Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:25–29
25:25Page 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2682، عن مجاهد أنه يوم القيامة.]] عطف على قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ و ﴿تَشَقَّقُ﴾ يجوز فيه أمران؛ أحدهما: أنه يراد به الآتي.
والآخر: أن يكون حكايته حالٍ تكون، كما أنَّ قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: 2]، كذلك. وكما أنَّ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18] في أنه حكاية حالٍ قد مضت [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 341، بنصه.]]. وفيه قراءتان: تشديد الشين وتخفيفها [[قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر، بتشديد الشين. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف. "السبعة" 464. و"معاني القرآن" للفراء2/ 267. ومعاني القراءات للأزهري 2/ 215. و"المبسوط في القراءات العشر" ص 271. و"التبصرة" ص 613. و"النشر" 2/ 334. قال ابن جرير 19/ 6: هما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.]]. والتقدير: تتشقق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 64.]]؛ فمن شدد أدغم التاء في الشين؛ لأن الصوت بالشين يلحق بمخارج هذه الحروف التي هي من طرف اللسان وأصول الثنايا فأدغم [[في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 341: فأدغمن فيها كما أدغمن في الضاد لما كانت كذلك.]] فيها ما أدغم في الضاد كما كانت كذلك، ومَنْ خفف حذف التاء التي أدغمها من شدد. قال أبو الحسن: الخفيفة أكثر في الكلام؛ لأنهم أرادوا الخفة فكان الحذف أخف عليهم من الإدغام [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 341، بنصه.]].
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال أبو علي: المعنى: تشقق السماء وعليها غمام. وهذا كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1] وقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: 37] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 341.]].
وقال الفراء: معناه فيما ذكروا: تشقق السماء عن الغمام. وعلى، وعن، والباء، في هذا الموضع كالواحد؛ لأن العرب تقول: رميت عن القوس، وبالقوس، وعلى القوس. يراد به معنى واحد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267.]].
وهذا هو معنى ما ذكره المفسرون؛ قالوا: هو: غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء عنه لنزول الرب وملائكته [[في "تنوير المقباس" ص 302: عن الغمام لنزول الرب بلا كيف. و"تفسير مقاتل" ص 44 ب. وليس فيه: ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. لكنه عند ابن جرير 19/ 6، وابن أبي حاتم 8/ 2682، عن مجاهد. والظاهر من الآية أن الغمام، هو: السحاب المعهود. "تفسير أبي حيان" 6/ 453. والله أعلم.]]. وهو الذي قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 210] وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلب؛ قالوا: ومعنى بالغمام: عن الغمام [[أخرجه ابن جرير 6/ 19، عن مجاهد، و"تفسير مقاتل" ص 44 ب. و"تنوير المقباس" ص 302. وبه قال ابن قتيبة، "غريب القرآن" 312. وبه قال الهوَّاري 3/ 207، ثم قال: هذا بعد البعث، تشقَّق فتراها واهية متشققة، كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19].]]. وذكرنا معنى إتيان الله في سورة البقرة [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف: أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله أو آيات الله .. والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب فحذف ما يأتي به تهديداً، إذ لو ذكرما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد ..
وما ذكره الواحدي عفى الله عنه صرف للفظ عن ظاهره، فالآية فيها إثبات إتيان الله تعالى لفصل الحساب والجزاء، وهو إتيان يليق بجلاله وعظمته، ومثل هذه الآية كما قال ابن كثير 1/ 566، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 21، 22]]].
والمراد بالسماء هاهنا: السموات السبع. كذا قال مقاتل وابن عباس [["تفسير مقاتل" ص 44 ب.]]. وذكره الزجاج؛ فقال: المعنى: تتشقق سماءً سماءً [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 64.]].
قال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون [[الكَرُوبِيُّون: سادة الملائكة، المقربون. "النهاية في غريب الحديث" 4/ 161، و"لسان العرب" 1/ 714 (كرب)، و"القاموس المحيط" ص 167.]]، وحملة العرش [["تفسير مجاهد" 2/ 450، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما، بسياق أطول مما هو هنا. ومن الطريق نفسه أخرجه ابن جرير 19/ 6. وابن أبي حاتم 8/ 2682، أيضًا. ويوسف بن مِهران لم يرو عنه إلا ابن جُدعان، وهو ليِّن الحديث."التقريب" 1096،"ميزان الاعتدال" 4/ 474.
قال ابن كثير 6/ 107، بعد ذكر هذه الرواية عن ابن أبي حاتم: مداره على علي ابن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته غالباً نكارة شديدة.]]. فذلك قوله:
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قال مقاتل: من السماء إلى الأرض عند تشققها لحساب الثقلين [["تفسير مقاتل" ص 44 ب. قال الماوردي 4/ 142: وفي نزولهم قولان؛ أحدهما: ليبشروا المؤمن بالجنة، والكافرَ بالنار. والثاني: ليكون مع كل نفس سائق وشهيد. واقتصر الواحدي في "الوجيز" 2/ 777، على أن ذلك لإكرام المؤمنين. وليس هناك ما يمنع من حصول الأمرين معاً. والله أعلم.]].
وقرأ ابن كثير ﴿ننزل﴾ مخففة من الإنزال [["السبعة" 464. و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 216. و"المبسوط في القراءات العشر" ص 271. و"التبصرة" ص 613. و"النشر" 2/ 334.]] ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ نصبًا [[في (أ)، (ب): (قال مقاتل: نصباً)، ولعله خطأ من الناسخ لأن السطر الذي قبله فيه: وقال مقاتل. وهو غير موجود في "تفسير مقاتل"، ولا في (ج)، ويدل لهذا أنه عند الأزهري، في معاني القراءات 2/ 216: نصباً. لأنه مفعول به.]]، فجعل الفعل من الإنزال، والمصدر على فَعَّل؛ لأن أنزل مثل نزَّل، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8] [[قال السمين الحلبي: ومثله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: تبتلاً. الدر المصون 8/ 477.]] وقال [[وقال في (أ)، (ب). ويعني به أبا علي الفارسي، في "الحجة" 5/ 342، حيث ذكر البيت، ولم ينسبه.]]:
وقد تَطَوَّيْتُ انْطِوَاء الحِضْبِ [[صدر بيت لرؤبة. "ديوانه" 16، أنشده سيبويه، "الكتاب" 4/ 82، ونسبه لرؤبة، وقال بعده: لأن تطويت وانطويت واحد. وأنشد البيت كاملاً ونسبه الأزهري. والحضب: بالكسر: ضرب من الحيات، وقيل: هو الذكر الضخم منها، واستشهد الأزهري بهذا البيت على ذلك، والشاهد فيه: أن يكون الانطواء مصدراً لتطوى. "تهذيب اللغة" 4/ 225 (حضب). وذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 342، ولم ينسبه.]]
لما كان تطويت، وانطويت متقاربان حمل مصدر ذا علي مصدر ذا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 342.]].
25:26Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال أبو إسحاق: الحق صفة للملك، ومعناه: أن الملك الذي هو الملك حقًا ملك الرحمن جلَّ وعزَّ يوم القيامة، كما قال عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 16] لأن الملك الزائل كأنه ليس بملك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 65. ووصف الملك بأنه حق؛ لأنه لا يزول ولا يتغير. تفسير الرازى 24/ 75.]]. وقال ابن عباس: يريد أنَّ يوم القيامة لا مَلِك يقضي غيره [[في "تنوير المقباس" ص 352: ﴿الْمُلْكُ﴾ القضاء، ﴿يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ العدل. وذكره في: "الوسيط" 3/ 339. ونسبه البغوي 6/ 80، لابن عباس.]]. وقال مقاتل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: 26] وحده، واليوم الكفار ينازعونه في أمره [["تفسير مقاتل" ص 44 ب. وفي إضافة الملك في يوم القيامة لاسمه تعالى: الرحمن، معانٍ عظيمة. ذكر بعضها السعدي في تفسيره 5/ 474.]].
قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: هو على الكافرين عسير] [[ما بين المعقوفين، في نسخة: (أ)، (ب). وهو في "تنوير المقباس" ص 302، بمعناه وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2683، عن قتادة]] وهو على المؤمنين غير عسير عليهم. قال مقاتل: عسير عليهم يومئذ لشدته، ومشقته، ويهون على المؤمنين كأدنى صلاة [[صلاة. في نسخة: (أ)، (ب).]] صلاها في دار الدنيا [["تفسير مقاتل" ص 44 ب. بمعناه، وذكره الثعلبي 8/ 95 ب، ولم ينسبه. وقد ورد هذا في حديث مرفوع: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَثنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ الله -ﷺ-: يَوْمًا كَانَ مِقدَارُهُ خمسِينَ أَلْفَ سَنةٍ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتى يَكُونَ أَخَفَ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلَيهَا في الدُّنْيَا". "المسند" 4/ 151، رقم: 11717، وأخرجه أبو يعلى الموصلي 2/ 527، من طريق الإمام أحمد، وقال الهيثمي 10/ 337: إسناده حسن، على ضعف في راويه. وذكره ابن كثير 6/ 107، ونسبه للإمام أحمد، وسكت عنه. وهذا الحديث مرسل. وابن لَهيعة، صدوق، اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن وهب، وابن المبارك عنه أعدل من غيرهما. المغني في الضعفاء 1/ 502. و"التقريب" ص 538 وهذا الحديث ليس من طريقهما. ودراج، هو: ابن سمعان، أبو السمح، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. "التقريب" ص 310، وذكر ابن عدي هذا الحديث، في: الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 981، وقال: لا يتابع في دراج عليه.]]. وفي هذه الآية تبشير عظيم للمؤمنين حيث خص الكافرين بشدة ذلك اليوم وعسرته [[تقديم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ للحصر، وهو قصر إضافي، أي: دون المؤمنين. تفسير ابن عاشور 19/ 11.]].
وذكر المفسرون: أن ذلك اليوم يهون على المؤمنين [بدلالة الخطاب؛ وذلك أنه لما ذكر شدته على الكفار كان مفهومه أنه يهون على المؤمنين] [[ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).]] فدل تفسير المفسرين لهذه الآية على مسألة المفهوم [[وأشار إلى هذا الاستدلال القرطبي 13/ 24. والمفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم. ودلالة المفهوم، المقصودة هنا هي مفهوم المخالفة. ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عمَّا عداه ويُسمَّى أيضًا دليل الخطاب. "الإحكام" للآمدي 3/ 63، و"روضة الناظر"، 2/ 775.]].
25:27Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ اختلف المفسرون في سبب نزوله. فقال مجاهد: إن عقبةَ [[هو: عقبة بن أبي معيط، واسم أبيه: أبان بن ذكوان بن أمية، من مقدمي قريش في الجاهلية، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، قتله يوم بدر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوف. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 366، و"الأعلام" 4/ 240.]] دعا مجلسًا فيهم النبي في -ﷺ- لطعام، فأبى النبي -ﷺ- أن يأكل، وقال: "لا آكل حتى تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" فشهد بذلك عقبة، وطعم النبي -ﷺ- من طعامه. فبلغ ذلك أمية بن خلف [[أمية بن خلف بن وهب الجمحي، من بني لؤي. أحد جبابرة قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو الذي عذب بلالاً الحبشي -رضي الله عنه- في أولى ظهور الإسلام، قتل يوم بدر. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 283، و"الأعلام" 2/ 22]] فقال: صبوتَ يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت فإن أخاك على ما تعلم، ولكنْ صنعتُ طعامًا فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك، واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له وليس من [[من (أ)، (ب).]] نفسي. هذا قول مجاهد، والكلبي [["تفسير مجاهد" 2/ 451. وأخرجه عنه ابن جرير 19/ 8 وابن أبي حاتم 8/ 2683. و "تنوير المقباس" ص 302. وذكره ابن قتيبة، في تأويل مشكل القرآن 262، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ثم بين أن الآية عامة؛ فقال: فأراد سبحانه بـ ﴿الظَّالِمُ﴾ كل ظالم في العالم، وأراد بـ: فلان، كل من أطيع بمعصية الله، وأرضي بإسخاط الله، واستشهد على أن الظالم يراد به جماعة الظالمين، بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:40]. وقد ردُّ -رحمه الله- في ص: 260، على من ذهب إلى أنها نازلة في أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ونعتهم: بالمتسمين بالمسلمين. وصرح الرازي 24/ 75، بانهم الرافضة، حيث قالوا: هذا الظالم رجل بعينه، وإن المسلمين غيروا اسمه، وكتموه، وجعلوه: فلاناً! قال الرازي في الرد عليهم: المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن، وإثبات أنه غير وبدل، ولا نزاع في أنه كفر.]].
وقال ابن سابط: دعا أُمية مجلسًا فيه النبي -ﷺ- فقاموا غير النبي -ﷺ- فقال: لا أقوم حتى تسلمَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد، فقام النبي -ﷺ- فلقيه عقبةُ فأنكر عليه، فقال: أنا قلته لطعامنا [[نسبها السيوطي 6/ 252، لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم أجد هذه الرواية في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني [[أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 68، روايتين، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق: مِقْسَم، نحواً من هذا. وأخرجه ابن جرير 19/ 8، من طريق عطاء الخراساني. وذكره الثعبي 8/ 95 ب، وعنه الوا حدي، في "أسباب النزول" 333.]].
وقال السدي: كان عقبة يغشى رسول الله -ﷺ- وهمَّ أن يسلم، فلقيه أمية بن خلف فقال: يا عقبة، بلغني أنك صبوت. قال: ما فعلت، قال: فوجهى من وجهك حرام حتى تأتيه فتتفل في وجهه! وتتبرأ منه، فيعلم قومك أنك عدو من عاداهم وفرق جماعتهم. فأطاعه، وفعل ذلك واشتد علي النبي -ﷺ- فأنزل الله فيه يخبره بما هو صائر إليه [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2685.]].
وهذا قول الشعبي [["تفسير الثعلبي" 8/ 95 ب، وفي خبر الشعبي، أن عقبة أسلم، فعاتبه أمية، وقال له ... إلخ. وعنه الواحدي، في "أسباب النزول" ص 333.]]، ونحو هذا قال مقاتل، سواء، إلا أنه ذكر أبيًّا بدل أمية [["تفسير مقاتل" ص 44 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2684، عن قتادة. قال ابن عطية 11/ 33: ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف، فقد وهم، إلا على قول من يرى ﴿الظَّالِمُ﴾ اسم جنس.]].
وقال الكلبي: قال أُبي لعقبة: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا حتى تأتي محمدًا -ﷺ- وتبزق في وجهه! وتطأ عنقه! ففعل ذلك عقبة، فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ يعني: عقبة، في قول الأكثرين [[وممن قال بذلك عمرو بن ميمون، أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2685. وأكثر الروايات عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ورواية أخرى عن السدي، ليس فيها ذكر أنه فعل ما همَّ به من التفل، ووطْء العنق، بل في رواية مِقْسَم التصريح بأن الله تعالى لم يسلطه على ذلك، فيتعين الأخذ بها لما فيها من حفظ النبي -ﷺ- عن الإهانة، إضافة إلى أنها أخبار تحتاج إلى تأكيد؛ لأن من رواها لم يعاصر هذه الحادثة، والله أعلم. أخرج هذه الروايات ابن جرير 19/ 8، وابن أبي حاتم 8/ 2684. وذكر الثعلبي 95 ب، عن الضحاك، أن عقبة لَمَّا فعل ذلك رجع بزاقه في وجهه، وانشعب شعبتين، فأحرق خديه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وكان يحسن من الواحدي -رحمه الله- إيراد هذه الرواية وقد أعرض ابن كثير -رحمه الله- عن إيراد هذه الروايات كلها.]].
وفي قول ابن سابط، ورواية عطاء الخرساني، الظالم هنا: أُبي بن خلف [[لم أجد قول ابن سابط هذا، إلا أن ابن أبي حاتم 8/ 2686، قد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أبي بن خلف. فعلى هذا يكون الظالم: عقبة بن أبي معيط. والله أعلم.]].
قال ابن عباس، في رواية عطاء بن أبي رباح، يريد: عقبة بن أبي معيط [[في "تنوير المقباس" ص 302، الظالم: عقبة بن أبي معيط. وليس فيه ذكر شيء من هذه القصة. وفيه أيضًا تفسير اليد بالأنامل. قال النحاس: ولم يُسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة، ليُعلم أن هذه سبيل كل ظالم قَبِل من غيره في معصية الله -عز وجل-. "إعراب القرآن" 3/ 158. وعليه فإن الألف واللام يجوز أن تكون للعهد، فيراد به عقبة خاصة، ويجوز أن تكون للجنس، فيتناول عقبة، وغيره. "تفسير الزمخشري" 3/ 269.]]، يقول: يأكل يديه حتى يذهب إلى المرفق، ثم تنبت، لا تزال هكذا كلما أكلها نبتت بندامة على ما فرط [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2684، نحوه عن سفيان. ونسبه في: "الوسيط" 3/ 339، لعطاء. وهو عض حقيقي لليدين، كما ذكر الواحدي -رحمه الله- من شدة ما يجد من الحسرة، والندامة، كما هو ظاهر الآية، وليس هناك ما يدفعه، وعليه فإن ما ذكره الزمخشري 3/ 268، وكذا ابن جزي ص 483، وغيرهما، من أن هذا كناية عن الغيظ والحسرة، فغير مسلم؛ لأنه صرفٌ للفظ عن ظاهره بدون دليل. قال ابن كثير 6/ 108: فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلاً: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قال البقاعي: فيكاد يقطعهما لشدة حسرته، وهو لا يشعر. "نظم الدرر" 13/ 374. لكنه بعد هذا التقرير الجيد لظاهر الآية، رجع فنقل كلام الزمخشري بنصه، في أن هذا كناية، ولم يتعقبه. قال الشوكاني 4/ 69: الظاهر أن العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. ويشهد لهذا تعدية العض بـ (على) لإفادة التمكن من المعضوض، إذا فصدوا عضاً شديداً كما في هذه الآية. "تفسير ابن عاشور" 19/ 12.]].
وقال أبو إسحاق: إذا كان يوم القيامة أكل يده ندمًا، وتمنى أنه آمن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 65. وذكره الثعلبي 8/ 95 ب، بمعناه]].
وقال أبو القاسم الزجاجي: هكذا يعض على يديه يوم القيامة ندمًا وحسرة على كفره بالله. والعض على اليد يجري عندهم مجرى معاقبة اليد بما صنعت، وإن لم تكن لليد في [[في (أ)، (ب): (على) بدل: (في).]] الكفر صنيع؛ فإن الله تعالى قد أسند الفعل إليها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: 51] وذلك: أن مباشرة الذنوب بها، فاللائمة ترجع عليها [[في (ج): (إليها).]]؛ لأنها هي الجارحة العظمى فيسند إليها ما لم تباشره. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] وقد مَرَّ [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: 51]: قال ابن عباس: جرحت قلوبكم. قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئاً للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأن القصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.
وقال الواحدي في تفسير آية الكهف: قال أبو عبيدة والزجاج والمفضل وابن قتيبة: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه لأن ذلك يكثر من فعله فصار تقليل الكف عبارة عن الندم كعض اليد.]].
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قُرأ: (يَلَيْتَنِي) بسكون الياء، وفتحها [[قرأ بفتح الياء، أبو عمرو. وأسكنها الباقون. "السبعة" ص 464. و"النشر في القراءات العشر" 2/ 335.]]. والأصل التحريك؛ لأنها بإزاء الكاف التي للمخاطب إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة، فلذلك أسكن مَنْ أسكن [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 342، بنصه.]] قال ابن عباس: يقول: ليتني اتبعت محمدًا على دينه [[في "تنوير المقباس" ص 302: استقمت على دين الرسول.]]. وقال مقاتل: ليتنيْ اتخذت مع محمد سبيلاً إلى الهدى [["تفسير مقاتل" ص45أ.]].
وقال السدي: يقول: ليتني أطعت محمدًا [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2685، نحوه عن السدي.]]. وقال أبو إسحاق: تمنى أن اتخذ مع النبي -ﷺ- طريقًا إلى الجنة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 65. ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ على هذا: سببًا ووصلة. "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 74. قال ابن عاشور 19/ 13: وأصل الأخذ التناول باليد، فأطلق هنا على قصد السير فيه، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 63].]].
قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإمالة [[السبعة في القراءات 464، و"إعراب القرإءات السبع وعللَّها" 2/ 121، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 343.]]. والإماله هاهنا وتركها حسنان، ولو قيل: إنَّ ترك الإمالة أحسن لكان قولًا. وذلك أنَّ أصل هذه الألف الياء، وكان حكمها: يا ويلتي، ويا حسرتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء الألف، كراهة للياء وفرارًا منها، فإذا أمال [[في (أ)، (ب): (مال) بدون ألف.]] كان عائدًا إلى ما كان تركه، وآخذًا بما رفضه، ألا ترى أن الإمالة إنما هي: تقريب الألف من الياء وانتحاء بها نحوها، والإمالة إنما تكون في الألف بأن تنحو بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فتميل الألف لذلك نحو الياء [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 342.قال السمين الحلبي معلقاً على قول أبي علي: == وهذا منقوض بنحو: باع، فإن أصله: الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا، ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: 56] و (يَأَسَفَا) [يوسف: 84] وهمام كـ (يَا ويّلَتَا) في كون ألفهما عن ياء المتكلم. "الدر المصون" 8/ 480.]].
قوله تعالى: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أُبيًّا في قول الأكثرين [["تنوير المقباس" ص 302. واقتصر عليه البغوي 6/ 81.]]. وفي قول الشعبي، والسدي، يعني: أمية [[وهو قول مقاتل 45أ.]]. وفي قول ابن سابط يقول: أي ليتي لم أتخذ فلانًا، يعني: عقبة [[سبق قريبًا التعليق على هذا.]]. وكانا متخالين في الدنيا [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2686، عن سعيد بن المسيب.]].
وقال مقاتل: يقول: ليتني لم أطع فلانًا [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]]. فعلى قول هؤلاء: فلان عبارة عن: الآدمي. وقال مجاهد: يعني الشيطان [["تفسير مجاهد" 2/ 452. وأخرجه ابن جرير 8/ 19، وابن أبي حاتم 8/ 2686.]]. وهو قول أبي رجاء [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2686. وأبو رجاء، هو: عمران بن مِلحان، التميمي البصري، أسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي -ﷺ- مشهور بكنيته، ثقة، معمَّر. ت: 105، عن: 120. "السير" 4/ 253، و"التقريب" 752.]]. وعلى هذا القول: فلان كناية عن الشيطان. قال الزجاج: وتصديق هذا القول قوله في الآية الثانية: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 65.]].
ومَنْ قال بالقول الأول قال: إنَّ قبوله من أبي بن خلف، وطاعتَه له من عمل الشيطان وإغوائه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 65. حاصل الأقوال في: (فلاَناً) أربعة؛
1 - أبي بن خلف.
2 - أمية بن خلف.
3 - عقبة بن أبي معيط.
4 - الشيطان. وقد اقتصر في: "الوسيط" 3/ 339 و"الوجيز". 2/ 778، على أنه أبى. وذكر ابن عطية 11/ 33،== كلاماً حسناً في عموم الآية، وشمولها لكل ظالم، وأنه ليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في الأغلب.]]. وفلانٌ في العربية: كناية عن واحد بعينه من الناس، قال الخليل: وتقديره: فُعَال، وتصغيره: فُعَيل [[كلمة: (فعيل) في (أ)، (ب).]]، فُلَين. قال: ولا يحسن فيه الألف واللام، يقال: فلان، وفلان آخر؛ لأنه لا نكرة له، ولكن العرب سَمَّوا به الإبل؛ فقالوا: الفلان، وهذه الفلانة، فإذا نسبت قلت: فلان الفلاني؛ لأن كل اسم ينسب إليه فإنَّ الياء التي تلحقه تُصَيَّره نكرة [["الكتاب" 2/ 248، بمعناه. وما ذكره الواحدي بنصه في كتاب "العين" 8/ 326 (فلن)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 354. وذكر ابن خالويه، نحوًا من هذا، عن ابن دريد عن أبي حاتم. "إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 121.]].
وقال ابن السكيت: تقول لقيت فلانًا، إذا كنيت عن الآدميين قلته بغير الألف واللام، فإذا كنيت عن البهائم قلته بالألف واللام. تقول: حلبت الفلانة، وركبت الفلانة [[بنصه في "إصلاح المنطق" ص 296، دون إنشاد البيت.]]. وأنشد في ترخيم فلان، فقال:
وهو إذا قيل له وَيْهَا فُلُ ... فإنه أحجَّ به أن يَنْكلُ [["تهذيب اللغة" 15/ 354 (فلن)، وفيه إنشاد البيت مع آخر بعده، ولم ينسبه. وهو كذلك في "لسان العرب" 13/ 324. ولم أجد من نسبه.]]
قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة [[في "تهذيب اللغة" 15/ 355 (فلن): وقال المبرد: قولهم: يا فل ليس بترخيم، ولكنها على حدة. قال أبو حيان 6/ 454: وهم ابن عصفور، وابن مالك، وصاحب البسيط، في قولهم: فل، كناية عن العَلَم، كفلان. ويعني بصاحب "البسيط": ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن علي الإشبيلي. "حاشية الدر == المصون" 8/ 480. قال السمين الحلبي: فلان كناية عن علم من يعقل وهو منصرف، وفُلُ كناية عن نكرة من يعقل من المذكور، وفُلَة عمن يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام عن غير العاقل، ويختص فُلُ، وفُلَة؛ بالنداء إلا في ضرورة. "الدر المصون" 8/ 479.]]. قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله: في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ [["المقتضب" 4/ 237، ولم ينسب البيت. ونسبه سيبويه لأبي النجم، "الكتاب" 2/ 248، واستشهد به على استعمال: فل، موضع فلان، في الشعر للضرورة. وأنشده الأزهري، ولم ينسبه، واستشهد به على أن اللجة: الصوت. "تهذيب اللغة" 10/ 494 (لج). وذهب ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص 263، إلى أن قول القائل: ما جاءك إلا فلان بن فلان، يريد أشراف الناس المعروفين، كقول الشاعر: في لَجَّةِ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ. يريد: أمسك فلانًا عن فلان، ولم يرد رجلين بأعيانهما، وإنما أراد: أنهم في غمرة الشر، وضجته، فالحَجَزة، يقولون لهذا: أمسك، ولهذا: كُفَّ. واللجة: كثرة الأصوات، "اللسان" 13/ 325.]]
وروى أبو تراب عن الأصمعي: يا فلا، في النداء. [["تهذيب اللغة" 15/ 355 (فلن)، ولفظه: أبو تراب عن الأصمعي يقال: قم يا فل، ويا فلاة.
أبو تراب، خراساني لغوي، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، ورد عليه العلماء في ذلك كما قال القفطي، وصنف كتاب: الاستدراك على الخليل، ومن هذا الكتاب أخذ الأزهري ما نقله عن أبي تراب في كتابه: "تهذيب اللغة". "إنباه الرواة على أنباه النحاة" 4/ 102. و"الفهرست" ص 92.]] وهذا يقوي قول المبرد. وذكرنا معنى الخليل، في سورة: النساء [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]: قال أبو بكر بن الأنباري: الخليك معناه في اللغة: المُحب الكامل المحبة، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة .. وقال بعض أهل العلم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: فقيراً إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حاجته بسواه .. فهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني؛ والاختيار هو الأول؛ لأن الله -عز وجل- == خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة.]].
25:28Page 362
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
No commentary for this ayah
25:29Page 362
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال الكلبي: صرفني. وقال مقاتل: ردني [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]]. وكل ما أضلك عن شيء حتى لا تجده فقد صرفك وردك عنه.
﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن، وما فيه من المواعظ. وقال الكلبي: يعني القرآن، والإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول [["تنوير المقباس" ص 302. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2687، عن عمرو بن ميمون، يعني: الإسلام.]].
وقال مقاتل: عن الإيمان بالقرآن [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]]. وقيل: عن الرسول؛ حكاه الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267. واقتصر في: "الوسيط" 3/ 339، على: القرآن والإيمان به. وفي:"الوجيز" 2/ 778، على: القرآن. وليس بين هذه الأقوال تعارض، فهي من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد. قال ابن عطية: الذكر ما ذَكر به الإنسان أمر آخرته من قرآن أو موعظة، ونحوه.]]. وتمَّ الكلام هاهنا ثم قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ وهذا من قول الله تعالى لا من الإخبار عن قول الظالم [[اقتصر الواحدي -رحمه الله- على هذا القول، مع أنه يحتمل أن يكون من كلام الظالم، وذلك من شدة ما يجد من الحسرة، ولوضوح الحقيقة عنده في ذلك الموقف. انظر: "تفسير الزمخشمري" 3/ 269، حيث ذكر هذا الاحتمال. وكذا ابن عطية 11/ 35. والأطهر عند الشنقيطي 6/ 305، أنه من كلام الله، وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة.]]. يقول: وكان الشيطان في الآخرة خذولًا للإنسان، يعني: الكافر، يتبرأ منه [[أخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2687، عن قتادة. قال الثعلبي 8/ 95 ب: وحكم هذه الآيات عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله -عَزَّ وَجَلَّ- وذكر البغوي 6/ 82، بعد تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث النبوية في الجليس الصالح، والجليس السوء.]]. هذا قول مقاتل [[يوهم صنيع الواحدي -رحمه الله- هنا أن مقاتل يقول بالعموم، وليس الأمر كذلك، بل قيد الإنسان كما في تفسيره 45 أ، بعقبة. ثم قال: ونزل فيهما: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: 67]. ونحوه في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 68، عن ابن عباس رضي الله عنهما، من طريق: مِقْسَم.]]. وأما قول ابن عباس، وهو [[في جميع النسخ: (وهو)، والمناسب للسياق: فهو.]]: أن هذا الخذلان من الشيطان للكافرين في الآخرة [[في "تنوير المقباس" ص 302، جعله عامًا في خذلانه عندما يحتاج إليه.]].
وقال الكلبي: يعني خذلان إبليس للمشركين ببدر، وكان معهم في صورة سراقة بن مالك، فلما عاين الملائكة تبرأ منهم. وهو قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: 48] [[ليس هناك تعارض فيما ذكره الواحدي -رحمه الله- وليس في هذه الأمثلة ما يدل على أن هذا من كلام الكافر. وقد اقتصر في: "الوسيط" 3/ 339، و"الوجيز" 2/ 778، على أن الإنسان في الآية: الكافر.]].وقُتل عقبة بن أبي معيط، يوم بدر صبرًا [[يقال: قُتل فلانٌ صبرًا، معناه: حبسًا، ومن ذلك الصوم، سمي صبرًا، لانه حبس للنفس عن المطاعم، والنكاح، والملتذ من الشهوات. "الزاهر في معاني كلمات الناس" 2/ 201.]] ولم يقتل من الأسارى غيره، وغير النضر بن الحارث [["تفسير مقاتل" ص 45 أ. وأخرج ابن إبي حاتم 8/ 2687، عن السدي أنهما قتلا == جميعًا يوم بدر. يعني: أمية، وعقبة. وذكر السمرقندي 2/ 459، أن أبي بن خلف قُتل يوم أحد. وكذا الثعلبي 8/ 95 ب.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences