Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Hajj · 22:74–78

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:74–78

22:74Page 341

مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤

They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس [[ذكره ابن الجوزي 5/ 453، والقرطبي 12/ 98 من غير نسبة لأحد.]]، ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.]]، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]]: ما عظموا الله حق عظمته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له.

وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا وصفوه حق صفته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 54. وفيه: مبلغ صفته.]].

وهذا مما قد تقدم [[في (ظ)، (د)، (ع): (مما تقدم الكلام)، دون قد.]] فيه الكلام [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 91].]].

ثم أعلم الله -بعد ذكره ضعف المعبودين- قوته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه.

وقال مقاتل: إن الله لقوي في أمره منيع في ملكه، والصنم لا قوة له ولا منعة [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]].

وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من يهود المدينة قالوا: فرغ الله من خلق السموات والأرض فأعيا فاستلقى فاستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وكذب أعداء الله فنزل قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [[ذكره الرازي 23/ 69 عن الكلبي. وذكره الماوردي 4/ 40 وعزاه لابن عباس. وهذا القول في سبب نزول هذه الآية لا يصح قال الآلوسي 17/ 203: الظاهر أن قوله (ما قدروا) إلخ إخبار عن المشركين وذم لهم. وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182: فمن جعل هذا -يعني الذي قال الله فيه ضعف الطالب والمطلوب- إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره.]].

22:75Page 341

ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥

Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يريد النبيين [[انظر الطبري 17/ 204، والثعلبي 3/ 57 أ.]].

قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]] وغيره [[ذكره الطبري 17/ 204 وصدره بقوله: قيل. والثعلبي 3/ 57 أ، وصدره بقوله: ويقال. ولا يعتمد على هذا في سبب نزول هذه الآية.]]: إن الوليد بن المغيرة قال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [[في (أ): (أنزل).]] [ص: 8] فأنزل الله هذه الآية فأخبر بأن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه فيجعلهم رسله وأنبياءه، ذلك كله بيد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يتخذه رسولاً [[الطبري 17/ 254، الثعلبي 3/ 57 أ.]].

22:76Page 341

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦

He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.

قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قدموا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما خلفوا [[ذكره عنه البغوي 5/ 401.]].

وقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما [[في (ظ): (مما)، وفي (ع): (ما).]] هم عاملون مما لم يعلموا بعد [[ذكره عنه البغوي 5/ 401.]].

وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل خلق الملائكة ويعلم ما يكون بعد خلقهم [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]].

22:77Page 341

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧

O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود [[الطبري 17/ 204. وانظر البغوي 5/ 401.]].

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]].

يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم [[في (ظ): (ولم).]] يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها.

وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله -عز وجل- وحده [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.]].

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. كأنه بمعنى [[في (ظ)، (د)، (ع): (يعني).]] الصلاة.

وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق [[ذكره عنه البغوي 5/ 401، والزمخشري 3/ 23، وأبو حيان 6/ 391.]].

وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.]].

وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة [[ذكره عنه البغوي 5/ 401، وذكره ابن الجوزي 5/ 454 من غير نسبة لأحد.]].

وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أينما كان في القرآن [[انظر: "البسيط" ظهر قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].]].

22:78Page 341

وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨

And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.

قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة [[ذكر هذا القول البغوي 5/ 402، وعزاه لأكثر المفسرين.]] - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى.

وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا [[في (ظ): (يجهدوا).]] فيه [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.]].

وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 6/ 78.]].

وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]].

ونحو هذا قال الضحاك [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ، وذكر الطبري 17/ 205 هذا القول ثم قال: وهذا قول ذكره عن الضحاك عن بعض من في روايته نظر.]] سواء. واختاره الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 439.

والقول بنسخ هذه الآية لا دليل عليه، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التغابن، ولهذا قال أبو عثمان النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 577: وهذا لا نسخ فيه. وقال مكي بن أبي طالب في "إيضاح ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 310: والقول في هذا أنه محكم، ومعناه: جاهدوا في الله بقدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وقال ابن عطية 10/ 326: ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال إنه نُسِخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق.

وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8: ولم يصب من قال إن الآيتين -يعني هذه الآيهَ وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]- منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده. هو ما يطيقه كل عيد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل. فحق == التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد.]].

وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.]]. وروي عنه [[في (ظ): (عن ابن عباس).]] أيضًا: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي لا تخافوا [[في (أ)، (ظ)، (د): (تخاف. والمثبت من (ع) هو الموافق لما عند الطبري والثعلبي.]] في الله لومة لائم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ. ورواه الطبري 17/ 205.]].

وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 أ.]].

قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق [[انظر: الطبري 17/ 206، "الدر المنثور" 6/ 79 - 80.]].

واختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله [[لفظ الجلالة زيادة من (أ).]] الكفارات مخرجًا [[سيأتي تخريجه.]].

يعني أن [[(أن): ساقطة من (ظ)، (ع).]] من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا [[في (د)، (ع): (مخرج).]]، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه [[روى الطبري في "تفسيره" 17/ 205 - 206 عن الزهري قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقال علي بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك. سمعت ابن عباس يقول ذلك.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 79 وعزاه لمحمد بن يحيى الذهلي في "الزهريات" وابن عساكر. وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 - 79 من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول في قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: توسعة الإسلام، وما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.]].

وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر [[في (أ): (الفطرة).]] وأشباهه حتى يتيقنوا [[رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 ب، والطبري 17/ 207 وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 79 من طريق عثمان بن يسار -وتصحف في المطبوع من الطبري والدر المنثور إلى: بشار، والصواب يسار كما في "التاريخ الكبير" للبخاري 6/ 173، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 6/ 257 - عن ابن عباس.

وليس قوله (حتى يتيقنوا) في رواية أحد منهم، وإنما أدخلها الواحدي من كلام الثعلبي 3/ 57 ب، حيث ذكر الثعلبي هذا القول ولم ينسبه لأحد.]].

وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه.

وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال [[(قال): ساقطة من (ظ).]]: قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}؟ قال: ذلك الإصر [[في (ج)، (د)، (ع): (الأمر).]] الذي كان على بني إسرائيل، وضعه الله عنكم [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 78 عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس، فذكره.]].

وقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر [[ذكره السيوطي عنه في "الدر المنثور" 6/ 80 بأطول من هذا، وعزاه لابن أبي حاتم.]].

وهو قول الكلبي [[ذكره عنه البغوي 5/ 403.]]، واختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440. وما ذكر هنا من الأقوال داخل في معنى الآية، وكل ذكر مثلا على رفع الحرج. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1305 - بعد أن ذكر وجوهًا من رفع الحرج: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام.

وقال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 8 - 9: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والحرج: الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد، .. ، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما .. وقد وسع الله -سبحانه وتعالى- على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته ..

ثم ذكر -رحمه الله- أمثلة لذلك.]].

قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال أكثر النحويين [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 391، "الدر المصون" 8/ 309.]]: (ملة) منصوب على الأمر، معناه: اتبعوا ملة أبيكم.

وقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم [[لم أجده.]].

وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا. وهذا قول الأخفش [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 638.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 231 وفيه: وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]].

قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت [[في (أ): (الغيت).]] الكاف نصبت [[عبارة الفراء في "معانيه" 2/ 231 هي: وقوله: (ملة أبيكم) نصبتها على: وسع عليكم كملة إبراهيم؛ لأن قوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يقول: وسعة وسمحه كملة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنه قال: اركعوا والزموا ملة إبراهيم. انتهى كلامه. فليس في عبارة الفراء: ويجوز، بل إنه ذكر هذا القول ثم ذكر قولا آخر وصدره بقوله: وقد -وهو القول الذي ذكر الواحدي أنه قول الفراء- فعكس الواحدي الأمر. والله أعلم.

وهذا الوجه الذي ذكره الفراء استبعده مكي في "مشكل إعراب القرآن" 2/ 495، والأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 179.]].

وقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: [[في (أ)، (ظ): (اعبدوا)، وهو هكذا في "معاني الزجاج".]] ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فعل أبيكم إبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 30/ 440. ونحو هذا قال الزمخشري 3/ 24: كأنه قال: وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم. ثم حذف المضاف -يعني توسعة- وأقيم المضاف إليه -يعني ملة- مقامه. وعلى هذا القول انتصاب (ملة) على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف. واستظهر هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 310.

وقيل (ملة) منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. == وقيل: منصوبة بـ (جعلها) مقدرًا.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 106، "الإملاء" للعكبري 2/ 147، "البحر المحيط" 6/ 390، "الدر المصون" 8/ 309 - 310.]].

وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه [[في (ظ): (شرعه).]].

وقوله: ﴿أَبِيكُمْ﴾ إن حمل الكلام على تخصيص العرب [[(العرب): ساقطة من (أ). فأصبحت العبارة في (أ): (على تخصيص الخطاب).]] بالخطاب في هذه الآية، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، وإن حمل [[في (أ): (عمل)، وهو خطأ.]] على التعميم فهو أبو المسلمين كلهم؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد كما قال -ﷺ-: "إنما أنا لكم مثل الوالد" [[هذا قطعة من حديث رواه الدارمي في "مسنده" 1/ 172، الإمام أحمد في "مسنده" 13/ 100، والنسائي في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث 1/ 38، وابن ماجة في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاد بالحجارة والنهي عن الروث والرمة 1/ 3 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال العلامة أحمد شاكر في "قعليقه على المسند" 13/ 100: إسناده صحيح.]]. وكقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وهذا معنى قول الحسن [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.]].

قال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما [[عليهما السلام: في حاشية (أ) وعليها علامة التصحيح. وفي (ظ): (عليهم السلام)، وفي (د)، (ع): (صلى الله عليهما وسلم)، وأثبتنا ما في (أ) لأنه الموافق لما عند الثعلبي. فالنص منقول منه.]] السلام [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 57 ب.]].

وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى [[انظر الطبري 17/ 207 - 208، الثعلبي 3/ 57 ب، ابن كثير 3/ 236 "الدر المنثور" 6/ 80 - 81، "معاني القرآن" للفراء 2/ 231، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]]. أي [[في (ظ): (أن).]]: الله تعالى سماكم المسلمين قبل إنزال القرآن في الكتب التي أنزلت قبله.

وقال مقاتل بن حيان: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ وهو يعني [في أم الكتاب [[ذكره ابن الجوزي 5/ 457 ولم ينسبه لأحد.]]. ﴿وَفِي هَذَا﴾ قالوا [[قالوا: يعني جماعة المفسرين وأهل المعاني. وانظر فقرة (3).]]: يعني القرآن.

وقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم [[ذكره الثعلبي 3/ 57 ب، ورواه الطبري 17/ 208، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لابن أبي حاتم.

قال الطبري 17/ 208: ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك؛ لأنه معلوم أن إبراهيم لم يُسم أمة محمد مسلمين في القرآن؛ لأن القرآن أُنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال. أهـ.

وقال الشنقيطي 5/ 750 وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم غير صواب، ثم ذكر الشنقيطي الأولى وهو مثل ما قال الطبري، وأشار إلى أن ابن جرير نبه عليها. ثم قال: القرينة الثانية. أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله لا إلى إبراهيم، فقوله (هو اجتباكم) أي الله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي الله. أهـ.

فظهر بذلك أن القول الأول هو الصحيح، وصوبه ابن كثير 3/ 236 وغيره.]].

يعني] [[ما بين المعقوفين في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.]] أن إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: 128] [[الثعلبي 3/ 57 ب مع تصرف.]].

وذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 440.]].

قوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد [[في (ظ)، (ع): (محمدًا)، وهو خطأ.]] عليه السلام ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالتبليغ ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن الرسول قد بلغهم.

وهذا قول ابن عباس، وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 42، والطبري 17/ 208. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 81 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وجميع المفسرين [[انظر: الطبري 17/ 208، الثعلبي 3/ 57 ب، "الدر المنثور" 6/ 81.]].

وقد سبق الكلام في هذا عند قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. الآية.

وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره [[ذكره عنه البغوي 5/ 404، وابن الجوزي 5/ 457.]]. وقال الحسن: تمسكوا بدين الله [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 57 ب.]].

وقال مقاتل: وثقوا بالله [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]]. ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: ناصركم [[انظر البغوي 5/ 404، وابن كثير 3/ 237.]]. والمعنى: هو الذي يتولى أموركم. وذكرنا معنى المولى فيما تقدم [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150].]].

ثم مدح نفسه فقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم [["تفسير مقاتل" 2/ 29 أ.]] [[هنا ينتهي الموجود من نسخة (د). وكتب في ختامها: انتهت. العاشر، ويتلوه في الحادية عشر سورة المؤمنون -عليهم السلام- وهو قوله -عز وجل- ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الليث: (قد) حرف، وفي آخر الأصل: (والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском