Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:24–35
23:24Page 343
فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.
قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد أن يرأسكم ويسودكم [[انظر: "القرطبي" 12/ 118.]].
والمعنى: يريد أن يصير له الفضل عليكم فيكون متبوعًا، وأنتم له تبع [[هذا قول الطبري ونصه 18/ 16.]].
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا نعبد [[في (ط): (يعبدوا). وفي (ع): (يعبد). والمثبت من (أ) هو الموافق لما عند الطبري.]] شيئًا سواه ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لأرسل ملائكة فكانوا [[في (ظ)، (ع): (وكانوا).]] رسله، ولم يرسل بشرًا آدميًّا. ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد.
﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابن عباس: في الأمم الماضية [[ذكره عنه القرطبي 12/ 118.]].
والباء قوله ﴿بِهَذَا﴾ [[في (ع): (هذا).]] زائدة [[هذا القول محل نظر، والأظهر في هذا أن فعل (سمعنا) مُضمن لمعنى فعل آخر فلذا عُدي بالباء.
قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" 18/ 43: ولما كان السماع المنفي ليست سماعًا بآذانهم لكلام في زمن آبائهم، بل المراد ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا، عُدي فعل (سمعنا) بالباء لتضمينه معنى الاتصال. أهـ.]]، و ﴿فِي﴾ ظرف لمحذوف. كأنه قيل: ما سمعنا بهذا سابقًا أو كائنًا في آبائنا الأولين.
23:25Page 343
إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥
He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."
قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي حالة جنون، وهي غمرة تغطي العقل وتستره [[انظر: "لسان العرب" 13/ 92 (جنن).]].
وقال الفراء: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتًا معلومًا، وهو كقول القائل: دعه إلى يوم ما [["معاني القرآن" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير. وهذا كلام الطبري 18/ 17 بنصه، ولم ينسبه الطبري لأحد.]].
23:26Page 343
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦
[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ قال ابن عباس ومقاتل: انصرني بتحقيق قولي في العذاب أنه نازل بهم في الدنيا على من لم يطعني ولم يسمع رسالتي [["تفسير مقاتل" 2/ 30 أإلى قوله: نازل بهم في الدنيا. وذكر الرازي 23/ 93 هذا القول، ولم ينسبه لأحد.]].
﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي بتكذيبهم إياي. والمعنى: انصرني بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
قال أهل المعاني: وهذا دعاء عليهم بالإهلاك [[في (ظ): (بإهلاكهم).]] من أجل التكذيبة [[ذكر الجشمي في "تهذيبه" 6/ 197 ب نحو هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]
23:27–28Page 343
فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧
So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.
فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨
And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'
قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ مفسر في سورة هود إلى قوله. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ [[انظر: "البسيط" سورة هود: 37 - 38.]].
قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل في سفينتك. وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 12].
23:29Page 344
وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩
And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ المنزل يجوز أن يكون مصدرًا بمنزلة: أنزلني إنزالاً مباركًا، وعلى هذا يجوز أن يعلى الفعل إلى مفعول آخر. ويجوز أن يكون المنزل موضعًا للإنزال كأنه قيل: أنزلني مكانًا أو موضعًا. وعلى هذا الوجه قد استوفى الإنزال مفعوليه. وقرأ أبو بكر عن عاصم (مَنزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي [[وقرأ الباقون: (منزلا) بضم الميم وفتح الزاي. "السبعة" ص 445، "التبصرة" ص 269،"التيسير" ص 159.]]. ويجوز على هذه القراءة الوجهان، أحدهما: أن يكون موضع نزول. والآخر أن يكون مصدرًا. ودل (أنزلني) على أنزل [[في "الحجة": على نزلت.]] فانتصب (منزلًا) على أنه مصدر. وعلى الوجه الأول على أنه محل [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 294 - 294 مع تقديم وتأخير وتصرف. وانظر في توجيه القراءتين أيضًا. "علل القراءات" للأزهري 2/ 434، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 128.]].
والمفسرون على أنه أُمر أن [[(أن): ساقطة من (ظ).]] يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله منها [[في (أ): (فيها).]] ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [[انظر: "الطبري" 18/ 18، و"الدر المنثور" 6/ 97.]].
قال مجاهد [[في (ع) (مقاتل)، وهو خطأ.]]: [قال نوح] [[ما بين المعقوفين في (ع): (يعني ...).]] حين خرج من السفينة ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [[رواه الطبري 18/ 18 بلفظ: قال نوح حين نزل من السفينة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 97 بمثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبدين حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال مقاتل: يعني بالبركة أنهم توالدوا وأكثروا [[في (أ)، (ظ): (وكثروا)، والمثبت من (ع) هو الموافق لما في "تفسير مقاتل".]] [["تفسير مقاتل" 2/ 30 ب.]].
وهذا يدل على أن هذا الدعاء كان عند الهبوط. وقال الكلبي: منزلا مباركًا بالماء والشجر.
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يريد من السفينة، مثل قوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: 48] [[ذكره عنه القرطبي 12/ 120.]].
وذهب بعض أهل المعاني إلى أن المنزل المبارك هو السفينة؛ لأنها كانت سبب النجاة [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 321 هذا القول ونسبه للجبائي، وكذا ذكرِه الجشمي في "التهذيب" 6/ 198 أ، وذكر الماوردي 4/ 53 وابن الجوزي 5/ 47، والقرطبي 12/ 120 هذا القول من غير نسبة لأحد. == قال القرطبي 12/ 120: وبالجملة فالآية تعليم من الله-عز وجل-لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا.]].
23:30Page 344
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠
Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله. ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، وعبرًا لمن اعتبر.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ وما كنا إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره [[في (أ): (وتنكيره).]].
23:31–35Page 344
ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١
Then We produced after them a generation of others.
فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢
And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"
وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣
And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.
وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤
And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.
أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥
Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني عادًا قوم هود، [وأراد [[(وأراد): في هامش (أ) وعليها علامة التصحيح.]] بقوله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هودًا.
والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية.
قال الفراء: أعيدت (أَنَّكُمْ) مرتين ومعناهما واحد، إلا أن ذلك حسن لما فرق بينهما بإذا، وهي في قراءة عبد الله (أيعدكم إذا مُتم وكنتم ترابا وعظامًا أنكم مخرجون) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 234 مع اختلاف يسير.]].
وقال أبو إسحاق: ﴿أَنَّكُمْ﴾ موضعها نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم إذا متم. وموضع (أن) الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذكرت توكيدًا. والمعنى على هذا القول: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. فلما بعد ما بين (أن) الأولى والثانية بقوله (إذا متم وكنتم تربًا وعظامًا) أعيد ذكر (أن) كما قال -عز وجل-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 63] المعنى: فله نار جهنم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 11.]].
قال أبو علي الفارسي: لا يخلو (أن) الثانية في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، وفي [[في (ع): (في).]] قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[قوله: [سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح] ساقط من (ع). وفي (أ): (بيان)، وفي (ظ) قوله: (سوءًا بجهالة). ثم سقط ما بعده وهو قوله (ثم تاب من بعده وأصلح). وفي الإغفال الآية كاملة.]] [الأنعام: 54] من أن يكون: بدلاً من الأول [[هكذا في (أ)، (ظ)، والإغفال. وفي (ع): (الأول. وقد غيرها محقق الإغفال إلى الأولى. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]]، أو يكون مكررًا [[هكذا في جميع النسخ وفي الإغفال أيضا، وقد غيرها محقق الإغفال إلى: تكون مكرره. وغير ما بعدها أيضًا. وأشار إلى ذلك في الحاشية 2/ 1081.]] للتأكيد وطول الكلام، أو يكون زائدًا غير معتد [[في (ظ)، (ع): (غير متعد)، وفي (أ): (غير متعديه)، وانظر: "الإغفال" 2/ 1081.]] به كما في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[النساء: 155، المائدة: 13.]]، أو يكون مرتفعًا بالظرف. فمذهب [[في (أ): (فذهب).]] سيبويه [["الكتاب" 3/ 132 - 133.]]: أن الثانية بدل من الأولى، ومذهب أبي العباس [[هو: المبرد وانظر قوله في "المقتضب" 2/ 356.]] وأبي عمر الجرمي أنه مكرر للتأكيد، ومذهب أبي الحسن [[هو: الأخفش.]] أنه مرتفع بالظرف [[ذكر الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 289 في هذه الآية ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ أن الآخرة بدل من الأولى.]]، ولم يقل أحد أنه زائد غير معتد به [[في (ظ)، (ع): (غيرمتعد به).]].
قال سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 3/ 132 - 133.]]: مما جاء مبدلًا قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ ...﴾ الآية، فكأنه [[في (ع): (وكأنه).]] قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. وذلك أريد بها ولكنه إنما قدمت (أن) الأولى. ليعلم بعد أي شيء الإخراج. قال ت وزعم الخليل أن مفعل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾.
قال أبو على: لا يجوز عندي [[(عندي): ساقطة من (ع).]] أن تكون (أن) الثانية في شيء من الآي بدلاً من الأولى، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تبدل (أن) من (أن) [[من أن: ساقط من (ظ).]] وحدها من غير أن تتم بصلتها، وإما أن تبدل منها [[في (ظ): (منهما).]] بعد تمامها بصلتها. فلا يجوز أن تبدل منها من غير أن تتم بصلتها [[في "الإغفال" 2/ 1083، خ ل 112 أ: (من غير أن تتم كل واحدة بصلتها). وأشار محقق الإغفال إلى سقوطها من بعض النسخ.]]؛ لأنها قبل أن تتم بصلتها حرف؛ ولم [[في (ع): (ولا). وفي ساقطة من (ظ).]] نرهم أبدلوا الحرف من الحروف كما أبدلوا [[في جميع النسخ: أبدل. والتصويب من "الإغفال" 2/ 183، (خ) 121 أ.]] الاسم من الاسم والفعل من الفعل. ولا يجوز أن يكون مبدلًا منها في الآية بعد تمام الصلة؛ لأن صلة الأولى لم تتم، وإنما تتم اسمًا إذا استوفت صلتها تامة. وصلتها يكون اسمًا كان مبتدأ قبل دخولها عليه مع خبره، وقوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يكون خبرًا لاسم (أن) كما لا يجوز أن يكون خبرًا له قبل دخول (أن)، ألا ترى أنك لو قلت: أنتم [[في (ع): (أنكم).]] إذا متم، لم يجز؛ لأن الظرف من الزمان لا يكون خبرًا عن الجثث [[في (أ): (الجثث). وفي (ظ): (الجثب). والمثبت من (ع)، والإغفال.]]، فكذلك [[في (ظ)، (ع): (فلذلك).]] لا يجوز أن تكون (إذا) خبرًا لاسم (أن) من قوله: ﴿أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا له فقد ثبت أن ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى لم تستوف صلتها، وإذا لم تستوف صلتها لم يجز البدل منها؛ لأن الاسم المبدل منه حكمه أن يكون تامًا. وكذلك لا يجوز أن تكون الثانية بدلاً من الأولى في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ لأن الشرط وحده دون الجزاء لا يكون خبرًا لاسم (أن)، كما لم يجز أن يكون خبرًا للمبتدأ [[في (ظ)، (ع): (لمبتدأ).]]. وأبو العباس يذهب إلى أن الثانية مكررة توكيدًا، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى.
قال [[القائل هو: أبو العباس المبرد.]]: وهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية [[انظر: "المقتضب" 3/ 356 - 357.]].
قال أبو علي: قول أبي العباس [[في (أ): (يقول أبو العباس)، وهو خطأ.]] لا يجوز عندي أيضًا، لأنه لا يخلو من أن يقع التكرير للتأكيد في (أن) وحدها دون صلتها أو مع صلتها. فلا يجوز التكرير [[في (أ): (التكرار)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] فيها وحدها، كما لا تكرر سائر الموصولات دون صلاتها، ولو كررت اسمًا موصولاً نحو: ضربت الذي في الدار [الذي في الدار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]، لم تكرره إلا مستوفيًا لصلته [فلا يجوز أن يكون (أن) أيضًا مكررًا مفردًا من صلتها غير مستوفية لها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]. فلا يجوز في شىِء من الآي الثلاث التكرير؛ لأن الأولى لم تستوف صلتها في واحدة منها. فقد بان الدخل في هذا القول أيضًا. وهو عندي أشبه من القول الأول. وإذا بان فساد القولين ثبت أنها مرتفعة بالظرف الظاهر الذي هو (إذا) كأنه [[في (أ): (فكأنه)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في "الإغفال".]] في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. كما تقول: وقت موتكم إخراجكم. فموضع (إذا متم) إلى قوله (مخرجون) رفع، لكون ذلك جملة ووقوعه [[في (ع): (وقوعه).]] كله خبرًا لـ (أن) الأولى.
فأما موضع [[في (أ): (مواضع)، وهو خطأ.]] (إذا) فنصبٌ من حيث انتصب مثل: يومَ الجمعة القتالُ، واليومَ الإخراج. وحكم هذا أن تُضمر للمرفوع خبرًا [[في "الإغفال" أن يضمر له خبر. وقال المحقق: في (ش): (خبرًا).]] يكون إياه في المعنى، أو يكون له [[في الإغفال: أو يكون له خبر. وأشار المحقق إلى سقوط (خبر) من (ش).]] فيه ذكر؛ لأن يوم الجمعة ليس بالقتال ولا له فيه ذكر، وذلك الخبر المُضْمَر: كائن أو حادث أو يحدث، وما أشبه [[في (ع): (أو ما أشبه).]] ذلك. فإذا أضمر هذا لعلما: الذي لابد من إضماره عمل في الظرف. ولا يجوز أن يكون العامل في الظرف الإخراج نفسه من جهة أن الكلام لا يتم ولا يكون له خبر، فيحتاج إلى ما يصير خبرًا له ثم يحذف هذا [[في جميع النسخ: (وهذا)، والتصويب من "الإغفال" 2/ 1092.]] الخبر الذي ذكرت لك أنه لابد من إضماره [[في (أ، ع): (إضمار)، والمثبت من (ظ) و"الإغفال".]]، ويدل على حذفه هذا المنتصب.
وكذلك (إذا) في الآية حكمه حكم قولك: غدًا الرحيل. كأن التقدير في الأصل: إذا متم إخراجكم كائن أو حادث أو يحدث، فـ (إذا) منتصب [[في (ظ)، (ع): (انتصب).]] بالخبر المقدر انتصاب غد [[في (ظ): (غدا).]]، وحذف الخبر كما حذف من غد، ثم قام (إذا) مقام الخبر المحذوف فصار فيه ضميره كما صار في سائر الظروف، ثم قام مقام الفعل فرفع [[في "الإغفال" 2/ 1095: فرفع أن.]] كما رفع قوله غدًا الرحيل. فـ (غدًا) و (إذا)، و (في الدار)، وما أشبه ذلك من الظروف كان أصله ما عرفتك من الانتصاب بالفعل الذي تقدم [[في "الإغفال" 2/ 1095: (الذي يقدر).]] أو ما يقوم مقامه، ثم يختزل فتقوم هي مقام المختزل، فتصير مواضعها لذلك [[في (أ): (بذلك)، والمثبت من باقي النسخ و"الإغفال" 2/ 1095.]] رفعًا نحو: زيد في الدار، ونحو: القتال إذا أتيت زيدًا، فيرفع [[في (ط)، (ع): (فرفع).]] الظاهر كما يرفع المضمر [[في "الإغفال" ص 1095 بعد قوله زيدًا: ثم تقدم فترفع الظاهر كما رفع المُضمر.]]، فإذا قدم الظرف [[في (ظ)، (ع): (فرفع).]] لم يكن له موضع من الإعراب، كما أنه ليس لقولك مبتدئًا: (قام زيد) موضع من الإعراب يخالف لفظه [كما أن لقولك عندك [[في (ع): (عندي)، والتصويب من "الإغفال".]] من قولك: زيد عندك موضع يخالف لفظه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ظ).]] وهو الرفع لوقوعه موضع خبر الابتداء، فكذلك [[في جميع النسخ: وكذلك، مقدمه .. له .. للفظه)، والمثبت من "الإغفال".]] حكم (إذا) في الآية، إلا أنه لما وقع موضع الخبر مع ما بعده قلنا إن الجملة بأسرها معها في موضع رفع، وأنها إذا كانت متقدمة [[نفسه.]] مرتفعًا بها الاسم لا موضع لها [[نفسه.]] من الإعراب مخالفًا للفظها [[نفسه.]] من حيث لم يكن لقولك [[في (ظ): (كقولك)، وهو خطأ.]]: في الدار، وعندك -من قولك: في الدار زيد، وعندك عمرو- موضع من الإعراب لقيامهما [[في (ظ): (لمقامها).]] مقام ما لا موضع له، فعلى هذا حكم هذه الظروف في قيامها [[في (أ): (مقامها)، والمثبت من (ظ)، (ع) هو الموافق لما في "الإغفال".]] مقام الفعل. وأبو العباس يقول- في هذه الآية: إن ارتفاعه بالظرف حسن جميل. هذا كله كلام أبي علي في كتاب [[في (أ): (وكتاب).]] الإصلاح [["الإغفال" لأبي علي الفارسىِ 2/ 1081 - 1097 مع تصرف واختصار.]].
وقال في كتاب "الحجة": من قدر [في] [[(في): زيادة من "الحجة" يستقيم بها المعنى.]] (أنَّ) الثانية البدل فإنه ينبغي أن يقدر محذوفًا ليتم بذلك الكلام فيصح البدل، إذ لا يبدل من الاسم إلا بعد تمام الكلام فيكون التقدير: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيكون خبرًا لـ (أنَّ) وهو اسم الزمان، والإخراج حدث واسم الزمان يصح أن يكون خبرًا عن الأحداث. وإذا لم يقدر هذا المحذوف لم يتم الكلام؛ لأن قوله: ﴿إِذَا مِتُّمْ﴾ لا يصح أن يكون خبرًا عن المخاطبين بقوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ لأنهم أعيان [[في (ع): (أعوان).]]، وأسماء الزمان لا يصح أن تكون خبرًا عن الأشخاص، وإذا [[في (ظ)، (ع): (فإذا).]] قدرت هذا التقدير صح أن يكون (أَنَّكُم) الثانية بدلاً من الأولى. ومن قدر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف [["الحجة" 2/ 61.]].
قال: فأما [[في (ظ). (وأما).]] قول أبي إسحاق ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ إن موضع (أنَّ) الأولى نصبٌ على معنى: أيعدكم بأنكم فإن [[في (أ): (قد).]] وعدت تتعدى إلى مفعولين، وتعديه إلى المفعول الثاني بغير حرف، ولا حاجة إلى تقدير الباء ألا ترى أن ما جاء في التنزيل من هذا بغير الباء فمن ذلك قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ﴾ [الفتح: 20] ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ﴾ [طه: 80] وجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفًا لاختصاصه ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] و ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] و ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114] فلم يتعد وعدت في كل هذا إلى المفعول الثاني بالباء، وكذلك ينبغي أن يكون المفعول الثاني في ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ لا تحتاج فيه إلى تقدير حرف الخفض [["الإغفال" للفارسي 2/ 1101 - 1103.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences