Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:10–17
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
ثم أعلم الله تعالى أنه لو شاء لأعطى نبيه -ﷺ- من الدنيا خيرًا مما اقترحوا أن يكون له فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: خيرا مما قالوا [[هذا قول مجاهد. وما بعده من كلام الواحدي. "تفسير مجاهد" 447. وأخرجه عن مجاهد ابن جرير 18/ 185. وابن أبي حاتم 8/ 2666. وذكره عنه الثعلبي 8/ 92 ب، وذكر ابن جرير 18/ 185، قولاً آخر: خيرًا من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس. ونسبه لابن عباس، لكنه من طريق محمد بن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2666، من قول محمد بن إسحاق. وذكره الثعلبي 8/ 92 ب، منسوبًا لابن عباس. وهذا القول فيه تخصيص بدون مخصص، وظاهر الآية رجوع اسم الإشارة إلى كل ما سبق ذكره من اقتراحات المشركين. والله أعلم.]] من إلقاء كنز، وأن تكون لك جنة تأكل منها. وقال مقاتل: يعني أفضل من الكنز والجنة [["تفسير مقاتل" ص 43 ب.]]. ثم بَيَّن ذلك الذي هو خير مما قالوا بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
وقال الكلبي: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت غرفها وشجرها ومساكنها [["تنوير المقباس" ص 301.]]. يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيه إياها في الآخرة.
قال خيثمة [[خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، لأبيه وجده صحبة، حدّث عن أبيه، وعائشة وغيرهم -رضي الله عنهم- أدرك ثلاثة عشر صحابيًا. ت: 80 هـ "تاريخ الثقات" للعجلي ص 145. "تهذيب التهذيب" 3/ 154. "سير أعلام النبلاء" 4/ 320. وذكره العلائي في "جامع التحصيل" ص 209. فالحديث مرسل.]]: قيل للنبي -ﷺ-: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، ونزلت هذه الآية [[أخرجه ابن جرير في تفسيره 18/ 186، بسنده عن حبيب قال: قيل للنبي -ﷺ- إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى مَنْ بعدك، ولا ينقص ذلك مما عند الله تعالى، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2666، بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة مختصرًا قريباً من سياق ابن جرير. وذكره السمرقندي 2/ 454. وابن كثير 6/ 95، كلاهما بدون إسناد، عن سفيان الثوري عن حبيب، به. وحبيب بن أبي ثابت، ثقة فقيه جليل، ولكنه كان كثير الإرسال والتدليس. "جامع التحصيل" للعلائي ص190، و"التقريب" ص 218. وهنا لم يصرح بالتحديث. إضافة إلى علة الإرسال من خيثمة كما سبق في ترجمته قريبًا.]]، فزهد فيها رسول الله -ﷺ- وآثر أمر الآخرة [[هذا من كلام الواحدي -رحمه الله- وليس من الرواية. وهو بنصه في "معاني القرآن" للز جاج 4/ 59.]]؛ وذلك أنه شاور جبريل في ذلك؛ فقال جبريل: تواضع لله، فقال النبي -ﷺ-: "الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا". وهذا معنى قول ابن عباس في رواية جويبر عن الضحاك عنه [[أخرج هذه الرواية الثعلبي 892 ب، مطوّلة جدًا. وفيها (الفقر أحب إليّ ...). == وأخرجها الواحدي في "أسباب النزول" ص 332، من طريق الثعلبي. وهي رواية منقطعة، وضعيفة؛ فالضحاك لم يسمع من ابن عباس -رضي الله عنهما-. وجويبر ضعيف جداً.]].
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قرئ بجزم اللام ورفعه [[قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ويجعلُ﴾ بالرفع، والباقون بالجزم. "السبعة في القراءات" ص 462. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 336. و"النشر في القراءات العشر" 2/ 333.]]؛ فمن جزم فلأن المعنى: إن يشأ يجعلْ لك جنات ويجعلْ لك قصورًا. هذا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 59، بنصه.]]. وشرحه أبو علي؛ فقال: من جزم ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ عطفه على موضع: جعل؛ لأن موضع جعل جزم بأنه جزاء الشرط فإذا جزم ﴿يَجْعَلْ﴾ حمله على ذلك، وإذ كانوا قد جزموا ما لم يلِه فعل لأنه في موضع جزم كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] [[﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: بالياء والرفع، والنون والرفع، وبالياء مع الجزم، والثالثة هي الشاهد من ذكر القراءة، وقرأ بها حمزة والكسائي وخلف. "السبعة في القراءات" ص 299، و"النشر" 2/ 273.]] فالفعل أولى أن يحمل عليه من حيث كان الفعل بالفعل أشبه منه بغير الفعل، وحكم المعطوف أن يكون مناسبًا للمعطوف عليه ومشابهًا له. ومن رفع قطعه مما قبله واستأنف، والجزاء في هذا النحو موضع استئناف ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر تقع فيه كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186] وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [[سبق ذكر الشاهد في الآية الأولى، وأما الآية الثانية فلم يذكر الشاهد فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ بالرفع. قرأ == نافع وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر، بجزم الراء، وقرأ الباقون برفعها. "السبعة في القراءات" ص 191، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 236.]] [البقرة: 271] هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 336.]].
وبين القراءتين فرق في المعنى؛ وهو: أن يقف على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ واستأنف ﴿ويجعلُ﴾ فيكون المعنى: ويجعلُ لك قصورًا في الآخرة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 337، بمعناه. والوقف على هذه القراءة على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ وقف كاف. "القطع والائتناف" 2/ 479، و"المكتفى" 414.]]. قال أبو إسحاق: أي سيعطيك الله قصورًا في الآخرة أكثر مما قالوا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 59، بنصه.]].
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿قُصُورًا﴾ بيوتًا مبنية مشيدة كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنًا ما كان [["تفسير مجاهد" 448. وأخرج ابن جرير 18/ 186. وابن أبي حاتم 8/ 2666. كلهم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.]]. وقال مقاتل: إن قريشًا يسمُّون كلَّ شيء من الصوف والشعر: البيوت، ويسمون بيوت الطين: القصور [["تفسير مقاتل" ص 43 ب، وفيه: وذلك أن قريشاً يسمّون بيوت الطين: القصور. أما ما قبله فغير موجود عند تفسير هذه الآية.]]. ومعنى القصر في اللغة: الحبس [["تهذيب اللغة" 8/ 359 (قصر). ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72]. وذكر هذا الثعلبي 8/ 92 ب.]]. وسمّي هذا المبني: قصرًا؛ لأن مَنْ فيه مقصور عن أن يوصل إليه [["تفسير الطوسي" 7/ 475.]]. وكل محوط على شيء فهو قصر.
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
ثم أخبر عن تكذيبهم بالبعث فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ [[الساعة: جزء من أجزاء الزمان، ويعبر به عن القيامة؛ تشبيهاً بذلك لسرعة حسابه، == كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 62]. "المفردات" للراغب الأصفهاني 248.]] ومعنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا: تحقيق لتكذيبهم، وإيذان أن القصة الأولى قد تمت. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في سورة: الكهف [48] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: بل هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر؛ وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل: بل، ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: 66].]] ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ بيوم القيامة [["تفسير هود الهوّاري" 3/ 203. و"تفسير السمرقندي" 2/ 455. و"تفسير الطوسي" 7/ 475.]] ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا تتلظى عليهم.
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أنث فعل السعير وهو مذكر؛ لأنه أراد النار [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 70، بتصرف. وهناك قول آخر؛ ذكره البغوي 6/ 75، والزمخشري 3/ 360، فيه إضافة الرؤية إلى الزبانيَّة. وهو مخالف لظاهر الآية. وقد أحسن الواحدي. رحمه الله. في اقتصاره على القول الأول.]]. قال أبو عبيدة: ووصفها بالرؤية [[لم أجد قول أبي عبيدة في كتابه المجاز.]]، وقد قال النبي -ﷺ-: "من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدًا"، قيل يا رسول الله: وهل لها عينان، قال: "نعم، ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ " [[أخرجه ابن جرير 18/ 187، بسنده عن فُدَيك عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- وهو مرسل؛ لأن فديك وهو ابن سيمان، ويقال: ابن أبي سليمان، من أتباع التابعين يروي عن التابعين كالأوزاعي، وعباد بن عباد، وغيرهم. ولم أجد لفديك سنة وفاة. "التاريخ الكبير" 7/ رقم الترجمة: 613. و"تهذيب التهذيب" 8/ 231. وقال == عنه ابن حجر: مقبول. "التقريب" ص 779. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2667، بسنده عن خالد بن دُريك، عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- مع اختلاف في المتن بين الطريقين. وخالد بن دريك، ثقة لكنه يرسل. "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ص 205. و"التقريب" ص 285. وأخرجه الثعلبي في تفسيره 8/ 93 ب، من طريق خالد بن دريك. وذكر البغوي في تفسيره 6/ 74، هذا الأثر، وحكم عليه بالثبوت، ولم يذكر إسناده، ولا من خرجه. ونسبه السيوطي، في "الدر المنثور" 6/ 238 لعبد بن حميد، وابن المنذر. وذِكر الواحدي -رحمه الله- لهذا الحديث للدلالة على إثبات ظاهر الآية، وهذا مسلك حسن. قال ابن عطية 11/ 11، بعد أن ذكر أن الآية محتملة للحقيقة والمجاز: إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة في هذا .. ثم ذكر هذا الحديث.]]. قال الكلبي والسدي ومقاتل: من مسيرة مائة عام [[في "تنوير المقباس" ص 301: خمسمائة عام. وكذا في "تفسير الهوّاري" 3/ 203. وذكره السمرقندي 2/ 455، ولم ينسبه. وقول مقاتل في "تفسيره" ص 43. وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2667. وذكره ابن كثير 6/ 96، وابن الجوزي 6/ 75. وذكر هذا القول عن الكلبي، والسدي: البغوي 6/ 74.]].
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ التغيظ: الاغتياظ، يقال اغتاظ عليه، وتَغيَّظ عليه، بمعنى: أنكر عليه أمرًا، وغضب عليه، وغظته أغيظه غيظًا إذا حملته علي الغضب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: 55] ويقال أيضًا: تغيظت الهاجرة إذا اشتد حَمْيُها [["تهذيب اللغة" 8/ 173 (غاظ)، ولم ينسبه.]]. قال الأخطل:
لدُنْ غُدْوَةً حتى إذا ما تغَيَّظَتْ ... هواجِرُ من شعبانَ حامٍ أصيلُها [["ديوان الأخطل" ص 569، ورواية الديوان: تقيضت. ورواية الواحدي مطابقة لرواية الأزهري: تغيظت، "تهذيب اللغة" 8/ 173، (غاظ). يصف المطايا التي حملت معشوقته، والمشاق التي تلقتها المطايا بسبب الحر. "شرح ديوان الأخطل" 567.]] قال مقاتل في هذه الآية: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ من شدة غيظها عليهم [["تفسير مقاتل" ص 43.]] (تغيظا) وفي سماع الغيظ قولان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: صوت تغيظ، وغليان تغيظ، كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب، وهذا قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 59. ونقله الثعلبي 8/ 93 أ. واقتصر عليه الواحدي في تفسيريه، "الوسيط" 3/ 335، و"الوجيز" 2/ 775. قال ابن عطية 11/ 11: وذلك أن التغيظ لا يُسمع، وإنما المسموع أصوات دالة على التغيظ، وهي ولا شك احتدامات في النار كالذي يُسمع في نار الدنيا. قال الراغب 368: الغيظ: أشد الغضب .. ، والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع، كما قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.]]. ويجوز أن يكون التغيظ بمعنى: الغضب، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8] ويجوز أن يكون بمعنى: الحمي والحرارة، كما ذكرنا في قول الأخطل.
القول الثاني: أن المعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرًا، كما قال:
متقلدًا سيفًا ورمحًا [[شطر بيت لعبد الله بن الزبعرى، ديوانه 32، وصدره كما في الديوان:
يا ليت زوجك قد غدا
وأنشده المبرد 1/ 432، والثعلبي في تفسيره 2/ 93 أ، ثم قال: أي: وحاملاً رمحًا. والفراء 1/ 121، والبغوي 6/ 75، والقرطبي 13/ 8. والبيت في "تهذيب اللغة" 4/ 352 (مسح)، و"اللسان" 2/ 593، وهو في "الخصائص" 2/ 431. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 68. و"البحر المحيط" 6/ 445. كلها غير منسوب.]]
وقد تقدم لهذا نظائر [[ذكر الواحدي هذه المسألة في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ == [المائدة: 6]؛ حيث قال: وقال جماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة علي الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر:
ياليت بعلك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحاً
المعنى: وحاملاً رمحاً.]]، وهذا قول قطرب. والزفير: آخر نهيق الحمار [["تفسير مقاتل" ص 43. وعكسه الفراء؛ فقال: الزفير: أول نهيق الحمار، وشبهه، والشهيق من آخره. "معاني القرآن" 2/ 28. وذكره الأزهري، ولم يتعقبه، "تهذيب اللغة" 13/ 193 (زفر)، وصححه في 5/ 390 (شهق) وجمع بينهما ابن عطية 11/ 11، فقال الزفير: صوت ممدود كصوت الحمار المرجِّع في نهيقه.]]. وقد مر الكلام في تفسيره [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106]: قال الليث: الزفر والزفير: أن يملأ الإنسان صدره غماً ثم يزفر به، فالزفير: إخراج النفس، والشهيق: رد النفس .. وهو قول جميع أهل اللغة. قال أبو إسحاق: هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكى عن أهل اللغة جميعاً أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون.]].
وقال المبرد: الزفير: الصوت يسمع من جوف المتغيظ، يقال: ست لفلان زفيرًا عليك [[الزفر، والزفير: أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يزفر به. والشهيق: مد النفس، ثم يزفر، أي: يرمي به ويخرجه من صدره. كتاب "العين" 7/ 360 (زفر) ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 193 (زفر) وبحثت عن قول المبرد في: "المقتضب"، و"الكامل"، فلم أجده.]]. وهذا شائع في الكلام. قال عبيد بن عمير في هذه الآية: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملَك إلا خر ترعد فرائصه [[أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 56. وابن جرير 18/ 187، وابن أبي حاتم 8/ 2667، وابن كثير 6/ 97، قولهم من طريق عبد الرزاق، وفيها زيادة: حتى إن إبراهم ليجثو على ركبتيه، فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وهذا الأثر == من المغيبات مما لا مجال للعقل فيه، ولم يصرح فيه عبيد بن عمير بالرفع فيُتوقف فيه؛ لاحتمال أخذه عن بني إسرائيل. والله أعلم. وذكره السمرقندي في تفسيره 2/ 455، وصدَّره بقوله: وروي في الخبر أن جهنّم ..]].
وقال الكلبي: سمعوا تغيظًا كتغيظ بني آدم، وصوتًا كصوت الحمار [[في نسخة: (أ)، (ب): (ونهيق)، بدل: (كصوت الحمار)، وقول الكلبي في "تنوير المقباس" ص 301. و"تفسير السمرقندي" 2/ 455، ولم ينسبه. ونسبه له: القرطبي 13/ 8.]]. [وقال ابن قتيبة: قال قوم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين، وزفيرهم واعتبروا ذلك بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود 106]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).]] قال: والتفسير الأول أشبه بما أريد إن شاء الله؛ لأنه قال: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 210.]].
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من جهنم [["تفسير مقاتل" ص 43. و "تفسير هود الهواري" 3/ 203.]] ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: يضيق عليهم كما يضيق الزُّجُّ في الرمح [[في "تفسير مقاتل" ص 43: كضيق الرمح في الزج. وذكره هود الهوّاري في تفسيره 3/ 203، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2668، بإسناده عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، من طريقين. وأخرجه ابن كثير 6/ 97، عنه أيضًا. وذكره السيوطي 6/ 240 عن عبد الله بن عُمَر، ونسبه لابن أبي حاتم، وهو خلاف ما في تفسير ابن أبي حاتم، كما سبق. ولعل ما في "تفسير الهوّاري" تصحيف؛ من: عمرو، إلى عمر، حيث إنه لم يذكر له إسناداً. والله أعلم.
ولفظ ابن أبي حاتم موافق للفظ الواحدي. وذكر أن مجاهدًا روي عنه نحو ذلك. ونسبه الثعلبي في تفسيره 8/ 93 أ، إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- بدون إسناد. وكذا البغوي 6/ 75. وابن عطية 11/ 12. ونسبه الماوردي 4/ 134، لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-. == والزُّجُّ: الحديدة التي تُركَّب في أسفل الرمح، وتركز به الرمح في الأرض. "لسان العرب" 2/ 285 (زجج). و"القاموس" ص 244.
قال الزمخشري 3/ 260: ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق، والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصاً.]]. وسئل رسول الله عن هذه الآية، فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2668، من طريق نافع بن يزيد، عن يحي بن أبي أَسِيد، يرفع الحديث إلى رسول الله -ﷺ-، ونقله عنه الثعلبي 8/ 93 أ، وابن كثير 6/ 97، وهو فيها بلفظ: ليستكرهون. خلافاً لما في النسخ الثلاث فهي بدون اللام. ونافع بن يزيد الكَلاعي، أبو يزيد المصري، ثقة عابد، ت: 168. "التاريخ الكبير" 8/ 86، رقم الترجمة 2280. و"تهذيب الكمال" 29/ 296. و"التقريب" ص 996. ويحي بن أبي أسيد ذكره المِزي، في شيوخ نافع بن يزيد، ونسبه إلى مصر. لكنّي لم أعثر على ترجمة له، ولم يذكر ابن أبي حاتم مَنْ حدثه بذلك حيث قال: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قرئ على يونس بن عبد الأعلى ..]].
وقال الكلبي: إذا التقوا في أبواب جهنم تضيق عليهم كتضايق الزُّجِّ في الرمح، فالأسفلون يرفعهم اللَّهب، والأعلون يخفضهم اللَّهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة [[ذكره عن الكلبي، الرازي 24/ 56. وهو في "تنوير المقباس" ص 301، بنحوه.]]. فعند ذلك يدعون بالثبور.
وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الأصفاد، والأغلال. يعني: أن أيديهم قرنت إلى أعناقهم [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2669، عن أبي صالح، بلفظ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال: مكتفين. وذكر نحوه الثعلبي 8/ 93 أ، ولم ينسبه.]]. وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل [["تنوير المقباس" ص 301. وذكره الثعلبي 8/ 93 أ. ونسبه الماوردي 4/ 134، ليحيى بن سلام. وهذا القول لا يسعفه ظاهر الآية.]]. وذكر مقاتل القولين؛ فقال: موثقين في الحديد وقرنوا مع الشياطين [[في (أ)، (ب): (في قوامع الشياطين)، وفي "تفسير مقاتل" ص 43 ب قرناً مع الشياطين.]]. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: 49]
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ دعوا بالويل على أنفسهم والهلاك. قاله ابن عباس [[أخرجه البخاري، كتاب التفسير، معلقاً بصيغة الجزم. ونصه: ﴿ثُبُورًا﴾ ويلاً. الفتح 8/ 490. ووصله ابن جرير 18/ 187، وابن أبي حاتم 8/ 2669، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره الثعلبي 8/ 93 ب.]] والمفسرون [["تفسير مقاتل" ص 43. و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 203. و"تفسير الثعلبي" 8/ 93 ب. و"تفسير الماوردي" 4/ 134. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 59. وأخرج ابن جرير 18/ 188، عن الضحاك: (الثبور) الهلاك.]]. وقال ابن قتيبة: هذا كما يقول القائل: واهلاكاه [["غريب القرآن"، لابن قتيبة ص 310. أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2669، عن الضحاك: دعوا بالهلاك؛ فقالوا: واهلاكاه، واهلاكاه.]]. وفي الحديث: "إن إبليس يكسى حُلة من النار فيسحبها وذريته مِنْ خَلْفِهِ، وهو يقول: يا ثبوراه وينادون: يا ثبورهم، حتى يَرِدوا النَّارَ فيُقالُ لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ " [[الحديث أخرجه مطوّلاً ابن جرير 18/ 188، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-، وفي إسناده: علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف.
وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2669، من الطريق نفسه. وكذا الثعلبي في تفسيره 8/ 93 ب. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/ 304، رقم ت 12538، من طريق علي بن زيد أيضًا، عن أنس -رضي الله عنه-.
وقال الهيثمي 10/ 292: رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال الصحيح، غير علي ابن زيد، وقد وُثق. لكن أكثر أهل العلم على تضعيفه، من جهة حفظه، واختلاطه == في كبره، وقلبه للأحاديث. "ميزان الاعتدال" 3/ 127. وأخرج الواحدي في "الوسيط" 4/ 336، من الطريق السابق. وصححه السيوطي 6/ 240. وقال الشوكاني 3/ 64، بعد ذكر إسناد الإمام أحمد لهذا الحديث: وفي علي بن زيد مقال معروف.
وهذا الحديث يقابل ما أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4625، "الفتح" 8/ 286. ومسلم 4/ 2194، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، رقم: 2860، مِنْ أن أول من يكسى من أهل الجنة نبي الله إبراهيم -ﷺ-. ولفظه عندهما: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله -ﷺ- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ .. ".]].
قال المفسرون: ادعوا ويلًا كثيرًا لأنها دائمة لهم أبدًا [["تفسير مقاتل" ص 43. و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 203. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2669، بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً. ونحوه عن الضحاك، وقتادة.]].
وقال أبو إسحاق: أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 59.]].
وقال المبرد: الثبور هلاك على هلاك، ولا يكون لمرة واحدة، ومنه قولهم: ثابَر فلان على كذا، أي: دام عليه. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعلمك يا فرعون، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعوناً، وقال قتادة: مهلكاً، وقال مجاهد: هالكاً، قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْت فلاناً عن الشيء: رَدَدْتُه عنه، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب، هذا وجه قول ابن عباس، وأما وجه قول == مجاهد وقتادة فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوى من ثَبِر؛ أي مَن أُهلِك، قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك. "البسيط" 3/ 166 أ، النسخة الأزهرية.]].
قال الفراء: الثبور مصدر، فلذلك [[(فلذلك)، من كتاب الفراء، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.]] قال: ﴿ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ لأن المصادر لا تجمع، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا طويلاً، وضربته ضربًا كثيرًا فلا تجمع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 59.]]. وقال الكلبي: هذا كله نزل في أبي جهل وأصحابه [["تنوير المقباس" ص 301. أبو جهل، هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشى.]].
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
ثم ذكر ما وعده لمحمد -ﷺ- وأصحابه فقال: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يعني: السعير [["تنوير المقباس" ص 301.]] المذكور في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: 11] وما بعده إلى قوله: ﴿أَذَلِكَ﴾ مَنْ [[من، ساقطة من نسخة: (ج).]] صفته وصفة أهله ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ قال أبو إسحاق: إنْ قال قائل: كيف يقال: الجنة خير من النار؛ وليس في النار خير البتَّة؟ ثم أجاب، فقال: إنما يقع التفضيل فيما دخل في صنف واحد، والجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد؛ فلذلك قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ كما قال: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. وهذه الآية تدل على أن أهم شيء الفوز بالجنة، والنجاة من النار. ويشهد لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ- لِرَجُلِ: "مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ قَالَ أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ الله الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ أَمَا والله == مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ" أخرجه أبو داود 1/ 501، كتاب الصلاة، رقم: 792. وابن ماجه 1/ 295، كتاب الصلاة، رقم: 91. وهو في صحيح أبي داود 1/ 150، رقم: 710.
الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمع نغمته، ولا يُفهم. "النهاية في غريب الحديث" 2/ 137.]].
وقال غيره من أهل المعاني: هذا على التذكير والتنبيه على تفاوت ما بين المنزلين والحالين [[قال في "الوسيط" 3/ 336: وهذا على التنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن السعير خير. ولم ينسبه. وذكر قريباً منه القرطبي 13/ 9. ونقل البرسوي 6/ 195، قول الواحدي في الوسيط، ونسبه له. قال أبو حيان 6/ 445: خير، هنا ليس تدل على الأفضلية بل هي على ما جرت عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة .. كقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وكقوله تعالى: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33].]].
قوله: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعد المتقون دخولها، أو نزولها، أو الخلود فيها، وما أشبه هذا مما يؤدي هذا المعنى، وبهذا التقدير تتم صلة الموصول وتمام المعنى، ولهذا ذكر قوله: ﴿وُعِدَ﴾ ولم يكن: وعدت؛ لأن الموعود دخولها.
قوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: ثوابًا ومرجعًا [["تفسير مقاتل" ص 34. و"تفسير السمرقندي" 2/ 455، ولم ينسبه. وذكره البغوي 6/ 75. ولم ينسبه.]].
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: كان دخولها ونزولها وعدًا. والدخول قد ذكرنا تقديره في قوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: 15]. ويجوز أن يعود ﴿كَانَ﴾ إلى الخلود، ودل عليه قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ قال الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة فجعلها لهم فسألوه ذلك الوعد في الدنيا فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] [[ذكر هذا القول ابن جرير في "تفسيره" 18/ 189، والسمرقندي 2/ 455. والثعلبي 93 ب، والبغوي 6/ 76. ولم ينسبوه لأحد. وبنحوه عند الماوردي 4/ 135، ونسبه لابن عباس -رضي الله عنهما-. وهو في "الوسيط" 3/ 336، غير منسوب. ونسبه القرطبي 13/ 8، للكلبي، ثم قال: وهو معنى قول ابن عباس.]]. أي: على لسان رسلك؛ يعنون الجنة، فلم يلجئهم يوم القيامة إلى أن يسألوه، فأدخلهم الجنة بوعده إياهم ذلك [["تنوير المقباس" ص 301، بلفظ: سألوه فأعطاهم. وذكره هود الهوّاري 3/ 203.]]. وهذا القول هو اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263، ولم ينسبه.]].
وقال القرظي: إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ﴾ [[ذكر هذا القول الهواري 3/ 203، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2671، عن القرظي. وكذا الثعلبي 93 ب. والماوردي 4/ 135، وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 336. والبغوي 6/ 76. وابن كثير 6/ 98.]] [غافر: 8]. واختار الزجاج هذا القول [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. و"تفسير السمرقندي" 2/ 455، ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: يسأله المتقون في الآخرة ما وعدهم في الدنيا وهي الجنة [["تفسير مقاتل" ص 43. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2671، عن أبي حازم. ونسبه الماوردي 4/ 135، لزيد ابن أسلم.]].
وذكر الفراء وجهًا آخر فقال: هذا كما تقول في الكلام [[(في الكلام) من نسخة: (أ)، (ب).]]: لأعطينك ألفًا وعدًا مسؤولاً، أي: هو واجب لك فتسأله لأن المسؤول [[في نسخة: (أ)، (ب): (السؤال).]] واجب وإن لم يُسأل كالدَّين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263.]]. وعلى هذا المعنى: وعدًا واجبًا هو مما يُسأل وإن لم يُسأل. وهذا معنى قول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ يريد: لا خلاف فيه [[أخرج نحوه ابن جرير 18/ 189، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2671. وذكره العز في "تفسيره" 2/ 419. وابن كثير 6/ 98، من الطريق السابق.]]. وهذا الوجوب من قِبَل الله تعالى هو أوجبه على نفسه أنه لا يخلف الميعاد؛ ولا يجب لأحد عليه شيء دون إيجابه [[حاصل ما ذكر أن ﴿مَسْئُولًا﴾ فيها قولان:
1 - مطلوباً. والطالب له: إما المؤمنون، أو الملائكة.
2 - أن معنى: المسؤول: الواجب. "تفسير ابن الجوزي" 6/ 77. وعلى المعنى الثاني، يكون واجباً بحكم الاستحقاق، على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة. تفسير الزمخشري 3/ 261، والرازي 24/ 60. وتفسير أبي حيان 6/ 446. قال ابن كثير 6/ 98: هذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم. قال البقاعي 13/ 357: وهو من وادي ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].]].
25:17Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قال مقاتل: يجمعهم يعني: كفار مكة [["تفسير مقاتل" ص 43 ب.]]. وقال غيره: يعني المشركين كلهم ومن [[في (ج): (من) بدون واو.]] كان يعبد غير الله [[ذكر هذا كله الواحدي. رحمه الله. في "الوسيط" 3/ 336، غير منسوب.]]؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ونحشر ما يعبدون من دون الله [["تفسير مقاتل" ص 43 ب. و"تفسير الطوسي" 7/ 478، ولم ينسبه. وذِكرُ المعبودات هنا بلفظ ﴿مَا﴾ إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جمادٌ بل عدمٌ بالنسبة إليه سبحانه. مع أن ﴿مَا﴾ موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، من كان أكثر استعماله في غير العقلاء. "نظم الدرر" 13/ 360. و"تفسير أبي السعود" 6/ 208.]]. قال مجاهد: عيسى، وعزيرًا، والملائكة [[أخرجه ابن جرير 18/ 189. وابن أبي حاتم 8/ 2672. و"تفسير مجاهد" 2/ 448. وذكره عنه الثعلبي 93 ب. والماوردي 4/ 136. وابن كثير 6/ 99.]].
وقال عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام [["تفسير الثعلبي" 93 ب، منسوبًا لهما. وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 336. والبغوي 6/ 76. وابن عطية 11/ 17. والقول الأول أرجح: لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]. "تفسير ابن جزي" 482، و "تفسير أبي حيان" 6/ 447.]].
وقال الكلبي في هذه الآية: يعني عبدة الأوثان، والأصنام [["تنوير المقباس" ص 301. وفي "تفسير البحر" 6/ 447، عن الكلبي: يحي الله الأصنام يومئذٍ لتكذيب عابديها.]].
ثم يأذن لها في الكلام ويخاطبها ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ [[الاستفهام هنا على سبيل التقريع للمشركين، كما قال لعيسى -ﷺ- ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116]. ولأن تبرؤ المعبودين منهم أشد في حسرتهم وحيرتهم. "تفسير الرازي" 24/ 62.]] قال مقاتل: يقول: ءأنتم أمرتموهم بعبادتكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقول: أم هم أخطأوا الطريق [["تفسير مقاتل" ص 43 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2672، عن مقاتل بن حيان بلفظ: قد أخطأوا قصد السبيل. وهو عند البغوي 6/ 76، غير منسوب.]].
وقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء، والنون. وكذلك ﴿فَيَقُولُ﴾ بالياء، والنون [[﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ بالياء: ابن كثير، وحفص عن عاصم، وبالنون: نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر. "السبعة" ص 462. و"الحجة" 5/ 337، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 2/ 117، و"المبسوط في القراءات العشر" ص 270، و"التبصرة" ص 631، و"النشر" 2/ 333. و ﴿فنقول﴾ بالنون، قراءة ابن عامر، والباقون بالياء. المصادر السابقة.]].
وذلك على تلوين الخطاب من الإفراد والجمع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 338.]]. ثم ذكر جواب المعبودين بقوله:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences