Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:18–20
25:18Page 361
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: نزهوا الله، وعظموه من أن يكون معه إله [["تفسير مقاتل" ص 43 ب. و"تنوير المقباس" ص 301. وذكره الهوّاري 3/ 204. والسمرقندي 2/ 455. والواحدي في "الوسيط" 3/ 336، والبغوي 6/ 76. ولم ينسبوه لأحد. قال القرطبي 13/ 10: فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل: ينطقها الله تعالى يوم القيامة؛ كما ينطق الأيدي والأرجل.]].
﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ إن قيل: كيف يجوز للمعبودين أن يقولوا هذا؛ وإنما اتخذهم غيرهم أولياء من دون الله، وليس هذا الجواب يليق للسؤال المتقدم. والجواب عنه من وجوه؛ أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك [ونتخذ غيرك وليًا ومعبودًا فكيف ندعوا إلى عبادتنا، أي: إذا كنا نحن لا نعبد غيرك] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] فكيف ندعوا أحدًا إلى أن يعبدنا؟. فذكر من جوابهم على أنهم لم يضلوهم، ولم يأمروهم بعبادتهم، وهو أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة غير الله؛ فكيف يدعون غيرَهم إلى عبادتهم. وهذا معنى قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263. وقريب من هذا في "تنوير المقباس" ص 301. و"تفسير مقاتل" ص 43 ب.]].
وقال صاحب النظم: هذا بالتدريج يصير جوابًا للسؤال الظاهر؛ وهو أن من عبد شيئًا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليًا للعابدين [[في (ج): (للعابد).]]، ويدل على هذا قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ 40، 41] أي: لم نتخذهم أولياء وإن عبدونا في الظاهر. فدل هذا على أن العابد يُسمَّى وليًا للمعبود. ويصير المعنى: كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا وليًا، ولن نتخذ من دونك وليًا يعبدنا. فحذف من الكلام اتخاذ العابدين إياهم أولياء بدلالة ما ذكر عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: يقولون ما توليناهم ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أرادوا معشر العبيد لا أنفسهم، أي: إنا وهم عبيدك فكان لا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم تواضعًا منهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم وعنوهم به، كما يقول الرجل إذا أتى أخوه كبيرةً: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، وهو يعني به غيره، ولهذا الإشكال قرأ من قرأ ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل لو صحت [[هذه قراءة أبي جعفر المدني. "معاني القرآن" للفراء 2/ 264، و"إرشاد المبتدي" ص 466. ونسبها ابن جرير 18/ 191، للحسن، ويزيد بن القعقاع، وهو: أبو جعفر المدني. قال ابن الجزري 2/ 333، بعد أن نسبها لأبي جعفر: وهي قراءة زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي رجاء، وزيد بن علي .... وذكرها ابن جني في المحتسب 2/ 119. وقول الزجاج 4/ 60: وقرأ أبو جعفر المدني وحده، يعني من العشرة. وجزْمُ الواحدي -رحمه الله- بضعف هذه القراءة تبع فيه الزجاج، حيث نقل كلامه في تضعيفها، ولم يعترض عليه. وضعف ابن جرير 18/ 191، هذه القراءة لعلل ثلاث؛ لإجماع الحجة على القراءة بفتح النون، ولقوله تعالى في سورة سبأ: 40، == 41 ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ والعلة الثالثة ما ذكره الواحدي عن الزجاج.
وقد وجه هذه القراءة ابن جني، فقال: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نُتخذ من دونك أولياء، ودخلت ﴿مِنْ﴾ زائدة لمكان النفي، كقولك: أتخذتَ زيداً وكيلاً، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيداً من وكيل، وكذلك: أعطيته درهماً، وما أعطيته من درهم. "المحتسب" 2/ 120، وقد حسن هذا التوجيه وارتضاه ابن الجزري، في "النشر" 2/ 333. وتبعه على ذلك البناء، في: "إتحاف فضلاء البشر" ص 328. ووجه هذه القراءة أيضًا الزمخشري 3/ 263. وصححها ابن القيم، في "إغاثة اللَّهفان" 2/ 237. قال ابن كثير 6/ 99، بعد ذكر هذه القراءة: وهي قريبة المعنى من الأُولى. قال البقاعي: وقراءة أبي جعفر بالبناء للمفعول، بضم النون وفتح الخاء، واضحة المعنى، أي: يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره. "نظم الدرر" 13/ 361. فالحاصل أن هذه القراءة ثابتة، مقروء بها عن أبي جعفر المدني. والله أعلم.]]؛ قال أبو إسحاق: هذه القراءة خطأ؛ لأنك تقول: ما اتخذتُ من أحد وليًا، ولا يجوز: ما اتخذتُ أحدًا من ولي؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إنما دخلت لأنها تنفى واحدًا في معنى جمع، تقول: ما من أحد قائمًا، وما من رجل محبًا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب ما يضره، ولا وجه لهذا عندنا البتة. ولو جاز هذا لجاز في ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] ما أحد عنه من حاجزين. ولو لم يكن ﴿مِنْ﴾ لصحت هذه القراءة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. وتخطئة الزجاج لهذه القراءة لتخطئة أكثر النحويين لها! حيث قال: وهذه القراءة عند أكثر النحويين خطأٌ. ومثل هذا لا يكفي لتخطئة القراءة، إذ الاعتبار بصحة الرواية، قال ابن جني في الرد على من رد الرواية لمجرد مخالفتها للمشهور من القراءة: وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله -ﷺ- والله تعالى يقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] وهذا حكم عام في المعاني والألفاظ. "المحتسب" 1/ 33، وقال أيضًا: والقرآن يُتخير له، ولا يتخير عليه. "المحتسب" 1/ 53. وقال ابن الجزري: كل == قراءة وافقت العربية مطلقاً، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً، وتواتر نقلها: هذه القراءة المتواترة المقطوع بها. ومعنى العربية مطلقاً: ولو بوجه من الإعراب .. ثم قال: والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة، هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول، وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. "منجد المقرئين" ص 15.]].
وقال صاحب النظم: العلة في سقوط هذه القراءة: أن ﴿مِّن﴾ لا تحدث إلا على مفعول، لا مفعول دونه، فإذا كان قبل المفعول [مفعول سواه لم يحسن دخول: من، مثل قوله -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] فقوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لا مفعول دونه سواه] [[ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).]] ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدًا من ولد، لم يحسن فيه دخول: (مِن)؛ لأن [[لأن فعل الاتخاذ مشغول. بزيادة: فعل. هكذا عند ابن القيم في "إغاثة اللَّهفان" 2/ 237.]] الاتخاذ مشغول بـ: أحد [[انظر قول صاحب النظم في "إغاثة اللَّهفان" 2/ 237، وقد صرح ابن القيم بالنقل عنه، وهو مطابق لما نقله الواحدي.]]. كذلك قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ قد قامت النون المضمومة مقام مفعول، وشغل الاتخاذ به فلم تعمل: (مِن) في المفعول الذي بعده؛ لأن تأويله يكون مثل قولك: ما كان لزيد أن يتخذ من ولي. هذا كلامه. ومن أجاز هذه القراءة يجعل (مِن) صلة [["تفسير البغوي" 6/ 76.]].
قال الفراء: العرب تدخل (مِنْ) في الأسماء لا في الأخبار. ألا ترى أنهم يقولون: ما أخذت من شيء، وما عندي من شيء، ولا يقولون: ما رأيت عبد الله من رجل. فلو لم يكن في الأولياء: ﴿مِنْ﴾ لكان وجهًا جيدًا، وهو على قلة من قرأ به، قد يجوز أن يجعل الاسم في ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ويجعل الخبر ما في ﴿نَتَّخِذَ﴾ على القلب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 264.]].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين للإيمان بالله بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أطلت لهم العمر فأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2672، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ذهبت أعمالهم في الدنيا ولم يكن لهم أعمال صالحة. ولم يذكر القول الذي أورده الواحدي. وقريب من هذا القول في "تفسير السمرقندي" 2/ 456، ولم ينسبه. وهو بنصه في "الوسيط" 3/ 337، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-.]]. وقال الفراء: ولكنك يا رب متعتهم بالأموال والأولاد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 264. قال الزمخشري 3/ 86، ط: دار الفكر حيث لم أجده في ط: دار الكتب العلمية: فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سببَ الكفر، ونسيان الذكر. والمترفون عادة هم أعداء الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ 34، 35] وقال تعالى: قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88].]].
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ قال ابن عباس: يريد تركوا الموعظة. وقال مقاتل: تركوا إيمانًا بالقرآن [["تفسير مقاتل" ص 43 ب. قال ابن قتيبة: يعني القرآن غريب القرآن 311. وممن قال: إنه القرآن، زيد بن أسلم. أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2672. وفي "تفسير == السمرقندي" 2/ 456 تركوا التوحيد، والإيمان بالقرآن. ولم ينسبه. وذكر الثعلبي 93، في الذكر خمسة أقوال: القرآن، الرسول، التوحيد، الإسلام، ذكر الله. وكلها متلازمة. والقولان في "الوسيط" 3/ 337، بدون نسبة.]].
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال مجاهد، والكلبي ومقاتل [["تفسير مجاهد" 2/ 448. وأخرجه عنه ابن جرير 18/ 190. وقول الكلبي في "تنوير المقباس" ص 301. و"تفسير السمرقندي" 2/ 456. و"تفسير مقاتل" ص 43 ب.]]، والمفسرون [[(المفسرون) في (ج).]]: فاسدين هالكين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان [[أخرج ابن جرير 18/ 190، وابن أبي حاتم 8/ 2673، عن ابن عباس رضي الله عنهما، من طريق علي ابن أبي طلحة: ﴿بُورًا﴾ هلكى. ونسبه الماوردي 4/ 137، لابن عباس. وذكر هذا القول هود الهوّاري 3/ 204. وابن الأنباري، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 314، والثعلبي 94 أ. وهو بنصه في "الوسيط" 3/ 337، غير منسوب.]]. وقال الزجاج: البائر في اللغة: الفاسد الذي لا خير فيه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2673، عن شهر بن حوشب، ﴿بُورًا﴾ قال: معناه: فسدتم. ومثله عن قتادة، قال: والبور الفاسد، وإنه والله ما نسي قوم ذكر الله إلا باروا، وفسدوا.]]. وقال الفراء: البور مصدر يكون واحدًا وجمعًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 264.]]. وقال أبو عبيدة: رجل بور، ورجلان بور، وقوم بور، وكذلك الأنثى، ومعناه: هالك، وقد يقال: رجل بائر، وقوم بور. وأنشد:
يا رسول المليك إن لساني ... راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بور [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 73. ونسبه لعبد الله بن الزبعرى. وكذا ابن جرير 18/ 191. وابن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 315. والثعلبي 94 أ. وابن عطية 11/ 19. وهو في ديوان ابن الزبعرى 36، من قصيدة يمدح فيها النبي -ﷺ-، ويعتذر إليه مما فعل؛ يعني أنه مصلح لما أفسد. الرتق: ضد الفتق. "اللسان" 10/ 114. و"القاموس" 1143. والفتق: الشق. "اللسان" 10/ 296. و"القاموس" 1182.]] أبو الهيثم: البائر: الهالك. والبوار: الهلاك. وقال الحسن، وابن زيد: البور الذي ليس فيه من الخير شيء [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 67، عن الحسن، ومن طريقه أخرجه ابن جرير 18/ 190، وابن أبي حاتم 8/ 2673. وأخرجه عن ابن زيد: ابن جرير 18/ 191. وذكره عنهما الثعلبي 94 أ.]]. ومعنى هذه الآية أن المعبودين قالوا: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
25:19Page 361
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
قال الله -عز وجل-: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أي: فيقال للكفار حينئذ [["تفسير مجاهد" 2/ 448. و"تفسير مقاتل" ص 43 و"تفسير الطبري" 18/ 192.]] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: كذبكم المعبودون بقولكم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء [[تفسير هود الهوّاري 3/ 204. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. و"تفسير الماوردي" 4/ 137، ونسبه لمجاهد.]].
ومن قرأ ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالياء [[قال أبو بكر بن مجاهد: قال لي قنبل عن أبي بزة عن ابن كثير ﴿يَقُولُونَ﴾ ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء جميعاً. السبعة في القراءات 463، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 334.]]، فالمعنى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ بقولهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [[قال مقاتل 43 ب: بقولهم إنهم لم يأمروكم أن تعبدوها.]].
وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: ما يستطيع الشركاء والمعبودون صرف العذاب عنكم [["تنوير المقباس" ص 302. و"تفسير مقاتل" ص 43 ب. و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 642. و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 204. وذكر الماوردي 4/ 137، أربعة أوجه، هذا أحدها.]]. هذه قراءة العامَّة بالياء [[قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء جميعاً. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالتاء ﴿فما يستطيعون﴾ بالياء، == وعن ابن كثير أنه قرأ بالياء في الموضعين. "السبعة" ص 463، و"المبسوط في القراءات العشر" ص 271، و"التبصرة" ص 613، و"النشر" 2/ 334.]]. ولا يحسن أن يجعل ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء للمتخذين الشركاء على الانصراف من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن قبله خطابًا، وبعده خطابًا، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 340، بنصه.]] وهذا مذهب مجاهد؛ لأنه قال: المشركون لا يستطيعونه [[أخرجه ابن جرير 18/ 192، وابن أبي حاتم 8/ 2674. وتفسير مجاهد 2/ 449.]]. ونحو ذلك روى عطاء عن ابن عباس قال: لا يصرفون عن أنفسهم سوء العذاب. يعني المشركين. ولكن ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر عن الشركاء على ما ذكرنا، وهو مذهب مقاتل [["تفسير مقاتل" ص 43 ب.]]. ومن قرأ بالتاء فالمعنى: ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيها المتخذون الشركاء صرفًا ولا نصرًا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 340.]].
قال أبو عبيد: والاختيار الياء، وتصديقها حرف ابن مسعود: ﴿فَمَا يسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾ [[أخرج هذه القراءة بإسناده ابن جرير 18/ 319، نصها: (مَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً) ولعل هذا تصحيف من: لكم، إلى: لك. ثُمَّ قال: فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل .... وذكره ابن عطية 11/ 20، نقلاً عن ابن أبي حاتم، لكنِّي لم أجده عنده.]] فلما جاءت المخاطبة بقوله: ﴿لَكُمُ﴾ تبين أنه أخبر بالاستطاعة عن قوم.
وتفسير الصرف هاهنا: صرف العذاب، في قول ابن عباس ومقاتل، وأكثر المفسرين، وأهل المعاني [["تفسير مقاتل" ص 44 أ. وذكره السمرقندي 2/ 456. والثعلبي 94 أ. ونسبه الماوردي 4/ 137، لزيد بن أسلم. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 61.]]. وروي عن يونس أنه قال: الصرف: الحيلة. ومنه قيل: فلان يتصرف أي: يحتال [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 311. حيث نسبه ليونس. وكذا الثعلبي 94 أ. وعن ابن قتيبة، ذكره الماوردي 4/ 137. وابن الجوزي 6/ 79.]]. ويقال للمحتال: صيرف، وصيرفي [[في (ج): (صرف، وصرفي).]].
وقوله: ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ معناه على قراءة العامَّة: ولا أن ينصروكم من عذاب الله بدفعه عنكم. وعلى قراءة من قرأ: ﴿تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء معناه: ولا نصرًا من العذاب لأنفسكم. يعني: ولا أن تنصروا أنفسكم بمنعها من العذاب [["تنوير المقباس" ص 302.]]. وقال المبرد: ولا أن ينصر بعضكم بعضًا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: 25] أي: لا ينصر المشركون بعضهم بعضًا. وهذا على تفسير مجاهد وعطاء لقوله: ﴿فما يَسْتَطِيعونَ صرْفًا﴾ بالياء [[قول مجاهد، وعطاء، في الصفحة السابقة.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس، والحسن ومقاتل: ومن يشرك منكم [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2674، عن ابن عباس من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك، كل شيء نسبه إلى غير الإسلام، من اسم مثل: مسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، وخاسر، فإنما يعني به: الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذنب، قال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يقول: من يكفر منكم. وذكر القرطبي 13/ 12، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أنه الشرك. وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق 2/ 67. وعنه ابن جرير 18/ 193. و"تفسير مقاتل" ص44 أ. قال ابن عطية 11/ 20، بعد ذكره هذا لقول: وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي. إلا أن سياق الآية لا يشهد له. والله أعلم.]]. قال مقاتل: ومن يشرك بالله منكم في الدنيا فيموت عليها [[عليها. هكذا عند الواحدي، ومقاتل. أي: على هذه المعصية، وإن كان الأظهر: عليه، والله أعلم.]] نذقه في الآخرة ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يعني: شديدًا، [فلا عذاب أشد وأعظم من النار كقوله: ﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60] يعني: شديدًا.]، [[ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).]] وكقوله: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4] يعني: شديدًا [["تفسير مقاتل" ص 44 أ. سوى ما بين المعقوفين فهو غير موجود.]].
قال ابن عباس: ثم رجع -عز وجل- إلى ذكر النبي -ﷺ- يعزيه، فقال [[هكذا في "الوسيط" 3/ 337، غير منسوب لأحد. لكن ذكر الواحدي -رحمه الله-. في "أسباب النزول" 332، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن المشركين لما عيّروا رسول الله -ﷺ- بالفاقة، وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حزن رسول الله -ﷺ- فنزل جبريل، - عليه السلام -، من عند ربه معزِّياً له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام، ويقول لك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وهذا غير ثابت عن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه من طريق: جويبر عن الضحاك. وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يلق ابن عباس. وقد سبق ذلك عند تفسير الآية العاشرة، من هذه السورة. وذكره القرطبي 13/ 12، بدون إسناد.]]:
25:20Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ قال: يريد كما تأكل أنت [[نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.]] ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يقول: فكيف يكون محمدٌ بدعًا من الرسل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 62. قال ابن الحربي 3/ 433: وإنما كان يدخلها لحاجته، أو لتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته: ويعرض نفسه على القبائل في == مجتمعهم، لعل الله أن يرجع إلى الحق بهم. وهذا يدل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل دخول الأسواق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس ما يتعلق بأحكام البيع والشراء، ونحو ذلك. وفي كتاب: "ظلال القرآن" 5/ 2553، كلام جيِّد في حكمة مشي الأنبياء في السوق. فليراجع. وهذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة، وغير ذلك، وفي هذا رد على من لا يأخذ بالأسباب يزعم أنه متوكل. وقد قرر هذه المسألة القرطبي، في تفسيره 13/ 14، تقريرًا حسنًا.]]. ووجه النظم على هذا التأويل مختلف فيه؛ قال الفراء: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ صلة لاسم متروك اكتفى بـ ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ منه؛ كقولك في الكلام: ما بعثت إليك من الناس إلا مَنْ إنَّه ليعطيك. ألا ترى أن قولك: ليعطيك [[هكذا: ليعطيك، في الموضعين، في النسخ الثلاث. وفي "معاني القرآن" للفراء 2/ 264: ليطيعك، من الطاعة. ولعله أقرب. والله أعلم.]] صلة لـ: مِن، وجاز ضميرها [[أي: حذفها. حاشية "معاني القرآن" للفراء 2/ 364.]] كما قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] أي: ما منكم إلا من يردها. قال: ولو لم تكن اللام جوابًا لـ ﴿إِنَّ﴾ كانت إنَّ، مكسورةً أيضًا لأنها مبتدأة، إذ كانت صلةً. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 264. وذكر ابن جرير 18/ 194، قريباً منه. ولم ينسبه.]].
وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم في قوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ فقيل لهم: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. قال: وأما دخول ﴿إِنَّهُمْ﴾ فعلى تأويل: ما أرسلنا [قبلك من المرسلين] [[ما بين المعقوفين في (ج). وهذه الزيادة غير موجودة في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.]] إلا هم يأكلون الطعام، وإلا إنهم ليأكلون الطعام. وحذفت رسلًا لأن (إلا)، دليل على ما حذف، فأما مثل اللام بعد إلا فقول الشاعر:
ما انطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزي نسبي [[البيت لكُثَيِّر بن عبد الرحمن، وتارة ينسب لصاحبته: عزة، "ديوانه" 219، وهو من قصيدة يمدح فيها عبد الملك، وعبد العزيز ابني مروان بن الحكم ... إنما يريد أنه إذا سألهما وأعطياه حجزه كرمه عن الإلحاف في السؤال. وانطياني: أعطياني. "معاني القرآن" للزجاج 4/ 62. وعند سيبويه، والمبرد، وفي الديوان: أعطياني. وقبل هذا البيت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها ... واذكر خليليك من بني الحكم
وقد أورده منسوبًا سيبويه 3/ 145، والمبرد في "المقتضب" 2/ 346، ولم ينسبه، قال عبد السلام هارون، في تحقيقه للكتاب: الشاهد فيه كسر: إنَّ، لدخول اللام في خبرها، والجملة واقعة موقع الحال، ولو حذف اللام لم تكن إلاَّ مكسورة أيضًا لوقوع الجملة موقع الحال. ونص البيت عند الزجاج، وفي "الكتاب"، كرمي، بدل: نسبي، كما هو في النسخ كلها.]]
وقال في قول الفراء: وهو خطأ بيِّن؛ لأنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 60.]]. وهذه مسألة خلاف بين الكوفيين والبصريين. ذكرنا هذا قديمًا. وعلى ما قال الزجاج، الموصوف محذوف. وعلى قول الفراء، الموصول هو المحذوف.
وذكر ابن الأنباري، قول الفراء واحتج عليه بأبيات ذكرناها قديمًا، فيما مضى من الكتاب؛ منها قول ذي الرُّمة:
فَظَلُّوا ومنهم دمْعُه سابقٌ له .. البيت [["ديوان ذي الرمة" ص 56، وعجزه:
وآخرُ يَثني دمعة العين بالمَهْلِ= ورواية الديوان:
فظلوا ومنهم دمعه غالب له
وأنشده الفراء كاملاً، ونسبه لذي الرمة، وقال: يريد: منهم من دمعه سابق. "معاني القرآن" للفراء 1/ 271، في تفسير سورة النساء.]] وقول آخر:
لو قلتَ ما في قومِها لم تيثمِ ... يفضُلها في حَسَبٍ ومِيسَمِ [[أنشده سيبويه 2/ 345، والفراء "معاني القرآن" 1/ 271، وابن جني، "الخصائص" 2/ 370، والبغدادي "الخزانة" 5/ 62، ولم ينسبوه. وفي حاشية الكتاب: البيت لحكيم بن معية. وأصل: تيثم: تأثم، والميسم: الجمال من الوسامة. والشاهد فيه: حذف الموصوف؛ التقدير: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تكذب فتأثم.]]
وذكر قولًا آخر فقال: كسرت إنَّ، بعد: إلاَّ، للاستئناف بإضمار واو بتقدير إلا وإنهم، فأضمرت الواو كما أضمرت في قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] والتأويل: أو وهم قائلون.
قوله تعالى: ذكروا فيه ثلاثة أقوال [[ذكر الماوردي 4/ 138، أربعة أقوال. وهي قريبة مما ذكر الواحدي.]]؛ أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين؛ فقراءُ الصحابة جعلوا فتنة لهم [["تفسير السمرقندي" 2/ 456، ولم ينسبه.]]. وهو قول: الكلبي، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 265.]]. قال الكلبي: ﴿فِتْنَةٌ﴾ بلية، ابتلي الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى [["تنوير المقباس" ص 302.]]، فإذا رأى الشريفُ الوضيعَ قد أسلم قبله حمي أنفًا أن يسلم فيكون مثله، وقال: أُسلم فأكون مثل هذا الوضيع شرعًا سواء [["تفسير السمرقندي" 2/ 456، ولم ينسبه. ونسبه في "الوسيط" 3/ 337، للكلبي. وكذا في البحر 6/ 450. ويشهد له قوله تعالى: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. "تفسير الرازي" 24/ 65.]]. وذكر أبو إسحاق هذا القول فقال: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دونه في الشرف قد أسلم قَبْله فيمتنع من الإسلام لئلا يقال: أسلم مِن قَبْلِه مَنْ هو دونه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 26. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 265.]]. ويقيم على كفره لئلا يكون له السابقة والفضل عليه. وذلك افتتان بعضهم ببعض.
القول الثاني: أن هذا عام في جميع الخلق. رُوي ذلك عن أبي الدرداء، عن النبي -ﷺ- قال: "ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم [[ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).]]، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان [[ما بين المعقوفين، في (ج).]]، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد. بعضهم لبعض فتنة" [[ذكره هود الهوّاري في تفسيره 3/ 205، فقال: ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ- .. وذكره الثعلبي 94 أ، بإسناده عن الحسن عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-. وعنه القرطبي 13/ 18. وذكره السيوطي 6/ 244، عن الحسن، يرفعه للنبي -ﷺ-، مع اختلاف في اللفظ. ونسبه لابن أبي شيبة. ولكني لم أجده عنده. والحسن، هو البصري، ثقة فقيه فاضل مشهور، لكنه كان يرسل كثيرًا، ويدلس. "السير" 4/ 563، و"جامع التحصيل" 194، و"التقريب" 236. وقد عنعن الحسن في هذا الحديث فهو بهذا الإسناد لا يصح رفعه، فلعله من كلام الحسن. والله أعلم.]]. فهو قول الله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾.
القول الثالث: أن هذا في أصحاب البلاء والمعافين. يقول الفقير: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة الغني. ويقول ذو البلاء؛ كالأعمى، والزَّمِن: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة المعافى [[ذكر هذا القول ابن جرير 18/ 194، عن الحسن. ونحوه عن ابن جريج. ويشهد == لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ- قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ منه" البخاري، كتاب الرقاق، رقم: 6490، الفتح 11/ 322. ومسلم 4/ 2275، كتاب الزهد، رقم: 2963.]] وذكر مقاتل: أن هذا قول في ابتلاء فقراء المؤمنين، نحو: بلال، وخباب، وأبي ذر، وابن مسعود، وصهيب، وعمار، بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدًا من موالينا، [وأعواننا رذلة] [[ما بين المعقوفين، من "تفسير مقاتل" ص 44 أ. لأن ما في النسخ الثلاث لا يستقيم به المعنى.]] كل قوم، فقال الله لهؤلاء الفقراء: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على الأذى والإستهزاء [[فليس لمن قد فتن فتنة دواء مثل الصبر. "إغاثة اللَّهفان" 2/ 157.]] ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ إن صبرتم. فصبروا، ولم يجزعوا. فأنزل الله فيهم: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: 111] أي: في الدنيا على الأذى والإستهزاء من كفار قريش [["تفسير مقاتل" ص 44 أ. وذكره عن مقاتل الثعلبي 94 ب. ذكر الهواري 3/ 206، عن بعض المفسرين أن هذه الآية في الأنبياء وأقوامهم. ونسبه الماوردي 4/ 138، ليحيى بن سلام، ويشهد لهذا قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ومن السنة قوله -ﷺ-: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم ... وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك". صحيح مسلم 4/ 2197، كتاب الجنة، رقم: 2865. ولا مانع من حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً. تفسير الرازي 24/ 66. فالخطاب لجميع الناس، لاختلاف أحوالهم. "تفسير ابن جزي" 483. وانظر: "إغاثة اللَّهفان" 2/ 155. فهذه الأقوال التي ذكرها الواحدي لا تعارص بينها فهي تفسير للآية بالمثال. والله أعلم.]].
وقال الفراء، على قول الكلبي ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ [[يعني بقول الكلبي ما سبق ذكره من فتنة الشريف من قريش بمن هو دونه. وذكر == الفراء هذا القول 2/ 265، ولم ينسبه. وعلى هذا يكون الخطاب هنا لكفار قريش. أي: أتصبرون مع النبي -ﷺ- وسلمان وأصحابه حتى تكونوا معهم في الدين والأمر سواء. "تنوير المقباس" ص 302.]] يقول: هو هذا الذي ترون. فمعناه: هو هذا السبق على قدر الدرجات. وقال أبو إسحاق: أي: أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وُعِد الصابرون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 26.]].
وقال صاحب النظم: ليس لقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ في الظاهر انتظام ما اتصل به من اللفظ؛ لأن فيه إضمارًا كأنه يقول: لنعلم أتصبرون أم لا. فأومأ بقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ إلى هذا الإضمار لأنه يقتضيه.
وذكر عطاء عن ابن عباس قولًا آخر في هذه الآية؛ وهو: أن الله تعالى لما ذكر أن من أرسل قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ذكر أنه جعل محمدًا -ﷺ- سبب ضلالة من أنكروا نبوته بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- ﴿لِبَعْضٍ﴾ يعني: المشركين ﴿فِتْنَةً﴾ ضلالة، ثم قال لنبيه: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يريد: اصبر. هذا الذي ذكرنا معنى قوله [[أي: معنى قول ابن عباس -رضي الله عنهما-. قال الضحاك، في معنى: قوله تعالى. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: على الحق. القرطبي 13/ 18.]].
ويجوز أن يكون الاستفهام يراد به الأمر كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] أي: انتهوا. كذلك هاهنا أُمر النبي -ﷺ- وأصحابه بالصبر على ما يسمعون من المشركين [["تفسير السمرقندي" 2/ 456. و"تفسير أبي حيان" 6/ 450.]] ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [[في هذه الآية تكريم للنبي -ﷺ- بإضافته لربوبية الله.]] أي: بمن يصبر وبمن يجزع [[أخرج هذا ابن جرير 18/ 195، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي 94 ب، ولم ينسبه. ونسبه له الماوردي 4/ 138.]]. وقال ابن عباس: يريد بما تعملون [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2676، عن عبيد بن عمير: قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ قال: يعني: الناس عامَّة. ولم ينسبه لابن عباس. وقال السمرقندي 2/ 457: عالماً بمن يصلح له الغنى، والفقر. وقال الماوردي 4/ 139: بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة. ولا تعارض بينها. ولم يذكره الواحدي -رحمه الله- في "الوسيط" 3/ 337.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences