Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:100–112
23:100Page 348
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: يريد أشهد أن لا إله إلا الله [[رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 108، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 وعزاه للبيهقي.]]. وقال مقاتل: يعني الإيمان [["تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]].
وقال قتادة: إما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها [[ذكره عنه البغوي 5/ 428، وابن كثير 3/ 255.]].
قوله تعالى: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ قال ابن عباس: فيما مضى من عمري [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 490.]].
وقال الكلبي: فيما كذّبت. وقال غيره: فيما ضيعت [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 18/ 52، والثعلبي 3/ 64 ب.]].
قال الله تعالى ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: يقول لا ترجع إلى الدنيا ﴿إِنَّهَا﴾ إن مسألته الرجعة ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يريد لابد أن يقولها عند الموت حين [[(حين): ساقطة من (ع).]] يعاين عذاب الله [[ذكر ابن الجوزي 5/ 490 هذا القول إلى قوله: الرجعة. ولم ينسبه لأحد.]]. ونحو هذا ابن زيد [[روى الطبري 18/ 53 عنه قال: لابد أن يقولها.]].
وقال آخرون [[ذكر الثعلبي 3/ 64 ب نحو هذا المعنى مختصرًا، ولم ينسبه لأحد. وذكره ابن الجوزي 5/ 49 مختصرًا.]]: ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني أن سؤاله الرجعة كلام يقوله [[في (ع): (هو يقوله).]] ولا فائدة له؛ لأنّه لا يجاب إلى ما يسأل، فهو كلام يقوله ولا فائدة له، كقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] [وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]].
وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ قال أبو عبيدة: ومن أمامهم [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 62.]].
وهذا مما يجوز أن يكون المراد به: ومن بين أيديهم، كما قال أبو عبيدة، ويجوز أن يكون المراد به [[(به): ساقطة من (أ).]]: ومن خلفهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [[في (أ)، (ظ): (ورائهم)، وهو خطأ.]] [إبراهيم: 16]. وقد مرّ.
قوله تعالى: ﴿بَرْزَخٌ﴾ معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما [[في (ظ): (كيف).]] كان من عين أو معنى، نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك [[انظر: (برزخ) في "تهذيب اللغة" 7/ 671، "الصحاح" 1/ 419، "اللسان" 3/ 8.]].
وهذا معنى قول الفراء، قال: البرزخ والحاجز والمهلة [[في (ظ): (وأنهله).]] متقاربات في المعنى وذلك أنك تقول: بينهما حاجز أن يتزاورا، فتنوي بالحاجز [[في (ع): (بالحاجة)، وهو خطأ.]] المسافة وتنوي الأمر المانع [[في (ع): (المانع من المسافة). وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما بعده.]]، مثل اليمين والعداوة، فصار المانع من المسافة كالمانع من الحوادث فوقع عليهما البرزخ [[كلام الفراء بنصَّه في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ). وهو في "معاني القرآن" للفراء 2/ 242 مع اختلاف يسير.]].
ومنه حديث علي -رضي الله عنه- أنه صلى بقوم فأسْوى [[في (أ)، (ع): (بما سوى). وفي (ظ): (فاستوى).]] برزخا [[ذكره بهذا اللفظ الأزهري في "تهذيب اللغة" 7/ 671. وذكره أبو عبيد في غريب الحديث 3/ 448 بهذا اللفظ، ثم رواه من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدًا أقرأ من علي، صلينا خلفه فقرأ برزخًا فأسقط حرفًا فرجع فقرأه ثم عاد إلى مكانه.]]. أي أسقط، وأراد بالبرزخ ما بين الموضع الذي [أسقط منه إلى الموضع الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] انتهى إليه. قاله أبو عبيد [[في جميع النسخ: (أبو عبيدة)، وهو خطأ.]] [[كلام أبي عبيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 (برزخ). وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 449/ 3.]].
وبرازخ الإيمان ما بين اليقين والشك. والبرزخ: ما بين كل شيئين. ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنّه بين الدنيا والآخرة [[من قوله: (وبرازخ إلى ... إلى هنا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 671 منسوبًا إلى أبي عبيد. وهو في "غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 448 - 449.]].
وقال أبو إسحاق: البرزخ في اللغة: الحاجز، وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 52.]].
وهذا قول الضحاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث [[في (ظ): (والبعث).]] [[ذكره عنهما بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 64 ب. ورواه عنهما الطبري 18/ 53 بنحوه.]].
وروي عن ابن عباس: ([بَرْزَخٌ]: حجاب [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب.]].
وقال السدي ومقاتل: أجل [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب عن السدي. وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 33 أ.]]. وقال مجاهد: حجاب بينهم وبين [[في (أ): (وعن).]] الرجوع إلى الدنيا وهم فيه إلى يوم يبعثون [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 64 ب. ورواه هنّاد بن السري في "الزهد" 1/ 195، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.]].
وقال قتادة: بقية الدنيا [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48، والطبري 18/ 53، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 115 ونسبه أيضًا لحبد بن حميد.]].
يعني [[(يعني): ساقطة من (ع).]] أنهم يكونون في البرزخ إلى أنْ تفنى الدنيا فيبعثوا.
والكناية [[في (ع): (فالكناية).]] في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ كالكناية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ﴾.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إلى (يُبْعَثُونَ) لأن أسماء الزمان تضاف إلى الأفعال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 22.]].
23:101Page 348
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال ابن عباس- فيما روى عنه سعيد بن جبير-: هي النفخة الأولى، نفخ [[هكذا في جميع النسخ. وعند الثعلبي: "ونفخ".]] في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله [[رواه الثعلبي 3/ 64 ب بإسناده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به، إلا أن فيه "ونفخ" كالآية.
ورواه البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير- سورة حم السجدة 8/ 555 - 556) عن سعيد قال: قال رجلٌ لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال: "فلا أنساب بينهم" ... الحديث مطولاً، وفيه قال ابن عباس: في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ... ورواه الطبري 18/ 54 عن سعيد عن ابن عباس بنحوه.]].
قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يتناسبون [[في (ظ): (لا يتساءلون).]] في ذلك الوقت ليعرف [[في (أ): (لنعرض).]] بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه عن غيره، ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله أو لا يتعاطفون بالإنساب [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 349 هذا المعنى وصدَّره بقوله: وقيل وذكر عن الحسن أنه قال: معناه: لا أنساب بينهم يتعاطفون بها.]].
وقال -في رواية عطاء-: هي [[في (أ): (في).]] النفخة الثانية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما تسأل العرب في الدنيا من أي قبيلة أنت؟ [[ذكره عنه البغوي 5/ 429 من رواية عطاء.
وذكر ابن الجوزي 5/ 490 عنه أوله من رواية عطاء.
وذكر الثعلبي 3/ 64 ب عنه قوله: يريد فلا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا. ولم يذكر من رواه عنه.]].
وهذا قول ابن مسعود ومقاتل: أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية [[ذكره الثعلبي 3/ 64 ب عن ابن مسعود. وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 33 أ.]].
قال ابن مسعود: الخلق يومئذ أشد تعلقًا بعضهم ببعض منهم في الدنيا، الأب بابنه والابن بأبيه والأخ بأخته والأخت بأخيها والزوج بامرأته والمرأة بزوجها. وتلا هذه الآية [[لم أجده بهذا اللفظ.
وقد رواه الطبري في "تفسيره" 8/ 362 - 365 (شاكر) مطولاً، 18/ 54 مختصرًا)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (كما في تفسير ابن كثير 2/ 497)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 64 ب - 65 أ، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 202، كلهم من طريق زاذان عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، ولفظه: فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو ابنها أو على أخيها أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: "فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون".
وقد صحح العلامة أحمد شاكر إسناد ابن أبي حاتم كما في "تعليقه على الطبري" 8/ 364.]].
ولابد من تقدير محذوف في الآية على تأويل: فلا أنساب يومئذٍ يتفاخرون بها ويتعاطفون بها؛ لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرتفع التواصل والتعاطف والتفاخر بها والتَّساؤل.
وهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] لأن للقيامة أحوالًا، ومواطن، منها ما يشغلهم عظم الأمر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون.
وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية المنهال بن عمرو- لما سئُل عن الآيتين فقال: هذه تارات [[تارات: جمع تارة، وهي الحين والمرّة. والمراد أحوال يوم القيامة مرة بعد مرة وحينًا بعد حين. انظر: "القاموس المحيط" 1/ 381.]] يوم القيامة [[لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى البخاري في "صحيحه" (كتاب التفسير- سورة حم، السجدة 8/ 555 - 556)، والطبري في الكبير 10/ 301 - 302 من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ... فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وروى سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 157 أ) من طريق أبي إسحاق الأشجعي عن ابن عباس أنه سُئل عن الآيتين فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون.
ورواه الطبري 18/ 54 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: بمعناه.]].
وأجاب في رواية سعيد بن جبير يحمل آية التساؤل على أن ذلك في الجنة فقال: إنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون [[رواه الطبري 18/ 54، والحاكم في "مستدركه" 2/ 395 من رواية المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.]].
قال أبو علي: لا يجوز أن يكون "إذا" نصبا بـ"نُفِخَ" ولا بقوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ لأن ما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها، فإذا لم يجز نصبه على هذين انتصب بفعل مضمر يُفسره ويدل عليه قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾، على تقدير: تنقطع الأنساب إذا نفخ في الصور، أو لا تنفع الأنساب وما أشبه ذلك. وشرح هذه المسألة أن يذكر عند قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] الآية.
23:102Page 348
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هذه والآية [[في (ظ)، (ع): (الآية).]] التي بعدها ذكرنا تفسيرهما في أوائل سورة الأعراف [[انظر: "البسيط" [الأعراف: 8 - 9].]].
23:103Page 348
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
No commentary for this ayah
23:104Page 348
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
قوله تعالى. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ معنى اللفح: الإحراق. يقال: لفحته [[في (أ): (ألفمه).]] النار والسموم، إذا أحرقته [[انظر: "لفح" في "تهذيب اللغة" 5/ 73، "الصحاح" 1/ 401، "لسان العرب" 2/ 578.]].
وقال الزجاج: تلفح وتنفح بمعنى واحد، إلا أن اللفح أنهم تأثيرًا [[في (أ): (تأخيرًا)، وهو خطأ.]] من النفح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 23. وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 73.]].
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكلوح: بدو الأسنان [[في (أ): (الإنسان).]] عند العبوس.
يقال: كلح كلوحًا، وأكلحه [[في (أ)، (ع): (وكلمه). وفي (ظ): (إذا كلمه). والتصويب من "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 102.]] كذا [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 102 (كلح) منسوبًا إلى الليث.]]. ويقال: دَهْرٌ كالح وبردٌ كالح. إذا كان شديدًا [[في (ظ)، (ع): (شديد)، وهو خطأ.]] [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 102 (كلح) دون قول: وبرد كالح.
وانظر: "الصحاح" للجوهري 1/ 399 (كلح)، "المحكم" لابن سيده 3/ 31 (كلح)، "لسان العرب" 2/ 574 (كلح).]].
وقال الزَّجَّاج: الكالح: الذي قد شمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى [من] [[زيادة من "معاني الزجاج" 4/ 23، و"تهذيب الأزهري" 4/ 102.]] رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 23.]].
قال ابن مسعود -في هذه الآية-: ألم تر إلى الرأس المشيَّط [[المشيط: يقال: شيطت رأس الغنم ... إذا أحرقت صوفه. "الصحاح" للجوهري 3/ 1139 (شيط).]] بالنار، وقد [[في (ظ): (قد).]] بدت أسنانه وقلصت [[قلصت: أي انزوت. "لسان العرب" 7/ 79 (قلص).]] شفتاه [[رواه سفيان في "تفسيره" ص 218، وابن المبارك في "الزهد" (زوائد الزهد لأبي نعيم ص 84)، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 48 - 49، وهناد في "الزهد" 1/ 190، والطبري 18/ 59 من طريق أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بمثله.
ورواه من هذا الوجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 174 - 175، والحاكم في "مستدركه" 2/ 395، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 276 بنحوه مختصرًا.
وفي إسناده عند هؤلاء أبو إسحاق السبيعي قال ابن حجر في "التقريب" 2/ 73 ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخرة.
لكن الرواي عنه هو سفيان الثوري وهو من قدماء أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط انظر: "هدى الساري" لابن حجر ص 430. قال ابن الكيال في كتابه "الكواكب النيرات في معرفة ص اختلط من الروا"الثقات" ص 351: (وقد أخرج الشيخان في الصحيحين لجماعة من روايهم عن أبي إسحاق، وهم ... وسفيان الثوري. اهـ.
ولهذا قال الحاكم 2/ 395: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. == ووافقه على ذلك الذهبي. فإسناد هذا الأثر صحيح.
وقد رواه الطبراني في "المعجم" 9/ 261 من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بنحوه.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 73: ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. اهـ. لكن يعضده ما تقدم. والله أعلم.]].
وروى الخدري، عن رسول الله -ﷺ- في هذه الآية قال: "تشويه النار فتقلص [[في (أ): (فتلصق).]] شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتشترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" [[رواه ابن المبارك في "مسنده" ص 76، و"زوائد الزهد" لأبي نعيم ص 84، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 88، والترمذي في "جامعه" (كتاب التفسير- ومن سورة المؤمنين 9/ 20)، وأبو يعلى في "مسنده" 2/ 516، والحاكم في "مستدركه" 2/ 246، 395، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 275، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 65 أ، والواحدي في "الوسيط" 3/ 298، وأبو نعيم في "الحلية" 8/ 182 كلهم من طريق أبي السمح -درَّاج بن سمعان- عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، به.
وقد اختلف العلماء في هذا الطريق:
فقال الإمام أحمد: أحاديث درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف.
وقال أبو داود عن درَّاج: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.
وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف. وضعفه النسائي والدارقطني وغيرهما.
ووثقه ابن معين، وقال -لما سئل عن أحاديث دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد-: هذا إسناد صحيح. ووثقه ابن حبان وابن شاهين.
واختار ابن حجر قول أبي داود فقال في "التقريب" 1/ 235: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.
انظر: "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي 3/ 979، "تهذيب التهذيب" لابن حجر 3/ 208 - 209، "مستدرك الحاكم" 2/ 246.
وعلى هذا فإسناد هذا الحديث ضعيف، وقد ضعَّف إسناده الألباني في تخريج أحاديث المشكاة 3/ 1582.]].
ويقال له: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني القرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب. وقد ذكره البغوي 5/ 430، وابن الجوزي 5/ 492 ولم ينسباه لأحد.]].
﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: ألم تخوفوا بها [[ذكر البغوي 5/ 430 هذا المعنى لوم ينسبه لأحد.]].
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ فكنتم في الدنيا تكذبون القرآن ومحمدًا -عليه السلام- بالنار وعذابها.
23:105Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
No commentary for this ayah
23:106Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ وتقرأ "شقاوتنا" [[قرأ حمزة، والكسائي: "شقاوتنا" بالألف مع فتح الشين والقاف. وقرأ الباقون: "شقوتنا" بكسر الشين مع إسكان القاف. "السبعة" ص 448، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]] ومعناها واحد، وهما مصدران. فالشقاوة [[في (ظ). (والشقاوة).]] كالسعادة، والشقوة كالردة والفطنة [[من قوله: فالشقاوة إلى هنا. هذا كلام أبي علي في الحجة 5/ 302. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 491، "الكشف" لمكي 2/ 131.]].
قال الكلبي: غلبت علينا شقاوتنا في الدنيا فلم نهتد [[ذكر البغوي 5/ 430 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]].
وقال القرظي [[رواه الطبري 18/ 57 - 58.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 18/ 57، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 1 أ. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 118 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]]: غلبت علينا شقاوتنا التي كتبت علينا.
23:107Page 349
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ قال الكلبي: من النار [[ذكره البغوي 5/ 430، وابن الجوزي 5/ 492 ولم ينسباه لأحد.]].
قال ابن عباس: سألوا الرجعة إلى الدنيا [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 492.]].
﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب والمعاصي ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.
23:108Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
قال عبد الله بن عمرو [[في (ع): (عمر)، وهو خطأ.]]: إنهم لا يجابون إلا بعد مُضي مثل عُمر الدنيا ثم يجابون بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" 13/ 152 - 153، وهنّاد في "الزهد" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 25/ 99 عند قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: 77]، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 1 أ - ب، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 312، والبغوي في "شرح السنَّة" 15/ 154 كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو.
وفي سنده قتادة وهو ثقة لكنه مدلس، وقد عنعنه.]].
وقال مقاتل: يرد عليهم بعد مقدار الدنيا منذ يوم [[(يوم): ساقطة من (ع).]] خلقت إلى أن تفنى سبع مرات [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب. وقوله يحتاج إلى دليل. فالله أعلم.]].
﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ قال الكلبي ومقاتل: اصغوا في النار [[في (ع): (الدنيا)، وهو خطأ.]] [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]].
قال المبرد: الخسأ: إبعاد بمكروه [[في (أ): (الخساو).]].
وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط. وقال: ابعدوا بعد الكلب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24 وليس في المطبوع قوله: أبعدوا بعد الكلب. == وقوله: أبعدوا ... ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 68 بنصِّه، ونسبه لابن عيسى. فلعله سقط من النسخ بعد قوله وقال: بعض أهل المعاني أو نحوها.]].
وذكرنا الكلام في الخسأ عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال الكلبي: لا تسألون [[في (ظ): (تسألوني).]] الخروج منها.
وقيل: لا تكلمون في رفع العذاب عنكم [[ذكره الثعلبي 3/ 65 أولم ينسبه لأحد.]].
والمفسرون على أن هذا نهيٌ لهم عن جميع أجناس الكلام [[انظر: "الطبري" 18/ 59، الثعلبي 3/ 65 أ، "الدر المنثور" 6/ 120.]].
قال عبد الله بن عمرو: فلم ينبس [[في (أ): (ييس)، وفي (ظ)، (ع): (ييس) مهملة. والتصويب من سائر الروايات ومعنى ينبس: ينطق. انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 403.]] القوم بعد ذلك بكلمة، إنْ كان إلا الزَّفير والشهيق [[هذا بقية الأثر السابق، فانظر تخريجه فيما تقدم.]].
وقال مقاتل: فلا يتكلم أهل النار بعد هذا غير أن لهم فيها زفيرًا وشهيقا [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]].
وقال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق [[في (أ): (نهيق)، والمثبت من باقي النسخ وتفسير عبد الرزاق والطبري.]] [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 49، والطبري 18/ 60.]].
وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يصير لهم همهمة كنباح الكلاب [[ذكره عنه القرطبي 12/ 154.]].
وقال القرظي: إذا [[) إذا): ساقطة من (أ).]] قيل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع عند ذلك رجاؤهم ودعاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم [[رواه الطبري 18/ 57 - 58.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآية. يعني المؤمنين.
وقال ابن عباس: يريد المهاجرين [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 492.]].
23:109Page 349
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
No commentary for this ayah
23:110Page 349
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ وقرئ بكسر السين هاهنا وفي سورة "ص". وأجمعوا على الضم في سورة الزخرف [[قرأ نافع، وحمزة، والكسائي: "سُخريا" بضمّ السين هنا، وفي قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: 63].
وقرأ الباقون: "سخريا" بكسر السين في السورتين.
وأجمعوا على الضم في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32].
"السبعة" ص 448، "التبصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]].
قال الليث: السُّخْرِيّ والسُّخْرِيَّة مصدران. يقال: سخر منه وبه سُخْرِيَّة وسُخْرِيّا [["تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 167 "سخر". وهو في "العين" 4/ 196 "سخر" بنحوه.]]. وزاد أبو زيد: سَخرَا [[انظر: "الحجة" 5/ 303، و"النوادر" ص 288.]]. ومنه قوله: لا عجيب منها ولا سَخَر [[هذا جزء من شطر بيت لأعشى باهلة عامر بن الحارث بن رباح الباهلي، ذكره أبو زيد في "النوادر" (ص 288) فقال: وقال أعشى باهلة:
إني أتاني شيء لا أسربه ... من علُ لا عجيب فيه ولا سخرُ
وهو من قصدة رائية هي أشهر شعره، يرثي بها أخاه لأمه المنتثمر بن وهب بن سلمة لما بلغه مقتله.
قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 191 - 192: وقوله "لا عجب" أي لا أعجب منها وإن كانت مصيبة عظيمة، لأن مصائب الدنيا كثيرة، "ولا سخر" بالموت، وقيل لا أقول ذلك سخرية، وهو بفتخين وضمتين.]]
قال: ويكون نعتًا كقولك: هم لك سخري وسخرية [[انظر: "الحجة" 5/ 303، و"النوادر" ص 288.]].
قال القراءة الضم أجود [["معاني القرآن" للفراء 2/ 243.]].
وقال الزجاج: كلاهما جيد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]].
وحكى الكسائي اللغتين جميعًا، قال: وسمعت العرب تقول: بَحْرٌ لُجّي ولجي، ودري ودري، وكرسي وكرسي [[ذكره عن الكسائي: الفراء في "معاني القرآن" 2/ 243، والنحاس في "إعراب القرآن" 3/ 124، وذكره عنه أيضًا الأزهري في "علل القراءات" 2/ 442.]].
وذهب قوم إلى الفرق [[في (أ): (إلى أن الفرق).]] بينهما. قال يونس [[هو يونس بن حبيب.]]: سُخريا من السُّخْرة مضموم، ومن الهُزء سُخري [[قول يونس في "الحجة" للفارسي 5/ 303، وهو أيضًا في "تهذيب اللغة" للأزهري 7/ 168.]].
وقال أبو عبيدة: سِخريًّا يسخرون منهم، وسُخريًّا يسخرونهم [[قول أبي عبيدة في "الحجة" 5/ 303. وهو في "مجاز القرآن" 2/ 62 مع اختلاف في العبارة.]].
وهذا قول الحسن وقتادة، قالا: ما كان من العُبُودة [[في (أ): (المعبودة)، وهو خطأ. وفي الحجة: العبودية. قال ابن منظور في "لسان العرب" 3/ 270 (عبد): يقال: فلان بين العُبودة والعبودية.]] فهو بالضم، وما كان من الهزء فهو بالكسر [[قولهما في الحجة للفارسي 5/ 303. وذكره عنهما النحاس في "معاني القرآن" 4/ 488 - 489، وابن الجوزي 5/ 493.]].
وذكر الزجاج أن الضم والكسر واحد في معنى الهزء [[قال الزجاج في "معانيه" 4/ 24 بعد حكايته قول بعض أهل اللغة أن ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر وما كان من جهة التسخير فهو بالضم: وكلاهما عند سيبويه والخليل واحد.]]. وقال -من عند نفسه-: الكسر أحسن لاتباع الكسر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]].
قال أبو علي: القراءة بكسر السين أرجح من قراءة من ضَمّ؛ لأنه من الهزء، والأكثر في الهُزء كسر السين فيما حكوه. ونرى [[في (أ): (وقرئ): وفي الحجة: وترى.]] أنَّه إنّما كان أكثر لأنَّ السَّخّر مصدر سَخِرْتُ. حكاه أبو زيد [[لم أجده في "النوادر" لأبي زيد، فعل أبا علي نقله من كتاب آخر لأبي زيد.]].
وفَعَلٌ وفعلٌ يكونان بمعنى، نحو: المثل والمثل والشَّبَه والشَّبْه، فكذلك السَّخَر والسّخْر إلا أنَّ المكسورة أُلزمت ياء النسب دون المفتوحة كما اتفقوا في القسم على الفتح في: لعمر [[في (أ): (لعمرو).]] الله، ولم يخرج مع إلحاق ياء النسب عن حكم المصدر، يدلك على ذلك قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [[في جميع النسخ: (اتخذتموهم).]] فأفرد [[في (ع): (فرد).]]، وقد جرى على الجمع كما تفرد المصادر، فكأنَّ ياء النسب لم يقع بها [[في (ع): (بعدها). وفي الحجة: به.]] اعتداد في المعنى، كما لم يُعتدّ بها [[في الحجة: به.]] ولم يكن حكم للنسب في نحو: أحمر وأحْمري ودؤاري [[في (ع): (ودرار ودراري).]]، فكانت ياء النسب في حكم الزيادة كـ (لا) في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29].
وقال الأخفش: سخري إذا أردت من سخرتُ به ففيه لغتان: الضم والكسر [[كلام الأخفش ليس في معاني القرآن، وإنَّما هو في "الحجة" لأبي علي 5/ 305.]]. والتي يراد بها السُّخْرة فالضم لا غير، ومن ثمَّ اتفقوا على الضم في التي في الزخرف. وقولهم [[في الحجة: فأما ما حكاه أبو زيد من قوله ...]]: اتخذت فلانا سُخريّا وسُخْرة السُّخري مصدر وسُخْرة [[في (أ): (سخر).]] ليست بمصدر في الهزء ولكنه كقولهم: ضُحْكَةٌ وهُزْأةٌ إذا كان يُضْحك منه. وأما وجه الضم إذا كان من الهزء فإن سَخَرًا فَعَل، وفَعَل وفُعْل [[(وفعل) الثانية: ساقطة من (ظ)، (ع).]] يتعاقبان علي الكلمة كالحزن والحزن والبخل والبخل [[في (أ)، (ظ): (الحِل والحل). مهملة.]]، كما كان فَعَلٌ وفِعْلٌ كذلك، إلا أنَ المضموم خُصَّ [[في (أ): (حض).]] بالنسب كما خُصَّ المكسور به وبقي على حكم المصدر كما بقي عليه المكسور. وإذا ثبت هذا فقوله (سخريا) في القراءتين جميعًا مصدر وصف به ولذلك أفْرد [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 303 - 305 مع تقديم وتأخير وتصرّف. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 441 - 442، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 95، "حجة القراءات" ص 492، "الكشف" لمكي 2/ 131.]].
قال ابن عباس -في هذه الآية-: يريد يستهزئون بهم.
وقال مقاتل: إنّ رؤوس كفار قريش كانوا يستهزئون من بلال وعمار وخَبَّاب وصهيب وسالم وفقراء العرب، ازْدَرَوْهُم [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]].
قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ يريد تركتم موعظتي.
وقال مقاتل: ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن [["تفسير مقاتل" 2/ 33 ب.]].
قال أبو علي: ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾ يجوز [[في (أ): (ويجوز).]] أن يكون منقولًا من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون (من) [[زيادة من الحجة.]] الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على أنهم فعلوا بكم النسيان، والمعنى: أنكم أنها المتخذون عبادي سُخْريا نسيتم ذكري باشتغالكم باتخاذكم إيّاهم سخريا وبالضحك منهم. أي: تركتموه من أجل ذلك، فنسب الإنساء إلى عبادِه المخلصين وإن لم يفعلوه لما كانوا كالسبب لإنسائهم، وهذا كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 36] فنسب الإضلال إلى الأصنام لما كانت سببًا في الإضلال [["الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 191 - 192 عند كلامه على قوله "أو ننسها" [البقر ة: 106].]].
23:111Page 349
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما صبروا على أذاكم واستهزائكم [[ذكره البغوي 5/ 431، وابن الجوزي 5/ 494 ولم ينسباه لأحد. وانظر: "الطبري" 18/ 61، والثعلبي 3/ 65 ب.]].
﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقرئ [[في (ظ): (قرئ).]] "إنَّهم" بالكسر [[قرأ حمزة، والكسائي: "إنَّهم" بكسر الألف. وقرأ الباقون بفتحها. "السبعة" ص 448 - 449، "التَّبْصرة" ص 271، "التيسير" ص 160.]].
فمن فتح كان على معنى: جزيتهم لأنَّهم هم الفائزون. ويجوز أن يكون "أنَّهم" [[في (ظ): (أنَّهم هم).]] في موضع المفعول الثاني لجزيت؛ لأنَّ جزيت يتعدّى إلى مفعولين، قال الله تعالى ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12]. والتقدير: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز. ومن كسر استأنف وقطعه [[في (ظ): (فقطعه).]] مما قبله، والمعنى: إنِّي جزيتهم اليوم بما صبروا، ثم أخبر فقال: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ومثل هذا في الكسر والاستئناف والاتباع لما قبله: لبيك إن الحمد والنعمة لك وإن الحمد [[من قوله: (فمن فتح إلى هنا) هذا كلام أبي علي في الحجة 5/ 306 عدا قوله: "والمعنى: إني جزيتهم ... الفائزون". فإنه كلام أبي إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 24.
وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 442 - 443، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 492 - 493، و"الكشف" لمكي 2/ 131 - 132.]].
وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 243، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 24.]].
ومعنى ﴿الْفَائِزُونَ﴾ الذين نالوا ما أرادوا. والمفسرون يقولون: الناجون [[انظر: الطبري 18/ 62، الثعلبي 3/ 65 ب.]].
23:112Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
وقوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ قال الله تعالى للكفار يوم البعث توبيخًا لهم على إنكار [[في (ظ): (انكارهم)، وفي (أ): (الإنكار).]] البعث: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني في القبور ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾.
قال الزجاج: (كم) في موضع نصب بقوله: (لبثتم) و (عَدَدَ سِنِينَ) منصوب بـ (كم) [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 25.
وعلى هذا فـ"كم" ظرف زمان في محل نصب بـ"لبثتم"، و"عدد سنين" بدل من "كم". وذهب أبو حيان 6/ 424 إلى أن "عدد" تمييز لـ"كم". وصحح هذا الوجه السمين الحلبي 8/ 373.
وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 125، "الإملاء" للعكبري 2/ 152.]].
وقرئ: (قل كم لبثتم) [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: "قل كم لبثتم" بغير ألف على الأمر. وقرأ الباقون: "قال" بألف على الخبر.
"السبعة" ص 449، "التَّبصرة" ص 271، التيسير ص 160.]]، وهذا له معنيان:
أحدهما: قل أيها الكافر المسؤول عن قدر لبثه ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [[قال أبو زرعة بن زنجلة في حجة القراءات ص 493 تتميمًا لهذا الوجه: فإخراج الكلام على وجه الأمر به للواحد والمراد الجماعة، إذْ كان المعى مفهوما، والعرب تخاطب الواحد ومرادهم خطاب جماعة إذا عرف المعنى.]].
والآخر: أن هذا أمرٌ [[في (ظ): (الأمر).]] لمن يسألهم يوم البعث [[في (ظ): (يوم القيامة البعث).]] عن قدر مكثهم.
والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم [[قوله: (والمعنى: قل أيها السائل عن لبثهم). هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 307.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences