Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Hajj · 22:25–27

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:25–27

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الفراء: رد يفعلون على فعلوا [[أي عطف (يصدون) على (كفروا).]]؛ لأن المعنى: أن الصد منهم كالدائم فاختير له يفعلون، كأنك قلت: إن الذين كفروا [[عند الفراء 2/ 221: إن الذين كفروا [و] من شأنهم الصد. زيادة واو.]] من شأنهم الصد، ومثله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: 28] قال: وإن شئت [[في (أ): (إن شئت).]] قلت: رد [[(رد): ساقطة من (ظ).]] يفعلون على فعلوا، لأن معناهما كالواحد فلو قيل: إن الذين كفروا وصدوا لم يكن فيه ما يسأل عنه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 220 - 221 مع اختلاف.]].

وهذا معنى قول الكسائي: إن الذين كفروا ويصدون ولم يقل وصدوا وهي هيئة [[(هيئ) ة: مهملة في (ظ)، (د)، (ع).]] يعني أنه بمعنى الماضي.

ونحو هذا قال الزجاج: لفظ المستقبل عطف به [[في (ظ)، (د): (به عطف).]] على الماضي، لأن معنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين هم كافرون، وكأنه قال: إن الكافرين والصادين [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.]].

فهؤلاء جعلوا لفظ المستقبل هاهنا بمنزلة الماضي.

قال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا [فلما كان المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [محمد: 1]. قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى. والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال [["الكتاب" 3/ 24.]]: ويقع يفعل في موضع فعل في بعض المواضع وأنشد الشاعر [[في (أ): (وأنشد)، والمثبت من باقي النسخ.]] فقال:

ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني [[البيت أنشده سيبويه في "الكتاب" 3/ 24 منسوبًا لرجل مولد من بني سلول، وذلك في "المقاصد النحوية" للعيني 4/ 58 وفيه. وأعف ثم أقول ما ... ، و"تحصيل عين الذهب" للشنتمري 1/ 416.

ونسبه الأصمعي في "الأصمعيات" ص 126 لشمر بن عمرو الحنفي، وروايته فيها: (مررت) في موضع (أمر)، ولا شاهد فيهما على هذه الرواية.

والبيت بلا نسبة في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 323، والطبري 2/ 351 وروايته فيه: فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني، و"الخصائص" لابن جني 3/ 330. وانظر: "الخزانة" 1/ 357.]]

على معنى: ولقد مررت. انتهت الحكاية عن أبي علي [[لم أجده بنصه. وانظر: "الحجة" 3/ 35.]].

وذكرنا هذا وبيانه عند قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] الآية.

قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [قال أبو إسحاق: ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)]]] وقف التمام، ومعنى {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} كما قال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] ويكون ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ رفعا على الابتداء والخبر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.]].

وهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل -يعني جعلناه- واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.

قال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء [[في (أ): (السواء)، وهو خطأ.]] إذا جاءت بعد حرف قد تم به الكلام، فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفع لأن سواء بمعنى واحد. ولو قلت: مررت على رجل واحد عنده الخير والشر لرفعت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 222. والعبارة الأخيرة فيه: لأن سواء في مذهب واحد، كأنك قلت: مررتُ على رجل واحدُ عند الخير والشر. وليس فيه لرفعت.]].

قال أبو علي: قوله ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي مستقرًا ومنسكًا [[في (أ): (أو منسكا).]] ومتعبدًا. والمعنى على أنه نصبه لهم منسكًا ومتعبدًا [[في (أ): (كررت جملة:، (والمعنى أنه نصب لهم منسكًا ومتعبدًا).]] كما قال ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء. ومن نصب فقال (سواء [[قرأ حفص عن عاصم: (سواء) نصبًا، وقرأ الباقون (سواء) رفعا. "السبعة" ص 435، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.]]) أعمل المصدر عمل [[في (ظ)، (ع): (على)، وهو خطأ.]] اسم الفاعل فرفع (العاكف) [[في "الحجة" 5/ 271: فرفع (العاكف فيه) كما يرفع.]] [به كما يرفع بمستواه لو قال: مستويًا فيه العاكف والباد. فرفع العاكف] [[ما بين المعقوفين ساقط عن (أ).]] بمستوٍ كذلك يرفعه بسواء. والأكثر الرفع في نحو هذا وأن لا تجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة اسم الفاعل في الإعمال. ووجه إعماله أن المصدر قد يقام مُقَام اسم الفاعل في الصفة في نحو: رجل عدل. فيصير عدل كعادل [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 270 - 272. مع اختلاف يسير وتقديم وتأخير وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 423، "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 74.

وذكر مكي بن أبي طالب وأبو شامة وجهاً آخر في قراءة النصب، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون حالاً من الهاء في (جعلناه)، و (للناس) هو المفعول الثاني، أي جعلناه لهم في حال استواء العاكف والبادي فيه.

"الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 2/ 118، "إبراز المعاني" لأبي شامة ص 604.]].

قال المفسرون في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ خلقناه وبنيناه [[هكذا في جميع النسخ. وفي "الكشف والبيان" للثعلبي (جـ 3 ل 50 أ) المنقول منه النص، و"البسيط" 3/ 265: بنيناه.]] للناس كلهم لم يخص به منهم بعضا دون بعض [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 50 أ، وانظر الطبري17/ 137.]].

﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحاضر، والبادي: الذي يأتيه من البلاد، هم فيه سواء [[روى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 24 من ابن عباس (العاكف) أهل مكة (والباد) من كان من غير أهلها.]].

وقال سفيان: العاكف فيه: المقيم، والبادي: الذي ينتابه [[انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 256 عن سفيان الثوري.]].

[وقال قتادة: العاكف: أهله، والبادي: غيرهم [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 137.]].

وقال السدي: العاكف المقيم فيه من أهل البلد، والبادي الذي ينتابه] [[ما بين المعقوفبن ساقط من (ظ).]] من غير أهله.

وقال عطاء: العاكف أهل مكة، والبادي من أتاه من أرض غربة [[رواه الطبري 17/ 138 بمعناه.]]

وقال الفراء: العاكف من كان من أهل مكة، والبادي من نزع إليه بحج أو عمرة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 221.]].

وقال الزجاج: العاكف المقيم بها، والبادي النازع إليها من أي بلد كان [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.]].

وقال ابن قتيبة: البادي الطارئ من البدو [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 291.]].

ومعنى البادي: النازع إليه من غربة. من قولهم: قد بدا القوم إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء والمسافر باد وهو خلاف الحاضر [[انظر: "لسان العرب" 14/ 67 (بدا).]].

واختلفوا في أن العاكف والباد في إيش [[غير منقوطة في (أ). ومعنى إيشٍ: أي شيء.]] يستويان؟.

فذهب [[في (ظ): (فذكر).]] الأكثرون إلى أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما بأحق بالمنزل يكون فيه من الآخر.

وقال عبد الرحمن بن سابط: العاكف فيه ومن يجيء من الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل غير أن لا يخرج أحد من بيته [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 79 - 80، ورواه الطبري 17/ 137 بنحوه.]].

وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح [[روى الطبري 17/ 137 هذا القول عن هؤلاء جميعًا.

وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 أعنهم سوى قتادة.]].

ومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل.

قال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن [[أن: ساقطة من (ظ)، (د).]] أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه وصار العاكف فيها [[في (ظ): (فيه).]] أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها كسبيل المساجد الذي من سبق إليها كان أولى [بالمكان لسبقه، وسبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] به [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 271.]].

وهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" (جـ3ل 50أ)]].

وعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1] وقد مر.

وقال آخرون [[في (ظ): (وقال آخرون) مكررة مرتين.]]: معنى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في تفضيله وتعظيم حرمته وإقامة المناسك به [[(به): ساقطة من (أ).]].

وهو مذهب مجاهد [[رواه الطبري 10/ 137 - 138.]] والحسن [[لم أقف عليه.]]، وقول من أجاز بيع [[بيع: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] دور مكة.

وعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم.

قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته [[في (أ): (وولاه).]]، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 19] الآية. فأما المنازل فلم تزل [[في (ط)، (د)، (ع): (يزل غير منقوط أوله.]] لأهل مكة الدور والمساكن، غير أن المواساة تجب في أيام الموسم.

وجرت في هذه المسألة مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي -رحمهما الله- بمكة [[انظر خبر هذه المناظرة مفصلًا في: "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم ص 180 - 181، "مناقب الشافعي" للبيهقي 1/ 213 - 215، "طبقات الشافعية" للسبكي 2/ 89 - 90.]]، وكان إسحاق [[في (ظ)، (د): (أبو إسحاق)، وهو خطأ.]] لا يرخص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: 40] فنسب الديار إلى مالكيها، وقال النبي -ﷺ- يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 292، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة 3/ 1408 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وقال -ﷺ-: "وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ " [[رواه البخاري كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها 3/ 450، ومسلم كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها 2/ 984 من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

والربع: الدار. الصحاح للجوهري 3/ 1211 (ربع).]].

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جميع أهل المعاني قالوا في (بإلحاد) زيادة [[قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1276: تكلم الناس في دخول الباء (هاهنا)، فمنهم من قال: إنها زائدة. وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية؛ لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف، فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلمًا؛ لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذمومًا، فرفع الله الإشكال، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هنا.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 363 - بعد ذكره لقول من قال إن الباء زائدة: والأولى أن تُضَمَّن (يرد) معنى (يتلبس) فيتعدى بالباء.

وقال ابن كثير 3/ 214: والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى (يهم)، ولذا عداه بالباء فقال (ومن يرد فيه بإلحاد) أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول.]]، معناه: ومن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلم، وهو قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223.]]، والأخفش [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 636.]]، والمبرد [[في نسبة هذا القول للمبرد والزجاج لظر.

فإن أبا جعفر النحاس في كتابه "معاني القرآن" 4/ 395 بعد أن حكى عن الأخفش القول بأن الباء زائدة قال: وهذا عند أبي العباس خطأ؛ لأنه لا يزاد شيء لغير == معنى. والقول عنده أن يريد ما يدل على الإرادة، فالمعنى: ومن إرادته بأن يلحد بظلم كما قال الشاعر:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تَمثّلُ لي ليلى بكل سبيل

وأما الزجاج فقد قال في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 421. وقال أهل اللغة إن معنى الباء الطرح. المعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم وأنشدوا:

ثم ذكر الزجاج بيتين من الشعر. ثم قال: والذي يذهب إليه أصحابنا أن الباء ليست بملغاة، المعنى عندهم: ومن إرادته فيه بأن يلحد بلظم، وهو مثل قوله: أريد لأنسى ذكرها. البيت.]]، والزجاج [[المرجع السابق.]].

قال الفراء: سمعت أعرابيًّا من ربيعة [[ربيعة اسم لقبائل كثيرة. ولم يتميز لي المراد بهاهنا. انظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 15 - 16، "معجم قبائل العرب" لكحالة 2/ 420 - 426.]] -وسألته عن شيء- فقال: أرجو بذاك [[في جميع النسخ: بذلك. وأثبتنا ما في كتاب الفراء 2/ 223.]]. يريد أرجو ذاك [[في (ظ)، (د)، (ع): (بذلك)، وهو خطأ.]] قال: ودخلت الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ لأن تأويله: ومن يرد بأن [[في (ظ): (أن).]] يلحد فيه. ودخول الباء في (أن) أسهل منه في الإلحاد؛ لأن (أن) تُضمر [[في (د)، (ع): (يضم)، وهو خطأ.]] الخافض [[عند الفراء في "المعاني" 2/ 223: "الخوافض" وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.]] معها كثيرًا، فاجتمعت [[عند الفراء في "المعاني": فاحتملت، وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.]] [دخول الخافض وخروجه؛ لأن الإعراب لا يتبين فيها وقل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] دخولها في المصادر لتبين الإعراب [[عن الفراء في "المعاني": لتبين الخفض والرفع فيها.]] فيها وأنشد [[في (أ) قلا دة: (الشاعر)، بعد قوله: وأنشد. والأولى حذفها.]]:

ألا هل أتاها والحوادث جَمَّة ... بأنَّ أمرأ القيس بن تَمْلِك بيقرا [[البيت أنشده الفراء2/ 222 لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" 392 من رواية السكري وغيره، والطبري 17/ 139، و"الصحاح" للجوهري 2/ 595 (بقر)، "لسان العرب" 4/ 75 (بقر)، و"خزانة الأدب" 9/ 524 - 527.

وهذا البيت من قصيدة طويلة قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجدًا بقيصر للأخذ بثأر أبيه.

قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 526. قوله: (ألا هل أتاها) الضمير لحبيبته، وقوله (والحوادث جمة) أي كثيرة، جملة اعتراضية بين الفعل وفاعله ... ، وفائدة الاعتراض: الإخبار بأن هجرته عن بلاده حادئة من الحوادث، والعرب تتمدح بالإقامة في البدو .. و"تملك" -بفتح المثناة الفوقية: اسم امرأة. فمنهم يعني من الشراح- من قال: أمه تَمْلك، ومنهم من قال جدته، ويحتمل أن تكون جدته من قبل أمه أو أمهاتها. والله أعلم. أهـ

و (بيقرا): (قيل: بَيْقَرا لرجل بيقرة، إذا هاجر من أرض إلى أرض، وقيل: بَيْقر الرجل أقام بالحضر وترك قومه بالبادية. وقيل: بيقر الرجل إذا خرج من الشام إلى العراق. "الصحاح" للجوهري 2/ 595، "لسان العرب" 4/ 75.]]

فأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 222 - 223.]].

وقال المبرد: قال آخرون: إنما يحمل هذا على مصدره. والمعنى: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد [[في (ظ)، (د)، (ع): (على الإلحاد).]]، فدخلت الباء للمصدر.

وأنشد الزجاج [[البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 421 من غير نسبة، وهو بتمامه:

أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل

وهو في "ديوان كثير" ص 108، "الكامل" للمبرد 3/ 97، و"أمالي القالي" 2/ 63، "لسان العرب" 3/ 188 (رود)، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 249، و"خزانة الأدب" 10/ 329.]] على هذا المذهب قول كثير:

أُريد لأنْسى ذكرها ... البيت

قال: والمعنى: إرادتي لهذا، ومعنى الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.]]. وذكرنا ذلك في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103].]].

واختلفوا في المراد بالإلحاد بالظلم المتوعد عليه بالعذاب الأليم:

فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 ب عنهما. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 140 عن قتادة.]].

وهو قول عطاء [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 155 ب) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عنه قال: القتل والشرك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لسعيد وعبد ابن حميد وابن المنذر.

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وروى هشيم، عن الحجاج، عن عطاء (ومن يرد فيه بإلحاد) قال: من عبد غير الله عز وجل. وقد تقدم أن الرواية عن عطاء هي من طريقه. وجاء عنه تفسير آخر، فروى الطبري 17/ 141 عنه قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.]]، وهو قول حبيب بن أبي ثابت، والكلبي.

وذكر هو سبب نزوله قال [[في (ظ): (وقال).]]: نزل في عبد الله بن خطل [[هو: عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن هلال بن خطل، اسم خطل:== عبد بن مناف، من بني تيم بن فهو بن غالب، كان اسمه عبد العُزى فأسلم فسمي عبد الله، ثم أن النبي -ﷺ- بعثه مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان له مولى مسلم فغضب عليه غضبة، فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله -ﷺ- والمسلمين، فلهذا أهدر النبي -ﷺ- دمه فقتل وهو معلق بأستار الكعبة يوم فتح مكة، واشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي.

"السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 29، "الكامل في التاريخ" لابن الأثير 2/ 169، "البداية والنهاية" 4/ 297، "فتح الباري" لابن حجر 4/ 61.]] حين قتل الأنصاري، وارتد وهرب إلى مكة [[المصادر السابقة.]]، فنزل فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ يعني يميل عن الإسلام، ثم يظلم، فيدخل الحرم بشرك [[ذكره الرازي 23/ 25 عن مقاتل. وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 215 من طريق ابن لهيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله (ومن يرد فيه بإلحاد): (نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله -ﷺ- بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾. وسنده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.]].

وقال آخرون: هو كل شيء كان منهيا عنه، حتى قال ابن مسعود: لو أن رجلًا بـ (عدن أبين) [[في (أ): (بعدان أيبن)، وهو خطأ. و (عدن أبين) مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن، ويقال لها (عدن أبين) للتمييز بينها وبين (عدن لاعة) في بلاد حجة باليمن. انظر: "معجم البلدان" لياقوت 6/ 126 - 127، "مراصد الاطلاع" للبغدادي 2/ 923، "معجم المدن والقبائل اليمنية" للمقحفي ص 279.]] همَّ أن [[(أن): ساقطة من (ج)، (د)، (ع).]] يعمل بسيئة عند البيت أذاقه الله عذابًا أليما [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 65 - 66 وإسحاق بن راهويه في "مسند == كما في "المطالب العالية" لابن حجر ص 515، و"إتحاف المهرة" للبوصيري (جـ 3 ل 90 ب)، والبزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" للهيثمي 3/ 60، والطبري في "تفسيره" 17/ 141، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 214 - 215، والحاكم في "مستدركه" 2/ 387 - 388.

قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 215 - بعد أن ذكر سند ابن أبي حاتم ورواية الإمام أحمد: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 70: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.

وقال ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 352 والمسندة ص 515: (قوي الإسناد).

وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" 3/ 90 ب بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد موقوف صحيح.]]. وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم يعلمها [[رواه الطبري 17/ 141، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.]].

وهذا قول السدي [[انظر الطبري 17/ 140 - 141.]]، وابن زيد [[في الطبري 17/ 141 عنه قال: الإلحاد: الظلم في الحرم.]]، ومجاهد في رواية عثمان بن الأسود [[روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34 عن الثوري، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 55 ب) عن ابن المبارك كلاهما يعني الثوري وابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.

ورواه سعيد بن منصورل 55 ب عن إسماعيل بن زكريا عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.]].

وقال ابن عباس: هو استحلال ما حرم الله [[رواه الطبري 17/ 140 عنه من رواية العوفي.]]. وهذا قول ابن جريج [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50]].

وقال في رواية عطاء: هو قتل ما نهى الله عنه من الصيد، ودخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها [[في (ظ)، (د)، (ع): (لا يجوز أن يفعلها المحرم).]].

وعلى هذا القول هذا الإلحاد والظلم يختص باستحلال محظورات الإحرام وركوبها [[قال الطبري 17/ 141: وأولى الأقوال: التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معني بالظلم في هذا الموضع: كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ولم يُخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه.

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وأبين ما قيل فيه أن معنى (بإلحاد بظلم) لكل معصية؛ لأن الآية عامة. وقال أبو حيان في "البحر" 6/ 363 - بعد ذكره للأقوال: والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر، إذ الكلام يدل على العموم. وقال ابن كثير 3/ 215: وهذا الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها.]].

وقوله ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق [[(إسحاق): مكان بياض في (أ). ثم (أ) بعد ذلك (وعلى هذا القول) وقد ضرب عليه الناسخ، لأنه مكرر بسبب إنتقال نظره إلى السطر الذي قبله.]]: هو خبر (إن) للمذكور في أول الآية. قال: والمعنى أن الكافرين والملحدين [[(والملحدين): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] في المسجد الحرام نذيقهم [[عند الزجاج: (نُذقُهم).]] من عذاب أليم. قال: ويجوز أن يكون محذوفا فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 420 مع تصرف يسير.]].

والعرب ربما تحذف الخبر إيجازا واختصارا كما روي أن النبي -ﷺ- رأى عبد الله بن عمر، فقال: "إن عبد الله" [[رواه الطبراني كما في "مجمع الزوائد" 9/ 246 عن مجاهد قال: شهد ابن عمر -رحمه الله- الفتح: وهو ابن عشرين ومعه فرس حرور ورمح ثقيل فذهب ابن عمي يختلي لفرسه فقال رسول الله -ﷺ-: "إن عبد الله".

قال الهيثمي في "المجمع" 9/ 246: ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدًا أرسله. تنبيه: وقع في المطبوع من "مجمع الزوائد": (إن عبد الله رجل صالح) ولفظ (رجل صالح) زادها المعلق على المجمع كما نبه هو على ذلك في الحاشية حيث قال: (رجل صالح) مستدركة من "شذرات الذهب".

وهذا خطأ من المعلق، فإن حديث (إن عبد الله رجل صالح) بزيادة (رجل صالح) حديث آخر رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التعبير، باب: الاستبرق ودخول الجنة في المنام 12/ 403 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير، لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي -ﷺ- فقال: (إن أخاك رجل صالح)، أو قال: (إن عبد الله رجل صالح) أهـ.]]. ولم يزد على هذا كأنه أراد: إن عبد الله رجل صالح، أو ما أشبهه.

قال أبو إسحاق: والأول الوجه [[في (أ): (أوجه)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" للز جاج 3/ 420.]].

22:26Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الكلام في (بوأنا) قد سبق في مواضع منها قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 121] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 93].

وقوله ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أدخل اللام ولم يدخلها في ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [[في (أ): (بوأنا بني إسرائيل).]]. وذكر الفراء فيه وجهين: أحدهما: أن اللام دخلت [[في (أ) زيادة: (على) بعد قوله (دخلت)، ولا معنى لها.]]؛ لأن المعنى: جعلنا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223.]] [وكذلك [[في (أ): (ولذلك)، وهو خطأ.]] فسره ابن عباس [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أ.]].

قال أبو إسحاق: جعلنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] مكان البيت مُبوَأً لإبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 422.]].

وقال مقاتل بن حيان: هيأنا [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أ.]]. وعلى هذا اللام من صلة معنى (بوأنا) لا من صلة لفظه [[في (ظ)، (د)، (ع): (لفظ).]].

الوجه الثاني [[(الثاني): ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]: أن اللام صلة للتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 223، وفيه: وإن شئت كان بمنزلة قوله: (قل عسى أن يكون ردف لكم) معناه: ردفكم.]].

وقال بعض أهل اللغة: تفسير ﴿بَوَّأْنَا﴾ هاهنا: بيّنا له مكان البيت، يدل على هذا ما ذكره السدي: أن الله لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبنى، فبعث الله ريحا خجوجا [[عند الطبري: يقال لها ريح الخجوج. والخجوج: هي الريح الشديدة المرأ والملتوية في هبوبها. "القاموس المحيط" 1/ 184.]]، فكنست له ما حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل أن رفع [[في جميع النسخ: (رفع)، وفي "الوسيط" 2/ 266: يرفع.]] أيام الطوفان [[رواه الطبري 17/ 143 عنه دون قوله: الذي مكان البيت .. الطوفان.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 31 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل. والله أعلم بصحة ذلك فهو من الإسرائيليات.]].

وقال الكلبي: بعث الله سحابة على قدر البيت في العرض والطول فيها رأسٌ يتكلم له لسان وعينان، فقامت بحيال [[بحيال: أي بإزاء. "الصحاح" للجوهري 4/ 1679 (حيل).]] البيت، وقالت: يا إبراهيم ابن علي قدري. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 30. والله أعلم بصحة ذلك.]].

وقال بعض أهل المعاني: ﴿بَوَّأْنَا﴾ أصله من (باء) إذا رجع [[ذكرهذا المعنى الطوسي في "التبيان" 7/ 274، والجشمي في "التهذيب" 6/ 173 من غير نسبة لأحد.]]، وتفسير ﴿بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ جعلنا مكان البيت له مبوأ يرجع إليه بعلامة، [وتلك العلامة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ما ذكره السدي والكلبي.

قوله تعالى ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [قال الكلبي: لما فرغ إبراهيم من البيت، وطاف به أسبوعًا، أوحى الله إليه: أن يا إبراهيم لا تشرك بي شيئًا] [[ساقط من (ظ).]].

وعلى هذا في الكلام محذوف وهو: وأوحينا إليه، أو: وعهدنا إليه.

﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي لا تعبد معي غيري. قال ابن عباس: وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم [[(أنهم): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى [[في (ظ): (وأوحي).]] إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا.

وقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له [[(له): ساقطة من (أ).]]: وحدني في هذا البيت.

قوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 143.]].

وقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب [[رواه الطبري 17/ 143.]]. وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125].]].

قوله: ﴿وَالْقَائِمِين﴾ يعني: المصلين [[في (ظ): (والمصلين).]] الذين هم قيام في صلاتهم.

22:27Page 335

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام [[انظر: (أذن) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 17 - 18، "الصحاح" للجوهري 5/ 2068، "لسان العرب" 13/ 9، 12.]] وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 44] وقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: 70] وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 3].

قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن [[في (أ): (فأذن).]] في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم [[في (ظ): (يخرجكم)، وهو خطأ.]] من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من [[في (ظ): (فمن).]] أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك [[(فذلك): ساقطة من (أ).]] قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [[ذكر نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 ثم قال: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم. أهـ. وانظر الطبري 17/ 144 - 145، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 51 أ، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 32 - 35.]].

هذا الذي ذكرنا هو [[(هو): ساقطة من (ط).]] قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي -ﷺ- أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 أوصدره بقوله: وزعم الحسن. أهـ. وهذا القول المروي عن الحسن خلاف الظاهر.]].

وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ [[(رجالا): في (أ): (يأتوك رجالا).]] وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم عليه السلام، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان.

ورجال: جمع راجل، مثل: صَاحِب وصِحَاب، وقَائِم [[وقائم: ساقطة من (أ).]] وقِيَام [[من قوله: (ورجال) إلى هنا منقول عن "معاني القرآن" للزجاج 3/ 422 بنصه.]]. وبُدئ بذكرهم تشريفًا لهم لزيادة تعبهم.

وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا. والضمور: الهزال، ومثله الضُّمْرُ [[الضُّمْر: بالضم وبضمتين. و (ضمر) كنصر وكرم. قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 2/ 76 (ضمر).]]، ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 36 مادة (ضمر) نقلا عن الليث.]].

قال ابن عباس: يريد الإبل وغيره [[رواه الطبري 17/ 146 دون قوله (وغيره).]]. قال الكلبي: لا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر.

وقوله ﴿يَأْتِينَ﴾ جمع الفعل لمعنى [[في (ظ): (بمعنى).]] كل، ولو قال يأتي على اللفظ صح [[صح: ساقطة من (أ).]].

قوله ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. قاله الجميع [[انظر الطبري 17/ 146، وابن كثير 3/ 216، و"الدر المنثور" 6/ 36.]].

وذكرنا الكلام في الفج عند قوله: ميه ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: 31]. والعميق: البعيد. قال الليث: الفج: المضرب البعيد [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) نقلا عن الليث. وانظر: "العين" 1/ 186 - 187 (عمق)، (معق).]].

وقال غيره [[القائل: وقال غيره. هو الأزهري انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 295.]]: هو الشعب الواسع بين جبلين. قال [[يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق)، انظر: "العين" 1/ 186 - 187.]]: ويقال: مَعِيق وعَميق، العميق في الطريق أكثر.

قال الفراء لغة أهل الحجاز عميق، وبنو تميم تقول [[تقول: ساقطة من (ظ).]]: معيق [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 295 (عمق)، وليس هذا النص موجودًا في معاني الفراء انظر 2/ 224.]].

وتقول العرب [[في (ظ)، (د)، (ع): (والعرب تقول).]]:

بئر عميقة ومعيقة، [وقد] [[زيادة من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 290.]] أعمقتها وأمعقتها، وقد عمُقَت ومَعُقَت مَعَاقَةَ، وإنها لبعيدة العَمْق والمَعْق [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) غير منسوب لأحد.]]. والأمْعَاق والأعْمَاق: أطراف المفازة البعيدة [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق) منسوبًا لليث. وهو في كتاب "العين" 1/ 187 (عمق) مع اختلاف يسير، ومعه بيت رؤية كاملا منسوبا إليه.]]. قال رؤبة [[هذا شطر من أرجوزة لرؤبة في وصف مفازة، وهو في ديوانه ص 104، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 380، والطبري 15/ 88، و"تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 290 (عمق)، و"اللسان" 10/ 271 (عمق)، "خزانة الأدب" 10/ 25 - 26.

قال البغدادي في "الخزانة" 10/ 25، 1/ 81: (وقاتم) مجرور بـ (رب) المحذوفة بعد الواو. وهو صفة لموصوف محذوف، أي: رب بلد قاتم. قال الأصمعي: القُتْمةُ: الغبُرة. وأسود قاتم أي رب بلد مُغْبَرّ. والأعمال: جمع عمق بفتح العين وضمها، وهو ما بعد من أطراف المفاوز. والخاوي: الخالي. و"المخترق" بفتح الراء: مكان الاختراق، من الخرق وهو الشق، استعمل في قطع المفازة.]]: وقاتم الأعماق خاوي المخترق

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском