Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:15–18
22:15Page 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد -ﷺ- [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب وانظر الطبري 17/ 125 - 127.]].
قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا [[رواه الطبري 17/ 126 - 127، والحاكم في "مستدركه" 2/ 386، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه.]].
وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 126.]]، والسدي، والكلبي [[ذكره عن السدي والكلبي الرازي 23/ 15، وأبو حيان في "البحر" 6/ 357.]]، وابن زيد [[رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16.]]، واختيار الفراء والزجاج.
قال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [[في (ظ): (من)، وهو خطأ.]] فليشدد حبلاً في سقفه [[في (أ): (شقفه).]] ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع [[في (ظ) زيادة: (الحبل)، بعد قوله (ينقطع)، وليست عند الزجاج.]] فيموت مختنقًا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]].
وقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا [[العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (أن لن ينصر الله محمدا)، وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الفراء.]] بالغلبة حتى يظهر دين الله فليجعل في سماء بيته حبلاً ثم ليختنق، فذلك قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [[في (ظ)، (د)، (ع) زيادة: (فذلك) بعد قوله: (ثم ليقط) ، ولا معنى لها.]] أي: اختناقًا. وفي قراءة عبد الله (ثم ليقطعه) يعني السبب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 218.]].
وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة.
ومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين [[القول بأن معنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين محل نظر، فقد قيل (فليقطع) أي فليقطع النصر أو الوحي عن محمد -ﷺ- إن تهيأ له ذلك. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 90، "النكت" للماوردي 4/ 12، "زاد المسير" 5/ 414.]].
ووجه ما ذكره [[في (أ): (ذكرناه)، وهو خطأ.]] الزجاج والفراء أنه يقطعه بجذبه إياه حتى ينقطع، فيموت اختناقًا.
وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع [[في (ظ): (تنقطع).]] حياته ونفسه خنقًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).]].
وعلى هذا معنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليقطع نفسه. والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب.
قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله [[لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع). وفي (ظ): (فإنه مظهره).]] مظهره ولا ينفعه غيظه [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر) وفي المطبوع: ولا ينفعه موته خنقًا. وفي "اللسان" 5/ 210: ولا ينفعه غيظه وموته خنقًا. فيظهر أن (غيظه) ساقطة من المطبوع.]].
قوله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى [[في (ظ)، (د)، (ع): (وهو المعنى).]]: هل يذهبن كيده الذي يغيظه؟ [["تفسير الطبري" 17/ 128، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 48 ب.]].
والأول قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 218، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]]. ويقال: غظتُ فُلانًا أغيظُه غَيْظًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) نقلاً عن الليث. وهو في "العين" 4/ 439 (غيظ).]].
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 173 (غاظ) عن ثعلب، عن ابن الأعرابي.]].
وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله [[في (أ): (ورسوله)، وما أثبتناه هو الموافق للمشكل ص 358.]] من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم له أمره، فقال الله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يعني محمدًا -ﷺ- على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور [[العبارة في (ظ)، (د)، (ع): (لغيره في الإضمار مذكور. وهي عبارة غير مفهومة.]]، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار والتمكين، أو كان [[في (ظ)، (د)، (ع): (إذ كان)، وفي "المشكل" ص 358: (وإن كان.]] يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك [[في (أ): (وكل ما علاك)، والمثبت هو الموافق للمشكل ص 358.]] وأظلك فهو سماء، والسحاب: سماء، يقول الله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [[في جميع النسخ: (وأنزلنا)، وهو خطأ.]] [ق: 9]، وقال سلامة بن جندل [[هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعدة التميمي، أبو مالك.
شاعر جاهلي قديم، وهو من فرسان تميم المعدودين، في شعره حكمة وجودة، وهو ممن يصف الخيل فيحسن.
"طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، "الشعر والشعراء" ص 166، "خزانة الأدب" 4/ 29، "الأعلام" للزركلي 3/ 106.]] يذكر قتل [[في (أ): (قبل)، وفي (د): (قبل): بإهمال ثانية. ومهملة في (ظ)، (ع).]] كسرى النعمان [[هو: النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس. من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية، ملك الحيرة بعد أبيه، وكانت متابعة للفرس، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، نقم عيله كسرى أمرًا فعزله وسجنه حتى مات، وقيل ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته، فهلك نحو 15 ق. هـ.
انظر: "الكامل" لابن الأثير 1/ 246، "البداية والنهاية" 1/ 199، "الأعلام" للزركلي 8/ 43.]]:
هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ... الفُيول [[في (أ): (القبول).]] بعد بَيْتِ مُسَرْدَق [[البيت أنشده ابن قتيبة لسلامة في "مشكل القرآن" ص 358.
وهو في "ديوانه" ص 184، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 399 ومنه (المولج) في موضع (المدخل)، و (صدور) في موضع (نحور). والطبري 15/ 238 بمثل رواية أبي عبيدة، و"لسان العرب" 10/ 158 وفيه صدور).
وبيت مُسردق: هو أن يكون أعلاه وأسفله مشدود كله. "لسان العرب" 10/ 158 (سردق) "القاموس المحيط" 3/ 244.]] يعني: سقفه، وذلك أنه أدخله بيتًا فيه فيلة فتوطأته حتى قتلته [[في (أ): (فيه قبله)، وانظر قصة قتل كسرى للنعمان في: "الكامل" لابن الأثير 1/ 287 - 289، "خزانة الأدب" للبغدادي 3/ 383 - 386.]]. وقوله [[في (أ): (قوله).]] ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال المفسرون: ليختنق. وقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [[من بعد (فلينظر) ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] هل يذهب ذلك ما [[في (ظ): (مما).]] في قلبه؟.
وفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد [[في (ظ)، (د)، (ع): (الوعيد)، وهو خطأ.]]، وهو يراجعك في ذلك، ولا تسكن نفسه إلى قولك، فتقول له: إن كنت لا تثق بما أقول، فاذهب فاختنق [[في (أ): (واختنق).]]. تريد: اجهد جهدك. هذا معنى قول المفسرين. انتهت الحكاية عنه [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 358 - 359 مع اختلاف يسير.]].
ومعنى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن [[في (ظ)، (د)، (ع): (لكن).]] إشارة إلى أنه لا حيلة له، وليس يتوصل إلى تقديم النصر قبل وقته، وإخراج ما يظن من [[(من): زيادة من (أ).]] أن محمدًا -عليه السلام- لا ينصر عن قلبه فلم يبق له [[(له): ليست في (ظ)، (د)، (ع).]] إلا الخنق ليستريح [[في (أ): (لتستريح).]] من غيظه بتأخر النصر عن محمد -ﷺ- كما قال الشاعر: إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى [[في (أ): (إن كنت لا ترى بما قد ترضى)، وهو خطأ.]] ... فدونك الحبل به فاختنق [[لم أهتد لهذا البيت.]]
أي: لا سبيل إلى تغييره [[مهملة في (أ).]]، فإنْ غاظك ما تراه ولا ترضاه فخذ الحبل واختنق حتى تستريح.
وذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان [[أسد: قبيلة عظيمة، تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهذه ذات بطون كثيرة.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 11، 479، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 47 - 48، "معجم قبائل العرب" لكحالة 1/ 21. وغطفان: بطن عظيم متسع كثير الأفخاذ، وهم بنو غطفان بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
انظر: "الجمهرة" ص 248، "نهاية الأرب" ص 348، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 888 - 889.]] تباطؤوا عن الإسلام، وقالوا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا [[يميروننا: يعني: يجلبوا لنا الطعام. "لسان العرب" 5/ 188 (مير).]] ولا يؤوننا، فنزلت هذه الآية ذما لهم على هذا الظن واستعجالهم ما [[في (ظ): (بما).]] قد وعدهم [[في (أ): (وعده).]] الله [[ذكره الطبري 17/ 128 من غير سند، وذكره ابن الجوزي 5/ 412 عن مقاتل. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.]].
ولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن [[في (أ): (نظر)، وهو خطأ.]] أن لن ينصر الله نبيه، ويكايده [[في (أ): (لكابده).]] في أمره، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فذلك قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ عن النبي -ﷺ- الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب [[في (أ): (ذهاب).]] غيظه بهذا الفعل؟ [[ذكر عنه بهذا اللفظ الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 48 ب. وقد رواه الطبري 17/ 126، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 16 بنحوه.]].
وهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [[في (أ): (بنصر الله): وهو خطأ.]] لأن من ظن ذلك لا يقال له: إن كنت تظن أنه غير منصور فاقطع النصر عنه. ولو كان أول الكلام: من يغيظه أن ينصره الله، أو ما أشبه هذا؛ حج [[في (أ): (أصح)، وهو خطأ.]] تفسير ابن زيد، وليس في أوائل [[في (ظ)، (د)، (ع): (أواخر).]] الآية: من أراد أن يكايده، أو يقطع النصر عنه، أو شيء من هذا المعنى الذي بني ابن زيد تفسير باقي الآية عليه.
هذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي -ﷺ-.
ومذهب مجاهد والضحاك [[يظهر أن الواحدي اعتمد في نسبة هذا القول على الطبري، فقد قال الطبري في "تفسيره" 17/ 127: وقال آخرون: الهاء في (ينصره) من ذكر (من) ... ثم قال == الطبري: ذكر من قال ذلك. ثم ذكر الطبري آثارًا عن مجاهد وغيره، ثم قال 175/ 128: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (فليمدد بسبب) يعني: بحبل (إلى السماء) يعني: سماء البيت. أهـ.
والنص -كما ترى- ليس فيه ما يدل على أن الضحاك يرى أن الهاء عائدة إلى (من). وقد جاء عن الضحاك ما يخالف ما نسب إليه، فقد روى عبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 16 عنه في الآية قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، فليجعل حبلاً في سماء بيته، فليختنق به، فلينظر هل يغيظ ذلك إلا نفسه؟.]]: أن الهاء كناية عن (من) في قوله ﴿مَنْ كَانَ﴾.
قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه الله [[رواه الطبري 17/ 127، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 15 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.]].
وهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه [[في (د)، (ع): (أن لن ينصره) أن لن يرزقه.]]. قال: ووقف علينا رجل من بني أبي بكر [[في المطبوع من "المجاز" 2/ 46، بني بكر، وأشار المحقق إلى أنه في نسخة: بني أبي بكر. وما ذكره الواحدي هنا من قوله (ابن كلاب) ليس في المجاز لأبي عبيدة فيحتمل أن يكون السائل من بني أبي بكر -كما وقع في إحدى نسخ المجاز وكما نسبه الواحدي إلى بني أبي بكر ابن كلاب- وهو كما قال ابن الأثير في تهذيب الأنساب 1/ 170 نسبة إلى أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عبيد، ينسب إليه كثير. أهـ.
ويحتمل أن يكون السائل من بني بكر -كما وقع في بعض نسخ المجاز- وهو كما قال ابن الأثير (1708) نسبة إلى بكر بن وائل، أبو بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة، أو بكر بن عوف بن النخع.
وقد وقع عند ابن الجوزي 5/ 4، والرازي 17/ 23، وأبي حيان 3/ 357، والشنقيطي 5/ 51، من بني بكر.]] بن كلاب فقال: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطيني أعطاه الله. وأنشد للراعي: أبوك الذي أجْدى عليَّ بَنَصْرِهِ ... فأنْصت عنّي بعده كُلَّ قائل [[البيت أنشده أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 25/ 46 - 47.
وهو في "ديوانه" ص 209 من أبيات يمدح بها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وفيه (فأسكت) في موضع (فأنصت). و"الاشتقاق" لابن دريد ص 110 وفيه (فأسكت).
وهو من غير نسبة في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 155، و"اللسان" 2/ 99، و"تاج العروس" 5/ 123 (نصت).]]
وأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها [[انظر (نصر) في: "تهذيب اللغة" 12/ 160، "الصحاح" 2/ 829، "لسان العرب" 5/ 211.]].
قال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة. ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا [[هكذا في جميع النسخ و"اللسان" لابن منظور 5/ 211. وفي المطبوع من "تهذيب الأزهري": أعيثوا.]]. وأنشد [[في (أ): (وأنشد الشاعر فقال).]]:
من كان أخْطاه الربيع فإنّما ... نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد [[قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 159 - 160 منسوبًا إليه. والبيت لابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. وهو في "ديوانه" ص 112)، و"الوحشيات" (الحماسة الصغرى) لأبي تمام ص 270، وفيه: (يجود) في موضع (يغيث). ومن غير نسبة في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 160 (نصر)، و"المخصص" لابن سيدة 9/ 121، و"اللسان" 5/ 211 (نصر).]]
قال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره [[في (أ): (ذكر).]] من الاختناق، ولينظر هل يذهب كيده - أي: حيلته- غيظه لتأخر الرزق عنه؟ [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 365. وليس فيه: الذي ذكره من الاختناق.]].
وقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق. وهذا ذم على سوء الظن بالله.
وفي قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها [[قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع) بكسر اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام: (ثم ليقطع). "السبعة" ص 434 - 435، "التبصرة" ص 265، "التيسير" ص 156، "الإقناع" 2/ 705.]].
والأصل [[في (ظ)، (د)، (ع): (فالأصل).]] الكسر عند الابتداء، فإذا تقدمها الواو والفاء أو (ثم) [[في (أ): (وثم)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.]] فمن أسكن مع الفاء [[في (أ): (مع الواو والفاء).]] والواو فلأنهما [[في (ظ): (فإنهما)، وهو خطأ.]] يصيران كشيء من نفس الكلمة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه. فسكن اللام، كما ذكرنا فيمن سكن (وهي) (فهي) [[في (أ): (وفي)، وهو خطأ.]] [[في "الحجة" للفارسي 5/ 270: وقبل ذلك قولهم: ﴿وَهِىَ﴾ [هود: 42]، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: 74].]]. وأما (ثم) فإنه ينفصل بنفسه ويسكت عليه، فليس في هذا كالفاء والواو [ولهذا لم يسكن أبو عمرو بعد (ثم). ومن سكن بعده شبه الميم من (ثم) بالواو والفاء] [[ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] وجعله كقولهم: (أراك [[في (أ)، (د): (اذاك)، وفي (ظ)، (ع): (اداك)، والتصويب من "الحجة" 5/ 270.]] منتفخًا). وعلى هذا قول العجاج:
فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا [[في (أ): (بكردشا).]] [[هذا الشطر من الرجز للعجاج بهذه الرواية (منتصبا) في "الحجة" للفارسي 1/ 408، 5/ 270، و"الخصائص" لابن جني 2/ 338، وفي "اللسان" 1/ 758 (نصب) من غير نسبة.
وروايته في "ديوان العجاج" ص 130، و"تهذيب اللغة" 10/ 423 (كردس)، و"اللسان" 6/ 195 (كردس): (فبات منتصا وما تكردسا. ولا شاهد فيه على هذه الرواية. وهو يصف فيها حمارًا وحشيًّا، وبعده: إذا أحس نبأة توجسا.
قال الأصمعي في "شرحه لديوان العجاج" ص 130: (قوله (منتصبا) أي منتصبًا. والمكردس: الذي قد رمى بنفسه.]]
وهذا مما تقدم الكلام فيه. ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة [[قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة: أبو عمرو، وابن عامر في غير رواية ابن ذكران، وورث عن نافع، وابن كثير في رواية قنبل.
فقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع: (ثم ليقطع)، (ثم ليقضوا) بكسر اللام، ووافقهم في (ليقضوا) وحدها ابن كثير في رواية قنبل.
ووافق هؤلاء المتقدمون بقية القراء في قراءة (وليوفوا)، (وليطوفوا) بإسكان اللام. أمَّا رواية ابن ذكوان عن ابن كثير فبالكسر في المواطن الأربعة.
"السبعة" ص 434 - 435، "المبسوط" لابن مهران 257، "التبصرة" ص 215، "التيسير" ص 156، "النشر" 2/ 326.]] من ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: 29] فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز [[من قوله: (والأصل) إلى هنا هذا كلام الفارسي في "الحجة" 5/ 269 - 270 مع تصرف وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 420 - 421، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 73، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 473 - 474.]].
22:16Page 334
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
وقوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك. يعني ما تقدم من آيات القرآن [[انظر البغوي 5/ 371، و"زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 414 - 415.]]. وإن شئت قلت: وهكذا. وهو مذهب مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 2/ 21 أ.]]. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا القرآن.
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لأهل التوحيد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: وأنزلنا إليك أن الله يهدي. قال ابن عباس: يعني [[في (ظ): (يريد).]] يرشد إلى دينه ﴿مَنْ يُرِيدُ﴾.
وهذا الآية دليل على أن مِلاك الهدى والضلالة منوط بالإرادة تكذيبًا للقدرية.
22:17Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تقدم الكلام في تفسير هؤلاء الفرق المذكورة [[انظر: "البسيط" 1/ 756، 57 أ، ب أزهرية.]] إلى قوله ﴿وَالْمَجُوسَ﴾.
قال الأزهري: والمجوس معرب، أصله: منْج كُوش، وكان رجلاً صغير الأذنين، هو أول من دان بدين المجوس، ودعاهم إلى المجوسية، فعربته [[في (ظ)، (د)، (ع): (فعربت).]] العرب فقالت: مجوس، وربما تركت العرب صرف مجوس تشبيهًا بالقبيلة وذلك أنه اجتمع فيه التأنيث والعجمة، ومنه قوله [[هذا عجز بيت أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 602 من غير نسبة وهو للتوأم اليشكري، أجاز به قال امرؤ القيس، وكان امرؤ القيس قد نازع التوأم وقال له: إن كنت شاعرًا فملط -التمليط: أن يقول الشاعر نصف بيت ويتمه الشاعر الآخر. "القاموس المحيط" 2/ 387 (ملط) - أنصاف ما أمول وأجزها، فقال == التوأم: نعم، فقال امرؤ القيس:
أصاح أريك برقا هب وهنا
ويروى:
أحارِ ترى بُريقا هب وهنا
فقال التوأم:
كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا
وهذا البيت مع الخبر في "ديوان امرئ القيس" ص 174 من رواية الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، وفي "لسان العرب" 6/ 213 (مجس)، و"تاج العروس" للزبيدي 20/ 123 (ملط).
ونسب سبيويه في "الكتاب" 3/ 254، والجوهري في "الصحاح" 3/ 977 (مجس) البيت لامرئ القيس.
وهو من غير نسبة في: كتاب "ما ينصرف وما لا ينصرف" للزجاج ص 82، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 2/ 139، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 496 (مجس).]]: كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا
وقد تمجَّس الرجل إذا دان [[في (أ): (كان)، وهو خطأ.]] بدين المجوس، ومَجَّس غَيره إذا علَّمه دين المجوسية [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 601 - 602 (مجس).
وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 977 (مجس)، "لسان العرب" 6/ 213، 215 (مجس).]].
وقال غير الأزهري: المجوس يقال إنهم سموا بذلك لأن الميم جُعلت بدلاً من النون، كان يقال لهم النجوس [[في (ظ)، (ع)، (د): (المجوس)، وهو خطأ.]] لنجاستهم وتدينهم باستعمال النجاسة، وقد تعتقب الميم النون مثل الغيم [[في (أ): (الغنم والغنن)، وهو خطأ.]] والغين والأيم والأين [[لم أجد من ذكر هذا القول فيما وقفت عليه من المصادر اللغوية. وقد ذكره == باختصار السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 245 ولم ينسبه لأحد. والغيم والغين: السحاب. والأيم والأين: الحية.
انظر: "الإبدال والمعاقبة والنظائر" للزجاجي ص 105، "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي 2/ 423، 434.]].
والقول ما ذكره الأزهري.
قوله ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: خبر (إن) الأولى جملة الكلام مع (إن) الثانية [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.]].
يعني قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ﴾.
قال الفراء: وربما قالت العرب: إن أخاك إن الدين عليه لكثير. فيجعلون (إن) في خبره. وأنشد:
إن الخليفة إن الله سربله ... البيت [[كلام الفراء وإنشاده في "معاني القرآن" له 2/ 218. والبيت لجرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن عبد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وتتمته:
سِرْبال ملك به تُرْجَى الخواتيمُ
وهو في "ديوانه" 2/ 672 وروايته فيه: يكفي الخليفة أن الله سربله، ولا شاهد فيه على ذلك.
و"خزانة الأدب" 10/ 364 - 368 وعجزه عنده: لباس ملك به تُرْجى الخواتيم. قال البغدادي 10/ 364: سربله: ألبسه، يتعدى لمفعولين أولهما ضمير الخليفة، والثاني اللباس بمعنى الثوب .. وتُرجى -بالزاي والجيم- والإرجاء: السوق. والخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم. يريد إن سلاطين الآفاق يرسلون إليهم خواتمهم خوفًا منه، فيضاف ملكهم إلى ملكه. ويروى (ترجى) بالراء المهملة من الرجاء. وهذه الرواية أكثر من الأولى.]] وهذا كما ذكرنا [[في (ع): (ذكره)، وهو خطأ.]] في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].
قال الفراء: وإنما جاز هذا لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأول وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن لاختلاف اسمي [[في (أ): (إسم).]] (إن)، ولا يجوز: إنك إنك [[إنك (الثانية): ساقطة من (ظ).]] قائم، ولا: إن أباك إنه قائم؛ لاتفاق الاسمين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 218 مع تصرف واختلاف في العبارة.]].
قال الزجاج: وليس بين البصريين خلاف في أن (إن) [[(إن): ساقطة من (ظ).]] تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدًا إنه قائم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.]].
فأجاز أبو إسحاق ما استقبحه الفراء ولم يجزه.
وقال صاحب النظم: لما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما تبع ذلك [[ذلك: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] من الكلام وطال صارت (إن) كأنها مُلغاة لتباعدها عن خبرها [[في (أ): (حيزها).]] فأعاد [[في (أ): (وأعاد).]] ذكرها عند الجواب؛ ليعلم أن الجواب متصل بالابتداء توكيدًا للشرح. قال: ويجوز أن يكون إنما وجب أن يقدم ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- في مبتدأ الخبر [[في (أ): (الخير). وهو تصحيف.]] على نظم: إن الله يفصل [[في (ظ) زيادة (بينهم) بعد قوله (يفصل).]] يوم القيامة بين الذين آمنوا والذين هادوا. فلما قدم ذكرهم في الابتداء أعاد ذكر اسمه بالتقديم ليدل على أن وضع مبتدأيه [[في (أ): (مبتدأ به).]] على هذا النظم.
ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقضي بينهم يوم القيامة.
وفسر الزجاج هذا الفصل والقضاء بين هؤلاء الفرق بإدخال المؤمنين الجنة والآخرين النار، واحتج بقوله بعد هذا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من أعمال هؤلاء الفرق.
قال ابن عباس: شهيد على ما في قلوبهم عالم به. وقال أهل المعاني: إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح فيبيض وجه المحق ويسود وجه المبطل [[انظر القرطبي 12/ 23 فقد ذكر هذا القول مختصرًا بمعناه، وصدره بقول: قيل.]].
ومعنى الشهيد: العلم بما شاهده، والله -عَزَّ وَجَلَّ- يعلم كل شيء قبل أن يكون بأنه علام الغيوب.
22:18Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: 243] الآية.
وقوله: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه ذلك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]].
وقوله ﴿وَالشَّمْسُ﴾ إلى قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] بالسجود واختلفوا في معنى سجود هذه الأشياء، والصحيح أن المراد بسجودها خضوعها وذلتها وانقيادها لمولاها فيما [[في (أ): (بما).]] يريد منها [[بل الصحيح ما قاله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 340 بعد ذكره لهذه الآية: فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها. أهـ.]]. وهذا القول هو اختيار الزجاج والنحاس.
قال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] [["معاني القرآن" 3/ 418.]].
وقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله -عَزَّ وَجَلَّ- على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة [[من قوله: وقال قوم .. إلى قوله: أثر الصنعة فيها. منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.
ومن قوله: "والتسخير ... إلخ" منقول عن "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أ.]].
وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو العارفين إلى السجود لله -عَزَّ وَجَلَّ- [["القطع والائتناف" للنحاس 489.]]
وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر [[هذا عجز بيت لزيد الخيل، وصدره:
بجيش تضلُّ البُلْق في حَجَراته
وهو في "ديوانه" ص 66، وتأويل "مشكل القرآن" ص 322، و"المعاني الكبير" 2/ 890 كلاهما لابن قتيبة، والطبري 2/ 242، و"الكامل" للمبرد 2/ 201، والرواية عندهم: (منه) في موضع (فيها).
وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418، "الأضداد" لابن الأنباري ص 295، و"الصحاح" للجوهري 2/ 483 (سجد)، و"للسان" 3/ 206 (سجد). والرواية عندهما: فيها.
والبلق: جمع بلقاء، والبلقاء: هي الفرس التي يكون فيها بلق يعني: سواد وبياض. أو البلقاء: الفرس التي ارتفع التحجيل فيها إلى الفخذين. و (حجراته): نواحيه، والأكم: جمع أكمه: وهي التل أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله.
انظر: "لسان العرب" 10/ 25 (بلق)، 4/ 168 (حجر)، "القاموس المحيط" 3/ 214 ، 4/ 75.
قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 89: يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف فغيرها أحرى أن تضل، يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.]]:
ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ
أي: خشعت من وطي الحوافر عليها. هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني [[نسب الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أهذا القول لأرباب الحقائق.]].
وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15] [[ذكره عن مجاهد: الثعلبي 3/ 49 أوبنحوه رواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]].
قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 268، والجشمي في "التهذيب" 6/ 171 ب من غير نسبة لأحد.]].
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه [[ذكره الثعلبي 3/ 49 أ، ورواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 18 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]].
وعلى هذا فكل شيء مما خلقه [[في (ظ)، (د)، (ع): (خلق).]] الله تعالى يسجد لله حقيقة السجود ويدل عليه قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: 79] إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة [[في (ظ)، (د)، (ع): (حال).]] في التمييز فذلك [[في (ظ)، (د)، (ع): (فذاك).]] بأن الله تعالى يحدث لها في تلك الحالة عقلاً وتمييزًا، وإلا فالتمييز منها محال ما دامت على حقيقة صنعتها الأولى.
قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 49 أعن مجاهد بنصه. وقد رواه الطبري 17/ 130. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 17، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.]]. فعلى هذا قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ من جملة الساجدين.
وقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 393.]].
روى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة [[رواه ابن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 872. وذكره القرطبي 12/ 24 عن ابن عباس من رواية ابن الأنباري. وذكره أبو عمرو الداني في كتابه "المكتفى في الوقف والابتدا" ص 393 عن ابن عباس.]].
وقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده [[ذكره الرازي 23/ 20 من رواية عطاء، عن ابن عباس.]].
وعلى هذا يصح الوقف على ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر.
وقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين [[انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 782، "القطع والائتناف" == للنحاس ص 488 - 489، "منار الهدى في بيان الوقف والابتدا" للأشموني ص 255.]].
قال الفراء: قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]].
وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم [[ذكره عنهم النحاس في "القطع والائتناف" ص 488.]] وهو أن الوقف على (الناس).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 219.]]. وكذا روى عن ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 207.]].
وقال في رواية عطاء: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ يريد [[يريد: ساقطة من (ظ)، وفي (د)، (ع): (يريد: ومن يهن الله) من تهاون.]]: من تهاون بعبادة الله [[ذكره عنه القرطبي 17/ 24.]].
يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] إياه وطرده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه [[قال الطبري 17/ 130: (فما لي من مكرم) بالسعادة يسعده بها.]].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences