Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:43–47
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [[في تقديم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43] إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول: أرأيت، مبتدأ وخبر، المبتدأ: هواه، والخبر: إلهه، وتقديم الخبر يفيد الحصر، فكأنه قال: أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه، فهو أبلغ في ذمه وتوبيخه. "الانتصاف بحاشية الكشاف" 3/ 274.]] قال عطاء عن ابن عباس: أرأيت يا محمد من عرف أني إلهه، وخالقه، ثم هوى حجرًا يعبده فما حاله عندي [["تفسير الماوردي" 4/ 146. والبغوي 6/ 85، بنحوه منسوبًا لابن عباس.]].
وقال الكلبي: كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئًا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه عبده حجرًا أو شجرًا أو أشباههما [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268، بمعناه. ولم ينسبه، ونسبه القرطبي 13/ 35، للكلبي.]].
وقال سعيد بن جبير: كان أهل الجاهلية يعبد أحدهم الحجر فإذا رأى أحسن منه أخذه وترك الأول [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 أ، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2699، نحوه منسوبًا لابن عباس. ومثل رواية ابن أبي حاتم، ذكر الماوردي 4/ 146، وابن كثير 6/ 113.]].
وقال مقاتل: وذلك أن الحارث بن قيس السهمي [[الحارث بن قيس بن عدي بن سعد القرشي السهمي، ذكره ابن جرير 14/ 70 في المستهزئين عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95].]] هوى حجرًا فعبده [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. ونسبه العز 2/ 426، للحسن.]]. وعلى هذا القول، تقدير الآية: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه، فحذف الجار [["تفسير القرطبي" 13/ 35.]]. أو: إلهه ما يهواه، فسمي المفعول باسم المصدر، قال: فلان هوًى لفلان، إذا كان يهواه ويميل إليه، ومنه قول الشاعر:
هوًى بتهامة وهوًى بنجد ... فما أدري أُنِجِّدُ أم أغور [[لم أقف على من أنشد البيت، ولا على قائله. وفي "لسان العرب" 5/ 34 (غور): غور تهامة: ما بين ذات عرق والبحر وهو الغور، وقيل: الغور تهامة وما يلي اليمن.]]
ومعنى الآية: تعجيب النبي -ﷺ- من نهاية جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى، وما يدعو إليه الهوى باطل [[فالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ للتقرير، والتعجب. البيضاوي 2/ 142.]]. وهذا القول اختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268.]].
وفي الآية قول آخر؛ وهو قول الحسن وابن عباس؛ قال ابن عباس: الهوى: إله يعبد من دون الله [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 أ. منسوبًا لابن عباس فقط. وعنه نقل ابن عطية 11/ 43. وذكره القرطبي 13/ 35.]].
وقال الحسن: لا يهوى شيئًا إلا اتبعه [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2700. وأخرج بسنده عن قتادة: والله لكلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. وزاد السيوطي 6/ 260، نسبته لعبد بن حميد. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، أنه قيل له: في أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم؛ المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق يعبد هواه، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. "الدر المنثور" 6/ 261. قال الألوسي 19/ 24، بعد أن ساق هذا القول: والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة.]]. وذكر الزجاج القولين؛ فقال في القول الثاني: أي: أطاع هواه، وركبه فلم يبال عاقبة ذلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 69.]]. وهو اختيار ابن قتيبة؛ قال: يقول: يتَّبع هواه ويدع الحق فهو كالإله [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 313. قال القرطبي 13/ 35، بعد أن ذكر القولين: والمعنى واحد.]].
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد لست عليه بمسيطر [[تفسير الماوردي 4/ 146، منسوبًا للسدي. ونحو هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45].]].
وقال مقاتل: يريد أن تكون بيدك المشيئة في الهوى والضلالة [["تفسير مقاتل" ص 45 ب.]]. والمعنى: أفأنت عليه حافظ، تحفظه من اتباع هواه، وعبادته ما يهوى من دون الله [[في غريب القرآن لابن قتية ص 313، ﴿وَكِيلًا﴾ أي: كفيلًا، وقيل: حافظًا.
ونسب الماوردي 4/ 143، الأول للكلبي، والثاني ليحيى بن سلام. قال الثعلبي 8/ 99 أ: أي: حفيظًا من الخروج إلى هذا الفساد.]]. أي: لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال [["تنوير المقباس" ص 353 و"الوسيط" 3/ 341. ولم ينسب هذا القول في "الوجيز" 2/ 780، وصدَّرَه بقوله: وقيل: إن هذا مما نسخته آية السيف. وجزم بالنسخ الثعلبي 8/ 99 أ، ولم ينسبه. وصدره ابن الجوزي 6/ 93، بقوله: وزعم الكلبي ... وصدَّره القرطبي 13/ 36، بـ: قيل. ثم قال: وقيل: لم تنسخ؛ لأن الآية تسلية للنبي -ﷺ-. وصدر الشوكاني 4/ 75، أقول بالنسخ بـ: قيل، ولم ينسبه، ولم يذكر غيره. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها؛ إذ لا دليل عليه، وآيات العفو والصفح والإعراض يعمل بها في أوقاتها المناسبة. والله أعلم.
قال الزركشي: وبهذا التحقيق تبين أن ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا. "البرهان في علوم القرآن" 3/ 49. وإذا عرفنا أن اصطلاح النسخ في عرف المتقدمين أوسع من اصطلاح المتأخرين زال الإشكال. قال شيخ الإسلام: والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف -العام-: كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام، وتقييد المطلق. "الفتاوى" 13/ 272.]].
25:44Page 364
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب يا محمد [["تنوير المقباس" ص 303. فـ ﴿أَمْ﴾ هنا للإضرابد والأقرب أنهاهنا عديلة لألف الاستفهام. انظر: "معاني الحروف" للرماني ص 70. وجعل البيضاوي 2/ 142، الاستفهام للإنكار. والله أعلم. قال أبو السعود 6/ 221: إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه -ﷺ- لهم ممن يسمع أو يعقل؟. واقتصر على القول بالإنكار الشوكاني 4/ 75. وذكر ابن عاشور 19/ 37، قولًا قريبًا من كلام أبي السعود. قال الشنقيطي 6/ 331: ﴿أَمْ﴾ هو في هذه الآية هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى: بل، الإضرابية، واستفهام الإنكار معًا.]] ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ [[قال النحاس: ولم يقل: أنهم؛ لأن منهم من قد عَلِمَ أنه يؤمن. "إعراب القرآن" == 3/ 162. وقال الرازي 24/ 86: لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى، ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل. ويُحمل أيضًا على أن منهم من رضي باتباع الرؤساء والزعماء، ولم يكلف نفسه السماع. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67].]] قال ابن عباس: يريد أهل مكة في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ما يذكَرهم به سماع طالب للفهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 ب.]] ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يميزون الهدى من الضلالة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ قال مقاتل: في الأكل والشرب، لا يلتفتون إلى الآخرة [["تفسير مقاتل" ص 45 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2700، بسنده عن ابن عباس قال: مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم: كل، لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، كذاك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.]]. وقال الكلبي: شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب لا تعقل غيره [["تنوير المقباس" ص 353.]]. وقال الزجاج: في قلة التمييز فيما جعل دليلًا لهم من الآيات، والبرهان [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 69. بنصه.]] ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد أن البهائم ليس عليها عقاب ولا لها ثواب [["تنوير المقباس" ص 303. بنصه.]]. وهذا معنى قول الكلبي؛ لأنها لا حجة عليها [["تنوير المقباس" ص 303، بمعناه.]].
قال مقاتل: يقول الله: بل هم أخطأ طريقًا من البهائم؛ لأنها تعرف ربَّها وتذكره، وأهل مكة لا يعرفون ربهم فيوحدونه [["تفسير مقاتل"ص 46 أ.]]. وهذا المعنى أراد الزجاج؛ فقال: لأن الأنعام تسبح بحمد الله، وتسجد له، وهم كما قال الله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 75.]] [البقرة: 74] وقيل: لأن الأنعام تنقاد لأربابها الذين يُعلفونها ويتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 99 ب. ذكر الرازي 24/ 86 وجوهًا ستة، في كونهم أضل من الأنعام.]]. ونظير هذه الآية في سورة الأعراف [[في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]]].
25:45Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [[قال الرازي 24/ 88: اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقتهم في ذلك ذكر بعده أنواعًا من الدلائل الدالة على وجود الصانع. ثم جعل هذه الآية النوع الأول. وذكر نحوه أبو حيان 6/ 460. وهذا غير مسلم؛ لأن القوم لم يكونوا منكرين لوجود الله حتى تساق لهم الآيات والبراهين الدالة عليه، فالأولى أن تكون هذه الآيات سيقت لإلزامهم بإفراد الله بالعبادة، من خلال مشاهدتهم لهذه الآيات المختلفة والمتضادة، التي لا ينكرونها، والتي لا تقدر الآلهة على شيء منها، فإقرارهم بوحدانية الله في خلقه لها وتصريفها مع عجز جميع المخلوقات عن التصرف فيها مستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، ويدل لهذا توجيه الخطاب للنبي -ﷺ- ليعلمهم بذلك. وجعل ابن عاشور 19/ 39، هذه الآية مفيدة تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجمًا، بهيئة مد الظل مدرَّجًا، ولو شاء لجعله ساكنًا. وفيه بعد. والله أعلم.]] ذُكِر فيه أوجه؛ قال مقاتل: ألم تر إلى فعل ربك [[لم أجده في "تفسير مقاتل". وفي "تنوير المقباس" ص 303: ألم تنظر إلى صنع ربك. وكذا عند الزمخشري 3/ 275، غير منسوب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88].]].
وعلى هذا الآيهَ من باب حذف المضاف [["تفسير السمرقندي" 2/ 462، وفيه: ألم تر إلى صنع ربك.]]. وقال أبو إسحاق: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم. وهذا من رؤية القلب. قال: ويجوز أن يكون من رؤية العين، ويكون المعنى: ألم تر كيف مد الظل ربك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 70. واقتصر ابن عطية 11/ 44، على أن المراد به: رؤية القلب.]]. وهذا قريب مما ذُكر في هذه الآية أنه مقلوب؛ على تقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك [["تفسير السمرقندي" 2/ 462، ولم ينسبه.]]. قال: والأجود أن يكون بمعنى العلم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 70.]].
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قال أبو عبيدة: الظل ما تنسخه الشمس، وهو بالغداة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 75، بمعناه. وقال في ص 76: والفيء: ما نسخ الشمسَ من الظل، وهو بالعشي، إذا استدارت الشمس. والغدوة: من أول النهار. "المفردات" للراغب ص 358. وقال الراغب في ص 314: الظل أعم من الفيء، فإنه يقال: ظل الليل، وظل الجنة، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل، ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس.]]. والكلام في معنى الظل قد تقدم [[قال الواحدي في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57]: الظل في اللغة، معناه: الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل فلان، أي: ستره، وظل الشجرة سترها، ويقال لظلمة الليل: ظل؛ لأنها تستر الأشياء، ومنه قوله تعالى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45].]].
والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 70، عن الحسن، وقتادة. وذكره البخاري، تعليقًا عن ابن == عباس. "فتح الباري" 8/ 490. ووصله من طريق علي بن أبي طلحة، ابن جرير 19/ 18. وابن أبي حاتم 8/ 2701. وأخرجه ابن جرير 19/ 18، بإسناده عن سعيد ابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2701، وزاد نسبته لأبي العالية، والنخعي، ومسروق، والحسن. وهو قول مقاتل 46 أ، والفراء، "معاني القرآن" 2/ 286. وابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 314. والزجاج، "معاني القرآن" 4/ 70.
ويرى ابن عطية 11/ 45، أن المراد بالظل في الآية: هو ما بين أول الإسفار، إلى بزوغ الشمس، ومن بعد مغيبها مدة يسيرة. ورد ما خالفه بقوله: وتظاهرت أقوال المفسرين على أن هذا الظل هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك معتَرض بأن ذلك في غير نهار، بل في بقايا الليل، فلا يقال له: ظل. ونقل قوله ابن جزي ص 485، وأبو حيان 6/ 460 ولم يتعقباه. ورده ابن حجر بقوله: لأن الذي نقل أنه يُطلَق على ذلك ظلٌ ثقة مُثبِت، فهو مقدم على النافي، حتى ولو كان قول النافي محققًا لما امتنع إطلاق ذلك عليه مجازًا. "فتح الباري" 8/ 491. والأولى أن يقال: إن اعتراض ابن عطية لا وجه له؛ لأن النهار في لسان الشرع يبدأ من دخول وقت الفجر، فلا يقال للوقت بعد طلوع الفجر إلى الإسفار ليل، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] قوله: -ﷺ- "إِنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ" أخرجه البخاري في الأذان. رقم 617 "الفتح" 2/ 99. ومسلم 2/ 768 الصيام، رقم 1092. والله أعلم.]].
فالظل الذي يكون بعد طلوع الفجر، وانبساطه قبل طلوع الشمس، وظورها على الأرض هو الذي أراد الله بقوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ واستدلوا بقوله في صفة ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] أي: لاشمس فيه [["تأويل مشكل القرآن" 314، حيث استدل بهذه الآية. وقريب منه في "تفسير السمرقندي" 2/ 462. و"تفسير الثعلبي" 8/ 99 ب. قال الرازي 24/ 88: وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عليها الحس، == وأما الضوء الخالص .. فهي لقوتها تبهر الحس البصري، وتفيد السخونة القوية، وهي مؤذية، فإذًا أطيب الأحوال هو الظل، ولذلك وصف الجنة به.
وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. "تفسير القرطبي" 13/ 37.]]. كذلك الظل فيما بين هذين الوقتين لا شمس معه، فهو ظل ممدود [[قال القرطبي 13/ 37: ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر وكل ذي علة.]].
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يقول لو شئت لجعلت الظل دائمًا لا يزول إلى يوم القيامة [["تفسير مقاتل" ص 46 أ. وذكر البخاري، كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، عن ابن عباس: ﴿سَاكِنًا﴾ دائمًا. الفتح 8/ 490. ووصله ابن جرير 19/ 19، وابن أبي حاتم 8/ 2702، من طريق علي بن أبي طلحة.]].
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول [[أخرج ابن جرير 19/ 19، وابن أبي حاتم 8/ 2702. وتفسير مجاهد 2/ 453.]].
وقال الحسن: ساكنًا كما هو [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2702.]].
قال الكلبي: دائمًا لا شمس معه [["تنوير المقباس" ص 304.]].
وقال الفراء، والزجاج: أي ثابتًا دائمًا لا يزول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 70.]].
وقال ابن قتيبة: أي مستقرًا دائمًا حتى يكون كظل الجنة الذي لا تنسخه الشمس [["تأويل مشكل القرآن" ص 314، بنصه، ونحوه في "تفسير غريب القرآن" ص 313.]].
وقال صاحب النظم: ليس هذا من السكون الذي هو ضد الحركة؛ لأن الظل ساكن أبدًا، ولكنه من السكون الذي هو بمعنى الإقامة، يقال: سكن فلان بلد كذا، أي: أقام فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ذُكِر فيه قولان، قال مقاتل: يعني على الظل دليلًا تعلوه الشمس فتدفعه حتى تأتي على الظل كله [["تفسير مقاتل" ص 46 أ. وفيه: يتلو، بدل: تعلوه وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2702، عن قتادة، والسدي. قال الهواري 3/ 212: تتبعه، وتقبضه.]]. وهذا معنى قول مجاهد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال: تحويه [[أخرج ابن برير 19/ 19. وابن أبي حاتم 8/ 2702. وتفسير مجاهد 2/ 453.]]؛ أي: تأخذه.
وقال الكلبي: حيثما يكون الظل تكون الشمس [["تنوير المقباس" ص 304.]].
وقال أبو إسحاق: الشمس دليل على الظل وهي تنسخ الظل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 70.]]. وهذه الأقوال معناها واحد. وبيانها ما ذكره صاحب النظم؛ فقال: دليل، هاهنا فعيل بمعنى: مفعول، نحو: العتيل، والدَّهين، والخصيب [[هكذا في (أ)، (ب): (العتيل)، وأهمل وضع النقط في (ج). العتيل: الأجير. "تهذيب اللغة" 2/ 271، و"اللسان" 11/ 424 (عتل). الدَّهين: الناقة القليلة اللبن. ورجل دهين: ضعيف. "تهذيب اللغة" 6/ 206، "اللسان" 13/ 161 (دهن). الخصيب: الرجل إذا كان كثير خير المنزل، يقال: إنه خصيب الرحل. ويقال: مكان مخصب، وخصيب. "تهذيب اللغة" 7/ 150، و"اللسان" 1/ 356 (خصب).]]. والمعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به. أي: اتبعناها إياه. يدل على ذلك: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء [[قال ابن جرير 19/ 19: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد.]].
القول الثاني: قال ابن عباس: يدل الشمس على الظل [[ذكر البخاري، عن ابن عباس ﴿دَلِيلًا﴾ طلوع الشمس. كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، "فتح الباري" 8/ 490. ووصله ابن أبي حاتم 8/ 2702، من طريق علي ابن أبي طلحة.]]. واختار ابن قتيبة هذا القول، وشرحه؛ فقال: تقول لِمَا طلعت الشمس: دلت عليه، وعلى معناه، وكل الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل، وهكذا سائر ألألوان والطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] يريد: ضدين ذكرًا وأنثى، وأسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وأشباه ذلك [["تأويل مشكل القرآن" ص 314.]]. وعلى هذا القول: دليل، فعيل بمعنى فاعل [[الظاهر أن لا فرق بين القولين، وقد ساق ابن جرير الآثار السابقة مجتمعة بعد تقريره أن الشمس دليل على الظل. والله أعلم. وفي جعل الشمس دليلًا على الظل، مصلحة ظاهرة للعباد فيبنون حاجتهم إلى الظل، واستغاءهم عنه على حسب ذلك. تفسير الزمخشري 3/ 275. وزاد عليه ابن عاشور 19/ 43، فوائد أخرى.
ومعنى الآية واضح ظاهر، ومع ذلك قال ابن عاشور 19/ 41: ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة إفصاحًا شافيًا. ثم قال ص 42: وتعدية ﴿دَلِيلًا﴾ بحرف على، يفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى. والله أعلم.]].
25:46Page 364
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فيه قولان؛ قال مجاهد: يعني حوى الشمسُ إياه [[يعني: الظل. أخرجه ابن جرير 19/ 20. وابن أبي حاتم 8/ 2703.]].
وقال الكلبي: إذا طلعت الشمس قبض الله الظل قبضًا يسيرًا [[في "تنوير المقباس" ص 304 ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ عني: الظل. واستشهد عليه الهواري 3/ 212، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال النحاس، "إعراب القرآن" 2/ 462: ويقال يسيرًا، يعني: خفيًا فلا يدري أحد أين يصير، وكيف يصير. ونسبه الواحدي في "الوسيط" 3/ 342، للكلبي.]].
وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: خفيًا [[أخرج ابن جرير 19/ 20، وابن أبي حاتم 8/ 2703، عن ابن عباس. رضي الله عنهما. من طريق علي ابن أبي طلحة: في ﴿يَسِيرًا﴾ سريعًا. وأخرجا عن مجاهد: خفيًا. وهو قول مقاتل 46 أ. وجمع بين القولين ابن جرير 19/ 20 فقال: فمعنى الكلام إذا كان ذلك كذلك، يتوجه لما روي عن ابن عباس، ومجاهد؛ لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء.]]. وقال عطاء: سهلًا [[ذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص 315، ولم ينسبه. وكذا الزجاج، "معاني القرآن" 4/ 70.]].
وقال الفراء: الظل إذا لحقته الشمس قبض قبضًا يسيرًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 268.]]. ومعنى الآية على هذا القول: ثم جمعنا أجزاء الظل المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخها شيئًا فشيئًا [[ذكر نحوه الثعلبي 8/ 99 ب.]] فذلك قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ وذلك أن الظل بعد طلوع الشمس لا يذهب كله دفعة، وإنما يقبض الله جلَّ وعزَّ ذلك الظل قبضًا خفيًا، شيئًا بعد شيء، ويُعقِبُ كلَّ جزء منه يقبضه بجزء من ضياء الشمس حتى يذهب كله [["تأويل مشكل القرآن" 315، بنصه.]].
القول الثاني: ذكره ابن قتيبة، واختاره؛ فقال: المراد بقبض الظل هاهنا: الظل الذي يعود بعد غروب الشمس إلى ظلمة الليل وسواده؛ وذلك أن الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود، ثم يقبض الله ذلك الظل بانتشار الظلمة وتزايدها، ولا يُقبِل الظلام كله جملة، وإنما يقبض الله ذلك الظل شيئًا بعد شيء بجزء من سواد الليل [["تأويل مشكل القرآن" ص 315، بمعناه. وذكر هذا القول ابن جرير الطبري 20/ 19، ولم ينسبه.]].
وعلى هذا القول المراد: قبض الظل بسواد الليل. وعلى القول الأول: قبضه بضياء الشمس. وهذا القول أعم؛ لأن الظل إنما يقبض بضياء الشمس، حيث يكون شخص يقع له ظل، فأما البراري والصحاري فإن ظلها يقبض عند طلوع الشمس دفعة واحدة، فيخرج عن قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ويقوي القول الأول قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ والكناية تعود إلى الظل الذي سبق ذكره؛ وهو: ظل الغداة [[أي: ظل أول النهار. قال تعالى: قال تعالى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام 52. الكهف 28] "المفردات"، للراغب ص 358.]] بإجماع المفسرين [[سبق أن أشار الواحدي إلى هذا، بقوله: والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس.]]. وفي القول الثاني: الكناية تعود إلى ظل من جنس الظل المذكور.
وقال ابن قتيبة: دل الله -عز وجل- بهذا الوصف على قدرته، ولطفه، في معاقبته بين الظل، والشمس، والليل، لمصالح عباده وبلاده. قال: وهذا القول الثاني أجمع للمعاني وأشبه بما أراد الله [["تأويل مشكل القرآن" ص 315.]]. يعني: أنه يشتمل على ذكر الليل، وإدخاله بعد غروب الشمس.
وأجاز أبو علي الفارسي، في قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قولًا ثالثًا؛ فقال: يجوز أن تعود الكناية من قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى ضياء الشمس؛ لأنه يقبض أيضًا قبضًا يسيرًا على التدرج.
وعلى هذا معنى الآية: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضًا يسيرًا [[واختار هذا القول ابن جرير 19/ 20، حيث قال: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشي. وفي الآية وجه آخر؛ وهو: أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة: الفرقان: -الآية: 46] كأنه يشعر بذلك. مدارج السالكين 3/ 293. و"تفسير البيضاوي" 2/ 143. و"تفسير أبي السعود" 6/ 223. وهذا القول فيه بعد؛ إذ المراد جعل ذلك آية ظاهرة مشاهدة للناس يدركونها ويشاهدونها في حياتهم؛ والقول بأن المراد به عند قيام الساعة لا يؤدي هذا المعنى. والله أعلم.]].
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال ابن عباس: يريد ألبسته الظلمة ليسكن فيه. وعلى هذا المعنى: ذا لباس من الظلمة؛ أي: أُلبس الظلمة ليُتركَ فيه العملُ والتصرف. قال مقاتل: يعني سكنًا [["تفسير مقاتل" ص 64 أ. وهو قول الهوَّاري 3/ 212.]]. وهو معنى وليس بتفسير، واعتباره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67] [["تأويل مشكل القرآن" ص 144، وذكر فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: 189].]]. وقال أهل العربية، والمعاني: جعل الليل لباسًا؛ لأن ظلمته تلبس كل شخص وتغشاه حتى يمنع من إدراكه، وهو مشتمل عليكم وعلى كل شيء كاللباس الذي يشتمل على لابسه [["تهذيب اللغة" 12/ 444 (لبس)، بمعناه. وفي "تنوير المقابس" ص 304؛ ملبسا يلبس كل شيء فيه.]]. ومن هذا قول ذي الرمة: فلما لبسن الليل [["ديوان ذي الرمة" ص 313، والبيت بتمامه:
فلمَّا لَبِسنَ الليلَ أوحين نَصَّبتْ ... له مِنْ خَذا آذانها وهُوَ جانحُ
لبسن الليل: دخلن فيه، يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها ثم رفعت رءوسها ونصبت آذانها في ذا الوقت حين جنح الليل، والخذا: الاسترخاء. "ديوان ذي الرمة" بشرح الخطيب التبريزي ص 313.]] .. البيت
والله تعالى ألبسنا الليل وغشاناه لنسكن فيه [[بنصه، في "تفسير الطوسي" 7/ 270. وذكر ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 144، قولين في معنى: ﴿لِبَاسًا﴾ سترًا وحجابًا لأبصاركم. القول الثاني: سكنًا. واقتصر في كتابه "الغريب" ص 313، على القول الأول.]].
وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال الليث: السبات: السبات: النوم شِبه غشية. يقال: سبت المريض، فهو مسبوت [[كتاب "العين" 7/ 239 (سبت) ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 12/ 387.]] وقال الزجاج: السبات أن يقطع عن الحركة والروح في بدنه: أي: جعلنا نومكم راحة لكم [[في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 272، في تفسير سورة النبأ. قال مقاتل 46 أ: يعني الإنسان مسبوتًا لا يعقل كأنه ميت. وذكر نحوه الهواري 3/ 212.]]. وقد أجاد وأحسن في تفسير السبات [["تهذيب اللغة" 12/ 386 (سبت)، قاله الأزهري بعد نقل قول الزجاج. واقتصر ابن قتيبة، في الغريب ص 313. على تفسير السبات بالراحة ثم قال: وأصل السبات: التمدد. وذكر الأزهري 12/ 386، عن ابن الأنباري، أنه قال؛ لا يعلم في كلام العرب سبت بمعنى: استراح، وإنما معنى سبت: قطع. وجعل الزمخشري 3/ 276، مقابلة السبات بالنشور يمنع من "تفسيره" بالراحة، فقال: والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60] ورد هذا أبو حيان 6/ 462، قال: ولا يأباه إلا لو تعين تفسير النشور بالحياة. وهو كلام جيد.]]. وقال ابن الأنباري: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ أي: قطعًا لأعمالكم [["تهذيب اللغة" 12/ 386 (سبت)، ينصه. منسوبًا لابن الأنباري. وفي "تفسير الثعلبي" 8/ 99 ب: راحة لأبدانكم وقطعًا لعملكم.]].
قال ابن عباس ومقاتل: ينتشرون فيه لابتغاء الرزق [["تفسير مقاتل" ص 64 أ، و"تفسير مجاهد" 2/ 454، وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2704، عن قتادة لمعايشهم ولحوايجهم ولتصرفهم.]] والنشور معناه: التفرق: الانبساط في التصرف، ومنه: نشور الميت، وهو: حياته، وحركته، وتصرفه، بعد هموده. وحَسُن ذكر النشور هاهنا؛ لأن النائم بالليل يكون بانقطاعه عن العمل كالميت، فإذا استيقظ بالنهار وأخذ في أعماله كان النهار نشورًا له من وفاة النوم [["تفسير ابن جرير" 19/ 21، بمعناه. واستشهد على ذلك بقول النبي -ﷺ- إذا أصبح وقام من نومه: ﴿الْحَمْدُ لله الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، رقم: 6312 الفتح 11/ 113، والترمذي 5/ 449، كتاب الدعوات، رقم: 3417.]]. وفي هذه الآية تذكير بالنعم من الله تعالى؛ وهي النوم، الذي فيه راحة الأبدان، والنهار، الذي يصلح للتصرف فيه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences