Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:80–86
21:80Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ اللَّبُوس [[(اللبوس) ساقطة من (د)، (ع).]]: الدرع. فكل [[في (د)، (ع): (فهو كل).]] شيء لبسته فهو لَبُوس، قال الشاعر [[هو بيهس الفزاري، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم أناسٌ من بني أشجع، وهم في أبلهم، فقتلوا منهم ستة، وبقي منهم بيهس، وإنما تركوه لأنه كان يُحمق، فتركوه احتقارا له، ثم إنه مر يومًا بنسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض من قتل إخوته، فكشف عن دبره، وغطى رأسه، فقلن: ويحك، أي: شيء تصنع؟ فقال:
ألبس لكل حالة لبُوسها ... إما نعيمها وإما بُوسها
و"الخبر في الفاخر" للمفضل بن سلمة ص 62 - 63، "لسان العرب" 6/ 202 - 203 (لبس).
والبيت أيضًا في: "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 333 من غير نسبة لأحد، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 393، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 466 (لبس).]]:
الْبَسْ لكلِّ حالة لَبُوسَها
هذا أصله. وهو فعول بمعنى: مفعول، كالركوب والحلوب ثم جعلت [[في (د)، (ع): (جعل).]] اسمًا للدرع؛ لأنها تُلْبَس [[انظر (لبس) في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 443، "الصحاح" للجوهري 3/ 974، "لسان العرب" لابن منظور 6/ 202 - 203.]].
قال قتادة: أول من صنع الدروع داود، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها [[سردها بتخفيف الراء وتشديدها: نسجها بإدخال الحلق بعضها في بعض وثقبها. انظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 487، (سرد) "لسان العرب" لابن منظور 3/ 211 (سرد)، "تاج العروس" للزبيدي 8/ 186 - 187 (سرد).]] وحلَّقها [[ذكره الثعلي في "الكشف والبيان" 33/ 3 ب، بهذا اللفظ. وقد رواه عبد == الرزاق في "تفسيره" 2/ 27، والطبري 17/ 55 من قوله (كانت صفائح).]].
فجمعت الخفة [[في (أ): (الحلقة)، وهو خطأ.]] والتحصين [[قوله: فجمعت الخفة والتحصين. هذا كلام الزجاج في "معانيه" 3/ 400.]].
وقوله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليحرزكم [[الطبري 17/ 55، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 ب.]] وقال ابن عباس: ليمنعكم [["تنوير المقباس" ص 203.]]. يعني اللبوس وقال الزجاج: ويجوز ليحصنكم الله [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 400.]]. [قال أبو علي] [[ساقط من (ع).]]: ويجوز [[في (د): (فيجوز).]] أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم يدل عليه علمناه [[في (د)، (ع): (ما علمناه)، وهو خطأ.]].
ومن قرأ بالنون [[في (د)، (ع): (بالتنوين). وهو خطأ.]] [[قرأ أبو بكر عن عاصم: (لتحصنكم) بالنون، وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: (لتحصنكم) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. "السبعة" ص 430، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]] فلتقدم قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ومن قرأ (بالتاء) حمله على المعنى؛ لأن اللبوس الدرع [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 258 مع تقديم وتأخير. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 408 - 409، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 469، "الكشف" لمكي 2/ 112.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي من حربكم [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 ب.]].
وقال السدي: من وقع السلاح فيكم [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 650.]]. ووقع السلاح حرب.
وقال ابن عباس: من السيف والسهم والرمح [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 460، والقرطبي 11/ 320 عن ابن عباس بلفظ: من سلاحكم. وانظر: "تنوير المقباس" ص 203.]]. وعلى هذا التقدير: من آلة بأسكم. فحذف المضاف.
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ يريد فهل أنتم يا معشر أهل [[في (د)، (ع): (يا معشر قريش).]] مكة ﴿شَاكِرُونَ﴾ يعني بطاعة الرسول وتصديقه.
21:81Page 328
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال أبو إسحاق: الريح نسق على الجبال. المعنى: وسخرنا لسليمان الريح [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 400 مع اختلاف بعض الألفاظ. ويجوز أن ينصب (الريح) بفعل مقدر.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 67، "الإملاء" للعكبري 2/ 135 - 136، "الدر المصون" 8/ 187.]].
وقوله تعالى: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي شديدة الهبوب [[الطبري 17/ 55، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 34 ب.]]. قال ابن عباس: إن أمر الريح أن تعصف عصفت وإذا أراد أن ترخي أرخت. وذلك قوله في سورة ص ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36] والمعنى: أنها كانت تشتد [[تشتد: ساقطة من (ع).]] إذا أراد، وتلين إذا أراد [[هذا أحد الوجوه في التوفيق بين قوله تعالى في آية الأنبياء واصفًا الريح المسخرة لسليمان بأنها (عاصفة) وفي سورة ص (رخاء). وعلى ذلك فالريح تكون عاصفة تارة ورخاء تارة بحسب اختلاف مقصد سليمان منها. وهناك وجهان آخران في == التوفيق بين الآيتين:
أحدهما: أن هذه الريح المسخرة لسليمان قد جمعت أمرين: فهي رخاءٌ في نفسها أي: رخية طيبة كالنسيم، وعاصفة في عملها كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12]، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد، فهي آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة. ذكره الزمخشري 2/ 580.
الثاني: قال بعضهم: إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن ولذلك قال ﴿عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي الشام مسكن سليمان، والرخاء في البدأة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36] أي: حيث يقصد؛ لأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي. ذكره ابن عطية 10/ 186. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 332.]].
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرض الشام. وقال الكلبي: يعني فلسطين بارك الله فيها بالماء والشجر والنخل.
وينا هذا عند قوله: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].
قال الفراء: كانت تجري بسليمان إلى كل موضع، ثم تعود به من يومه إلى منزله، فذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209. وهذا من أخبار بني إسرائيل، فالله أعلم بصحته. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 333: وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول الله -ﷺ-. أهـ يعني ما صح من حديثه -ﷺ-.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [قال [[إلى قوله (قال) ينتهي الخرم من نسخة شستربتي، ويبدأ الموجود من قوله: ابن عباس.]] ابن عباس: يريد بكل شيء فعلنا.
وقال أهل المعاني] [[ما بين المعتقوفين ساقط من (د)، (ع).]]: وكنا بكل شيء علمناه عالمين بصحة التدبير فيه وعلمنا أن ما [[(ما) ساقطة من (د)، (ع).]] يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه [[ذكره البغوي 5/ 335 بنصه، ولم ينسبه لأحد.]].
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون موضع (من) نصبًا نسقًا [[عند الزجاج في معانيه: عطفًا.]] على الريح، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ويكون (له) الخبر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 401. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 76، "الإملاء" للعكبري 2/ 136، "الدر المصون" 8/ 188.]].
والغوص: الدخول تحت الماء [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 158 (غوص) نقلاً عن الليث. وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 1047 (غوص).]]. أي: يدخلون تحت الماء له وبأمره، فيستخرجون له الجواهر من البحر [[من قوله: أي .. إلى هنا: منقول عن الثعلبي 3/ 34 أ.]].
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي سوى الغوص من البناء وغيره من الأعمال [[قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13].]]. قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 204.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 401.]].
قال الكلبي: كان الرجل في زمان سليمان يأتيه، فيسأله أن يبعث معه شيطانًا فيعمل له، فيبعث معه شيطانًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ قال أبو إسحاق: كان أن الله يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 401.]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]].
وشال الكلبي: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ من أن يهيجوا [[غير واضحة في (أ)، (ت). ومعنى يهيجوا: يثيروا لمشقة أو ضرر. "لسان العرب" لابن منظور 2/ 394 (هيج)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 286 - 287 (هيج).]] أحدًا في زمانه [[ذكره الرازي 22/ 202 عن الكلبي، وذكره الفراء في "معانيه" 2/ 209 من غير نسبة لأحد.]].
وقيل: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ حتى لا يخرجوا من أمره [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 343 أ. وكل ما ذكر داخل في الحفظ، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: 12] وقال ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: 38]. وبالجملة فالله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فسادٌ في الجملة فيما هم مسخرون فيه. قاله الزمخشري 2/ 581.]].
21:83Page 329
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣
And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."
قوله تعالى: هوَ ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه [[ذكره البغوي 5/ 337، وابن الجوزي 5/ 374 من غير نسبة لأحد.]].
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وأصابني الجهد ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أكثرهم رحمه. وهذا تعريض منه بمسالة الرحمة إذ أثنى عليه بأنه [[في (أ): (فإنه).]] الأرحم وسكت.
وقال أهل العلم: لم يكن هذا جزعًا من أيوب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ ولكن هذا دعاء منه لله تعالى ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [[قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 39 ب: (سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب -رحمه الله- يقول: حضرتُ مجلسًا غاصًّا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب (مسني الضر) شكاية، وقد قال الله تعالى (إنا وجدناه صابرا) فقلت: ليس هذا بشكاية، وإنما هو دعاء بيانه قوله (فاستجبنا له) والإجابة تعتقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه. أهـ.]].
وروي عن ربيعة بن كلثوم [[هو ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، روى عن أبيه والحسن البصري وغيرهما. قال الذهبي: ثقة وقال ابن حجر: صدوق يهم. "الكاشف" للذهبي 1/ 307، "تهذب التهذيب" 3/ 263، "تقريب التهذيب" 1/ 248.]] أنه قال: دخلنا على الحسن [[هو البصري.]] وهو يشتكي ضرسه وهو يقول: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، اقتدى بأيوب عليه السلام في دعائه ليستجاب له كما استجيب لأيوب [[لم أجده.]].
على أن الجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، فأما من اشتكى إلى الله تعالي ما حل به فليس يسمى جازعًا؛ لأنه مثاب على ذلك إذا كان إلى الله، والجازع مذموم، وقول يعقوب عليه السلام ﴿أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] لا يحمل على الجزع.
وهذا معنى ما قال سفيان بن عيينة [[ذكره ابن الجوزي 5/ 374.]] في هذه الآية: من شكا إلى الله لم يعد ذلك بشكوى ولا جزع، ألم تسمع قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال وكذلك من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعًا ألم تسمع قول النبي -ﷺ-: "أجدني مغمومًا وأجدني مكروبًا" [[هذا طرف من حديث طويل رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 3/ 129 عن الحسين بن علي -رضي الله عنه- وفيه أن جبريل عليه السلام قال للنبي -ﷺ- كيف تجدك؟ فقال النبي -ﷺ-: "أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 35: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث.]]، وقوله: "بل أنا وارأساه" [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الجوع 10/ 123 من طريق القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه. الحديث وفيه: فقال النبي -ﷺ-: "بل أنا وارأساه". ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 228، وابن ماجة في "سننه" الجنائز، باب: ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها 1/ 270 من طريق آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله -ﷺ- ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! قال: "بل أنا وارأساه" الحديث. قال البوصيري في "الزوائد" 1/ 475: إسناد رجاله ثقات، ورواه البخاري من وجه آخر عن عائشة مختصرًا.]].
وليس في مثل هذا شكوى من الله، ولا قلة رضا بقضائه، بل رغبة فيه.
21:84Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤
So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال ابن عباس يريد الأوجاع [[ذكر الرازي 22/ 10 والقرطبي 11/ 326 القول بأن الله رد على أيوب أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. ونسباه إلى جماعة منهم الكلبي. وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27 عن الكلبي قال: آتاه الله أهله في الدنيا، ومثلهم معهم في الآخرة.]].
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: إن الله تعالى رد إليه أهله ومثلهم معهم [[رواه الطبري 17/ 72 من طريق العوفي.]].
والمراد بالأهل: الأولاد [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 40 أ.]]. قال الكلبي: كانت امرأته ولدت له سبع بنات وسبعة بنين، وكانوا هلكوا في بلاء أيوب، فنشروا له، وولدت له امرأته مثلهم سبعة بنين وسبع بنات [[ذكر الفراء مثل هذا النص -مع اختلاف يسير- في "معانيه" 2/ 209 وصدره بقوله: وذُكر. وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 378 - 379 مثله وعزاه إلى أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أن هذه الرواية في الغالب من طريق الكلبي.]].
وهذا قول ابن مسعود، وقتادة، وكعب، [والحسن، قالوا [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 40 أعن ابن مسعود وقتادة وكعب، ثم ذكر عن الحسن نحوه. ورواه عن ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 17/ 72، والطبراني في "الكبير" 9/ 254، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 654، 655 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني.
وهو من رواية الضحاك عن ابن مسعود، والضحاك لم يلق ابن مسعود، فهي رواية منقطعة ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 67: وإسناد منقطع.
ورواه الطبري 17/ 73 عن الحسن وقتادة وروى عبد الرزاق 2/ 27 عن الحسن قال: آتاه الله أهله في الدنيا ومثلهم معهم من نسلهم. وقد وردت رواية عن الحسن أخرجها ابن عساكر وابن المنذر (كما في "الدر المنثور" 5/ 654 - 655) أنه قال: (وآتيناه أهله) في الدنيا (ومثلهم معهم) في الآخرة.]]: أير الله له أولاده] [[ما بين المعقوفين كشط في (أ).]] وأوُتي مثلهم في الدنيا.
وقال عكرمة: إن الله خيره، فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم [[في (د)، (ع): (وأوتي مثلهم)، والصواب ما في (ت).]] في الدنيا، وأوتي على ما اختار، وذلك أنه قال: يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم [[في (ت): (مثلهم معهم)، والصواب ما في (د)، (ع).]] في الدنيا [[رواه الطبري 17/ 72 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.]].
وهذا [[في (د)، (ع): (وذلك).]] قول مجاهد في رواية ليث [[رواية ليث عن مجاهد رواها الطبري 17/ 72 - 73.]]. والقول الأول هو الظاهر.
وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال الفراء: فعلنا ذلك رحمة من عندنا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]].
﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمطيعين [[انظر البغوي 5/ 347، وابن الجوزي 5/ 379. قال القرطبي 11/ 327: أي: وتذكيرًا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له -وهو أفضل أهل زمانه- وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيهًا لم على إدامة العبادة واحتمال الضرر. وقال ابن كثير 3/ 190: أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك.]].
قال محمد بن كعب: أيما مؤمن أصابه بلاءً فليذكر ما أصاب أيوب، وليقل إنه قد أصاب من هو خير مني أعظم من هذا [[رواه الطبري 17/ 73، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.]].
21:85Page 329
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥
And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.
قوله تعالى: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء [[(عطاء) ساقط من (أ)، (ت).]]: إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فأعرض ملكك علي بني إسرائيل، فمن يكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس، ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب، فقال: أنا أتكفل لك بهذا. فتكفل ووفى به، فشكر الله تبارك وتعالى له، ونبأه [[في (أ، د): (مناه). وفي (ع): (مناه) مهملة. والتصويب من الوسيط والرازي وابن الجوزي.]] [[ذكره الرازي 22/ 210 - 211 منسوبًا إلى ابن عباس في رواية، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 348 وابن الجوزي 5/ 380 ونسباه إلى عطاء. وقد روى ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 3/ 190 - 191 من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش عن ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل، فاحتضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فذكر نحو القصة. قال ابن كثير 3/ 191: وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وأبي حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف والله أعلم. وفي "الدر المنثور" 5/ 663: وأخرج ابن سعيد النقاش في كتاب القضاة عن ابن عباس، فذكر نحو هذه القصة.]].
وهذا قول مجاهد، وقتادة.
وقال أبو موسى الأشعري: لم يكن نبيًّا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي [[وقع في المطبوع من الطبري 17/ 75: فوفى.]]، وكفل بصلاته؛ لذلك سمي ذا الكفل [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27 عن معمر، عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره.
ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 75. ورواه الطبري 75/ 17 من وجه آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي موسى الأشعري، فذكره. وهذا رواية منقطعة؛ لأن قتادة لم يلق أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- وقد رواه موصولا ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 191 من طريق أبي الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الأخنس قال: سمعت أبا موس الأشعري فذكره بنحوه. وفي سندها سعيد بن بشير الأزدي ضعفه الإمام أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي وأبو داود وقال فيه ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال الساجي: حدث عن قتادة بمناكير. وقال ابن حبان: كان ردئ الحفظ، فاحش الخطأ، يرويَ عن قتادة مالا يتابع == عليه. انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر 4/ 8 - 10. وبالجملة فهذه الرواية عن أبي موسى ضعيفة. والله أعلم. والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 664 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 334: وقيل في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح.]].
قال الحسن: ذو الكفل نبي اسمه ذو الكفل [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 464، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 379، والقرطبى 11/ 328. قال ابن كثير 3/ 190: وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي.]].
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد على طاعة الله، وعن معاصي الله [[ذكره ابن الجوزي 5/ 380 ولم ينسبه لأحد.]].
21:86Page 329
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦
And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.
قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال: يريد ما أنعم به [[(به) ليست في (د)، (ع).]] عليهم من النبوة، وما صيرهم إليه في الجنة من الثواب [[ذكره البغوي 5/ 349 ولم ينسبه لأحد.]].
وقال أهل المعاني: أدخلناهم في رحمتنا يقتضي أنه قد غمرتهم الرحمة، وليس كذلك رحمناهم [[ذكره هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 242، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 57 أ- ب) ولم ينسباه لأحد.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences