Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Furqan · 25:35–42

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:35–42

25:35Page 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.

وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [[قال الرازي 24/ 80: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أتبعه بذكر جملة من الأنبياء، وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم. وذكر أبو حيان 6/ 457، أن تقديم ذكر نبي الله موسى -ﷺ- لأنه نزل عليه الكتاب جملة واحدة، ومع ذلك كفروا به. وخالفه البقاعي في "نظم الدرر" 13/ 385 فقال: وقدم قصة موسى -عليه السلام-، لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً، وفي تنجيمه ثانياً. وقال في ص 384: وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملَك -كما اقترحوا- ليكون معه نذيراً. أما ابن عاشور فقد ذكر (19/ 25) أن الابتداء بذكر نبي الله موسى -ﷺ- لأنه أقرب ==زمنًا من الذين ذكروا بعده. ثم قال: فإن صح ما روي أن الذين قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ اليهود، فوجه الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر.]] قال مقاتل والكلبي، يعني: معينًا على الرسالة [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. و"تنوير المقباس" ص 303. وذكره ابن جرير 19/ 12، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2693، نحوه عن قتادة. وذكر الهواري 3/ 209، ثلاثة أقوال: عويناً، عضداً، شريكاً في الرسالة، ثمَّ قال: وهو واحد، وذلك قبل أن تنزل عليهما التوراة، ثم نزلت فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: 48].]].

وقال الزجاج: الوزير في اللغة: الذي يُرجع إليه ويُتحصن برأيه والوَزَرَ: ما يُلتجأ إليه ويُعتصم به [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 67. واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة:11]. وكذا النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 160.]]. وذكرنا تفسير الوزير، عند قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: 29] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: عوناً وظهيراً. وقال أبو إسحاق: الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وكذلك وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتحئ إليه.]].

25:36Page 363

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.

﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ قال الكلبي [[(الكلب) ساقطة من (ج).]]: هذا لموسى خاصة. ونحو هذا ذكر الفراء؛ فقال: إنما أمر موسى وحده بالذهاب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268، وقال أيضًا: وهذا بمنزلة قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]. وقال السمرقندي: يعني به موسى، كقوله -عَزَّ وَجَلَّ- في سورة طه [42]،: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ خاطب موسى خاصة إلى القوم. وقد نقد الفراءَ أبو جعفر النحاس، في إعراب القرآن 3/ 161، فقال: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتَاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وقد قال جل ثناؤه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه 44، 45] هذا هو الصواب، الموافق لظاهر == الآية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53].قال المراغي 19/ 16: فإنه وإن كان نبيًا فالشريعة لموسى -عليه السلام-، وهو تابع له فيها، كما أن الوزير متبع لسلطانه. وقد رد الرازي 24/ 81، على من استدل بكون هارون وزيرًا على أنه ليس بنبي بكلام جيد. فيراجع. وأما قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17] فلا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. "تفسير القرطبي" 13/ 31.]]، وعلى هذا خوطب الواحد بخطاب الاثنين، وهو من عادة العرب، كما أنشد النحويون:

فقلت لصاحِبي لا تحبسانا ... بِنَزْعِ أُصولِه واجتزَّ شِيْحَا [[أنشده الفراء، "معاني القرآن" 3/ 78، وعنه ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 291، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 187، ولم ينسبوه. وفي "حاشية تأويل مشكل القرآن": المعنى لا تحبسنا عن شي اللحم بأن تقطع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من الشيح؛ والشيح: نبت طيب الرائحة، واجتز: اقطع، والشاهد: قوله: تحبسانا: خاطب الواحد بلفظ الاثنين. وأنشده في "لسان العرب" 5/ 319 (جزز) نقلاً عن ثعلب والكسائي، ونسباه ليزيد بن الطَّثَرِية، وُيروى: واجْدَزَّ، ثم قال: قال ابن بري: ليس هو ليزيد بن الطثرية؛ وإنما هو لمضرس بن ربعي الأسدي.]]

وإن كان الخطاب لهما فهو ظاهر [[وقد جزم بهذا القرطبي 13/ 30، -وهو الصحيح- وضعف القول الآخر بتصديره بقيل. ولم يتعرض الواحدي لنقد هذا القول مع أنه حري بذلك. والله أعلم.]].

قوله: ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ يعني: فرعون وقومه [["تنوير المقباس" ص 303، والهواري 3/ 209، والزجاج 4/ 67، وزاد: والذين مسخوا قردة وخنارير.]]. قال أهل المعاني: ذكرهم الله هاهنا بالصفة القائمة مقام الاسم؛ لأنهم كانوا عند نزول القرآن قد كذبوا بآيات موسى وإن لم يكونوا موصوفين بالتكذيب عند إرسال موسى إليهم [["تفسير مقاتل" ص 45 ب، حيث جعل الآيات هنا آيات نبي الله موسى -ﷺ- التسع. == ونسبه السمرقندي 2/ 460، للكلبي، ثم قال: وقال بعضهم: هذا التفسير خطأٌ. لأن الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه.]].

ويحتمل أن يكون المعنى: اذهبا بآياتنا إلى القوم الذين كذبوا، فتكون الآيات من صلة الذهاب، لا من صلة التكذيب، وتكذيبهم في ذلك الوقتِ لم يكن بآيات موسى، وإنما كان بآيات مَنْ تقدمه من الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وفرعونُ حين ادعى الربوبية، وقومُه لمَّا أطاعوه، كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه [[اختار هذا القول الواحدي في "الوسيط" 3/ 340، واقتصر عليه، ولم يتعرض لذلك في "الوجيز". واختاره ابن الجوزي 6/ 89. وشهد لهذا العموم "تفسير مجاهد" للآيات في هذه الآية بالبينات، دون تحديد لها. أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2693. قال السمرقندي 2/ 465: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: بتوحيدنا، وديننا.]].

قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: أهلكناهم بالعذاب [[أخرجه ابن أبي حاتم 179 ب، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن السدي. وذِكرُ لفظ التدمير للمبالغة في وصف ما أصابهم؛ لأنه كسر الشيء على ووجهٍ لا يمكن معه إصلاحه. "تفسير المراغي" 19/ 15 و"روح المعاني" 19/ 18.]] إهلاكًا. يعني:

الغرق [["تنوير المقباس" ص 303. بمعناه، و"تفسير مقاتل" 45 ب. بنصه، و"تفسير هود الهواري" 3/ 209.]]، وما دمر عليه [[كذا في النسخ الثلاث: عليه، ولعل الصواب: عليهم.]] من صنايعهم كقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: 137]، وقال صاحب النظم: معنى الآية: فذهبا، وكُذِّبَا ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ودخول الفاء دلالة على هذا الإضمار. والتدمير لم يكن بعد الأمر لهما بالذهاب، إنما كان بعد الذهاب والتكذيب [[قال الرازي 24/ 81: التعقيب هاهنا محمول على الحكم لا على الوقوع، وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما ألمقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.]].

25:37Page 363

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قال الفراء: نصبت قوم نوح بـ ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268. واعترض النحاس على الفراء في أنه منصوب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فقال: وهذا لا يحصل؛ لأن أغرقنا ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح. إعراب القرآن 3/ 161.]].

قوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وقال الزجاج: من كذب نبيًا فقد كذب جميع الأنبياء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 67. بمعناه. واقتصر على هذا الواحدي في "الوجيز" 2/ 779، حيث قال: من كذَّب نبياً فقد كذب الرسل كلهم؛ لأنهم لا يفرقون بينهم في الإيمان. وكذا البغوي 6/ 84 وابن عطية 11/ 40. واختاره ابن كثير 6/ 110.]]، وقوم نوح إذ كذبوه، فقد كذبوا أيضًا من قبله من الرسل [[ما ذكره الواحدي من تكذيبهم للأنبياء الذين كانوا قبل نبي الله نوح -ﷺ- غير مسلَّم؛ لأن نوحاً -ﷺ- أول الرسل، ليس قبله أحد كما دل على ذلك قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]، "الأصول الثلاثة وحاشيته" ص 49. ومن السنة حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فَيَاتُونَ نُوحًا يقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أوَلُ الرُسُلِ إِلَى أَهْل الأرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبكَ. أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، رقم: 3340، "الفتح" 6/ 371، ومسلم 1/ 180، كتاب الإيمان، رقم: 193. ومثل ما قال الواحدي قال البقاعي 13/ 387: ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم. وكذا أبو السعود 6/ 218، والقاسمي 12/ 263. وسمَّى بعضَهم البرسوي 6/ 211: كشيث، وإدريس. ويحتمل جمع الرسل في الآية ما قاله ابن عاشور 19/ 27: لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين مِن بعدهم. وقد أجاب ابن حجر 6/ 372، على من استشكل كون نبي الله نوح -ﷺ- أول الرسل، بنبوة آدم، وإدريس، عليهما الصلاة والسلام بأجوبة منها: أن نوحًا -عليه السلام- أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لأن في زمن آدم -عليه السلام-. لم يكن للأرض أهل، وأما إدريس -عليه السلام- فلم يثبت أنه كان قبل نوح -عليه السلام-. والله أعلم.]]، فلذلك قال: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وهذا قول الكلبي، قال: يعني نوحًا وما جاءهم من خبر الرسل [["تنوير المقباس" ص 303، بمعناه.]]، قال: وجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما تقول للرجل الذي ينفق الدرهم الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم؛ أي: ممن نفقته من هذا الجنس. وفلان يركب الدوابَّ وإن لم يكن يركب إلا دابَّة واحدة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 68، بنصه قال السمرقندي 2/ 461: يعني نوحًا وحده، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: 51] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة.]]. وهذا قول ابن عباس، ومقاتل؛ لأنهما قالا في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحًا وحده [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وأيد هذا القرطبي 13/ 31، فقال: لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده. وذكر الطوسي 7/ 490، وجهاً غريباً في الآية، فقال: وقيل: المعني نوحاً، والرسل من الملائكة.]].

قوله: ﴿أَغرَقنَاهُمْ﴾ أي: بالطوفان [["تنوير المقباس" ص 303. و"تفسير الطبري" 19/ 13. وهذا إغراق عام، لم ينج منه سوى أصحاب السفينة فقط. "تفسير ابن كثير" 6/ 111.]]. قال الكلبي: أمطر الله عليهم من السماء أربعين يومًا، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فصارت الأرض بحرًا واحداً [[هذا التحديد لم أجد له دليلاً، فالماء قد فجره الله من تحتهم، وأنزله من فوقهم ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر 11 - 12].]].

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ أي: لِمن بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة [["تنوير المقباس" ص 303. و"تفسير مقاتل" ص 45 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2694، عن الربيع بن أنس. وفيه: عبرة ومتفكر.]]، ودلالة على قدرتنا [[قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 11 - 12].]]. قال ابن عباس: وهذا كله تعزيه للنبى -ﷺ- وتخويف للمشركين [["الوسيط" 3/ 340، بنصه.]].

قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: سوى ما حل بهم في الدنيا [["تفسير الطبري" 19/ 13. بمعناه. قال القرطبي 13/ 31: أي: للمشركين من قوم نوح ... وقيل: أي: هذه سبيلي في كل ظالم. وعلى هذا يكون المراد بالظالمين قوم نوح -ﷺ- وهذا محتمل، كما قال الرازي 24/ 81، واقتصر عليه البرسوي 6/ 211. إلا أن ظاهر الآية أعم من ذلك، فأعتدنا لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذاباً أليماً. ولم يذكر البقاعي 13/ 386، غير هذا، وكذا المراغي 19/ 17، ويشهد له قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- في قصة قوم لوط -ﷺ-: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 83] وهذا أقرب لتحذير المشركين وتخويفهم. والله أعلم. وذكر ابن أبي حاتم 8/ 2694، من طريق الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن: الظالمين، الكافرين. وذكر ابن جزي 484 القولين دون ترجيح، وكذا البيضاوي 2/ 141. والشوكاني 4/ 73. والعذاب في الآية الأخروي؛ إن كان المراد بالظالمين قوم نوح؛ لأنه سبق الإخبار عن عذابهم في الدنيا. ويحتمل العذاب الدنيوي والأخروي؛ إن كان المراد بهم عموم الظالمين. "تفسير أبي السعود" 6/ 218.]].

25:38Page 363

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.

وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال الفراء: نصبت عادًا بالتدمير [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268.]]. وقال الزجاج: ﴿وَعَادًا﴾ عطفًا [[هكذا في (أ)، (ب)، وفي (ج): (عطف).]] على الهاء والميم، التي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ قال: ويجوز أن يكون معطوفًا على معنى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويكون التأويل: وَعَدْنا الظالمين بالعذاب، ووعدنا عادًا وثمودَ [["معاني القرآن" للزجاج4/ 68.]].

قوله ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ الرس في اللغة: كل محفور مثل البئر، والمعدن، والقبر، ونحوها. وجمعه: رِساس، ومنه قول الجعدي:

تَنابلةً يَحفِرون الرِّساسا [[عجز بيت للنابغة، ديوانه 82، وصدره:

سَبَقْتُ إلى فَرَطٍ ناهل

وأثده ونسبه أبو عبيدة 2/ 75، وقال: الرساس: المعادن. وأنشده ابن جرير 19/ 14، ولم ينبه، وفيه: بأهل، بالباء الموحدة تحت. وأنشده ابن قتيبة، في: غريب القرآن 313، منسوبًا للنابغة وأنشده، وذكر قول أبي عبيدة الثعلبي 8/ 99 أ. وفي "تهذيب اللغة" 12/ 290 (رسس): وكل بئر عند العرب: رَسٌّ، وأنشد البيت للدلالة على ذلك.

ضبط: تنابلة، في التهذيب 12/ 290: بالرفع، وفي "الديوان" و"المجاز" لأبي عبيدة: بالنصب. وفي "تهذيب اللغة" 13/ 331 (فرط): الفرَط: المتقدم في طلب الماء. والناهل في كلام العرب: العطشان. "تهذيب اللغة" 6/ 305 (نهل). والتنبال: الرجل القصير. "تهذيب اللغة" 14/ 354 (تنبل).

- النابغة الجعدي، الشاعر المشهور المعمَّر -رضي الله عنه-، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله ابن قيس، وقيل: قيس ابن عبد الله، من جَعدة بن كعب بن ربيعة، أقام مدة لا يقول الشعر ثم قاله فقيل: نبغ.]]

وقال أبو عبيدة: الرس: كل رَكيَّة لم تُطوَ [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 223، في سورة: ق. وفي "غريب القرآن"، لابن قتيبة ص 313، بالإثبات حيث قال: كل ركية تطوى فهي رس. وفي "اللسان" 6/ 99: والرس: البئر المطوية بالحجارة فكلمة: رَسَسْتُ، من الأضداد، تستعمل في الإصلاح، وتستعمل في الإفساد. "الأضداد" للأنباري ص 383.]]، بالحجارة والآجر والخشب [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 أ، بنصه.]]. واختلفوا في أصحاب الرس؛ [فروى عكرمة عن ابن عباس، قال: سألت كعبًا عن أصحاب الرس؟] [[ما بين المعقوفين، ساقط من (ج). وقول كعب ذكره الثعلبي 8/ 96 أ، دون ذكر السؤال.]] فقال: صاحب ياسين الذي قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20] قتلوه [[كلمة: (قتلوه) في (أ)، (ب). ويوجد بعد هذه الكلمة تكرار في (ب)، قدر سطرين.]]، قتله قومه ورسَّوه في بئر لهم يقال له: الرس، أي: دسوه فيها [[أخرج ابن جرير 19/ 14، عن عكرمة أنه قال: أصحاب الرس بفلج هم أصحاب يس. ولم ينسبه لابن عباس. وذكره القرطبي 13/ 32 منسوبًا لابن عباس.]]. وهذا قول مقاتل والسدي؛ قالا: الرس: بئر بأنطاكية [[أنطاكية: قصبة العواصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد، وأمهاتها، موصوفة بطيب الهواء وعذوبة الماء، وكثرة الفواكه وسعة الخير، حاصرها أبو عبيدة بن الجراح، وصالح أهلها، ثم نقض أهلها العهد فأرسل إليهم أبو عبيدة: عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة ففتحاها. "معجم البلدان" 1/ 316. و"مراصد الإطلاع" 1/ 124. وموقعها الآن: جنوب تركيا تبعد عن الساحل الشرقي للبحر المتوسط حوالي 50 كم.]] قتلوا فيها حبيبًا النجار فنسبوا إليها [["تفسير مقاتل" ص 45 ب، لكنه لم يسمه. وذكره الثعلبي 8/ 96 أ، ونسبه لكعب ومقاتل. ونسبه ابن الجوزي 6/ 90، للسدي.]].

وروى عطاء عن ابن عباس في أصحاب الرس قال: بئر كانوا عليها نزولًا [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2695، بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أنها بئر بأذربيجان.]]. وهذا قول مجاهد؛ قال: بئر كان عليها قوم يقال لهم: أصحاب الرس [[أخرجه عن مجاهد، ابن جرير 19/ 14، وابن أبي حاتم 8/ 2695. وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس.]]. ونحو هذا قال وهب، قال: وبعث الله إليهم شعيبًا، وكانوا أهل بئر نزولًا عليها، وأصحاب مواش، وكذبوا شعيبًا، وآذوه فانهارت البئر بهم، وبديارهم ومنازلهم، فهلكوا جميعاً [["الوسيط" 3/ 340 بنصه، منسوباً لوهب. وهو كذلك عند البغوي 6/ 84 والطبرسي 7/ 266. وابن الجوزي 6/ 90. والقرطبي 13/ 32. وكون أصحاب الرس قوم شعيب، -عليه السلام- مذكور في "تنوير المقباس" ص 303. وأخرج ابن جرير 19/ 13، بإسناده عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال: قرية من ثمود. وذكره ابن كثير 6/ 111، واستبعد هذا أبو حيان 6/ 457، وقال: ويبعده عطفه على ثمود؛ لأن العطف يقضي التغاير. وتبعه الألوسي 19/ 19.]].

وقال قتادة: الرس: قرية بفَلَج اليمامة [[فلج اليمامة: بفتح أوله وثانيه، مدينة بأرض اليمامة، لبني جعدة، وقُشير، وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. "معجم البلدان" 4/ 307. وتسمى الآن: الخرج، المدينة المعروفة جنوب الرياض بحوالي 100كم.]] قتل أهلها نبيهم فأهلكهم الله [[أخرج هذا القول بإسناده عن قتادة، ابن جرير 19/ 14، وابن أبي حاتم 8/ 2695. وذكره القرطبي 13/ 32. وزاد البغوي 6/ 84، نسبته للكلب في. ولم يرجح الواحدي -رحمه الله- شيئاً من هذه الأقوال، ولعل أقربها أنهم قوم كانوا على بئر؛ لأن هذا هو الموافق للمعنى اللغوي. وقد اقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 779. وهو اختيار ابن جرير 19/ 14. وجزم به السمرقندي 2/ 461. وذكر ابن جرير 19/ 14، والثعلبي 8/ 96 أ، قولاً في أصحاب الرس أنهم أصحاب الأخدود، والرس، هو: الأخدود الذي بنوه. قال ابن جرير 19/ 14: ولا أعلم قوماً كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود. وذكرا أيضًا خبراً طويلاً مرفوعاً في شأن أهل الرس، وهو لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، يرفعه للنبي -ﷺ-. وذكره ابن كثير 6/ 111، من طريق ابن جرير، ثم قال: عن محمد بن كعب مرسلاً، وفيه غرابة، ونكارة، ولعل فيه إدراجاً. وقد أعرض عنه الواحدي -رحمه الله- فلم يذكره في تفاسيره الثلاثة، ولا في "أسباب النزول" وذكر الثعلبي 8/ 96 ب، خبراً طويلًا عن علي -رضي الله عنه- موقوفاً عليه في شأن أصحاب == الرس. وهو من الإسرائيليات. وذكر أيضًا أخباراً أخر في شأنهم، وقد أحسن الواحدي -رحمه الله- صنعاً في ترك ذكرها؛ إذ العبرة حاصلة في إهلاكهم.

قال الرازي 24/ 82: وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك. وقال في ص: 83، بعد ذكره للأقوال الواردة في أصحاب الرس: واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئًا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن، ولا بخبر قوي الإسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر تعالى أنهم أهلكوا بسبب كفرهم. ما تحته خط هكذا وجدته في "تفسير الرازي". وقال القاسمي 12/ 262: وَيروي هنا بعضهم آثاراً لا تصح. كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله فلا تحل الجراءة على روايتها، ولا تنزيل الآية عليها؛ لأنه من قفو ما ليس للمرء به علم، ومثله يحظر الخوض فيه.]].

وقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: وأهلكنا قرونًا ما بين عاد إلى أصحاب الرس [[هكذا في (ج)، وفي (أ)، (ب): (قروناً بين عاد وأصحاب الرس).]]. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. واقتصر عليه ابن الجوزي 6/ 91. وظاهر الآية أعم من ذلك. قال ابن جرير 19/ 15: ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سميناها لكم أممًا كثيرة ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17]. ونحوه قال السمرقندي 2/ 461. أخرج الحاكم في "المستدرك" 2/ 437، بسنده عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: معد بنس عدنان، بن أدد، بن زند، بن البراء، بن أعراق الثرى، قالت: ثم قرأ رسول الله ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم إلا الله، قالت أم سلمة: وأعراق الثرى: إسماعيل بن إبراهيم، وزند: هميسع، وبراء نبت. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي، في "الدلائل" 1/ 178، قريباً من رواية الحاكم، وهذا الحديث يدل على بطلان الحديث الذى أورده بعض المفسرين، كابن عطية 11/ 41، عن ابن عباس موقوفاً، ومرفوعاً: (كذب النسابون من فوق عدنان)، وهو حديث لا يصح؛ لأنه من طريق: محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 144، رقم: 111.]].

25:39Page 363

وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩

And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.

وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال الزجاج: ﴿وَكُلًّا﴾ منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره؛ المعنى: وأنذرنا كلًا ضربنا له الأمثال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 68. بنصه.]]. قال قتادة: وكلًّا قد أعذر الله إليه ثم انتقم منه [[أخرجه بسنده عبد الرزاق 2/ 70. وعنه ابن جرير 19/ 15. وابن أبي حاتم 8/ 2697. قال ابن كثير 6/ 112: أي بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة.]]. وقال مقاتل: وكلًا بيِّنا لهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا [[لم أجده في "تفسير مقاتل". وفي "تنوير المقباس" ص 303: بينا لكل قرن عذاب القرون الذين قبلهم فلم يؤمنوا. وذكر أبو حيان 6/ 458، وجهاً غريبا في ذلك، واستبعده، وهو حري بذلك، وهو أن الضمير في ﴿لَهُ﴾ لرسول الله -ﷺ-.]].

﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا بالعذاب إهلاكًا [["تفسير الثعلبي" 8/ 99أ.]]. قال الزجاج: وكل شيء كسَّرتَه وفتَّتَّه فقد تبَّرْته، ومنه تبر الذهب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 69.]]. وذكرنا معنى: التتبير، في سورة: سبحان [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]: يقال تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَباراً إذا هلك، وتَبَّرَه أهلكه، قال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، ومن هذا تِبْرُ الزجاج وتِبْرُ الذهب لِمُكَسَّره.]].

25:40Page 363

وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠

And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: كفار مكة [["تنوير المقباس" ص 303. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 69. و"تفسير السمرقندي" 2/ 461. وتصدير قصة قوم لوط -ﷺ- باللام، وقد، دليل على عظم إعراضهم عن الانتفاع بالمواعظ والزواجر. والله أعلم.]] ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: قرية قوم لوط [["تنوير المقباس" ص 303. والزجاج 4/ 69. والسمرقندي 2/ 461. وذكر الثعلبي 8/ 99 أ، والزمخشري 3/ 273، والرازي 24/ 84، وأبو حيان 6/ 458 ونسبه == لابن عباس، وأبو السعود 6/ 219، والألوسي 19/ 21، أنها خمس قرى، فأهلك الله أربعاً، وبقيت الخامسة، وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث. وهذا مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى لم يستثن منهم قرية، بل استُثني من العذاب أهلُ لوط -ﷺ- فقط. قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: 170، 173]، قال ابن كثير 4/ 174: والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطاً -عليه السلام-. وذكر ابن عطية 11/ 42، وابن كثير 6/ 112، والبيضاوي 2/ 142، أن اسم القرية: سدوم، بالشام. قال أبو حاتم في كتاب: المُزال والمُفسَد: إنما هو سذوم، بالذال المعجمة، والدال خطأ. نقله الأزهري، في "تهذيب اللغة" 12/ 374، وصححه. وعنه ياقوت في معجم البلدان 3/ 226 - واقتصر المراغي 19/ 18، والألوسي 19/ 21، على ذكرها بالذال.]] ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قال مقاتل، وغيره: يعنى: الحجارة، كل حجر في العِظَم على قدر إنسان [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وذكره البرسوي 6/ 214، ولم ينسبه. وهي حجارة السجيل، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: 82]. ووصف مقاتل لها بأنها في العظم على قدر الإنسان يحتاج إلى إثبات؛ ووصفها بالإمطار يدل على أنها شبيهة بالمطر في الكثرة، والتتابع، ولا يلزم من ذلك كبرها وعظمها، والله أعلم.]] ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في أسفارهم إذا مروا بها فيخافوا ويعتبروا [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 أ. و"تفسير الماوردي" 4/ 146.]].

قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط [[ذكره البغوي 6/ 85، ولم يخسجه. ونسبه القرطبي 13/ 34، لابن عباس رضي الله عنهما.]]. وذلك قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137].

ثم أعلم الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن الذي جرأهم على التكذيب، وترك المبالاة بما شاهدوا من التعذيب في الدنيا أنهم كانوا لا يصدقون بالبعث، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 40] قال ابن عباس ومقاتل: لا يخافون بعثًا، ولا يصدقون به [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. أخرج ابن أبي حاتم 182 أ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يخافون. وأخرج ابن جرير 19/ 17، عن ابن جريج: ﴿وَلاَ نُشُورًا﴾ بعثاً. قال ابن الجوزي: أي: لا يخافون بعثاً، هذا قول المفسرين. "زاد المسير" 6/ 91. وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي. "معاني القرآن" للزجاج 4/ 69. وارتضى هذا القول الرازي 24/ 84. وجوَّز القرطبي 13/ 34، القولين.]].

25:41Page 363

وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١

And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوؤًا به [["تفسير الطبري" 19/ 17. بنحوه قال أبو حيان 6/ 458 لم يقتصر المشركون على إنكار نبوة الرسول -ﷺ- وترك الإيمان به، بل زادوا على ذلك بالاستهزاء، والاحتقار، حتى يقول بعضهم لبعض ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.]]. ثم ذكر أي شيء يقولون من الاستهزاء فقال: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: قالوا مستهزئيِن: أهذا الذي بعثه الله رسولَّاً إلينا [[ذكر مقاتل في تفسيره 45 ب، أنها نزلت في أبي جهل. وكذا السمرقندي 2/ 461. والثعلبي 8/ 99 أ. والبغوي 6/ 85. والقرطبي 13/ 34. وأخبر بلفظ الجمع تعظيماً لقبح صنعه، أو لكون جماعة معه قالوا ذلك. تفسير أبي حيان 6/ 458.]]؟. وجواب ﴿إذا﴾ هو ما أضمر من القول على تقدير: وإذا رأوك قالوا: أهذا الذي بعث الله [[ذكر النحاس 3/ 162، أن جواب (إِذَا) هو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ لأن معناه: يتخذونك. وأشار إلى القول الذي ذكره الواحدفي بقوله: وقيل: الجواب محذوف؛ لأن المعنى: قالوا: أهذا الذي بُعث هو ﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.]]؟. وقوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ جملة اعترضت بين: إذا، وجوابها، والمعنى: إذا رأوك مستهزئين قالوا هذا القول؛ وهو قولهم:

25:42Page 363

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢

He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.

﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قال ابن عباس: لقد كاد أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا [["تنوير المقباس" ص 303. و"تفسير السمرقندي" 2/ 462، ولم ينسبه. وهذا يدل على عظم حرص النبي -ﷺ- على هداية قومه، ومجاهدتهم بكل ما يستطيع. تفسير الزمخشري 3/ 274. قال المراغي: وهذا منهم مغالاة، حيث سمَّوا دعوته إضلالاً. "تفسير المراغي" 19/ 19 ويشبه هذا ما حكاه الله تعالى عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26].]]. وقال مقاتل: استزلنا عن ديننا [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وجمعهم بين الاستهزاء بالنبي -ﷺ- ووصفه بأنه كاد أن يضلهم عن دينهم، دليل على حيرتهم في أمره، تارة يستهزئون به، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل. تفسير أبي حيان 6/ 459.]] قال الله سبحانه: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي: بما يعاينوه في الآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ من أخطأ طريقا عن الهدى أهم أم المؤمنون! قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" ص 45 ب.]]. وقال غيره: المعنى: يعلمون أنه لا أحد أضل منهم [[قال الثعلبي 8/ 99 أ: هذا وعيد لهم.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском