Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:43–55
21:43Page 325
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ أي: تجيرهم وتحفظهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ مؤخّر معناه التقديم، أي: آلهة من دوننا تمنعهم، وتم الكلام. ثم وصف اَلهتهم بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي: فكيف تنصرهم؟.
قاله ابن عباس [[ذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 314 عن ابن عباس. وكذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 161. وانظر البغوي 5/ 320، وابن الجوزي 5/ 353، والرازي 22/ 174، والقرطبي 11/ 221 فقد ذكروا هذا القول من غير نسبة وذكروا التقديم والتأخير. ولم يذكره القرطبي.]].
والتقدير: آلهتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]]، فقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر ابتداء محذوف دل عليه ما قبله من ذكر الآلهة، وإذا لم تقدر على منع نفسها عما يراد بها فكيف تقدر على منع عابديها؛ كما ذكره ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ يعني الكفار [[وقيل الضمير للأصنام. وهو مروي عن قتادة. واستظهر أبو حيان هذا القول، وقال عنه الألوسي إنه الأولى بالمقام. انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 353، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 314، "روح المعاني" للآلوسي 17/ 52.]].
﴿يُصْحَبُونَ﴾ قال الكلبي: يقول: لا يجارون من عذابنا [[مثله في "تنوير المقباس" ص 202.]].
وقال مجاهد: لا ينصرون [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 24، والطبري 17/ 30. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ.]].
قال الفراء: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يجارون، يعني الكفار [["معاني القرآن" للفراء 2/ 202.]]. وقال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منّا أحدٌ؛ لأن المجير صاحب الجار [[في "غريب القرآن": منها، صاحب لجاره.]] [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 286.]].
وعلى هذا معنى الصحبة: الإجارة، وذلك أن من صحب إنسانًا أجاره مما يخاف، تقول العرب: إنَّ لك من فلان صاحبًا، أي: يجيرك [[في (أ)، (ت): (مجيرك)، وما أثبتناه من (د)، (ع) هو الأنسب لما بعده.]] ويمنعك [[هذا كلام الفراء في "معانيه" 2/ 205 مع تصرف يسير.]].
[فلما كانت] [[مطموس في (ت).]] الصحبة تقتضي الإجارة سميت الإجارة به. والعرب تقول: صحبك الله أي: حفظك الله وأجارك، ويقولون للمسافر: في صحبة الله وكلاءته [[انظر: "صحب" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 262، "لسان العرب" 1/ 520، "تاج العروس" للزبيدي 3/ 188.]].
وهذا وجه صحيح، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا في رواية العوفي [[رواية العوفي عن ابن عباس يرويها المفسرون -كالطبري وابن أبي حاتم وغيرهم- من طريق محمد بن سعد العوفي، عن أبيه، عن عمه الحسين بن عطية بن سعد العوفي، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس. وقد بين ضعف هذا الطريق السيوطي في "الإتقان" 2/ 535. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" 1/ 263: وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير، وهو معروف عند العلماء بتفسير العوفي.]]، قال: ولا الكفار منا يجارون [[رواه من طريق العوفي عن ابن عباس: الطبري 17/ 31، وابن أبي حاتم (كما في "تغليق التعليق" 4/ 258، وذكر سنده من طريق العوفي). وقد رواه الطبري 17/ 31 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، بمثله. وروى الطبري 17/ 30 - 31 وابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 5/ 632) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. (يصحبون) ينصرون.]]. وهو [[(وهو): ساقط من (د)، (ع).]] معنى قول مجاهد: لا يُنصرون.
وقال المازني: أصحبت الرجل أي: منعته، وأنشد للهذلي [[في (أ)، (ت): (الهذلي). ولم يتميز لي من المراد به، فالهذليون الشعراء كثير.]]:
يرعى بروض الحَزْنِ من أبِّهِ ... قُرْيَانة [[(قريانة): ساقطة من (أ)، (ت). ومهملة في (ع)، و (د): (قربانة).]] في غاية [[في (أ)، (ت): (غاية). ومهملة في (د)، (ع).]] تُصْحَبُ [[في (أ)، (ع): (بصحب). مهملة وبياض في (ت). والمثبت من (د).]] [[إنشاد المازني لبيت الهذلي في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 263 "صحب".
وهو منسوب للهذلي في: "لسان العرب" 1/ 520 "صحب" ووقع في المطبوع: قربانه في عابه.
و"تاج العروس" للزبيدي 3/ 188 (صحب).
والبيت أيضًا في "مقاييس اللغة" لابن فارس 1/ 6 (أب) منسوبًا لأبي داود من إنشاد شبيل بن عزرة. وهو في ديوان أبي داود الإيادي ص 296. وهو في كتاب "الذيل والتكملة" للصغاني 10/ 185: (صحب) من غير نسبة. قال محقق كتاب "الذيل والتكملة في الحاشية": وفي حاشية نسخة (ح): (أنشد الأزهري البيت للهذلي، وليس في أشعار هذيل. وقال الدينوري في كتابه النبات -وذكر الأبّ-: وقد أنشد شبيل بن عزرة بيتا مفتعلا نسب إلى أبي داود في وصف حمار وحشي، وأنشد البيت. وهو مفتعل كما قال وليس لأبي داود. اهـ. قال المازني كما في "تهذيب اللغة" 2/ 263: أبُّه: كلؤه. قُريانه: مجاري الماء إلى الرياض، الواحد: قريّ، قال: تصحب: تُمنْع وتحفظ: اهـ.]]
قال: تصحب: تمنع وتحفظ. قال: وهو من قول الله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون [[قول المازني في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 262 - 263، و"لسان العرب" 1/ 520، و"تاج العروس" للزبيدي 3/ 188.]].
وعلى هذا قوله: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ مهه من الإصحاب لا من الصحبة.
وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير [[رواه الطبري 17/ 30، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 632.]].
وعلى هذا ليس الصحبة بمعنى الحفظ، والمعنى: لا يصحبهم الله خيرًا، أي: لا يجعل رحمته أو كلاءته صاحبًا لهم، والباء في قوله [[يعني في قول قتادة.]] بخير للتورية.
21:44Page 325
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?
ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء اغتروا بطول الإمهال إذ لم يُعَجَّلوا بالعقوبة، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ فاغترّوا بذلك، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
قال ابن عباس: يعني القرية تخرب حتى يكون [العمران] [[زيادة من الطبري يستقيم بها المعنى.]] في ناحية منها. قاله في رواية عكرمة [[رواه الطبري (16/ 494 - 495 شاكر)، من طريق عكرمة، عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 667 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
والمعنى: ألا يرون أنا نخرب القرى بأن ننقص من أطرافها نخرب ما حولها، أفلا [[في (ت): (فلا).]] يخافون أن نفعل ذلك بقريتهم؟ نخربها بموتهم وهلاكهم [[قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 180 عند هذه الآية: اختلف المفسرون في معناه، وأحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: 27] والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وأهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإبحائه لعبادة المؤمنين.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 582: ما ذكره ابن كثير رحمه الله صواب، == واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به "أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" أي: بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط وهم يمرّون بديارهم، وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل والكفر بما جاؤا به .. فاحذروا من تكذيب نبينا محمد -ﷺ-؛ لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم.]].
وهذا معنى قول مجاهد وعكرمة، قالا: ننقصها من أطرافها بالموت وقبض الناس [[قول مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 339، والطبري 16/ 496 تحقيق شاكر، وقول عكرمة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 339، والطبري 16/ 496 تحقيق شاكر.]].
يخوفهم بالهلاك بعد طول الإمهال.
وقال الكلبي: نفتح من أطرافها لمحمد [[ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 22/ 175.]]. وهو قول السدي [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 666 وعزاه لابن أبي حاتم.]].
وقد أحكمنا هذا القول في آخر سورة الرعد [[سورة الرعد: 41.]].
ثم وبخهم فقال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفتغلبون محمدًا [[الطبري 17/ 32 مع تصرف يسير.]]؟
وقيل: أفهم الغالبون أم نحن؟ [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 أ.]] بعد أن فتحنا على محمد ما حول مكة.
وهذا معنى قول ابن عباس: يريد بل لي الظفر، والغلبة [[هنا يبدأ الخرم في نسخة (ت).]] لأنبيائي، وحزبي هم الغالبون.
21:45Page 326
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية. ذكرنا [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6].]] أن الإنذار يتعدى إلى مفعولين بغير حرف جر كقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: 13] وقوله: ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا﴾ [النبأ: 40]، وفي تعديته بالباء -هاهنا-، قال أبو علي: يجوز أن يكون لمّا دل على التخويف أجرى مجراه، تقول: أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا [["الحجَّة" لأبي علي الفارسي 1/ 253.]].
وكذا جاء في التفسير: أخوفكم بالقرآن [[قال الطبري 17/ 32: أخوفكم به بأسي. وذكره البغوي 5/ 321 وابن الجوزي 5/ 354 والقرطبي 11/ 292 من غير نسبة لأحد من المفسرين.]]. والمعنى: أنذرتكم بالوحي الذي يوحيه الله إلى لا [[(لا): ساقطة من (أ).]] من قبل نفسي. وذلك أن الله أمر بإنذارهم، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: 51] ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70]، ونحو هذا من أمره بالإنذار. هذا مذهب المفسرين ومعنى قولهم.
وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الوحي: الموحى، فسمى بالمصدر مثل الخلق والصيد، والموحى [[في "الحجة" 1/ 254: والوحي.]] هو العذاب، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: 40] [["الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 254.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ تمثيل للكفار، يعني: كما أن الصُّم لا يسمعون النداء إذا أنذروا شيئًا كذلك هؤلاء في تركهم الانتفاع بما سمعوا، فالصم: الذين لا يسمعون.
قال أبو إسحاق: الصم هاهنا: المعرضون عما يتلى عليهم من ذكر الله، فهم بمنزلة من لا يسمع [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 393.]].
وقال أبو علي: هذا على وجه الذم لهم والتقريع بتركهم سمع ما يجب عليهم استماعه والانتهاء إليه، وقد تقول لمن تُقرّعه بتركه ما تدعوه إليه: ناديتك فلم تسمع. وقرأ ابن عامر: (ولا تُسْمِعُ الصُّمَ) [[بالتاء مضمومة وكسر الميم، و"الصم" نصبًا. وقرأ الباقون: "ولا يسمع" بفتح الياء والميم، "الصم" رفعًا.
"السبعة" ص 429، "التبصرة" ص 263، "التيسير" ص 155.]] حمله على ما قبله، والفعل مسندٌ إلى المخاطب فكذلك قوله: (ولا تسمع) مسند إليه، والمعنى: أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا [[في (أ): (يعلموا)، وهو خطأ.]] بما سمعوه، ولم ينقادوا له كما لا يسمع الصم [[في "الحجة": الأصم.]] [["الحجة" لأبي على الفارسي 5/ 255 مع تقديم وتأخير.]].
قال أبو علي: ولو كان كما قال [ابن عامر] [[ساقط من (أ).]] لكان: إذا تنذرهم، فأما ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ فحسن أن يتبع ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ كقراءة العامة [["الحجة" 5/ 255. وليس فيه كقراءة العامة. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 467 - 468، "الكشف" لمكي 2/ 110 - 111.]].
21:46Page 326
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ يقال: نفحت الرائحة تنفح نفحًا ونفوحًا، وله نفحة طيبة ونفحة خبيثة، ونفحت الدابة إذا رمحت برجلها، ونفحه بالسيف إذا تناوله شزرًا [[في (ع): (شررًا).
ومعنى تناوله شزرًا: أي: تناوله بالسيف من بعيد ومال بطعنه يمينا أو شمالا فذهب به عن الوجه وأصاب طرفا منه. انظر: "الصحاح" 2/ 697 (شزر)، 1/ 412 (نفح)، "لسان العرب" 4/ 454 - 405 "شزر".]]، ونفحه بالمال نفحًا، وله نفحات من المعروف أي: دفعات [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 11 - 112 (نفح) منسوبًا إلى الليث، إلا أن فيه (نفح الطيب) بدل (نفحت الرائحة) كما هنا. وهو في "العين" 3/ 249 (نفح) مع اختلاف يسير جدًّا.]]. هذا معنى النفح في اللغة، ثم يقال: نفحة الريح، ونفحة الدم: أول [[في (د): (أوفورة)، وفي (ع): (أي: فورة)، والصواب ما أثبتنا، وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]] فورة منه [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 113 (نفح) منسوبًا إلى خالد بن جنبة من رواية شمر عنه.
وانظر: (نفح) في "الصحاح" 1/ 412 - 413، "لسان العرب" 2/ 622 - 623.]].
قال أبو إسحاق: أي: مسهم [[في (د)، (ع): (مستهم).]] أدنى شيء من العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 393.]].
وقال المبرد: النفحة: الدفعة [[في (د)، (ع): (الوقعة).]] من الشيء التي دون معظمه. يقال: نفحه نفحة بالسيف للضربة الخفيفة.
وهذا موافق لقول ابن عباس في "تفسيره" ﴿نَفْحَةٌ﴾ قال: طرف [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ، والبغوي 5/ 321، وابن == الجوزي 5/ 354، والقرطبي 11/ 293، وأبو حيان في "البحر" 6/ 316.]].
وقال ابن كيسان: قليل [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 30 أ، والقرطبي 11/ 293.]].
وقال ابن جريج: نصيب [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ، والبغوي 5/ 321، والقرطبي 11/ 293، وأبو حيان في "البحر" 6/ 316.]]. من قولهم: نفحه من ماله إذا أعطاه.
وقال غيره: أي الدفعة اليسيرة [[ذكره القرطبي 11/ 293 من غير نسبة لأحد. والأقوال المذكورة في تفسيره "نفحة" لا يعارض بعضها بعضًا فهي اختلاف تنوع لا تضاد.]].
ومعنى الآية: لئن أصابهم طرف من العذاب؛ لأيقنوا [[في (د)، (ع): (لا يعر)، مهملة.]] بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل، مع الإقرار بأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك وتكذيب محمد -ﷺ-.
21:47Page 326
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ القسط معناه في اللغة: العدل [[انظر: (قسط) في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 388، "الصحاح" للجوهري 3/ 1152، "لسان العرب" لابن منظور 7/ 377.]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: 3].
قال الفراء: ﴿الْقِسْطَ﴾ من صفة الموازين وإن كان موحدًا، وهو كقوله [[عند الفراء 2/ 205: كقولك.]] للقوم: أنتم رضًا وعدل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 205.]].
وقال [[في (أ): (قال).]] أبو إسحاق: وقِسْط مثل عدل مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، والمعنى: ذوات قسط [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394 مع تصرف يسير.]]
واختلفوا في ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ فقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 418 وعزاه لابن المنذر واللالكائي.]].
وروي أحاديث كثيرة في الميزان الذي يوزن به الأعمال [[ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التوحيد - باب "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" 13/ 537 من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وما رواه الحاكم في "مستدركه" 4/ 586 من حديث سلمان -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ- قال: "يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لو سعت .. " الحديث. وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 656.]]، وذكرنا الكلام في الموازين عند قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: 8].
وقال مجاهد: هذا مَثَلٌ وإنّما أراد بالميزان العدل [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أبهذا اللفظ. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 28، والطبري 17/ 33.]].
ونحو هذا روى عن قتادة والضحاك [[ذكره عن قتادة والضحاك الرازي 22/ 176، والقرطبي 14/ 293، وأبو حيان في البحر 6/ 316.
وذكره عن الضحاك أيضًا: الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 319.]].
قال أبو إسحاق: وهذا سائغ في باب اللغة، إلا أنّ الأولى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 391 عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (8) من سورة الأعراف. قال القشيري (كما في تفسير القرطبي == 7/ 165) -معلقًا على قول الزجاج-: وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا. اهـ.]].
وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال الفراء: في يوم القيامة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 205. وحكى أبو حيان هذا القول عن الكوفيين، قال: ووافقهم عليه ابن قتيبة من المتقدّمين، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين. اهـ. وعلى هذا فاللام بمعنى "في" فيكون المعنى: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة. وفي اللّام وجهان آخران:
أحدهما: قال الزمخشري: مثلها: جئتك لخمس ليال خلون من الشهر.
فعلى هذه القول تكون اللام للتوقيت بمعنى "عند"، فيكون معنى الآية: ونضع الموازين القسط عند يوم القيامة.
ثانيهما: أنها على بابها من التعليل، ولكن على حذف مضاف، أي: لأهل يوم القيامة، أو: لحساب يوم القيامة وبه قال الطبري وابن عطية وغير واحد. انظر: "الطبري" 17/ 33، "المحرر" لابن عطية 10/ 158، "الكشاف" للزمخشري 2/ 574، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 316، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 164 - 165، "التحرير والتنوير" لابن عاشور 17/ 84، "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 585 - 586.]].
﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ لا ينقص من إحسان محسن [[في (ع): (مسيء)، وهو خطأ.]]، ولا يزاد في إساءة مسيء.
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ قال الزَّجَّاج: وإن كان العمل مثقال حبة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.]].
وقال أبو علي: وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال: وهذا حسن لتقدم قوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وإذا [[في "الحجة": فإذا.]] ذكر (تُظلم) فكأنَّه ذكر الظلامة، كقولهم: من كذب كان شرًا له [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256.]].
وقرأ نافع: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ رفعًا [[وقرأ الباقون: "مثقال" نصبًا. "السبعة" ص 429، "التبصرة" ص 263، "التيسير" ص 155.]] على إسناد الفعل إلى المثقال [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256. فمن رفع "مثقال" جعل "كان" تامّة لا تحتاج إلى خبر، وتكون بمعنى: حصل ووجد ووقع. ويكون "مثقال" فاعل لـ"كان" والمعنى: وإن حصل للعبد مثقال .. "علل القراءات" للأزهري 2/ 407، "إعراب القراءات السبع" وعللها 2/ 61 - 62، "الكشف" لمكي 2/ 111.]].
ومثقال الشيء ميزانه من مثله [["تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 80 (ثقل).]]، والمعنى: وإن كان قدر مما يزن ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾.
﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: جئنا بها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.]]. يعني أحضرناها للمجازاة بها.
﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قال ابن عباس: أي عالمين حافظين [[(حافظين): ساقطة من (د)، (ع).]] [[ذكره البغوي 5/ 322. ومثله في "تنوير المقباس" ص 202.]].
والكلام في الباء التي في [[(في): ساقطة من (أ).]] ﴿بِنَا﴾ [[في (د)، (ع): (البناء).]] ذكرناه مستقصى [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]]].
قال الزَّجَّاج: موضع الباء رفع [[قال ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 141: وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إنَّما هو: كفى الله، وكفينا .. فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع -رفع- بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله.]]. المعنى [[(المعنى): ساقط من (د)، (ع).]]: وكفينا حاسبين.
و ﴿حَاسِبِينَ﴾ [[(حاسبين): في هامش (أ).]] منصوب على وجهين: على التمييز، وعلى الحال [[انظر: "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 1/ 168.]].
وقال السدي في قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ - قال: محصين [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 634.]].
والحَسْبُ في اللغة معناه: العد [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 329 (حسب).]]. ومن قال: حافظين عالمين؛ فلأن من حسب شيئًا حفظه وعلمه.
21:48Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ قال مجاهد وقادة: يعني التوراة التي تفرق بين الحلال والحرام [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 450 عن مجاهد وقتادة لكن وقع عنده: فرق فيها بين الحق والباطل. وذكره ابن الجوزي 5/ 354 عن مجاهد وقتادة بمثل رواية الواحدي هنا. وقد روى سفيان في "تفسيره" ص 201 عن مجاهد قال: فرق بين الحق والضلالة. وروى الطبري 17/ 34 عن مجاهد قال: الكتاب. وفي "تفسير مجاهد" 1/ 411: الفرقان هذا الكتاب. وروى الطبري 17/ 34 عن قتادة قال: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل.]].
﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ من صفة التوراة. قال الفراء: والواو مقحمة كهي في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا﴾ [الصافات: 6، 7] والتقدير: الفرقان ضياء وذكرا [[ليس هذا نصّ كلام الفراء في معانيه 2/ 205، فإنه قال فيه: (3/ 30 ب): (والواو علي هذا التأويل مقحمة زائدة كقوله (إنا زينا ...).]]. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والواو عند البصريين لا يجوز أن تزاد، ولكن هذا كله [[في (د)، (ع): (كلمة)، وهو خطأ.]] من نعوت التوراة: الفرقان [[في (أن): (والفرقان)، وهو خطأ.]] والضياء والذكر، فعطف بعضها على بعض [[هذا مقتبس من كلام الزجاج، فإنّه قال في "معانيه" 3/ 394: وعند البصريين أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف. وانظر في هذه المسألة: "سر صناعة الإعراب" 2/ 645، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري 2/ 456 - 462، "مغني اللبيب" لابن هشام 2/ 473 - 474.]].
قال الزَّجَّاج ﴿وَضِيَاءً﴾ -هاهنا- مثل قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 46] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]].
وقال ابن زيد: معنى الفرقان هاهنا: البرهان الذين فرَّق به بين حقه [[عند الماوردي وابن الجوزي: بين حق موسى.]] وباطل فرعون وتلا قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: 41] [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 450، وابن الجوزي 3/ 355. لكن ليس عندهما الاستشهاد بالآية. وقد رواه الطبري 17/ 34 بنحوه ثم قال: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة -كما قال من قال ذلك- لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء. ثم ذكر الطبري القول الأول الذي حكاه الواحدي عن مجاهد وقتادة، ثم قال: إن ذلك وإن كان الكلام يحتمله فإن الأغلب من معانيه ما قلنا، والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهما المعروفة عند == العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل. ونصر ابن القيم في "بدائع الفوائد" 2/ 15 هذا القول وأيَّد آخرون القول بأن الفرقان هنا التوراة.
قال ابن كثير 3/ 181: وجامع القول في هذا أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية، وخوفا وإنابة وخشية ...
وقال الألوسي 17/ 57 والمراد بالفرقان: التوراة، وكذا الضياء والذكر، والعطف كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
إلى أن قال: والمعنى: وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا يتعظ به الناس ويتذكرون. ثم ذكر الألوسي الأقوال الأخرى في معنى الفرقان، ثم قال عن القول الأول -يعني قول مجاهد وقتادة-: وهو اللائق بتناسق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات.]].
وهذا مثل قول السدي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾ قال: هو النصر الذي أوتي موسى [[ذكره الثعلي 3/ 30 ب عن ابن زيد، وذكره المارودي 3/ 450 وابن الجوزي 5/ 355 عن الكلبي، وذكره الرازي 22/ 178 عن ابن عباس، ولم أجد من ذكره عن السدي.]].
وعلى هذا قوله "وضياء" يعني التوراة أكبر [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: التي.]] استضاؤوا [[في (أ): (استيضاؤا)، وهو خطأ.]] بها حتى اهتدوا في دينهم، وكأنّه قيل: آتيناهما البرهان والنصر والضياء يعني: الكتاب الذي فيه ضياء، وذكرا للمتقين كي يذكروه ويعملوا بما فيه ويتعظوا بمواعظه.
وكثير [[في (د): (وكبير)، وهو خطأ.]] مما يقع من الكلام في هذه الآية قد سبق في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] الآية.
21:49Page 326
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي في الدنيا ولم يروه. والمعنى: يخشون ربهم غائبين عن الآخرة وأحكامها [[وقيل المعنى: يخافونه ولم يروه. قاله الجمهور. وقيل المعنى: يخافونه في غيبتهم وخلواتهم وحيث لا يراهم أحد. قاله الزجاج، ورجّحه ابن عطية، وقال عنه الرازي: وهذا هو الأقرب. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 59، ابن الجوزي 5/ 356، الرازي 22/ 179.]].
﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ أي: من [[(من): ساقطة من (أ).]] أهوالها وعذابها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
21:50Page 326
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى هذا القرآن ذكر لمن تذكر به وعظة لمن اتعظ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395 إلى قوله ذكر.]].
﴿مُبَارَكٌ﴾ تقدم تفسيره في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92].
﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ [يا أهل مكة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إياه جاحدون مكذبون.
21:51Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قال مجاهد: هداه [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، 202، والطبري 17/ 16. وذكره السيوطيِ في "الدر المنثور" 6/ 635 بلفظ هديناه. وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] ونحوه قال الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]]، واعتبرا [[في (أ): (واعتبروا).]] بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون [[وهذا مروي عن ابن عباس، والضحاك. انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 357، والرازي 22/ 180. قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 167: وهذا أحسن ما قدر به المضاف إليه.]].
وقال [[في (ع):) قال).]] مجاهد: أي: هديناه صغيرًا [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، 202 بلفظ: هداه صغيرا، ورواه الطبري 17/ 36، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 635 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وهذا قول المفسرين [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 ب.]]، وا ختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]] والزَّجَّاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]]، قالوا: آتيناه هداه حَدَثًا.
وعلى هذا التقدير: من قبل بلوغه [[ذكره ابن الجوزي 5/ 356 من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وحكاه الرازي 22/ 180 عن مقاتل.
قال أبو حيان في "البحر" 6/ 320: وأبعد من ذهب إلى أن القدير: من قبل بلوغه، أو من قبل نبوته، .. ، أو من قبل محمد -ﷺ-؛ لأنها محذوفات لا يدل على حذفها دليل، بخلاف: من قبل موسى وهارون، لعدم ذكرهما وقربه.]].
يعني: حين كان في السَّرَب [[السرب (بفتحتين): حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. "لسان العرب" لابن منظور 1/ 466 (سرب). وما ذكره الواحدي هنا هو كلام الفراء في "معانيه" 2/ 206. وهذا القول معتمد على روايات خلاصتها: أن إبراهيم حين ولد خيف عليه من ملك زمانه وكان ذلك الملك قد أخبره منجموه أن ولدًا يقال له إبراهيم يولد في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا يفارق دين الملك ويكسر الأصنام، فكان الملك يقتل كل غلام يولد في ذلك الشهر من تلك السنة، فجعل في سَرَب، فبقى في ذلك السرب خمسة عشر شهرًا، ثم قال لأمه أخرجيني، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، كما قصه الله في سورة الأنعام. انظر: "الطبري" 11/ 474، 480 - 483. وهذه الرواية لا صحة لها، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، بل متلقاة عن بني إسرائيل. قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 181: وما يذكر من الأخبار عنه من إدخال أبيه له في السرب -وهو رضيع- وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسيرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيحة وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص في من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين لبينتهُ هذه الشريعة الكاملة.]]، ألهمناه الرشد والهدى حتى عرف الحق من الباطل.
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: نعلم [[(نعلم): ساقطة من (د)، (ع).]] أنَّه موضع لإيتاء [[في (أ): (لإتنا)، وهو خطأ.]] الرشد، وأنه يصلح للنبوة [[قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 161: وهذا نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].]].
21:52Page 326
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [قال أبو إسحاق: (إذ) في موضع نَصْب. المعنى: آتيناه رشده في ذلك الوقت [[الوقلت: ساقطة من (د).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395 إلى هنا. وأما قوله "الذي ... " فليس من كلام الزجاج، بل هو تتمة الواحدي. وجوز أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 134 وتبعه السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 8/ 167 أن يكون (إذ) منصوبًا بـ (رشده) أو (عالمين) أو ينتصب بإضمار أعني أو باضمار اذكر، أي: اذكر وقت. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 73، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 480.]] الذي قال لأبيه وقومه] [[ساقط من (ع).]] وهم يعبدون الصنم ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنام [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 ب وعلى هذا فاللام في قوله (لها عاكفون) بمعنى (على) أي: عاكفون عليها، كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: 91]. وقيل: اللام للعله، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: اللام أفادت الاختصاص. وقيل: ضُمِّن (عاكفون) معنى عابدين، فلذلك أتى باللام. واستظهر أبو حيان أن تكون اللام للتعليل. وقال السمين الحلبي: والأولى أن تكون اللام لتعليل، وصلة (عاكفون) محذوفة، أي: عاكفون لأجلها لا لشيء آخر. "الكشاف" للزمخشري 2/ 575، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 134، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 320، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 168.]].
والتمثال: اسم للشيء المصنوع مُشَبَّها بخلق من خلق الله. وجمعه: التماثيل. وأصله من مَثَّلْتُ الشيء بالشيء، إذا شَبَّهته به [[عند الأزهري 15/ 98، إذا قدرته به.]]. واسم ذلك المُمَثَّل تمثال [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 98 (مثل). وانظر: (مثل) في: "الصحاح" 5/ 1816 "لسان العرب" 11/ 613 - 614.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: على عبادتها مقيمون، فأجابوه بأنَّهم وجدوا آباءَهم يعبدونها، فاقتدوا بهم وقلدوهم في عبادتها، فأجابهم إبراهيم بأنَّهُم -في تقليد الآباء- وآباءهم [[في (أ): (آباؤهم)، وفي (د)، (ع): (آباءهم). والعبارة في "الوسيط" 3/ 241: فأجابهم إبراهيم بأنهم فيما فعلوه وآباءهم كانوا في ضلال مبين. وعند ابن الجوزي 5/ 357: فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين.]] كانوا في ضلال مبين بعبادة الأصنام. وهذا الذي ذكرنا معنى
21:53–55Page 326
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق [[في (د)، (ع): (بحق).]]، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلاً، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences