Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:11–21
24:11Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ قال ابن عباس [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقد تقدم في المقدمة بيان بطلان هذا الطريق وذكرنا هناك كلام ابن حبان وابن حجر.]] والمفسرون [[انظر: "الطبري" 18/ 86 - 87، الثعلبي 3/ 73 ب.]]: يعني بالكذب على عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-.
قال المبرد: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه. وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه [[ذكر هذا المعني الزمخشري 3/ 52، والبغوي 6/ 22 من غير نسبة لأحد.
قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 1/ 118 (أفك): الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصرفه عن جهته، وأفك الرجل إذا كذب، والإفك: الكذب، وأفكت الرجل عن الشيء، إذا صرفته عنه. اهـ.
وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 396 - 397 (أفك)، و"الصحاح" للجوهري 4/ 1572 - 1573 (أفك).]].
ومعنى القلب في هذا الحديث أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف السبب والنسب لا الرمي والقذف، فالذين رموها بالسوء قد [[في جميع النسخ: (فقد).]] قلبوا الأمر عن وجهه [[ذكر البغوي 6/ 22 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.]]، فهو [[في جميع النسخ: (هو)، والتصويب من "الوسيط" للواحدي.]] إفك قبيح وكذب ظاهر. ومثله الأفيكة، والعرب تقول عند العجب من كذب إنسان: يا للأفيكة بكسر اللام وفتحها [[من قوله: (والعرب إلى هنا)، ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 396 "أفك" من رواية أبي عبيد عن الكسائي مع تقدم وتأخير.]]. وقوله: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم أيها المؤمنون.
والذين ذكروا منهم مسمَّى في الآثار [[انظر في ذلك: الطبري 18/ 86 - 87، ابن أبي حاتم 7/ 22 أ - ب "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 156 - 157.]]: حسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة [[هو: مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، المطلبي، المهاجري، البدري. كان اسمه عوفًا وأما مسطح فهو لقبه. شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-. توفي سنة 34 هـ وهو ابن ست وخمسين سنة.
"طبقات ابن سعد" 3/ 53، "الاستيعاب" 4/ 1472، "أسد الغابة" 4/ 354، "سير أعلام النبلاء" 1/ 187، "الإصابة" 3/ 388.]]، وحمنة بنت جحش [[هي: حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-. كانت من المبايعات وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم. وقتل عنها يوم أحد زوجها مصعب بن عمير، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له أولادًا منهم محمد بن طلحة المعروف بالسَّجَّاد.
"طبقات ابن سعد" 8/ 241، "الاستيعاب" 4/ 1813، "أسد الغابة" 5/ 428، "الإصابة" 4/ 266.]] أخت عبد الله بن جحش الأسدي، والمنافق عبد الله بن أبي.
ذكرت عائشة رضي الله عنها هؤلاء [[ذكرتهم عائشة في الحديث الذي رواه عنها البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير - باب: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الآية، 8/ 452 - 453، ومسلم في "صحيحه" كتاب: التوبة - باب: في حديث الإفك 4/ 2129 - 2138 وغيرهما.]]، وذكرهم المفسرون:
فقال ابن عباس: أربعة منكم [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 وعزاه للطبراني.
وروى الطبري 18/ 86 من طريق ابن جريج عن ابن عباس ذكر هؤلاء الأربعة بأسمائهم وفيه انقطاع. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 157 ونسبه أيضًا لابن المنذر.]]. وسمّاهم مقاتل بأسمائهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 35 ب ووقع فيه: وجميلة بنت جحش. وهو تصحيف.]].
وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ لا تحسبوا الإفك شرًا لكم.
قال مقاتل: لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى [["تفسير مقاتل" 2/ 35 ب.]].
﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن الله يأجركم ويُظهر [[في (أ): (وتظهر).]] براءتكم.
والمخاطب بقوله [[في (أ): (لقول له).]] (لَّكُمْ) عائشة وصفوان [[هو: صفوان بن المعطل السلمي، الذكواني، أبو عمرو. أول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وكان من سادات المسلمين، قتل -رضي الله عنه- شهيدًا في غزو الروم سنة 60 هـ. انظر: "الاستيعاب" 2/ 725،"أسد الغابة" 3/ 26، "سير أعلام النبلاء" 1/ 545، "البداية والنهاية" 8/ 146، "الإصابة" 2/ 184.]] فيما ذكر أهل التفسير [[ذكره الثعلبي 3/ 73 ب. ورواه ابن أبي حاتم 7/ 22 أعن سعيد بن جبير. وذكره الماوردي 4/ 79 وعزاه ليحيى بن سلام، وذكره ابن الجوزي 6/ 18 وعزاه للمفسرين.]]. وعلى هذا خوطبا مخاطبة الجمع.
وقال أبو إسحاق: قوله (لَّكُمْ) يعني هي وصفوان ومن بسببها [[في (أ): (إلى)، والمثبت من باقي النسخ والزَّجاج.]] من النبي -ﷺ- وأبي بكر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 34. وليس فيه ذكر صفوان.]].
ويكون الخطاب لكل من رُمي بسبب، وذلك أن من سبّ عائشة فقد سبَّ النبي -ﷺ- وسب أبا بكر.
وهذا هو قول ابن عباس في رواية عطاء فقال: يريد خيرٌ لرسول الله، وبراءة لسيدة النساء أم المؤمنين، وخير لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وأم عائشة [[هي: أم رُومان بنت عامر بن عويمر الكنانية. واختلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دَعْد. أسلمت أم رومان قديمًا وبايعت وهاجرت إلى المدينة. وهي أم عبد الرحمن وعائشة. وكانت امرأة صالحة. توفيت في عهد النبي -ﷺ- سنة ست من الهجرة، وقيل بعد ذلك.
"طبقات ابن سعد" 8/ 276، "الاستيعاب" 4/ 1935، "أسد الغابة" 5/ 483، "الإصابة" 4/ 432.]]، ولصفوان بن المعطل [[رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء.]].
وقوله ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب [[الثعلبي 3/ 73 ب، والطبري 18/ 87.]].
قال مقاتل: على قدر ما خاض فيه من أمر عائشة وصفوان [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
وقوله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قال الفراء [[(الفراء) ساقط من (ظ)، (ع).]]: اجتمع القراء على كسر الكاف، وقرأ حميد الأعرج بضم الكاف [[ذكر هذه القراءة عن حميد: ابن خالويه في "الشواذ" ص 101، وابن جني في "المحتسب" 2/ 103 - 104، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 73 ب - 74 أ، وابن عطية في "المحرر" 10/ 457، والقرطبي 12/ 200، وأبو حيان 6/ 437.
وبها قرأ يعقوب الحضرمي.
انظر: "إرشاد المبتدئ وتذكرة المنتهي في القراءات العشر" للقلانسي ص 1460، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران ص 266، "النشر" لابن الجزري 2/ 331.]]، وهو وجه جيِّد؛ لأن العرب تقول: تولى فلان عظم كذا، يريدون أكبره [[في (ع): (لكبره).]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 247.]].
قال الأزهري: قاس [[في (ع): (قال).]] الفراء الكبر على العظم، وكلام العرب على غيره، أخبرني المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السكيت قال: كبر الشيء معظمه بالكسر، وأنشد [[المنشد هو ابن السكيت كما في "تهذيب اللغة" للأزهري.]] لقيس بن الخطيم:
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدًا تكادُ تنغرف [[البيت في "ديوانه" ص 57، و"المفضَّليات" ص 788، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 209، و "جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 394، و"لسان العرب" 5/ 129 (كبر). قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 199: وصف امرأة نشأت بين رفاهية ونعمة، فهي تنام لجلالة شأنها وأن لها من يكفيها المؤنة، فإذا قامت قامت في سكون وضعف، وكادت تنغرف؛ لرقة خصرها وثقل ردفها. اهـ.
ومعنى تنغرف: قيل تَتَثَنَّى، وقيل: تنقصف من ذفّة خصرها. وانغرف العظم: انكسر.
"لسان العرب" لابن منظور 9/ 264 (غرف).]] ومن أمثالهم: "كبر سياسة الناس في المال". قال [[القائل هو ابن السكيت.]]: وأما الكبر بالضمَّ فهو أكبر [[في (أ)، (ع): (أكثر)، والمثبت من (ظ)، "تهذيب اللغة".]] ولد [[في (أ): (وكذا).]] الرجل. يقال: الولاء للكبر [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 214 (كبر) مع تصرف وزيادة.]].
ونحو هذا قال أبو عمرو بن العلاء، وخطَّأ من (ضمَّ) الكاف [[ذكر الثعلبي 3/ 74 أقول أبي عمرو وتخطئته.
وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 509: قيل لأبي عمرو بن العلاء: أنقرأ "والذي تولى كبْره"؟ فقال: لا. إنَّما الكبر في النسب.]].
وقال الكسائي: الذي سمعناه بكسر الكاف، وأظن الضَّم لغة [[روى الأزهري هذا القول في "تهذيب اللغة" 10/ 210 (كبر) عن المنذري، عن ابن اليزيدي، عن أبي زيد في قوله "والذي تولى كبره"، فذكره بنحوه.
وقبل هذه الرواية ذكر الأزهري نصًا عن الكسائي، وبعد الرواية ذكر نصًا آخر عن الكسائي من رواية أبي عبيد. فاحتمال خطأ الواحدي في نسبة هذا القول وارد. والله أعلم.
وقد ذكر الثعلبي 3/ 74 أعن الكسائي أنه قال: هما لغتان. يعني الضم والكسر.]].
وقال أبو عبيدة: الكِبْر -بالكسر-: مصدر الكبير، وكبره معظمه. وبالضم مصدر الكبير في السن، فرقوا بينهما فقالوا: كبر قومه بالضم. وجعلها قوم بالضَّم [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 64 مع اختلاف يسير وتصرّف.]].
وقال الليث: الكِبْر: الإثم الكبير، وكبر كل شيء عظمه [[قول الليث فى "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 214 كبر.
وهو في "العين" 5/ 361 (كبر) بنصّه.]].
فمن قرأ (كبره) قال: إثمه وخطاه، ومن قرأ بالضم قال: عظم هذا القذف [[انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 105، "البحر المحيط" 6/ 437، "الدر المصون" 8/ 389.]].
واختار الزَّجَّاج هذا القول وحكاه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 34 - 35.]]. ومعنى ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ استبد بمعظمه وانفرد به.
قال الضحاك: قام بإشاعة الحديث وإذاعته [[ذكره عنه البغوي 6/ 22. وروى الطبري 18/ 87، وابن أبي حاتم 7/ 22 أ، عنه قال: الذي بدأ بذلك. وانظر: "الدر المنثور" 6/ 158.]]. وهو معنى [[(معني) ساقطة من (أ).]] قول ابن عباس في رواية عطاء [[روى الطبري في "الكبير" 23/ 130 من طريق عطاء، عن ابن عباس، قال في قوله "والذي تولى كبره" قال: إشاعته.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 وعزاه للطبراني.]].
والذي تولى كبره مختلف فيه:
فقال عطاء، عن ابن عباس: هو عبد الله بن أبي [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 للطبراني.]].
وهو قول مجاهد [[رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 89، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 22 أ، و"الطبراني الكبير" 23/ 138.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 158 ونسبه أيضًا للفريابي وعبد بن حميد.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]]، والسدي [[ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 19.]]. ورواية عروة عن عائشة، روى عنها في حديث الإفك أنَّها قالت: ثم ركبتُ، وأخذ صفوان بالزمام، فمررنا بملأ من المنافقين -وكانت عادتهم أن ينزلوا مُنْتَبِذين [[منتبذين: يعني متُنَحِّين. "لسان العرب" لابن منظور 3/ 512 (نبذ).]] من الناس- فقال عبد الله بن أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها. قالت: وهو الذي تولى كبره [[ذكر الثعلبي 3/ 74 أهذه الرواية -بهذا اللفظ- من رواية ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.]].
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من العصبة الكاذبة.
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا الجلد. جلده رسول الله -ﷺ- ثمانين جلدة وفي الآخرة يُصيره الله إلى النار [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 137 من رواية عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وهذه الرواية باطلة كما تقدم.
وروى الطبراني في "الكبير" 23/ 124 - 129 من حديث ابن عمر وأبي اليسر الأنصاري أن رسول الله -ﷺ- ضرب عبد الله بن أبي حدّين.
لكن قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 240 عن حديث ابن عمر: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب. وقال أيضًا عن حديث أبي اليسر 6/ 280: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذَّاب.
وذكر ابن حجر في "الفتح" 8/ 479 أثرين آخرين في حدّ عبد الله بن أبي، لكنَّهما مرسلان.
وذهب آخرون إلى أنَّه لم يحدّ، قال القرطبي في "تفسيره" 12/ 201: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أنَّ الذي حدَّ حسان ومسطح وحمنة، ولم يُسمع بحدِّ لعبد الله بن أبيّ. اهـ. وبهذا القول قال القاضي عياض وابن القيم وجماعة. قال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 263: ولم يحدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنَّه == رأس أهل الإفك، فقيل: لأنَّ الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله العذاب العظيم، فيكفيه ذلك عن الحدّ. وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه. وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنّما كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
وقيل: بل ترك حدّه لمصلحة هي أعظم من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه، وتكلّمه بما يوجب قلته مرارًا، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنَّه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تؤمن الفتنة في حدِّه. ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. اهـ.
ولعل أقرب الوجوه هو الأخير، يدل عليه ما في "صحيح البخاري" كتاب "التفسير" 8/ 453 - 454 من حديث عائشة في قصة الإفك وفيه أن النبي -ﷺ- قام على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ .. الحديث. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام رجل فقال لسعد: كذبت لعمر الله لنقتلنّه .. فتساور الحيّان الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسول الله -ﷺ- قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله -ﷺ- يخفضّهم حتى سكتوا وسكت.]].
وقال قوم الذي تولى كبره هو [[في (أ): (فهو)، وهي ساقطة من (ع).]] حسان بن ثابت [[قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 272: وهو قول غريب، ولولا أنّه وقع في "صحيح البخاري" يعنى الرواية التي سيسوقها الواحدي بعد ذكره لهذا القول. ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة. فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنَّه كان يذب عن رسول الله -ﷺ-.]].
روي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسان بن ثابت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليكم وقد قال ما قال وأنزل الله -عز وجل- فيه ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾! فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره. وقالت: إنّه كان يدفع عن رسول الله -ﷺ- [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 74 أبهذا اللفظ من رواية أبي الضحى، عن مسروق.
ورواه بنحوه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 515، والبخاري في التفسير سورة النور 8/ 85 ومسلم في الفضائل باب: فضائل حسان بن ثابت -رضي الله عنه- ج 4/ 1932، والطبري في "تفسيره" 18/ 88، وابن أبي حاتم 7/ 22 ب، والطبراني في "المعجم الكبير" 23/ 135، 136 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 157 - 158 ونسبه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.]].
والقول هو الأول؛ لما روي عن الشَّعبي: أنه قيل لعائشة: إن حسان بن ثابت هو الذي تولى كبره؟. فقالت [[في (أ)، (ع): (قالت).]]: [معاذ الله] [[ساقط من (ع).]]! سمعت رسول الله -ﷺ- يقول [[(يقول) ساقط من (أ).]]: "إن الله ليؤيد حسان بروح القدس في شعره" [[لم أجده بهذا اللفظ.
لكن أخرج الطبري في "تفسيره" 18/ 88 من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة .. وفيه. قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11]؟ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ قالت: "أليس قد ذهب بصره، وكنّع بالسيف".
وقد أخرج أبو داود في "سننه" كتاب: الأدب- باب: ما جاء في الشعر 13/ 357، والترمذي في "جامعه" كتاب: الأدب - باب: ما جاء في إنشاد الشعر 8/ 137 واللفظ له، والحاكم في "مستدركه" 3/ 487 من حديث عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الله يؤيد حسَّان بروح القدس ما يفاخر -أو ينافح- عن رسول الله -ﷺ- ".]].
24:12Page 351
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
ثم أنكر على الذين خاضوا في الإفك فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ هلّا إذ سمعتم أيها العصبة الكاذبة قذف عائشة بصفوان ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ من العصبة الكاذبة يعني حمنة وحسان ومسطحا.
﴿بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ قال الحسن [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 74 أ، إلى تمام الآية الأولى، وذكره عنه البغوي 6/ 23 إلى تمام الآية الثانية. وقد روى الطبري 18/ 96 عن الحسن قال: يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات.]]: بأهل دينهم، لأنَّ المؤمنين كنفس واحدة، ألا ترى إلى قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقوله ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61].
قال الزجاج: وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضًا: إنَّهم يقتلون أنفسهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 36.]].
وهذا معنى قول مقاتل: ألا [[(ألا) ساقطة من (أ).]] ظن بعضهم ببعض خيرًا بأنهم لا يزنون؟ [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
على هذا المعنى [[(المعنى) ساقطة من (أ).]]: ظن المؤمنون والمؤمنات بالمؤمنين الذين هم كأنفسهم [[في (أ): (كما بعضهم).]] خيرًا [[(خيرًا) ساقطة من (ظ).]]. وهذا معنى قول ابن قتيبة: بأمثالهم من المسلمين [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 301.]].
وقال المبرد: ومثله قوله ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]، [وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128] [[ساقط من (ع).]].
وروي عن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب. أكنت يا أم أيوب فاعلة أنت [[(أنت) ساقطة من (ع).]] ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة -والله- خير منك. فلما نزل قوله ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12] عرف أنه يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال [[رواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 3/ 347، قال: حدثني أبي -إسحاق بن يسار- عن بعض رجال بني النجار، فذكره.
ورواه الطبري 18/ 96، وابن أبي حاتم 7/ 22 ب من طريق ابن إسحاق. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 159 وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر. وفي إسناده جهالة.]].
وعلى [[(على) ساقطة من (أ).]] هذا المعنى: ظنوا بأنفسهم خيرًا فيقولون [[في (ظ)، (ع): (فيقولوا).]]: نحن ما نأتي ما ترمى به عائشة وصفوان فهما أولى أن لا يأتيانه كما ظن أبو أيوب وامرأته وقالوا: هذا إفك مبين، كما قال أبو أيوب.
وهذا معنى قول الكلبي: لولا إذ سمعتموه ظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم وعلمتم أنَّ أمكم لا تفعل ذلك، وقلتم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: هذا القذف كذب بيّن.
24:13Page 351
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلّا جاء العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء يشهدون بأنهم عاينوا منها ما رموها به. وهذا يدل على أنَّ الزنا لا يثبت بأقل من أربعة شهود [[انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 307، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 308.]].
﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في حكم الله هم كاذبون. فدلّ هذا على أن القاذف إذا عجز عن إقامة البينة حكم بكذبه [[انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 307، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 308.]].
وسئل أحمد بن يحيى [[هو ثعلب، ولم أجد من ذكر عنه هذا.]] عن هذه الآية، وقيل: إذا رأى الرجل مع امرأته رجلًا وتيقّن الفاحشة ثم أخبر الإمام بذلك وعجز عن إقامة البينة فحدَّ أيكون عند الله كاذبًا؟ فقال: تأويل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكم الله، وقد فرض علينا أن نجريه مجرى الكاذبين وإن كان في معلوم الله أنه صادق، فإن صدقه مغيب عنّا، والغيب لا يعلمه إلا الله.
24:14Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment
ثم ذكر الذين قذفوا عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قال ابن عباس: يريد لولا ما منّ الله به عليكم وستركم [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 141. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 ونسبه للطبراني.]].
﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لأصابكم ([فِي مَا أَفَضْتُمْ] [[ساقط من (ع).]] فِيهِ) فيما أخذتم فيه وخضتم فيه من الكذب والقذف.
ويقال: أفاض القوم في الحديث إذا أخذوا فيه وأكثروا [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 78 (فاض) وفيه: "إذا اندفعوا فيه ... ".]].
وذكرنا معاني الإفاضة عند قوله ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] وقوله ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61].
وقوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة.
24:15Page 351
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
قوله (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) "إذ" من صلة قوله (لَمَسَّكُمْ) [[الطبري 18/ 97. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 438، "الدر المصون" 8/ 390.]]، وتقدير الكلام: لمسّكَم ذلك الوقت حين تلقَّونه بألسنتكم.
قال مجاهد [[رواه الطبري 18/ 98، وابن أبي حاتم 7/ 23 أ، الطبراني في "الكبير" 23/ 142.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 160 ونسبه أيضًا للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]]: إذ يرويه [[في (أ): يرونه.]] بعضكم عن بعض.
وهو قول الكلبي، قال [[قال: ساقطة من (ع).]]: وذلك أنَّ الرجل منهم يلقى الرجل فيقول: بلغني كذا وكذا، يتلقَّونه تلقيا [[ذكره عنه البغوي 6/ 25.]].
وقال الزَّجَّاج: معناه إذ يلقيه بعضكم إلى بعض [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 38.]].
وقال الفراء: كان الرجل يلقى الرجل فيقول: أما بلغك كذا وكذا، فيذكر قصة عائشة رضي الله عنها لتشيع الفاحشة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 248.]].
وقال ابن قتيبة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أي تقبلونه [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 301.]].
وذكرنا معنى التلقي عند قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: 37].
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال ابن عباس: أي ما يعلم الله خلافه [[رواه الطبراني (23/ 141/ 142). ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 ونسبه للطبرانى.]].
وقال مقاتل: يقول [[في (أ): (تقولون)، وهي ساقطة من (ع). والمثبت من (ظ)، و"تفسير مقاتل".]]: من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ وتظنون أنَّ القذف سهل لا إثم عليكم فيه [["الطبرى" 18/ 99.]].
﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوزر [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
قال ابن عباس: رموا سيدة النساء وأم [[في (ع): أم.]] المؤمنين وزوج رسول الله -ﷺ- فبهتوها بما لم يكن فيها، ولم يقع في قلبها قط، والله خلقها طيّبة، وعصمها من كل قبيح [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 142 من رواية عطاء. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 ونسبه للطبراني.]].
24:16Page 351
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
ثم زاد في الإنكار عليهم وقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وهلّا إذ سمعتم [[في (ع): (سمعتموه).]] القذف لعائشة رضي الله عنها ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما يحل وما ينبغي لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ قال مقاتل: ألا نزّهتم الربّ عن أن يُعصَى [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ. قال الطبري 18/ 99: (سبحانك) تنزيهًا لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء.]].
وقال غيره [[ذكر الثعلبي 3/ 74 ب هذا القول مختصرًا. ولم ينسبه لأحد. وذكره البغوي 6/ 25 مقتصرًا عليه.]]: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [[في (أ): سبحانه.]] -هاهنا [[(هاهنا) ساقطة من (ظ).]] - معناه: التَّعجب، كقول الأعشى:
سبحان من علقمة الفاخر [[في (ع): (الفاجر)، وهو خطأ.]] [[هذا عجز بيت للأعشى، وصدره:
أقولُ لما جاءني فخره
وهو في "ديوانه" ص 143، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 36، "الكتاب" لسيبويه 1/ 135، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 220، "معاني القرآن" للزَّجَّاج 3/ 190، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 8.
وهو من قصيدة قالها الأعشى يفضل فيها عامر بن الطُّفيل على علقمة بن علاثة في المفاخرة التي جرت بينهما في الجاهلية.
وعلقمة المذكور في البيت هو علقمة بن علاثة صحابي، قدم على رسول الله -ﷺ- وهو شيخ فأسلم، وقد استعمله عمر بن الخطاب على حوران ومات بها.
وكان حصل بين علقمة وعامر بن الطفيل في الجاهلية مفاخرة، فخرج مع عامر لبيدُ والأعشى، ومع علقمة الحطيئةُ، واحتكما إلى غير واحد، فلم يحكم بينهما، حتى احتكما إلى هرم بن قطبة الفزاري، فقضى بينهما بعد سنة، وقال: أنتما كركبتي البعير يقعان معًا، ولم يفضّل، فانصرفا على ذلك، لكن الأعشى مدح عامرًا == وفضله على علقمة بأبيات منها هذا البيت.
انظر: "شرح ديوان الأعشى" لثعلب ص 165، "بلوغ الأرب" للنويري 1/ 287، "الإصابة" لابن حجر 2/ 496.]] ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: افتراء عظيم [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 144 من رواية عطاء.]]. وذكرنا معنى البهتان فيما تقدم [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 20].]].
ثم وعظ الذين خاضوا في الإفك:
24:17Page 351
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ قال ابن عباس -في رواية مِقْسَم [[هو: مِقْسَم بن بجرة تقدمت ترجمته.]] -: يحرم الله عليكم أن تعودوا لمثله [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 371، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 24 ب من رواية ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس بلفظ: يحرّج ..]]. [ونحو هذا قال الكلبي. وقال مجاهد: ينهاهم الله أن يعودوا لمثله [[رواه سفيان في "تفسيره" ص 222، والطبراني في "الكبير" 23/ 145، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 161 وعزاه للفريابي والطبراني.]]] [[ساقط من (أ)، (ع).]].
وقال غيره: يحذركم الله [[لفظ الجلالة ليس في (أ).]].
وكل هذا معاني الوعظ، فإنَّ فيه التحذير والنهي والمنع.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة، فإن آمنتم فلا تعودوا لمثل ما قلتم [[في (ع): (لمثله ما قمتم).]].
24:18Page 351
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال ابن عباس: يعني التي أنزلها في عائشة وبراءتها [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 145. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه للطبراني.]].
وقال الكلبي: ويبين الله لكم الآيات بالأمر والنهي [[ذكره البغوي 6/ 25 ولم ينسبه لأحد.]].
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم فيه ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم في القذف ثمانين جلدة. قاله ابن عباس [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 145. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه للطبراني.]].
وقال غيره: ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم ببراءتهما [[في (أ): (ببراءتها).]] [[هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 74 ب.]].
ثم هدَّد القاذفين فقال:
24:19Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ أي: تفشو [[الثعلبي 3 ل/ 74 ب.]].
يقال: شاع الشيء شيُوعًا وشيعًا وشيعانًا وشيعوعة، إذا ظهر وتفرّق. والدم يقطر في الماء فيشيع فيه، أي: يتفرّق [["تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 60 - 61 (شاع) عن الليث وغيره.
قال الزبيدي في "تاج العروس" 21/ 301 "شيع": شيعا بالفتح وشيوعًا بالضم. وقال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 3/ 47 "شاع": وشيعوعة كديمومة، وشيعانًا محرّكة وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 1240 (شيع)، "لسان العرب" 8/ 191 (شيع).]].
قال مقاتل: يعني أن يظهر الزنا، أحبّوا ما شاع لعائشة من الثناء السيىءّ [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
قوله ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المحصنين والمحصنات [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 146 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.]].
والمعنى: يحبون أن تشيع الفاحشة فيهم بأن ينسبوها إليهم ويقذفوهم بها، ويشيعوا فيما بين الناس أنهم أتوها.
وقال مقاتل: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفوان وعائشة [["تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.]].
ويحتمل أن يكون ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي فيما بين المؤمنين بأن يذكروها في مجالسهم حتى تفشو فيما بينهم. وعلى هذا لا يكون المراد بالذين آمنوا المقذوفين والمقذوفات كما كان في القول الأول.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني الجلد ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ عذاب النار.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ قال ابن عباس: يعلم شر ما دخلتم فيه وما فيه من شدة سخط الله -عز وجل- ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 146 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.]]. ثم ذكر فضله ومنّته عليهم بتأخير العقوبة فقال:
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لولا ما تفضل الله به عليكم ورحمكم لعاقبكم [[في (أ): (لعاقبتم)، وفي (ع): (لعافيتم).]] فيما قلتم لعائشة. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.]].
﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يعني رؤوف بكم رحمكم فلم يعاقبكم في أمر عائشة.
قال ابن عباس: يريد مسطحًا وحمنة وحسان [[في (ع): (وابن حسان). وهو خطأ.]] [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 147. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبة للطبراني.]].
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال مقاتل: يعني تزيين الشيطان في قذف عائشة [["تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.]].
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: بعصيان الله وكل ما يكره الله [[رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 148 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.]].
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.]]، والكلبي: بالمعاصي وما لا يعرف [[في (ع): وقالا ما لا يعرف.]] في شريعة ولا في سنَّة.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ما صلح. قاله مقاتل، وأبو زيد [[قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 36 ب، وقول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 320 (زكا).]]. والزكاة تكون [[(تكون) ساقطة من (أ).]] بمعنى الصلاح، ومنه رجل زكي تقي. يقال: زَكَا يَزْكُو زكاءً [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 319 (زكا) عن الليث وغيره. == وانظر: "لسان العرب" 14/ 358 (زكا)، "القاموس المحيط" 4/ 399.]].
وقال ابن قتيبة: ما طهر [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 302.]].
وأجرى بعضهم هذه الآية على العموم وقال: معناها أن الله تعالى يخبر أنَّه لولا فضله ورحمته [[في (ظ)، (ع): (لولا فضل الله عليكم ورحمته).]] ما اهتدى أحد ولا صلح [[ذكر البغوي 6/ 26 هذا القول وعزاه لبعض المفسرين. وذكره ابن الجوزي 6/ 23 بمعناه ولم ينسبه لأحد. وانظر هذا القول بمعناه عند الطبري 18/ 101.]].
والآخرون يقولون: المراد بهذا الخطاب الذين خاضوا في حديث الإفك.
وهو معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال- في قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ -: ما قبل توبة أحد منكم أبدًا [[في (ع) زيادة: (من أحد) قبل قوله (أبدا).]] [[رواه الطبراني 23/ 148 من رواية عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 ونسبه للطبراني.]].
والمعنى: ما طهر [[في (أ): (ما ظهر).]] من هذا الذنب وما صلح أمره بعد الذي فعل.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد: فقد شئت أن أتوب عليكم [[روى ابن أبي حاتم 7/ 26 ب، والطبراني في "الكبير" 23/ 148 هذا القول عن سعيد بن جبير. وانظر: "الدر المنثور" 6/ 154.]].
وقال الكلبي: يصلح من يشاء [[ذكر ابن الجوزي 6/ 24 هذا القول، ولم ينسبه لأحد.]]. وقال غيره [[انظر: "الطبري" 18/ 101.]]: يطهر من يشاء من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة فيوفقه للتوبة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في نفوسكم من الندامة والتوبة [[رواه الطبراني 13/ 123 من رواية عطاء، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه الطبراني]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences