Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Furqan · 25:30–34

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:30–34

25:30Page 362

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال ابن عباس: يريِد محمدًا -ﷺ- يشكوهم إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[أخرج نحوه ابن أبي حاتم 8/ 2687، عن قتادة ونسبه ابن الجوزي 6/ 87، لمقاتل. لكنَّي لم أجده في تفسيره ولم يبين الواحدي -رحمه الله- زمن هذا القول؛ لكن البغوي 6/ 82، قال: ويقول الرسول في ذلك اليوم. يعني اليوم الذي يعض فيه الظالم على يديه، فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم. ويحتمل أن تكون هذه الشكاية في الدنيا، وفي ذلك تعظيم لأمرها، من جهة أن الأنبياء كانوا إذا التجؤا إلى الله وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب، ولم يُنظروا. "تفسير الزمخشري" 3/ 269. وجعله ابن عطية 11/ 35، قول الجمهور. ثم قال: وقالت فرقة: هو حكايته عن قوله ذلك في الآخرة. وتبعه ابن الجوزي 6/ 78 ورجح الرازي 24/ 77، أن يكون ذلك في الدنيا؛ لأنه موافق للفظ، ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ تسلية للرسول -ﷺ- ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه. والله أعلم.]] ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ذكروا في المهجور قولين، قال ابن عباس: يريد: هجروا القرآن، وهجروني وكذبوني.

وقال الكلبي: مهجورًا: متروكًا [["تنوير المقباس" ص 302. وذكره الفراء 2/ 267، ولم ينسبه.]].

وقال مقاتل: تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]].

هذا قول من جعله من الهجران والهجر [[ونسب هذا القول ابن جرير 19/ 9، إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم قال: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] وذلك هجرهم إياه.]].

وقال مجاهد: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر [["تفسير مجاهد" 2/ 452. وأخرجه ابن جرير 19/ 9. وابن أبي حاتم 8/ 2687. وذكره السيوطي 6/ 253، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].

وقال إبراهيم: قالوا فيه غير الحق [[أخرجه ابن جرير 19/ 9. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2688، من طريقين؛ الأولى كرواية الطبري، والثانية، بنحوه وذكره السيوطي 6/ 253، وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].

وقال مِسْعَر: قالوا فيه هُجْرًا [[لم أجد قول مِسْعَر بن كِدَام، فيما تيسر لي من المراجع.]]. وعلى هذا القول: المهجور، من الهجرة. وذكرنا الكلام في الهجر عند قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين وأهل اللغة في معنى الهجر والمراد به في الآية، وهو قريب مما ذكره هنا.]].

وذكر الفراء والزجاج القولين؛ فقالا: يجوز أن يكون مهجورًا: متروكاً، أي: جعلوه متروكًا [[(متروكًا) في (أ)، (ب).]] مهجورًا، لا يسمعونه [[في (ج): (يستمعونه).]] ولا يتفهمونه. ويقال: إنَّهم جعلوه كالهُجر بمنزلة الهذيان. والهُجْر: ما لا ينتفع به من القول. وكانوا يقولون: إنَّ النبي -ﷺ- يَهجُر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 66، بمعناه.]]. وعلى هذا يقال: هَجَر، يَهجُر، هَجْرًا، وهُجْرًا، والكلام مهجور. فجعلوا القرآن كلامًا لغوًا. وهو قولهم: إنَّه شعر، وسحر، وسمر، وأساطير الأولين.

ويدل على صحة القول الأول ما روي عن أنس، أن النبي -ﷺ- قال: "من تعلم القرآن وعلق مصحفًا لم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة معلقًا به، يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورًا، اقضِ بينيى وبينه" [[قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 459: رواه الثعلبي، ثم ساق إسناده، وفيه: ثنا أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، ثنا أنس بن مالك. ويوجد في النسخة التي عندي من "تفسير الثعلبي" سقط في سورة الفرقان من الآية: 20، إلى: 37. قال ابن حجر: أخرجه الثعلبي من طريق أبي هدبة عن أنس؛ وأبو هدبة كذاب. "الكشاف الشاف بحاشية الكشاف" 3/ 270. قال الإمام أحمد: إبراهيم بن هدبة لاشيء، روى أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. "الضعفاء والمتروكون" لابن الجوزي 1/ 58.]].

وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر، فقال: يجوز أن يكون المهجور مصدرًا، كالهجر، والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذْنَا فلانًا ضحكَة أو سُخرة، أي: إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه. وهذا النظم أبلغ، من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن [[حاصل الأقو الذي قوله تعالى: ﴿مَهْجُورًا﴾ ثلاثة؛

1 - أنهم هجروه بإعراضهم.

2 - أنهم قالوا فيه هُجراً، أي: قبيحاً.

3 - أنهم جعلوه هُجراً من الكلام، وهو ما لانفع فيه من العبث، والهذيان. "تفسير الماوردي" 4/ 143. واقتصر الواحدي في: "الوسيط" 3/ 339، و"الوجيز" 2/ 778، على القول الأول. وذكر ابن القيم أن هجر القرآن أنواع خمسة. "الفوائد" ص 81. ونحوه في "تفسير ابن كثير" 6/ 108.]]. وذكرنا تحقيق هذا الفصل عند قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: 29] وعند قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: 40] [[قال الواحدى: قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ذكره على النعت ولم == يذكره على الفعل لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: 29].

وقال في تفسير آية الإسراء: قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؟ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ الآية [طه: 121] لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -عز وجل-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي لا تكن ممسكاً عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: 45] وقد مر.]].

قال ابن عباس: فعزَّاه الله -عز وجل- [["تفسير مقاتل" ص 45أ. و"تفسير هود" 3/ 209، والبغوي 6/ 83، والطبرسي 7/ 265، والقرطبي 13/ 27. ولم ينسبوه وذكره في "الوسيط" 3/ 339، ولم ينسبه. وذكره ابن الجوزي 6/ 88، وصدَّرَه بقوله: قال المفسرون. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2688، عن قتادة. وأَخرج ابن جرير 19/ 10، بسنده عن ابن عباس، أنه قال: يوطن محمداً -ﷺ- أنه جاعل له عدواً من المجرمين كما جعل لمن قبله.]]، فقال:

25:31Page 362

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١

And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [[من فوائد هذه الآية: علو الحق على الباطل، وتبين الحق، واتضاحه اتضاحًا عظيمًا؛ لأن معارضة الباطل للحق، تزيده وضوحاً وبياناً، وكمال استدلال. تفسير السعدي 5/ 477. وإذا كان هذا في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغيرهم من السائرين على طريقهم لا بد أن ينالهم شيء من ذلك، فلا بد من الصبر على == الأذى، وتحمل العناد والاستكبار، حتى يأتي الله بأمره ذكر البرسوي 6/ 208، عن أبي بكر بن طاهر، أنه قال: رُفعت درجات الأنبياء والأولياء بامتحانهم بالمخالفين، والأعداء. ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام 112].]] أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من كفار قومه [["تفسير الطبري" 19/ 10، بنحوه. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2688، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: الكفار. وهو في "الوسيط" 3/ 339، بنصه، ولم ينسبه.]].

والعدوُّ هاهنا يجوز أن يكون في معنى الجماعة، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 66. وجزم بهذا ابن جزي ص 484، حيث قال: العدو هنا جمع. ورجحه ابن عاشور 19/ 18.]] [الشعراء: 77] قال مقاتل: يقول لا يكبرن عليك فإن إلاَّنبياء قبلك قد لقيت هذا التكذيب من قومهم [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]].

وقال السدي: لم يبعث نبي قط إلا والمجرمون له أعداء، وبعضوهم أشد عليه من بعض. وكان عدو النبي -ﷺ- من قريش بنو أمية وبنو المغيرة [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2688.]]. ولهذا دخل حرف التخصيص في قوله: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [[وصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين، أي: من جملة المجرمين، فإن الإجرام أعم من عداوة الأنبياء، وهو أعظمها. "التحرير والتنوير" 19/ 18.]] قال الكلبي: إن كل نبي أتى قومه كان بعضهم أغلظ من بعض وأسوأ قولاً، وصنيعًا، وبعضهم يستحي من ذلك وهو ألين قولاً، وأكف شرًا. ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿عَدُوًّا﴾ واحداً من المجرمين، ممن كان أشد المشركين على نبيهم. وهذا مذهب الكلبي، ومقاتل؛ قالا: نزلت في أبي جهل [["تنوير المقباس" ص 302. و"تفسير مقاتل" ص 45 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 66. ولم ينسبه. ونسبه القرطبي 13/ 27 لابن عباس رضي الله عنهما. وكذا السيوطي 6/ 254، ونسبه لابن مردويه.]]. وكان لعنه الله أشدهم عداوة لرسول الله -ﷺ- [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267. وفي هذه الآية تنبيه للمشركين ليعرضوا أحوالهم على هذا الحُكم التاريخى فيعلموا أن حالهم كحال من كذبوا من قوم نوح، وعاد، وثمود. تفسير ابن عاشور 19/ 18.]].

قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: هاديًا لك وناصرًا على أعدائك [["تنوير المقباس" ص 302: ﴿هَادِيًا﴾ حافظًا. ﴿وَنَصِيرًا﴾ مانعاً مما يراد بك.]].

وقال مقاتل: هاديًا إلى دينه ومانعًا منهم [["تفسير مقاتل" ص 45 أ. ونحوه قال الهوَّاري 3/ 209. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2688، عن محمد بن إسحاق: إن ينصرك الله فلا يضرك خذلان من خذلك. وفي هذا تسلية للنبي -ﷺ- بوعده بهداية كثير ممن هم معرضون عنه. "تفسير ابن عاشور" 19/ 18.

قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2،1].]].

وقال أبو إسحاق: [الباء زائدة، المعنى: كفى ربك] [[ما بين المعقوفين لم أجده عند الزجاج. قال ابن عاشور 19/ 18: والباء، في قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾ تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل. وأصله: كفى ربُّك في هذه الحالة. وقع الخلاف بين أهل العلم في وقوع الزائد في القرآن الكريم، فمنهم من أنكره كالمبرد وثعلب، وأكثر العلماء على إثبات ذلك؛ لكنهم اختلفوا في تسميته فمنهم من يسميه: صلة، ومنهم من يسميه: المقحم.= قال الزركشي: واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، قال سيبويه عقب قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: 155]: إن (ما) لغو؛ لأنها لم تُحدث شيئًا. والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى؛ فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى. "البرهان في علوم القرآن" 3/ 80 وقال أيضًا: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد؛ فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة. وسئل بعض العلماء عن التأكيد بالحرف وما معناه، إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى؟ فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف. "البرهان" 3/ 82 وهذا كلام حسن. وتكلم عن هذه المسألة د. عبد الفتاح الحموز في رسالته: "التأويل النحوي في القرآن الكريم"، حيث عقد فصلاً عنوانه: الزيادة في التنزيل.]].

و ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ منصوبان على الحال. المعنى: وكفى ربُّك في حال الهداية والنَصْر. ويجوز أن يكون منصوبًا على التمييز على معنى: كفى ربُّك من الهُدَاة والنُّصَّار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 66.]]. وهذا مما قد تقدم فيه الكلام [[قال الواحدي في تفسير الآية 6، من سورة النساء ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ في جميع القرآن زائدة. قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربك. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 45]. وتفسير هذه الآية من القسم المفقود من البسيط.]].

25:32Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [[لم يسندوا فعل التنزيل لله -عَزَّ وَجَلَّ-، لكونهم ينكرون ذلك، فلإنكارهم إنزال القرآن من عند الله تعالى بني الفعل للمفعول ﴿نُزِّلَ﴾. والله أعلم. "نظم الدرر" 13/ 378.]] قال الكلبي: كانت كفار قريش يأتون رسول الله -ﷺ- فيتعنتونه، ويسألونه، ويقولون: تزعم أنك رسول من عند الله أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور [["تنوير المقباس" ص 302. وهذا يدل على اعتراضهم على كيفية نزول القرآن، أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2689، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال المشركون: إن كان محمد كما يزعم نبيًا فلم يعذبه ربه، ألا ينزل عليه القرآن= جملة واحدة. وهذا يدل على أنهم قالوه شفقة، ورحمة!؟ وذكر القرطبي 13/ 28، أنها نزلت في كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2689، عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى فأنزل الله بل نثبت به فؤادك. ولم يذكر ابن أبي حاتم من حدثه به، بل قال: ذُكر عن عبد الرحمن بن عمر بن رُسته الأصبهاني، بسنده إلى ابن عباس، وعبد الرحمن هذا ثقة، لكن له غرائب. "ميزان الاعتدال" 2/ 579، و"التقريب" ص 592. وفيه أيضًا: حكيم بن جبير، ضعيف رمي بالتشيع. ميزان الاعتدال 1/ 583، و"التقريب" 265. ولا يلزم من هذا القول أن تكون الآية مدنية، بل هو يدل على اعتراض المشركين من قريش ومن اليهود، على طريقة إنزال القرآن. والله أعلم. واعتراض المشركين على إنزال القرآن جملة اعتراض لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة، أو مفرقاً. تفسير البيضاوي 2/ 140.]] فأنزل الله هذه الآية [[قال الزمخشري 3/ 270: نُزَّل هاهنا بمعنى: أنزل، لا غير، كخبَّر بمعنى: أخبر، وإلا كان متدافعاً. قال أبو حيان 6/ 455: وإنما قال: إنَّ نُزَّل بمعنى: أنزل؛ لأن: نزَّل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو .. وقد قررنا أن: نزل لا تقتضي التفريق؛ لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وذكر نحوه ابن عاشور 19/ 19. وقد ورد القرآن باللفظين، في موضع واحد، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد:20].]]. والمعنى: هلا نزل عليه القرآن في وقت واحد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 66. وأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ- القرآن جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]، ثم نزل بعدُ مفرقاً على النبي -ﷺ- وقد بين هذا وفصله ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرج عنه ابن أبي حاتم 8/ 2689؛ لكن إسناده ضعيف، لضعف حكيم بن جبير، انظر: ميزان الاعتدال 1/ 583، و"التقريب" 265. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2690، نحوه، مختصرًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا، وفي إسناده: أبو يحيى == الحِمّاني، واسمه: عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحي الكوفي، صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء. ميزان الاعتدال 2/ 542، و"التقريب" ص 566. وفيه: حبيب بن أبي الأشرس، ضعيف جدًا بل متروك. "ميزان الاعتدال" 1/ 450. و"تاريخ ابن معين" 3/ 356، رقم: [1725]. وأخرجه عنه النسائي في "السنن الكبرى" 5/ 6، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة. وقد أورد ابن كثير 6/ 110، حديث النسائي، ولم يعلق عليه.]].

قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال الزجاج: أنزلناه كذلك متفرقًا؛ لأن معنى قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يدل على معنى: لِمَ نزل عليه القرآن متفرقًا فأعلموا لِمَ ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 66. وقد اقتصر الواحدي -رحمه الله- على هذا القول في: "الوسيط" 3/ 340، و"الوجيز" ص 778، مما يدل على اختياره له، وإن لم يصرح بهذا هنا. والله أعلم.]]؛ وهو قول: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ وذهب قوم إلى أن قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ من كلام المشركين؛ فقالوا: إنهم قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: كالتوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267، ولم ينسبه. ونقله عنه النحاس، القطع والائتناف 2/ 483. وقال النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 160: والأولى أن يكون التمام ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ لأنه إذا وقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ صار المعنى: كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا قول حسن، ولأن مشركي قريش لم يكونوا أهل كتاب حتى يطالبوا بالمثلية؛ وعليه فإن هذه الآية لا تصلح دليلاً للقول بأن الكتب السماوية السابقة كانت تنزل جملة واحدة، وما ذُكر من حكمة الإنزال المفرق تشهد للقول بأنها كانت تنزل مفرقة. وقد ورد هذا المعنى صريحاً في قولٍ لابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2690، بلفظ: لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، يعني. بوحيه الذي نزل به جبريل عليك من عند الله، وكذلك يفعل بالمرسلين من قبلك. لكن في إسناده بشر بن عمارة، وهو ضعيف، == والضحاك، وهو لم يلق ابن عباس، كما تقدم في صدر السورة. وعليه فإن ما ذكره الواحدي -رحمه الله- في آخر تفسيره لهذه الآية من أن التوراة أنزلت جملة؛ لأنها أنزلت على نبي يقرأ ويكتب، يحتاج إلى دليل يثبته، والله أعلم. وقد حَسَّن القول بأن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ من قول المشركين، ابنُ الأنباري. نقله عنه القرطبي 13/ 29. واقتصر عليه الآلوسي 19/ 15، مع أنه صدره بـ (قيل). ولعل اقتصاره عليه لترجيحه أن نزول الكتب السابقة كان جملة. وسيأتي ذكر قوله. وردَّ هذا القول البقاعي، في "نظم الدرر" 13/ 380، وعلل ذلك بأن نزول الكتب السابقة إنما كان منجماً، ولم يكن جملة. وقد بَيَّن رأيه هذا ووضحه واستدل عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] "نظم الدرر" 5/ 507. وذهب إلى هذا أيضًا الشوكاني، حيث قال 4/ 70: وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه. ومثله المراغي 19/ 12. وكذا ابن عاشور 19/ 18، وبعد أن قرر هذا قال: فخوض المفسرين في بيان الفرق بين حالة رسولنا من الأمية، وحالة الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا طائل تحته، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفاراً تامة قط. وقد نبه على هذا القاسمي أيضًا، ومما قاله في "محاسن التأويل" 12/ 261: والحال أن القول بنزولها دفعة واحدة، لا أصل له، وليس عليه أثارة من علم، ولا يصححه عقل. وأما البرسوي 6/ 209، فقد جزم بأن إنزال القرآن منجماً فضيلة خص بها نبينا محمد -ﷺ- من بين سائر الأنبياء. لكنه لم يذكر ما يدل على هذا التخصيص. وكذلك الآلوسي 19/ 15، حيث قال: أي: هلا أنزل القرآن عليه عليه الصلاة والسلام، دفعة غير مفرق، كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور، على ما تدل عليه الأحاديث والآثار، حتى كاد يكون إجماعاً، كما قال السيوطي. ثم رد قول من قال بخلاف ذلك، ولكنه لم يذكر شيئاً من هذه الأحاديث، والآثار. ولم يذكر السيوطي هذا في "الدر المنثور"، عند تفسير هذه الآية، وكذا لم أجده في "الإتقان". والله أعلم.

وأما قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف. 145] فقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذه الألواح هي التوراة أم لا؟. قال ابن كثير بعد أن ذكر الخلاف: وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه. "تفسير ابن كثير" 3/ 474.]]. وعلى هذا نحتاج إلى إضمار في الآية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ليصح النظم، وهو أن نقول: تقديره: أنزلناه متفرقًا لنثبت به فؤادك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 267.]]. أى: ليقوى به قلبك، فتزداد بصيرة. وذلك أنه إذا كان الوحي يأتيه متجددًا في كل أمر وحادثة كان ذلك أزيد في بصيرته، وأقوى لقلبه [["الوسيط" 3/ 340. وذكر مقاتل 45 أ، أن التثبيت هنا للقرآن في قلب النبي -ﷺ- فقال: يعني: ليثبت القرآن في قلبك. وفي "تأويل مشكل القرآن" ص 232 الخطاب هنا للنبي -ﷺ- والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون]]. وذكرنا معنى تثبيت الفؤاد عند قوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يريد: لنزيدك يقينًا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد عن ابن عباس، وبالتقوية عن الضحاك، والتصبير عن ابن جريج؛ وهو الأقرب؛ لأن ما يُقص عليه من إنباء الرسل إنما هو للإعتبار بها لما فيها من حسن صبرهم على أممهم.]]. وقال أبو عبيدة: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنطيب به نفسك، ونشجعك [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 74. وفي "تنوير المقباس" ص 303: لنطيب به فؤادك، ونحفظ به قلبك.]]. وهذا معنى ما ذكرناه.

قوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: بيَّناه بيانًا [[في "الوسيط" 3/ 340، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-: بيناه تبييناً. وهو كذلك في "الوجيز" ص 778، لكنه غير منسوب. وفي "تنوير المقباس" ص 303: تبياناً، بدل: بياناً. ونسبه الهواري 3/ 209، لقتادة، وأخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم 8/ 2691. وأخرج أيضًا عن ابن عباس: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، يقول: شيء بعد شيء.]]. وقال إبراهيم: فرَّقناه في التنزيل [[أخرجه ابن جرير 19/ 11، وابن أبي حاتم 8/ 2691.]]. وهو معنى قول الحسن [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 69. وابن جرير 19/ 11، وابن أبي حاتم 8/ 2690.]]. وقال السدي: فصَّلناه تفصيلًا [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2691.]]. وقال الزجاج: أنزلناه على الترتيل؛ وهو: ضد العجلة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 66.]].

وقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين [[ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة"14/ 268 (رتل)، عن أبي العباس، بلفظ: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتمكين، أراد: في قراءة القرآن.]].

قال الليث: الرَّتَل، بفتح التاء: تنسيق الشيء. وثغر رَتِل، حسن المُتَنَضَّد. ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه. وهو يترتل في كلامه، ويترسل [[كتاب "العين" 8/ 113 (رتل)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 14/ 268 (رتل). قال ابن عاشور 19/ 20: اتفقت أقوال أئمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم: ثغر مرتَّل، ورتِل ... ولم يوردوا شاهداً عليه من كلام العرب.]]. فمعنى الترتيل في الكلام: أن يأتي به بعضُه في أثر بعض، على تؤدة، وتمهل؛ كما لثغر الرتَل، وهو: ضد المتراص. وهذا معنى قول مجاهد، في تفسير الترتيل: بعضه على أثر بعض [["تهذيب اللغة" 14/ 268 (رتل). ويجوز أن يراد بـ ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتلاً، أي: بتمهل بأن لا يعجَل في قراءته، كقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. "تفسير ابن عاشور" 19/ 20. وأثر وإثر معناهما واحد؛ قال ابن السكيت: يقال خرجت في أثره وإثره. "تهذيب اللغة" 15/ 121 (أثر).]].

قال المفسرون: وكان بين أول نزول القرآن، وآخره، نحو من: ثلاث وعشرين سنة [[أكثر أهل العلم على ذلك، وما ورد من تحديد المدة بعشرين سنة، أو: اثنتين وعشرين، فمحمول على التقريب لا التحديد. والله أعلم. وممن ورد عنه القول بعشرين سنة؟ ابن عباس، أخرجه عنه النسائي. في "السنن الكبرى" 5/ 6، == وذكره عنه ابن كثير 6/ 110. وأخرج عبد الرزاق 2/ 69، وابن جرير 19/ 11، وابن أبي حاتم 8/ 2690، عن الحسن، أن بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة. وبه قال الفراء، 2/ 267، والزجاج 4/ 66. واقتصر عليه ابن جزي 484. وقال ابن جريج: اثنتين وعشرين، أو ثلاث وعشرين. أخرجه عنه ابن جرير 19/ 11. وممن قال بثلاث وعشرين سنة، ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 232. والهواري 3/ 209. وابن كثير 6/ 109. والشنقيطي 3/ 576.]]. وإنما أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت مكتوبة، على نبي يكتب، ويقرأ، وأُنزل القرآن متفرقًا؛ لأنه أنزل على نبي أمي لا يكتب، ولا يقرأ، ولأن منه: الناسخ والمنسوخ، ومنه: ما هو جواب عن أمور سألوه عنها؛ فلذلك أُنزل متفرقًا [[ذكر هذا التعليل الطوسي 7/ 488، ولم ينسبه، وكذا البغوي 6/ 83. وفي هذه الآية بيان لحكمة إنزال القرآن مفرقاً، إذ لو نزل جملة لسبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم.

وقد ذكر ابن قتيبة هذه الحكم في كتابه: "تأويل مشكل القرآن" ص 232. والنحاس، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 159. والرازي 24/ 79، حيث ذكر ثمانية أوجه. لكن يبقى القول بأن حكمة التفريق حتى يعيه النبي -ﷺ- ويحفظه بعيد؛ لأنه لا يدل عليه لفظ الآية، ولأن الله تعالى قد تكفل له بحفظه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى 6 - 7]. والله أعلم. والقول بالتفريق بين الكتب السابقة في كيفية نزولها لأجل اختلاف أحوال الأنبياء في القراءة والكتابة سبقت الإجابة عنه.]].

25:33Page 363

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يعني: المشركين [["تفسير الهوَّاري" 3/ 209. وابن برير 19/ 11]] ﴿بِمَثَلٍ﴾ [[تنكير مثل، في سياق النفي، يدل على التعميم. "تفسير ابن عاشور" 19/ 21.]] يضربونه لك في إبطال أمرك، ومخاصمتك، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ بالذي هو الحق لترد به خصومتهم، وتبطل به كيدهم، وما جاؤا به من المثل [[قال البغوي 6/ 83: فسمى ما يوردون من الشبه مثلاً، وسمى ما يدفع به الشبه == حقًا. قال السعدي 5/ 478: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم، من محدث، ومعلم، وواعظ، أن يقتدي بربه، في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق، وكلما حدث موجب، أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك.]].

﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: من مَثَلهم [[قال الهواري 3/ 209: وقال بعضهم: أحسن تفضيلاً.]]. قال الزجاج: وحذفت من؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، لو قلت: رأيتُ زيدًا وعمْرًا، فكان عمْرٌو [[(فكان عمرو) ساقطة من (ج).]] أحسن وجهًا. كان في الكلام دليل على أنك تريد: مِنْ زيد [["معاني القرآن" للزجاج4/ 67.]]. وهذا الذي ذكرنا معني قول مقاتل، في هذه الآية [["تفسير مقاتل" ص 45 أ.]]

وذكر عطاء والكلبي، بيان ما يأتون به، وما يجيء الله به مما هو الحق؛ فقالا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ كما أتوا به في صفة عيسى فقالوا: إنه خُلِق من غير أب [[ذكر هذا القول القرطبي 13/ 30 ولم ينسبه. وذكر عن الكلبي أنه قال ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: تفصيلاً، ومثل ذلك ذى ابن أبي حاتم 8/ 2691، عن عطاء ولم يذكر هذا المثل.]] ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ هو أي: بما فيه نقض لحجتهم؛ وهو: آدم، خُلِق من غير أب، ولا أم. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [[الشاهد من الآية، لم يذكر، وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولم أجد هذا القول في "الوسيط"، و"الوجيز".]] [آل عمران: 59].

وأما معنى التفسير، فهو: تفعيل، من: الفسر. قال ابن الأعرابي: الفَسْرُ: كشفُ ما غطي [["تهذيب اللغة" 12/ 406 (فسر).]]. وقال الليث: الفسر: التفسير، وهو البيان، والتفصيل، والتَفْسِرَة: كل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه. ولهذا قيل للبول الذي ينظر فيه الأطباء، فيستدلون به على علة العليل: تَفْسِرة [["العين" 7/ 247 (فسر)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 12/ 406.]]

25:34Page 363

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ قال الكلبي: هم أهل الكتاب. وقال مقاتل: هم كفار مكة [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وفي "تنوير المقباس" ص 303: أبو جهل وأصحابه.]]؛ وذلك أنهم قالوا لمحمد، وأصحابه: هم شر خلق الله. فأنزل الله هذه الآية. قال أنس: سُئل رسول الله -ﷺ-: كيف يحشر أهل النار على وجوههم؟ فقال:"إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" [[أخرجه الواحدي بسنده، في "الوسيط" 3/ 340، وقال في آخره: رواه البخاري، عن عبد الله بن محمد عن يونس بن محمد. نعم، هو كذلك عند البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- في التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ رقم 4760، "الفتح" 8/ 492، ولفظه: (أن رجلاً قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة). وأخرجه مسلم 4/ 2161، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم 2806، وفيه: قال قتادة: بلى، وعزة ربنا. وأخرجه الطبري 19/ 12، عن أنس -رضي الله عنه- من ثلاثة طرق. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: 97]، وبهذا يبطل القول بأن هذا تمثيل، كما يقال: جاءني على وجهه، أي: كارهاً. وقد ذكر هذا القول النحاس 3/ 160، وصدره بقوله: قيل، ولم يدفعه، مع أنه قد ذكر الحديث المرفوع السابق. وكذلك لك فعل ابن عطية 11/ 38. أما القرطبي 10/ 333، فقد قال بعد ذكر حديث أنس -رضي الله عنه-. فرحمه الله. وجزم ابن جزي بأن هذا حقيقة لحديث أنس -رضي الله عنه- يذكر غيره. وكذا فعل ابن كثير 6/ 110، حيث اقتصر على ذكر هذا الحديث، ثم قال: وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من المفسرين. قال == البرسوي 6/ 210: ولما استكبر الكفار واستعلوا حتى لم يخروا لسجدة الله تعالى حشرهم الله تعالى على وجوههم.]].

قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد مصِيرًا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: دينًا وطريقًا [[أخرج نحوه ابن جرير 19/ 12، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2692، عن ابن عباس: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يقول: وأبعد حجة.]]. وهذه الآية من قِبَلِ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: 24]. وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: 15]، وقد مَرَّ [[ومثلها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73] وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: 75].]]. قال مقاتل، في هذه الآية، يقول: هو شر منزلًا وأخطأُ طريقًا من المؤمنين [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. بمعناه قال البيضاوي 2/ 141: والمفضل عليه هو الرسول -ﷺ- على طريقة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ﴾ [المائدة: 60].]].

وقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾ ابتداء، ﴿أُولَئِكَ﴾ ابتداءٌ ثان، وشرٌ: خبره، وهما: خبرا ﴿الَّذِينَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 67.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском