Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:30–33
22:30Page 335
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (ذلك) رفع. المعنى: الأمر ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]].
يعني ما ذكر من أعمال الحج.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الليث: الحرمة ما لا يحل انتهاكه، وتقول: فلان له حُرمة، أي تحرم منا لصحبة [[في (ظ)، (د)، (ع): (الصحبة)، وهو خطأ. وعند الأزهري: تحرم بنا بصحبة أو بحق.]] أو حق [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 44 (حرم) نقلا عن الليث، وهو في "العين" 3/ 223 وفيه: بصحبة وبحق.]].
وقال الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]].
وأما معنى الحرمات -هاهنا- فقال عطاء: هي معاصي الله [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 44 عنه، وعزاه لعبد بن حميد.]].
وعلى هذا الحرمات: هي ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها وانتهاكها، وتعظيم حرمات الله ترك ما حرمه الله.
وقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه [[رواه الطبري 17/ 153، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 44 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
فزاد مجاهد المناسك والمأمور بقيامها، وقد جمع في هذا القول المأمور به والمنهي عنه [فالمأمور به من مناسك الحج حرم التفريط فيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] والمنهي عنه من المعاصي حرم ملابستها فهي كلها حرمات.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فرائض الله عز وجل وسننه [[ذكره القرطبي 12/ 54 من غير نسبة.]].
وهذا القول هو أجمع الأقوال لأنه يجمع المأمور به والمنهي عنه.
وكثير من أهل التأويل اختاروا في معنى الحرمات هاهنا أنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات عليه، فقال أبو إسحاق: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: الحج والعمرة وسائر المناسك. ثم قال: وكل ما فرضه الله فهو من حرمات الله [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 424.]].
يعني أن تفسير الحرمات في هذه الآية ما ذكر، ويجوز أن يسمى الفرائض كلها حرمات الله؛ لأنها مما يحرم التفريط فيها.
وقال ابن قتيبة: يعني رمي [[(رمي): ساقطة من (ظ).]] الجمار، والوقوف بجمع، وأشباه ذلك، وهي شعائر الله [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 292.]].
وهذه كلها [[في (ظ)، (د)، (ع): (وهذا كله).]] من المناسك. وعلى هذا تعظيم المناسك: القيام بها.
وخص ابن زيد الحرمات بما يقع عليه اسم الحرام، فقال: الحرمات: هي خمس: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام [[(والإحرام): ساقطة من (أ).]] [[رواه الطبري 17/ 153 وليس في روايته هي خمس، والإحرام وكذا ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 أبمثل رواية الطبري.
وذكره البغوي 5/ 383 بمثل رواية الواحدي دون قوله: هي خمس. وذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 366 بمثل رواية الواحدي لكن بدل الإحرام: المحرم حتى يحل.]].
ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194] وقد مر.
وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. والفعل يدل على المصدر، فكنى عنه [[انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 366.]]. وقوله ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني في الآخرة.
وقال ابن عباس: فإن ذلك زيادة له في طاعة الله والمخافة منه.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه يعني في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة. الآية [[وهي الآية الثالثة من سورة المائدة.]].
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الرجس: الشيء القذر. وكل قذر رجس [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 581 (رجس).]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90] وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: 125].
والأوثان: جمع وثن. قال شمر: الأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، وكانت النصارى تنصب الصليب وتعظمه، وهو كالتمثال، ولذلك سماه الأعشى وثنًا، فقال:
تطوف [[في (ظ)، (ع): (تطوف): وفي (د): (يطوف) وفي (أ): (بطوف)، وفي "تهذيب اللغة" (تطوف).]] العُفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن [[البيت في "ديوانه" ص 21 ص قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 88، و "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 224 (عفا)، 15/ 144 (وثن)، و"اللسان" 13/ 443 (وثن).= والعفاة: جمع عاف ومعتف، وهو كل من جاءك يطلب فضلا أو رزقًا. "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 224 (عفا).]] أراد بالوثن: الصليب. وسمى رسول الله -ﷺ- الصليب وثنًا كما سماه الأعشى [[قوله: وسمى .. الأعشى. هذا من كلام الواحدي. أما شِمْر فإنه بعد أن فسَّر الوثن في البيت بالصليب قال: وقال عدي بن حاتم: قدمت.]]، وهو ما روي أن عدي بن حاتم قال: قدمت على النبي -ﷺ-، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ألق هذا الوثن عنك" [[أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" 7/ 106، والترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، سورة براءة 8/ 492، والطبري في "تفسيره" 14/ 210 (شاكر)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 42 ب، والطبراني في "الكبير" 17/ 92، والبيهقي في "سننه" 10/ 116.
وقد حسن هذا الحديث أبو العباس بن تيمية في كتابه "الإيمان" ص 64، وحسنه الألباني في كتاب "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" ص 19، 20.]] أراد به الصليب [[قول شمر في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 144 (وثن).]].
واشتقاق هذا اللفظ من قولهم: وَثَن الشيء، إذا قام في مكانه وثبت. والواثن: الشيء المقيم الراكد في مكانه. قال رؤبة:
على أخلاء الصَّفاء الوُثَّن [[هذا الشطر من الرجز لرؤبة أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 145 في سياق كلام نقله عن الليث، ثم قال الأزهري: قال الليث: يروى بالثاء والتاء.
قال الأزهري: المعروف: وتَنَ يَتِنُ وتونا، بالتاء .. ولم أسمع (وثن) بهذا المعنى لغير الليث، ولا أدري أحفظه عن العرب أم لا؟ أهـ.
وهذا الشطر في "لسان العرب" 13/ 442 (وتن، وثن). وهو في "ديوان رؤبة" ص 163 ضمن أرجوزة يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وروايته في الديوان (الوُتَّنِ).]] [يعني الدوم [[(الدوم): ساقط من (د)، (ع).]] على العهد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] [[من قوله: الواثن: الشيء .. إلى هنا. نقلا عن "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 145 (وثن) وهو منسوب فيه إلى الليث.]].
فسمى الصنم وثنًا، لأنَّه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. والمعنى: كونوا على جانب من الأوثان فإنها رجس.
قال ابن عباس: يريد عبادة الأوثان [[روى الطبراني 17/ 154 من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.]]. وعلى هذا فالرجس عبادة الأوثان، لأنها سبب الرجس، وهو المأثم في قول الكلبي [[ذكره عنه البغوي في "تفسيره" 3/ 187.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: الرجس: العذاب [[ذكره البغوي3/ 187، وابن الجوزي 3/ 121 عن عطاء.]]. وهو قول ابن زيد [[رواه عنه الطبري 12/ 111 (شاكر).]].
وقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 290.]].
وهذا الأقوال ذكروها في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: 125].
قال الأخفش في هذه الآية: المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها. أي: عبادتها [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 638.]].
وعلى هذا سميت عبادتها رجسًا؛ لأنها تؤدي [[في (أ): (لا تؤدي)، وهو خطأ.]] إلى الرجس الذي هو اللعنة والعذاب. وعلى قول الكلبي هي رجس؛ لأنها مأثم.
وقال أبو إسحاق: (من) هاهنا تخليص [[عند الزجاج في "معانيه": لتخليص.]] جنس من أجناس [[هو أن تذكر شيئًا تحته أجناس، والمراد أحدها، فإذا أردت واحدًا منها بينته، كهذه الآية. فلو اقتصر على الرجس لم يعلم المراد، فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من حسن الرجس. وقرنت بـ (من) للبيان.
انظر: "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 12، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 349 - 350، "البرهان" للزركشي 4/ 417.]]، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]].
وهذا قول أكثر أهل التأويل جعلوا (من) هاهنا تبيينًا للجنس. وعلى هذا الرجس: الوثن، سمي رجسًا كما سمي عبادتها [[في (أ): (عادتها).]] رجسًا في القول الأول. وليس الرجس في هذه الآية من القذارة والاستقذار في شيء.
وقال المبرد: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ والأوثان كلها رجس، وتأويله -والله أعلم: فاجتنبوا الرجس [[(الرجس): ساقط من (أ).]] المضاف إلى هذا الاسم، كما قال -عز وجل- في وصف أصحاب نبيه ﷺ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29] وكلهم مؤمن، ولكن تأويله -والله أعلم-: المضافين إلى هذا الوصف. قال: ومن ذلك قول سيبويه في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية [["الكتاب" لسيبويه 1/ 12.]]، أي: ما الكلم المضاف إلى هذه اللغة التي يقال لها العربية؛ لأن الكلم بعضها، كما أن الرجس ليس بعض الأوثان. انتهى كلامه [[لم أقف عليه.]].
وهذا هو معنى ما ذكره الزجاج.
قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الزور [[(الزور): ساقطة من (أ). ومكانها: (حنفاء لله).]]: الباطل والكذب [["تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 238 نقلاً عن ابن السكيت.]].
واختلفوا في معنى قول الزور -هاهنا- فذهب قوم إلى أنه الشرك بالله. وهو أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك [[هكذا في جميع النسخ. وفي "البسيط"، وعند الثعلبي: إلا شريكًا.]] هو لك [[هذا قول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 45.]] يريدون الصنم.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد قولهم: الملائكة بنات الله. وروى خريم بن فاتك [[هو: خُريم بن فَاتِك بن الأخْرم -ويقال: خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك- الأسدي أسد خزمة، أبو أيمن، ويقال: أبو يحيى. له صحبة. قيل إنه شهد بدرًا، وقيل لم يشهدها وإنما شهد الحديبية، وقيل إنما أسلم يوم الفتح، توفي في عهد معاوية.
"طبقات ابن سعد" 6/ 38، "الاستيعاب" 2/ 46، "أسد الغابة" 2/ 112، "الإصابة" 1/ 423.]]: أن النبي -ﷺ- قام خطيبًا، فقال: "عدلت شهادة الزور بالشرك بالله". مرتين، ثم قرأ هذه الآية [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 321، وأبو داود في "سننه" كتاب: القضاء، باب: في شهادة الزور 10/ 7، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الأحكام، شهادة == الزور 2/ 50 كلهم من طريق سفين بن زياد العصفري، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان، عن خريم بن فاتك: أن النبي -ﷺ- صلى الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: .. الحديث. وليس في رواية الإمام أحمد تكرار القول. وعند أبي داود وابن ماجه: ثلاث مرات.
ورواه الطبري 17/ 154 مختصرًا. ورواه الطبراني في "الكبير" 4/ 209 بمثل رواية أبي داود وابن ماجة.
قال الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 383 - 384: قال ابن القطان في كتابه "الوهم والإيهام": حديث خريم -وتصحف في المطبوع- إلى خزيم -بن فاتك لا يصح؛ لأنه من رواية زياد العُصفري وهو مجهول، عن حبي بن النعمان الأسدي ولا يعرف بغير هذا ولا يعرف حاله. أهـ.
وضعفه أيضًا الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لأبي عبيد ص 100، وأعله بالجهالة والاضطراب.]]. يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة الزور [[قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الإيمان" ص 100 معلقًا على الحديث والآية: نهى الله عنهما معًا في مكان واحد، فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان.]].
وهذا قول عبد الله بن مسعود [[رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 9327، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 257، والطبري في "تفسيره" 17/ 154، والطبراني في "الكبير" 9/ 114.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 201. وإسناده حسن.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 45 وعزاه لعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والخرائطي في "مكارم الأخلاق"، والبيهقي.]]، ووائل بن ربيعة [[وائل بن ربيعة، روى عن ابن مسعود، يُعَدّ في الكوفيين، روى عنه المسيب بن رافع وشمر بن عطية. هذا مجموع ما قاله عنه ابن سعد في "طبقاته" 6/ 204، والبخاريَ في "التاريخ الكبير" 8/ 1760، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 9/ 43، وابن حبان في "الثقات" 5/ 495. == وروى هذا الأثر عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 أ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 259، والطبري في "تفسيره" 17/ 154.]].
وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139] ونحو تحريمهم [[تصحفت في المطبوع من "معاني الزجاج" إلى: نحرهم.]] البحيرة والسائبة [[البحيرة: هي الناقة التي كان أهل الجاهلية يشقون في أذنها شقًا، والبحر في كلام العرب: الشق.
والسائبة: هي المسيبة المُخَلاة. وكان أهل الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانفاع به على نفسه، أو يجعله لبعض آلهته.
وبين أهل التفسير خلاف في صفة البحيرة والسائبة وكيفية عمل أهل الجاهلية فيها والسبب الذي من أجله كانوا يفعلون ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" 11/ 116 - 134، "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 37 - 38 (بحر)، 13/ 99 (سيب)، تفسير ابن كثير 2/ 107 - 108.]]، فأعلمهم الله عز وجل أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا [[في (أ): (الكذب)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في معاني الزجاج.]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425. قال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 46 - بعد ذكره للأقوال في معنى الزور: والمعاني متقاربة، وكل كذب وزور، وأعظم ذلك الشرك.
ثم قال: والذي يوجب حقيقة المعنى. فذكر قول أبي إسحاق من غير نسبة.]].
22:31Page 336
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين [[ذكر الماوردي في "النكت" 4/ 23 عن الضحاك قال: مسلمين لله.]]. والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه إلى دين الإسلام [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف).]].
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير [[دين: زيادة من (أ).]] الإسلام [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]].
وقال مجاهد: ﴿حُنَفَاءَ﴾ [[في (أ): (حنيفًا)، وهو خطأ.]] متبعين [[رواه الطبري 3/ 107 (شاكر)، عند قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135].
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا [[روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 396 - 397 عن ابن عباس في قوله (حنيفا) يقول: حاجا. ثم قال ابن أبي حاتم: وروى الحسن، والضحاك، وعطية، والسدي، نحو ذلك.
وروى الطبري في "تفسيره" 3/ 104، 106 عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية قال: هو حج هذا البيت.
وروى الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 110 بإسناده عن مرزوق قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حنفاء لله غير مشركين به) قال: حجاجًا. وكذلك قال السدي قال. حنفاء: حجاحًا.]].
والحنيفية عند العرب: حج البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف)، "لسان العرب" 9/ 57 (حنف).]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135].
قوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم [[في (ظ): (يقولون).]]: إلا شريك هو لك.
وقال عبد الله بن القاسم [[هو: عبد الله بن القاسم، التيمي، البَصري، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. رأى عمر، وروى عن جابر وابن عباس وغيرهما. وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وقال ابن حجر: مقبول.
"التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 173، "الثقات" لابن حبان 5/ 46، "الكاشف" للذهبي 2/ 118، "تهذيب التهذيب" 5/ 359، "تقريب التهذيب" 1/ 441.]] مولى أبي بكر -رضي الله عنه-: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [[رواه الطبري 3/ 106 (شاكر) بنحوه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 45 بنحوه وعزاه لابن أبي حاتم.]].
أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.
ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ [أي سقط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا [[انظر: "تهذيب اللغة" الأزهري 7/ 241 - 243 (خطف).]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20].
وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد [["السبعة" ص 436، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157. وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.]]. وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء التّفعّل [[هكذا في (أ): وهو الموافق لما في "الحجة" للفارسي. وفي (ظ): (الفعل)، وفي (د)، (ع): (التفعيل).]]، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون [[هذا كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 5/ 276.
وقال أبو منصور الأزهري في "علل القراءات" 2/ 424: من قرأ (فتخطفه) والأصل (فتختطفه) فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففتحت. وبنحوه قال ابن خالويه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 77.
وانظر أيضًا: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 476، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 119.]]. قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.
وقوله: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 488 (هو ى).]]. وقد مر [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: 81].]].
قوله ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: بعيد [[انظر الطبري 17/ 155، و"الدر المنثور" 6/ 46.]].
والسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 24 (سحق) عن الليث مع اختلاف يسير. وانظر:
"العين" 3/ 37 (سحق).]]. والفعل منه [[في (أ): (به).]] سَحُقَ يَسْحَقَ [[قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 3/ 244: والسحق -بالضم وبضمتين-: البعد، وقد سَحُق -ككرم وعلم- سُحقا بالضم.]].
قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به [[(به): ساقطة من (ظ).]] في بعده من الهدى وهلاكه [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 155، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.]].
وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.]].
وقال غيره: شبه حال المشرك [[في (أ)، (د)، (ع): (الشرك).]] بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة [[ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 أنحو هذا المعنى باختصار، ونسبه إلى أهل المعاني. وذكره البغوي 5/ 384 إلى قوله: المكان السحيق. ولم ينسبه لأحد.]].
وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا [[في (ظ): (هذه). وفي (ع): (ذلك).]] أنه قوبل به قوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ﴾ [البقرة: 256] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]]، كان المشرك بعكس ذلك فلم يتمسك لكفره [[في (ظ): (مكفره). وفي (د)، (ع): (بكفره).]] وشركه بشيء يتعلق به، ولم يتمسك بما له فيه أمان من الخُرُور ونجاةٌ من الهُوي واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسك بإيمانه فصار كمن خر من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك مُتعلق ولا معتصم فيكون له ثبات [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 276.]].
22:32Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، كما قلنا في قوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ ذكره المبرد عن سيبويه في هذه الآية [[لم أقف عليه.]].
قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد في رواية الحكم وابن أبي نجيح يعني استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" القسم الأول من الجزء الرابع ص 295 من رواية الحكم، ولكن ليس فيها: واستسمانها.
ورواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "تغليق التعليق" لابن حجر 3/ 87،
والطبري 17/ 156 من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الهدي إذا أشعر وقلد، ثم نحر حتى يسيل دمه، ثم وقف في موقف عرفة.
فعلى هذا يعني بتعظيم شعائر الله: استعظام الهدايا والضحايا.
والشعائر: جمع شعيرة، وهي البدن يقال: أشعر الرجل بدنته، إذا جعل عليها علامة ليعلم أنه أوجبها بدنة [[انظر: (شعر) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 417، "الصحاح" للجوهري 2/ 698 "لسان العرب" 4/ 413.]] وهو مذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي الكبير" 4/ 372 - 373، "روضة الطالبين" 3/ 189.]] رحمه الله في الإبل والبقر بجرح سنامها من الجانب الأيمن وهي مستقبلة القبلة كما فعل رسول الله -ﷺ-. وأما الغنم فإنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار. والشعيرة بمعنى المُشْعَرة، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158].
وعلى هذا القول المُهْدِي مندوب إلى طلب الأسمن والأعظم من الهدايا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن الشعائر التي أريد بها الضحايا قول الكُميت:
نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلاً نَرَاهُمُ ... شَعَائِر قُرْبَانٍ بِهِم يُتَقَرَّبُ [[البيت في "هاشميات الكميت" ص 67، بمثل الرواية هنا. وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 146 منسوبًا للكميت، وفيه: تراهم ... بها يتقرب. وهو في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 418 (شعر)، و"اللسان" 4/ 414 (شعر)، و"تاج العروس" للزبيدي 12/ 190 (شعر) من إنشاد أبي عبيدة وبمثل روايته، من غير نسبة للكميت.
قال أبو رياش القيسي في "شرحه لهاشميات الكميت" ص 67: (جيلًا فجيلا: جيشًا وخلقًا بعد خلق. يقول: نجعل قتل الخوارج قربة إلى الله كما تُقرب الشعائر إلى الله.]]
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: والذي يعني به هاهنا البُدن [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 426.]].
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾ قال الفراء: يريد: فإن الفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تقوى القلوب كان جائزًا. هذا كلامه [["معانى القرآن" للفراء 2/ 225.]].
وليس بقوي ولا ظاهر هاهنا، والصحيح أن المعنى: فإن تعظيمها، فحذف المضاف لدلالة ﴿يُعَظِّمْ﴾ على التعظيم كما قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج: 30] فكنى عن التعظيم لما دل يعظم عليه، كذلك هاهنا حذف التعظيم لما كان يعظم يدل عليه، والمعنى: فإن [[(فإن): ساقطة من (ظ).]] اتخاذ البدن من أعظمها وأسمنها من تقوى القلوب.
قال ابن عباس: يريد من التقوى الذي اتقاه المتقون.
وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب [[انظر: القرطبي 12/ 56.]]، كما روي في الحديث أن النبي -ﷺ- وقال: "التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره [[هذا قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 277، ومسلم في "صحيحه" كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم 4/ 1986 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر ﴿مَنَافِعُ﴾ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن [[أن: ساقطة من (أ).]] في الهدايا منافع لصاحبها إلى أن يسميها هديا ويشعرها، فله منافع رسلها [[رسلها: أي لبنها. "لسان العرب" 11/ 282 (رسل).]] ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها [[في (أ): (ظهرها).]] ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك.
وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 عنهم جميعًا إلا الكلبي.
ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 157 - 158 عنهم إلا الكلبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عن مجاهد، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير. وابن أبي حاتم.
ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 أعن عطاء والضحاك، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 عنهما، وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، قال: تُحلب وتركب إلى أن تُقلَّد وتُسمَّى.
وهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله [[يعني: فقراء الحرم.]]، إلا عند الضرورة المخوف معها الموت.
وروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن تنحر [[رواه الطبري 17/ 158 عن عطاء من طريق ابن أبي نجيح إلى قوله: إن احتاج. أما قوله (إلى أجل مسمى) إلى أن تنحر، فرواه الطبري 17/ 158 من رواية ابن جريج قال: قال عطاء: فذكره.]].
وهذا مذهب الشافعي [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376 - 377، "فتح الباري" 3/ 537.]] رحمه الله، وعنده أن المُهْدِي لو ركب هديه ركوبًا غير فادح [[غير فادح: غير مثقل. "لسان العرب" 2/ 540 (فدح).]] فلا بأس، لما روي أن النبي -ﷺ- مر برجل يسوق بدنة، فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) [[رواه بنحوه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 275 من حديث أنس رضي الله عنه، لكن فيه (بدنه) بدل قوله (هدي).
ورواه بنحوه البخاري في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: ركوب البدين 3/ 536، ومسلم كتاب: الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها 2/ 960 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لكن عندهما (بدنه) بدل (هدى) و (ويلك) بدل (ويحك).]].
وله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها [[في (أ): (تسمينها)، وهو خطأ.]]. وهذا يدل على إباحة الانتفاع بها وهي تسمى شعائر [[انظر: "الأم" 2/ 183، "الحاوي" للماوردي 4/ 376، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 56 - 57.]].
وعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها.
وقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل [نحرها. وذكرنا هذا عند قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
وقوله ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني عند البيت العتيق. وهو] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] الحرم كله، قال رسول الله -ﷺ-: "كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح" [[رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الحج، باب: الصلاة بجمع 5/ 413، وابن ماجه في "سننه" كتاب. المناسك، باب. الذبح 2/ 186 من حديث جابر رضي الله == عنه مرفوعًا، بلفظ: (كل عرفة موقف، وكل مني منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر).
وحسن هذا الحديث الزيلعي في "نصب الراية" 3/ 162. ومعنى فجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع بين الجبلين. "الصحاح" للجوهري 1/ 332 (فجج).]].
وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر [[انظر: الطبري 17/ 160، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب.]].
وهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله.
واحتج من قال بهذا بقول ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] يعني الحرم كله.
وهذا لا يُشبه قوله ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه [[(فيه): ساقطة من (أ).]] كما روي في الحديث: "جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا" [[هذا قطعة من حديث رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلاة، باب: قول النبي -ﷺ- "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" 1/ 533 ومسلم في "صحيح" كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة 1/ 37 من حديث جابر رضي الله عنه، وأوله: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي".]].
فسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا. والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [[(العتيق): زيادة من (أ).]] دل على أن المعنى: عند البيت وما يقرب منه؛ لأن (إلى) تضم الشيء إلى الشيء، وتقربه منه [[انظر "الأزهية في معاني الحروف" ص 282، "رصف المباني" ص169، "الجنى الداني" 385 - 386.]].
هذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا.
وقال آخرون: الشعائر المناسك [[في (ع): (الهدايلك).]] كلها، ومشاهد [[في (ظ): (أي مشاهد).]] مكة. وهي المعالم التي أمر الله بالقيام بها، وندب إليها منها: عرفة، والجمار، والصفا والمروة، والمشعر الحرام.
وهذا قول ابن زيد [[رواه الطبري 17/ 156، 159.]]، ورواية أبي رزين عن ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب من رواية أبي رزين، عن ابن عباس.]].
وعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها.
قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا [[في (أ): (الدنيا).]] ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يخرج من مكة [[رواه الطبري 17/ 159 عنه من طريق أبي رزين إلى قوله: للدنيا. وذكر باقيه الثعلبى في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب عنه من رواية أبي رزين.]].
وقيل: ﴿مَنَافِعُ﴾ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء أيام الحج [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب وصدره بقوله: وقال بعضهم.]].
وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ المحل [[(المحل). ساقط من (ظ)، (د)، (ع).]] على هذا القول مصدر أضيف إلى المفعول أي: الحل من هذه الأعمال إلى البيت العتيق، وهو الطواف به بعد قضاء المناسك. و ﴿إِلَى﴾ هاهنا صلة لفعل محذوف، وهو القصد أو الحج. والمعنى: ثم محلكم أيها المحرمون حجكم وقصدكم ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بالزيارة والطواف.
وهذا معنى قول محمد بن أبي [[(أبي): ساقطة من (ظ).]] موسى [[محمد بن أبي موسى. روى عن زياد الأنصاري عن أبي بن كعب، وروى عنه داود ابن أبي هند. وهو مجهول.
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 1/ 236، "تهذيب التهذيب" 9/ 483.]]: محل المناسك الطواف بالبيت [[رواه الطبري 17/ 160 من طريق داود بن أبي هند، عنه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 47، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences