Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:9–12
22:9Page 333
ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩
Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],
وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ يقال: ثنيت الشيء، إذا حنيته [[في (أ): (حسه)، مهملة.]] وعطفته [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 134 (ثنى) بنصِّه.]].
ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: 5].
والعِطْفُ: الجانب [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب.]]. وعِطْفَا الرجل: ناحيتاه عن يمين وشمال، ومنكب الرجل: عطفه وإبطه.
قال ابن الإعرابي: عطف كل إنسان ودابة: شقاه من لَدُنْ رأسه إلى وركيه [[من قوله: وعطفا الرجل ... إلى هنا، نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 180 (عطف).]].
وأصله من العطف، وهو: اللي، والعطف: الموضع الذي يعطفه الإنسان، أي: يلويه ويميله عند الإعراض والانحراف عن الشيء [[انظر: (عطف) في: "الصحاح" للجوهري 4/ 1405، "لسان العرب" 9/ 250 - 251، "القاموس المحيط" 3/ 176.]].
واختلفت [[في (أ): (واختلف).]] عبارة المفسرين في تفسير قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾:
قال ابن عباس: مستكبرًا في نفسه [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 47 ب.
ورواه الطبري 17/ 121 وإسناده حسن، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال الضحاك: شامخًا [[في (ظ): (سافحًا)، وهو خطأ.]] بأنفه [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب.]].
وقال مجاهد وقتادة: لاويًا عنقه [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب. ورواه عن مجاهد الطبري 17/ 121.
ورواه عن قتادة عبد الرزاق 2/ 33، والطبري 17/ 121. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن زيد والعوفي: معرضًا عما يُدعى إليه كبرًا [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب.
وعن ابن زيد رواه الطبري 17/ 121، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12. وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.
وعن العوفي رواه الطبري 17/ 121 من طريق العوفي عن ابن عباس.]].
ونحوه [[في (ظ): (ونحو ما قال)، وفي (د)، (ع): (ونحو قال).]]. قال ابن جريج [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 47 ب. ورواه الطبري 17/ 121.]].
وقال السدي: معرضًا من العظمة ينظر في جانب واحد [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 12 عن قتادة مثل هذا القول.]].
وهذه الألفاظ تعود إلى معنى واحد وهو الإعراض والتكبر.
قال أبو إسحاق: وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبرًا [[في (أ): (مكبرا).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]].
وقال المبرد: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ عبارة عن التكبر والتهاون. تقول العرب: أتانا فلان ثاني عطفه وثاني جيده وشماخًا بأنفه. وأنشد [[في (أ) زيادة: (فقال قوله وأنشد).]]:
يَهْدِي إلى خَنَاهُ ثاني الجيد [[هذا عجز بيت للشمَّاخ من قصيدة يهجو بها الربيع بن علباء السلمي، وصدره:
نبئت أن ربيعًا إن رعى إبلا
وهو في "ديوانه" ص 115، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 496، و"الكامل" للمبرد 1/ 10، 2/ 403 و"الاقتضاب" للبطليوسي 3/ 411. قال ابن قتيبة في المعاني: أي صارت له إبل يرعاها، أرادك أن استغنى واستطال بذلك.
"ثاني الجيد" أي رخي البال غير مكنز.
وقال البطليوسي: يقول لما كثرت إبله وحسنت حاله أبطرته النعمة. وقيل معناه: أنا نغزوه في أيام الربيع حين يهيج الحيوان وطلب السفاد، وفي ذلك الوقت يغزو بعضهم بعضا.]]
أي: متهاونًا. قال: والعطف ما انعطف من العنق والمنكبين. وسمي الرداء العطاف؛ لأنه يقع في ذلك الموضع [[انظر: "الكامل" للمبرّد 1/ 10، 2/ 403 ففيه نحو من هذا، وفيه البيت.
وفي "معاني القرآن" للنحاس 4/ 382 عن المبرد: العطف: ما انثنى من العنق ... الموضع.]].
وانتصب "ثاني" على الحال، والتنوين فيه مقدر، والإضافة في تقدير الانفصال [[انظر: "المعاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]]، كما ذكرنا في قوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1] ومواضع أخرى [[عند قوله تعالى ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97].]].
ومثل قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ في المعنى قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: 5] الآية
وقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس: عن طاعة الله [[لفظ الجلالة لم يرد في (أ).]] [[ذكره القرطبي 12/ 13 من غير نسبة لأحد.]].
والمعنى: يجادل في الله بغير علم مستكبرًا لاويًا عنقه ليضل عن سبيل الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] ويذهب عنه لا [[في (ظ): (إلا)، وهو خطأ.]] أنّ له على ما يجادل فيه محجة أو دلالة [[(أو دلالة): ساقط من (أ).]] أو لديه فيه بيانًا. ومثل هذا في المعنى قوله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا﴾ [[في (ظ): (يكفرون) بدلا من (يشركون)، وهو خطأ.]] [النحل: 54. 55] فيمن جعل اللام الجارة، أي أشركوا ليكفروا بما بيناه لهم، لا لأنَّ [[في (أ): (أنَّ).]] لهم على ذلك حجة وبيانًا.
وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الذي [[بعد قوله: (الذي) يبدأ المفقود من نسخة الظاهرية (ظ) ومقداره صفحتان.]] أصابه يوم بدر [[ذكره عنه الرازي 23/ 12، وانظر: "تنوير المقباس" ص 206.]].
22:10Page 333
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠
"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: يقال له هذا العذاب بما قدمت يداك، وموضع "ذلك" رفع بالابتداء، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وموضع "أنَّ" من قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ خفض؛ لأن المعنى: بما قدمت وبأنّ الله. قال: ويجوز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على خبر الابتداء، المعنى: الأمر ذلك بما قدمت يداك، ويكون موضع "أنَّ" الرفع على معنى: والأمر أنَّ الله ليس بظلام للعبيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]].
وأبطل أبو علي أن يكون "ذلك" خبر الابتداء؛ لأنَّ الجار يبقى غير متعلق بشيء. والقول في هذه الآية كالقول في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لا فصل بينهما وإذا بطل هذا بطل أن يكون موضع "أنَّ" في قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ رفعًا؛ لأنه إذا لم يجز إضمار الأمر الذي يكون مبتدأ لقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لم يجز إضماره هاهنا، وإذا لم يجز ذلك كان موضعه جرًا بالعطف [[في (أ): (جوابًا لعطف).]] على "ما" المنجر بالباء [[كلام أبي علي في "الإغفال" 2/ 1048 - 1049.]].
وأما معنى هذه الآية فهو مما ذكرناه في سورة الأنفال عند قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: 51].
22:11Page 333
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١
And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أكثر المفسرين على أن المعنى: على شك [[انظر الطبري 17/ 123، والدر المنثور 6/ 14.]].
وهو قول مجاهد [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 483 أ.
ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 ب، والطبري 17/ 123.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] والسدي وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 123 عن قتادة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.]]، واختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]] وأبي زيد وابن الأعرابي.
روى ابن اليزيدي [[في (أ): (ابن الزيدي)، وهو خطأ.
وابن اليزيدي هو: إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي مولاهم، المعروف بابن اليزيدي.
بصري سكن بغداد وسمع من أبيه وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم. وكان ذا قدر وعلم بالنحو واللغة والقراعة والأدب. له مصنفات كثيرة منها: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" كبير جدًّا، و"مصادر القرآن" بلغ فيه إلى سورة الحديد. توفي سنة 225 هـ.
واليزيدي: نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وكان أبوه يحيى بن المبارك مؤدبًا، لأولاده منقطعًا إليه، فنسب إليه.
انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 209، "إنباه الرواة" 1/ 224 - 226، "اللباب" لابن الأثير 3/ 411، "غاية النهاية" 1/ 29، "طبقات المفسرين" للداود 1/ 25 - 27.]] عن أبي زيد: على حرف على شك [[ذكره الأزهرى في "تهذيب اللغة" 5/ 12 من رواية ابن اليزيدي، عن أبي زيد.]].
وقال ابن الأعرابي: [الحرف] [[زيادة من "تهذيب اللغة".]] الشك في قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} أي شك [[ذكره عنه ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 14.]]. ونحو هذا قال أحمد بن يحيى [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 15 من رواية أبي العباس -وهو ثعلب: أحمد ابن يحيى- عن ابن الأعرابي.]].
وهذا الذي قالوا هو معنى "حرف" في هذه الآية لا تفسيره. وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة.
والانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن [[في (ع): (إلى)، وهو خطأ.]] الوسط [[انظر: "حرف" في "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12، 14، "الصحاح" للجوهري 4/ 1132، "لسان العرب" 9/ 41 - 43.]].
وقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام [[في (أ): (الكلاف)، وهو خطأ.]] يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد به [[به: ساقطة من (د)، (ع).]] حدته. ورجل محارف: أي محدود عن الكسب والخير، ومثله محرف كأنَّ الخير قد حرف عنه ما يحرف القلم [[العبارة في "سر صناعة الإعراب": ومثك مجرَّف ومجلَّف، كأنَّ الخير قد جُرِّف عن وجلف، كما يجلف القلم ونحوه.]].
وقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال. ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف [[الحُرْف: حبَّ الرشاد. "القاموس المحيط" 3/ 127.]]، سمي بذلك لحدته. هذا كلامه [["سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 14، 15.]]
وعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن [[في (أ)، (د): (على).]] الوسط، وعلى قول أبي الفتح أصله من الحدّة والطرف حرفٌ لحدته.
قال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]].
وقال أبو عبيدة -في قوله: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ -: أي لا يدوم. قال: وتقول [[في (د)، (ع): (ويقولون).]]: إنَّما أنت على حرف [[هكذا في جميع النسخ و"سر صناعة الإعراب"، وفي مجاز القرآن: إنما أنت لي على حرف. بزيادة (لي).]]، أي لا أثق بك [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46.]].
قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد [[في (د)، (ع): (متعمّد).]] على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية [["سر ساعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 14.]].
وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ [[في (أ): (إذا).]] لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها.
وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر.
هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد.
وقال [[في (د)، (ع): (قال).]] ابن قتيبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [[إلى هنا ينتهي المفقود من نسخة (ظ)، والموجود يبدأ من قوله: (يعبد الله).]] واحد [[هكذا في جميع النسخ، والأظهر حذفا فليس (واحد) عند ابن قتيبة.]] أي: على وجه واحد ومذهب واحد [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.]].
واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين [[في (أ) زيادة بعد قوله (الحالتين): (فقد عبده عباده)، وهي زيادة ناشئة من انتقال نظر الناسخ إلى الكلام الذي بعده.
وليست في "تهذيب اللغة" للأزهري.]].
أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا [[في (أ): (بأنه خالق)، وهو خطأ.]] يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12 - 13 مع تصرف في العبادة.]].
فعلى هذا معنى قوله [[في (ظ): (فعلى هذا المعنى في قوله).]] ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري.
وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 48 أ، والبغوي 5/ 268 - 269، والقرطبي 12/ 18.]].
ويكون معنى ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ في هذا القول: على شك.
قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ إن أصابه رخاء [[في (أ): (رجاء). وهو تصحيف.]] وعافية وخصب، وكَثُر ماله اطمأن على عبادة الله بذلك الخير الذي أصابه.
والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الخير.
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.]].
وقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة. ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه [[توجَّه: مهملة في (أ).]] منه، وهو الكفر.
ويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه [[في (ظ)، (د)، (ع): (منهما).]]، وهو الكفر.
قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله -ﷺ- المدينة. وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت [[نتجت: ولدت. لسان العرب 2/ 374 (نتج).]] فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله، رضي واطمأن، وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا. وإن أصابه وجع في [[(في): ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] المدينة، وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه [[في (ظ): (رماله).
ورماكه: جمع رمكه، والرمكة: الفرس والأنثى من البراذين. الصحاح للجوهري 4/ 1588 (رمك)، "لسان العرب" 10/ 434 (رمك).]]، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان، فقال له [[(له): ساقطة من (أ)، (ع).]]: والله ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرًا. فينقلب عن دينه. وذلك الفتنة [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 47 ب، 48 أمن غير نسبة لأحد. وذكره عن الكلبي الرازي في "تفسيره" 23/ 13.
وقد رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" 17/ 122 من رواية العوفي عن ابن عباس. وروى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ 8/ 442 نحوه مختصرًا عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. وروى ابن أبي حاتم، كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 209 بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي -ﷺ- فيسلمون. فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالحٌ فتمسكوا به. وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه "ومن الناس .. " الآية.= وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وقال: بسند صحيح، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.]].
وقوله تعالي: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني هذا الشاك خسر دنياه حيث لم يظفر بما طلب من المال، وخسر آخرته بارتداده عن الدين ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي الضرر الظاهر. يعني ذلك الذي فعل من انقلابه على وجهه وذلك [[في (أ): (أو ذلك).]] الخسران الذي لحقه هو الخسران المبين. وخسر يدل على الخسران؛ لأنّ الفعل يدل على المصدر.
22:12Page 333
يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢
He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.
قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذا المرتد يدعو [[(يدعو): ساقط من (أ).]] راجعًا إلى الكفر يعبد سوى الله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ في معاش إن لم يعبده، ولا ينفعه إنْ أطاعه، يعني الحجارة التي كانوا يعبدونها، ذلك الذي فعل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: عن الحق والرشد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences