحد).]] مرتتقة، ففتقها الله، فجعلها سبعًا وجعل الأرض سبع أرضين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]].

وأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما.

قال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390. وقال الطبري 17/ 19 عن هذا القول أنه أولى الأقوال بالصواب، لدلالة قوله "وجعلنا من الماء كل شيء حي" على ذلك، وأنّه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدّمه من ذكر أسبابه. وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 141: وهذا قول حسن، يجمع العبرة وتعديد النعمة واحبيبة بمحسوس بين، ويناسب قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار.]].

أي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي. وهذا قول قد حكي [[انظر: "الطبري" 17/ 19 - 20.]]، وتحتمله دلالة الآية.

والمفسرون على قول آخر. قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 20.]].

وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة [[رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 45، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".]].

قال المفسرون [[انظر: "الطبري" 17/ 20، و"الثعلبي" 3/ 29 أ.]] إنَّ كل شيء حي فهو مخلوق من الماء كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: 45].

وعلى هذا لا يتعلق قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين.

وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان.

21:31Page 324

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١

And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ذكرنا تفسير هذه القطعة عند قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في سورة النحل [آية: 15].

وتقدير قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ كتقدير قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] وذكرنا الخلاف بين النحويين في هذه المسألة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. وقد اختلف النحويون في تقدير "أن تميد" ونحوها من الآيات فعند الكوفيين "إنْ" بمعنى لئلا، أو ألَّا، على تقدير: لئلا تميد، لئلا تضلوا. وقال البصريون: المحذوف هاهنا مضاف، على تقدير: مخافة أن تميد أو كراهة أن تميد، وكراهة أن تضلوا. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إلى مقامه، قالوا: و"لا" حرف جاء لمعنى النفي فلا يجوز حذفه، وحذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف "لا".

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 511، == 2/ 393، "الإملاء" للعكبري 1/ 205، 2/ 132، "البحر المحيط" 3/ 408 - 409، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 46، "الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي ص 224 - 225.]].

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الرواسي.

﴿فِجَاجاً﴾ قال أبو عبيدة: يعني المسالك [["مجاز القرآن" 2/ 37.]].

وقال أبو إسحق: كل مخترق بين جبلين فهو فج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]].

وقال الليث: الفج: الطريق الواسع بين الجبلين [[قول الليث في "العين" 6/ 24 "فج" مع اختلاف في آخره [في قبل جبل ونحوه].]].

وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فَجٌّ وأفُجٌّ وفِجَاج [[قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 597 - 508 "فَجَّ".]].

والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، يقال: فججت رجلي أفجهما [[في جميع النسخ: (أفجها)، والتصويب من "تهذيب اللغة".]] فجًّا، إذا وسعت بينهما.

ومنه قيل للطريق بين جبلين: فج؛ لأنه كأنه فرج بين الجبلين. ويقال: افجج فلان افتجاجا، إذا سلك الفجاج [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 508 (فجَّ) منسوبًا إلى الأصمعي.]].

وذكر بعض أهل التفسير أن الكناية عن قوله: ﴿فِيهَا فِجَاجًا﴾ عائدة إلى الأرض [[نسبه الرازي في تفسيره 22/ 165 إلى الكلبي، وهو اختيار الطبري فقد قال في تفسيره 17/ 21: وإنما اخترنا القول الآخر، وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل، وذلك أن ذلك == كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه من ذلك كله فجاجا سبلاً، ولا دلالة تدل على أنه عني بذلك فجاج بعض الأرض -التي جعلها لهم سبلا- دون بعض، فالعموم بها أولى. وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 144 عن هذا القول إنه أحسن.

واستظهره أبو حيان في "البحر" 6/ 309. ويدل لهذا القول قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: 19 - 20].]].

والأولى أن تعود إلى الجبال؛ لما ذكرنا أن الفج في اللغة: الطريق بين الجبلين، وابن عباس أيضًا قال في تفسير هذه الآية: وجعلنا من اجبال طرقًا؛ حتى يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار للتجارات وغيرها [[ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي 5/ 349. وذكره القرطبي 11/ 285 مختصرًا. وذكر الرازي 22/ 164 أوله ثم قال: وهو قول مقاتل، والضحاك، ورواية عطاء عن ابن عباس. وقد روى الطبري 17/ 21 من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس وجعلنا فيها فجاجا سبلا" قال: بين الجبال. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه للطبري وابن المنذر. وهي رواية ضعيفة؛ لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس. قال الإمام أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني وسمعت. فحسبك. "تهذيب التهذيب" 6/ 404.]].

وقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾ تفسير للفجاج، وبيان له. وفائدته أن الفج في موضوع اللغة يجوز أنه لا [[(لا): ساقطة من (أ).]] يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً، فلما ذكر الفجاج بين أنه جعلها سبلاً نافذة مسلوكة.

21:32Page 324

وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢

And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ السقف معناه في اللغة: غماء البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 413 وفيه هذا الكلام منسوبًا إلى الليث، و"الصحاح" للجوهري 4/ 1375، وفي "العين" 5/ 81: سقف: عماد البيت، و"لسان العرب" لابن منظور 9/ 155 (سقف).]]، والسماء للأرض كالسقف للبيت، فجعلت السماء سقفًا وسميت به، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] يعني السماء.

وقوله تعالى: ﴿مَحْفُوظًا﴾ قال ابن عباس: من الشياطين بالنجوم [[ذكره ابن الجوزي 5/ 349 من رواية أبي صالح عن ابن عباس.]]. وهو قول الكلبي، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.]] ودليل هذا التأويل قوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: 17].

وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر قال: حفظه الله من الوقوع على الأرض إلا بإذنه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]].

ودليل هذا قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65].

وزاد غيره: محفوظا من الهدم، ومن أن يلحقها ما يلحق غيرها من السقوف على طول الدهر [[جاء عن قتادة نحو هذا القول، فقد ذكر أبو حيان 6/ 39 عنه أنه قال: حفظ من البلى والتغير على طول الدهر. وقيل إن الحفظ هنا شامل لما تقدم، لدلالة الآيات المتقدمات. قال ابن عطية 10/ 144: والحفظ هاهنا عام في الحفظ من الشياطين. وقوى الرازي 22/ 165 القول بأن المراد الحفظ من الوقوع والسقوط اللذين يجري مثلهما لسائر السقوف؛ لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظما لأف سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]. ومما يقوي هذا القول ويعضده أن الآيات سبقت للدلالة على التوحيد فكان تجريد العناية لبيان نعمة الله على عباده بحفظ هذه السماء من السقوط أولى من بيان حفظها من الشياطين.]].

وقال مجاهد: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مرفوعًا [[رواه الطبري 17/ 22، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1038. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ.]].

وهذا معنى وليس بتفسير. وذلك أنه مرفوع رفعًا لا يطمع أحد أن يناله بنقض أو يبلغه بحيلة، فرفعه سبب حفظه من أن يبلغه أحد.

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[انظر: "تنوير المقباس" ص 201.]].

﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [[في (د)، (ع): (آياتنا)، وهو خطأ في الآية.]] قال الكلبي وغيره من المفسرين: شمسها وقمرها ونجومها [[انظر: "الطبري" 17/ 22، "تنوير المقباس" ص 201، القرطبي 11/ 285.]].

﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيها، فيعلموا [[في (ع): (فيعلمون)، وهو خطأ.]] أن خالقها لا شريك له.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском