Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:194–217
26:194Page 375
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال مقاتل: يقول: لنثبت قلبك [["تفسير مقاتل" 54 ب.]]. والمعنى: نَزَل به الروحُ الأمين فتلاه عليك حتى وعيته بقلبك [["تفسير ابن جرير" 19/ 112، بنصه.]].
وقال أبو إسحاق: نزل فوعاه قلبك وثبت فيه فلا تنساه أبدًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 100.]]. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [ممن أنذر المكذبين بآيات الله] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]].
No commentary for this ayah
26:196Page 375
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ وإنَّ ذكرَ القرآن وخبرَه لفي كتب الأولين [["تفسير الثعلبي" 8/ 116 ب.]]. يعني: أن الله تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله على النبي -ﷺ- المبعوث في آخر الزمان [["تفسير ابن جرير" 19/ 112، بمعناه.]]. وقال مقاتل: وإنَّ أمرَ محمد، وذكرَه، ونعتَه [[ونعته، في نسخة (ج).]] لفي كتب الأولين [["تفسير مقاتل" 54 ب.]]. وهذا كقوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157] [[وقد استدل بالآية على ذلك الزجاج 4/ 100.]]. والزُّبُر: الكتب، زَبُور وزُبُر، مثل: رَسُولٌ ورُسُل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 100. قال أبو عبيدة 2/ 90: "أي: كتب الأولين؛ واحدها: زبور".]].
26:197Page 375
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قرأه العامة: ﴿يَكُن﴾ بالياء ﴿آّيّةً﴾ نصبًا [[كلهم قرأ: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ بالياء ﴿آيَة﴾ نصباً، غير ابن عامر فإنه قرأ: (أو لم تكن لهم) بالتاء (آيةٌ) رفعاً. "السبعة في القراءات" 473، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 138، و"المبسوط في القراءات العشر" 276، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 369، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 336.]].
قال إسحاق: (أنْ) اسم كان، و (آيةً) خبره؛ والمعنى. أو لم يكن لهم [[لهم، في نسخة (ج).]] عِلْم علماء بني إسرائيل أن النبي -ﷺ- حق وأن نبوته حق، (آية) أي: علامة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 320.]]، موضحة؛ لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل وجدوا ذكر النبي -ﷺ- مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 101. وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 76، عن قتادة.]].
قال ابن عباس، في رواية الكلبي: بعث أهلُ مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد -ﷺ-؛ فقالوا: إنَّ هذا لزمانُه، وإنَّا نجد في التوراة نعتَه وصفتَه. فكان ذلك آية لهم على صدقه [["تفسير الثعلبي" 8/ 116 ب، وعنه ابن عطية 11/ 149. و"تفسير البغوي" 6/ 129. و"تفسير السمرقندي" 2/ 484، ولم ينسبه. وهو في "تنوير المقباس" 314، بمعناه.]]. فعلى هذا: أراد بعلماء بني إسرائيل: يهود المدينة ومن كان منهم عالمًا بالكتاب.
وقال مقاتل: يعني: ابن سلام وأصحابه [["تفسير مقاتل" 54 ب.]].
وقال مجاهد: علماء بني إسرائيل؛ عبد الله بن سلام، وغيره من علمائهم [["تفسير مجاهد" 2/ 466، وفيه زيادة: من أسلم منهم. و"تفسير ابن جرير" 19/ 112، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس.]].
وقال عطية في هذه الآية: كانوا خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامينَ، وثعلبةُ، وأسد، وأَسِيد [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2820. و"تفسير البغوي" 6/ 129. وزاد السيوطي نسبته لابن سعد، وابن المنذر. "الدر المنثور" 6/ 323.]].
قرأ ابن عامر: (تكن) بالتاء (آيةٌ) رفعًا، قال أبو إسحاق: جعل (آيةٌ) هي الاسم، و (أن يعلمه) خبر تكن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 101.]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 283.]]. قال أبو علي: إذا اجتمع في باب: كان، معرفة ونكرة فالذي يُجعل اسم كان منهما: المعرفة، كما كان المبتدأ: المعرفة، والنكرة: الخبر، وهو يجيء في الشعر للاضطرار؛ الاسم: نكرة والخبر: معرفة، ولا يجوز هذا حيث لا يُضْطُّر إليه تصحيحُ وزنٍ، ولا إقامةُ قافيةٍ، فقوله: (أولم تكن لهم آية) لا يجوز أن يكون التأنيث في (تكن) لأنه حينئذ يصير اسمًا لكان، ولكن في (تكن) ضمير القصة، و (آيةٌ) خبر مبتدأ مقدم، والجملة في موضع نصب كما تقول: كان زيدٌ منطلقٌ، على معنى: كان الأمر هذا وكان الشأن هذا، قاسم كان ضمير مستتر، وارتفع زيد بالابتداء، ومنطلق: خبره، والجملة في موضع نصب بكونها خبرًا.
قال: ومن ذلك قول الشاعر:
ولا أُنْبَأَنَّ أن وجهكِ شأنَه ... خُمُوش وإنْ كان الحميمُ حميمُ [[أنشده أبو علي، "الإيضاح العضدي" 1/ 143، ولم ينسبه. وأنشده أبو زيد، النوادر 126، ونسبه لعبد قيس بن خُفَاف البُرْجَمِي، وفي حاشية الإيضاح: الشاهد فيه: أنه جل اسم كان ضمير الشأن، والحميم مبتدأ، وحميم خبره، والجملة في موضع نصب خبر كان".]] ذكر هذا في كتاب "الإيضاح"؛ ونحو هذا ذَكر في كتاب "الحجة" [[ملخص من كتاب "الإيضاح العضدي" 1/ 136 - 143، و"الحجة" 5/ 369.]]؛ وزاد في هذا الفصل بأن قال: (ءايةٌ) مرتفعة بأنها خبر الابتداء الذي هو: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وقال: ولا يمتنع أن لا تضمر [[هكذا في كتاب الحجة: أن لا يضمر، فتراجع]] القصة ولكن ترفع: ﴿أَنْ يَعْلَمَه﴾ بقوله: (تكن) وإن كان في تكن علامة تأنيث؛ لأن ﴿أَنْ يَعْلَمَه﴾ في المعنى هو الآية، فيحمل الكلام على المعنى؛ كما حُمل على المعنى في قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] فأنث لما كان المراد بالأمثال: الحسنات. وكذلك قرأ من قرأ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأنعام: 23] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 370؛ قرأ حمزة والكسائي: (يكن) بالياء، وقرأ الباقون: (تكن) بالتاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص: (فتنتُهم) برفع التاء، وقرأ الباقون بالنصب. "السبعة في القراءات" 254، و"النشر" 2/ 257.]].
26:198–199Page 375
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: على رجل عجمي [[في "تنوير المقباس" 314: "على رجل لا يتكلم بالعربية".]]. والمعنى: ولو نزلنا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ بغير لغة العرب ما آمنوا به، وقالوا: ما نفقه قولك؛ نظيره قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُه﴾ [فصلت: 44] قال مقاتل: يقول: لو نزلنا هذا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان فقرأه على كفار مكة لقالوا: ما نفقه قولك [["تفسير مقاتل" 55 أ. واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 363.]].
قوله: ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: بالقرآن مصدقين بأنه من الله [["تفسير مقاتل" 55 أ.]].
وفيه قول آخر؛ روى داوود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت واقفًا مع عبد الله بن مطيع بن الأسود بعرفات؛ فقرأ هذه الآية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ قال: لو نزل على جملي هذا فقرأ عليهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 19/ 114، من طريقين. وكذا ابن أبي حاتم 9/ 2820.]]. وهذا القول أليق بما بعده.
قال أبو إسحاق: (الأعجمين) جمع أعجم، والأنثى عجماء، والأعجم الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، فأما العَجَمِي فالذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 283، بمعناه. والزاهر في معاني كلمات الناس 2/ 56.]].
قال أبو علي الفارسي: أعجم صفة [[كلمة: صفة، مكررة في نسخة (أ)، (ب).]]، كأحمر؛ لأنه قد وُصف به في النكرة، وهو قوله:
.. .. .. .. .. كما أَوتْ ... حِزقٌ يمانيةٌ لأعجمَ طِمْطِم [[هكذا أنشده أبو علي، "الإغفال لما أغفله الزجاج" 2/ 213 ب. والبيت لعنترة، من معلقته، وصدره كما في الديوان 20:
تأوي له قُلُص النعام كما أوت
ورواية البيت في "شرح التبريزي" ص 162:
يأوي إلى حِزق النعام كما أوت
وقال في شرحه: يأوي هذا الظليم إلى حزق النعام، وهي: جماعاتها، واحدتها: حزقة، وحزيقة، والطمطم: الذي لا يفصح شيئاً، شبه النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يسمعون كلامه، ولا يفهمونه، وخص أهل اليمن لقربهم من العجم، يعني: الحبش، وملابستهم لهم.]]
وقد دخلته الألف واللام على حد دخولها على أحمر، للتعريف في قولهم: زياد الأعجم، فقد علمت لجريه على النكرة، ودخول لام التعريف عليه أنه صفة في النكرة، مثل أحمر، وفي التعريف بمنزلة: الأحمر، وإذا كان كذلك ثبت أنه صفة، وإذا علمت أنه صفة علمت أن جمعه بالواو والنون، والياء والنون [[غير واضحة بالنسخ ولعل الصواب ما ذكره أبو علي في كتاب "الشعر" 1/ 156: كما أن عجماء لا تجمع بالألف والتاء.]] خطأ، وإذا كان هذا القبيل من الصفة لا يُجمع بالواو والنون في قول النحويين أجمعين، علمتَ أن قول أبي إسحاق: الأعجمين جمع أعجم، [والأنثى] [[ما بين المعقوفين، من كتاب أبي علي.]] عجماء، خطأ بيَّن؛ والقول فيه: أنه جمع أعجمي ليس جمع أعجم، وأعجم وأعجمي معناهما واحد، وكلاهما وَصْف الذي لا يُفصح من العجم كان أو من العرب، إلا أنَّ الذي تدخله ياء التشديد ينصرف، وإنْ كان المعني فيه الصفة [[الصفة، في نسخة (أ)، (ب).]]، [كما أن صياقلة [[الصَّقْل: الجِلاء، والمِصقلة التي يصقل الصَيْقَل بها سيفًا ونحوه، وجمع الصيقل: صياقل وصياقلة. "تهذيب اللغة" 8/ 372 (صقل).]] ونحوه لما دخله تاء التأنيث انصرف للتاء، والمعنى: معنى الجمع] [[ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.]] فأعجمي كقولهم: أحمري، وأنت تريد الأحمر، كما لا تريد بكرسي إضافتَه إلى شيء، وهذا مروي مأخوذ من رواة اللغة؛ يدلك على ذلك قول العجاج:
والدهرُ بالإنسان دَوَّارِيُ [[أنشده ابن جرير 19/ 114، منسوبًا للعجاج، وقال بعده: "ومعناه: دوار، فنسبه إلى فعل نفسه". وأنشده أبو علي، في كتابه: "الأغفال" 114 ب، منسوبًا للعجاج. وصدر البيت كما في الديوان 247:
أَطَرَبَاً وأنت قِنَّسْرِيُّ .. .. ..
قال محقق الديوان: القنسري: المسن الكبير، ودواري: دائر؛ يقول: إن الدهر == يتصرف بالإنسان ويدور به، يقول: كيف تطرب وأنت كبير يوبخه بذلك، وإنما يصبو فيعذر الصبي ومن لا سن له ولا تجربة عنده.]] ألا ترى أن المراد بدَوَّارِي: دوارٌ واحد، كذلك أعجم وأعجمي [[قال ابن جرير 19/ 114: "إذا أريد به نسبة الرجل إلى أصله من العجم، لا وصفه بأنه غير فصيح "اللسان"، فإنه يقال: هذا رجل عجمي، وهذان رجلان عجميان، وهؤلاء قوم عَجَم، كما يقال: عربي، وعربيان، وقوم عَرَب، وإذا قيل هذا: هذا رجل أعجمي، فإنما نسب إلى نفسه، كما يقال: للأحمر: هذا أحمريٌّ ضخم".]]. والذي قلنا من أن الأعجمين جمع أعجمي هو قول سيبويه؛ وقد نص عليه [[وذهب إلى ذلك الأخفش، في "معاني القرآن" 2/ 647. حيث قال: "واحدهم: الأعجم، وهو إضافة كالأشعرين". وذكر السمين الحلبي الأقوال المؤيدة لذلك. "الدر المصون" 8/ 554.]]؛ وذهب أبو إسحاق عنه [[يعني غفل عنه أبو إسحاق فلم يذكره. والله أعلم.]]، قال سيبويه في الباب المترجم: هذا بابٌ من الجمع بالواو والنون، [وتكسير الاسم. سألت الخليل عن قولهم: الأَشْعَرُون؛ فقال: إنما أَلحقوا الواو والنون] [[ما بين المعقوفين، غير موجود في كتاب أبي علي.]] وحذفوا ياء الإضافة كما كَسَّروا فقالوا: الأشاعرُ، والأشاعث، والمَسَامِعة، فلما كَسَّروا مِسْمَعًا والأشعث حين أرادوا معنى بني مِسْمَع وبني الأشعث، أَلحقوا الواو والنون، فكذلك الأعجمون [["الكتاب" 3/ 410.]].
فقد تبينت من نص سيبويه أن الأعجمين جمع أعجمي، وأن ياءي النسب والإضافة [[الإضافة. ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في كتاب أبي علي.]] محذوفان حُذفا في الجمع، وأنه جُمع على هذا [الحد] [[في كتاب أبي علي. "وأنه جمع على هذا كما جمع وكسر على الأشاعث".]] كما كُسِّر على الأشاعث. ومثل قولهم: الأعجمون، قولهم: النُّمَيْرُون. ومما يدلك على صحة هذا: أن ما كان صفة من هذا القبيل لا يجمع بالواو والنون، ألا ترى أنه لا يقال في جمع أسود: أسودون، وإذا كان ذلك مرفوضًا علمت أنه جَمْع الاسم إذا أُلحق ياء النسب؛ لأنه بدخول ياء النسب يخرج من ذلك الحد في اللفظ، وإن كان موافقًا له في المعنى، كما خرج بذلك من الامتناع من الانصراف، وكما لم يُجمع مذكر هذا القبيل بالواو والنون، كذلك لم يُجمع مؤنثه، نحو: حمراء، وسوداء، بالألف والتاء. انتهت الحكاية عن أبي علي [["الإغفال فيما أغفله الزجاج" 2/ 213، بشيء من التصرف، والاختصار، حيث أطال أبو علي، الحديث عن هذه المسألة.]].
وذكرنا تفسير الأعجمي في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِي﴾ [103].]].
26:200Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ تفسيره كتفسير قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [في سورة: الحجر [[عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [12].]].
قال ابن عباس: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاه﴾ يريد الشرك سلكه في قلوب المجرمين [["تفسير مجاهد" 2/ 466. وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي 4/ 385، في تفسير سورة الحجر.]]. و] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).]] قال الحسن: ﴿سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ الشرك جعلناه في قلوب المجرمين [[أخرجه ابن جرير 19/ 115، ولفظه: "الشرك سلكه في قلوبهم".]]. وهو قول ابن جريج وابن زيد [[أخرجه ابن جرير 19/ 115، عن ابن جريج، وابن زيد.]]. وقال مقاتل: يقول: هكذا جعلنا الكفر بالقرآن في قلوب المجرمين [["تفسير مقاتل" 55 أ. قال ابن قتيبة: " ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ يعني: التكذيب، أدخلناه". "غريب القرآن" 321. راجع للحديث عن هذه الآية تفسير سورة الحجر 12 ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ راجع متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار 425، وكذا تفسير هذه السورة عند الهوساوي.]].
26:201Page 375
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن [["تفسير مقاتل" 55 أ.]] ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فعلى هذا: أراد بالمجرمين: مشركي مكة. وعلى قول الحسن وابن عباس؛ أراد: المجرمين من الأمم الخالية؛ أخبر الله أنه أدخل الشرك، وجعله في قلوبهم فلم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب حين لم ينفعهم. قال ابن عباس في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، قال: لا يصدقون بتوحيد الله ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي أهلكهم الله به مما قص من لدن: نوح، إلى: شعيب. وعلى التأويلين جميعًا في الآية دلالة على أن الله تعالى خالق الشرك، سالكه في قلوب المجرمين.
قال الفراء: يقول سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين كيلا يؤمنوا به [["معاني القرآن" للفراء 2/ 283.]].
وقال أبو إسحاق: أي: سلكنا تكذيبهم في قلوبٍ جعل الله مجازاتِهم أن طبع على قلوبهم وسلك فيها الشرك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ قال: أخبر أنه لما سلك في قلوبهم الشرك منعهم من الإيمان به [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.]]. وتفسير القدرية لقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أمررنا القرآن في قلوبهم بإخطاره ببالهم لتقوم الحجة عليهم [[بنصه، قول الطوسي، في تفسيره 8/ 63. بلفظ: "أقررناه في قلوبهم بإخطاره" وهذا تصحيف، والصواب: أمررناه.]]. وهذا التفسير خَلْفٌ [[يقال: هذا خَلْفٌ من القول؛ أي. رديء. "تهذيب اللغة" 7/ 394 (خلف).]] فاسد؛ لم يقله أحد من المفسرين، ولا أصحاب المعاني إلا القدرية؛ وكيف يصح هذا والله تعالى يقول: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ أفتراه سلك القرآن في قلوبهم حتى لا يؤمنوا؟ وكان من الواجب أن يؤمنوا إذا أدخل الله القرآن في قلوبهم، ثم السلك ليس بمعنى: الإمرار والإخطار؛ إنما هو بمعنى: الإدخال والإثبات، كسلك الخيط في الحريرة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ﴾ [المدثر 42] لا يجوز أن يقال في معناه: ما أخطركم بها. والهاء في قوله: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ تعود إلى معنى قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِين﴾ ومعناه: كذبوا، وكذبوا يدل على التكذيب فكنى عنه، وهو قول المفسرين وأهل المعاني: سلكنا الشرك وسلكنا التكذيب، فظاهر الآية يدل على صحة قول مقاتل، وأن هذا إخبار عن مشركي مكة ولو كان خبرًا عن مشركي الأمم المتقدمة لقيل: لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فأتاهم بغتة، وقد قال:
26:202Page 375
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني العذاب [["تنوير المقباس" 314. و"تفسير مقاتل" 55 أ.]] ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به فيتمنوا الرجعة والنَّظِرَهَ [["تفسير السمرقندي" 2/ 484، والماوردي 6/ 130، ولم ينسباه.]]، وهو قوله:
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: لِنعتِب [[الإعتاب والعتبى: رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتب. "تهذيب اللغة" 2/ 278 (عتب).]] ونراجع، قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 55 أ. بلفظ: "فنعتب، ونراجع". وفي "تفسير ابن جرير" 19/ 116: "لنثوب، وننيب".]].
وقال ابن عباس: إنهم يسألون تأخير العذاب فلا يجابون ولا يصرف عنهم [["تنوير المقباس" 314، بلفظ: مؤجلون من العذاب.]].
قال مقاتل: فلما أوعدهم النبي -ﷺ- بالعذاب قالوا: فمتى العذاب تكذيبًا به [["تفسير مقاتل" 55 أ.]]، فقال الله تعالى:
26:204–205Page 375
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [قال ابن عباس:] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ يا محمد إن متعنا كفار مكة ﴿سِنِينَ﴾ قال: يريد منذ خلق الله الدنيا إلى أن تنقضي في النعيم والسرور والنَّضارة [[النضارة: نعيم الوجه، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]. "تهذيب اللغة" 9/ 12 (نضر).]].
وقال الكلبي: يعني عَمَّرهم؛ وهو معنى قول مقاتل: ﴿سِنِينَ﴾ في الدنيا [["تفسير مقاتل" 55 أ.]].
قال صاحب النظم: قوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ غير متعد إلى شيء؛ إنما هو سؤال واستخبار عن معنى بلفظ الاستفهام، كقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوت} [الكهف: 63] دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنِّي﴾ يدل على أنه مستأنف.
26:206Page 375
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب [["تنوير المقباس" 314. و"تفسير مقاتل" 55 أ.]].
26:207Page 376
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ به في تلك السنين. والمعنى: إنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا [[في نسخة (أ)، (ب): النساء.]] فإذا أتاهم العذاب لم يُغنِ طول التمتع عنهم [[عنهم. في نسخة (ج).]] شيئًا ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط [[ويشهد لهذا المعنى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "يؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَومَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَة ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَط هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَط فَيَقُولُ لاَ والله يَا رَب وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاس بُؤْسًا في الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً في الْجَنَّةِ فَيُقَال لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّة قطُّ فَيَقُولُ لاَ والله يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّة قَطُّ"، أخرجه مسلم 4/ 2162، كتاب صفة القيامة، رقم: 2807. وابن ماجه 2/ 1445، كتاب الزهد، رقم: 4321.]].
26:208Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال مقاتل: [[قال مقاتل. في نسخة (أ)، (ب).]] أي: فيما خلا بالعذاب في الدنيا ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُون﴾ يعني: رسلًا ينذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم [["تفسير مقاتل" 55 أ.]].
﴿ذِكْرَى﴾ قال ابن عباس: موعظة مني.
وقال مقاتل: تذكرة [["تفسير مقاتل" 55 أ، ولفظه: "العذاب يذكر، ويفكر".]].
قال أبو إسحاق: ﴿ذِكْرَى﴾ تكون [[تكون. في نسخة (ج).]] نصبًا ورفعًا، فمن نصب فعلى المصدر، ودل عليه الإنذار؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ معناه: إلا لها مذكرون ذكرى. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: إنذارنا ذكرى على خبر الابتداء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.]]. وهذا معنى قول الفراء: فقد ذكر [[في نسخة (أ)، (ب)، زيادة: إلا لها مذكرون ذكرى، قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع. وهي تكرار لما سبق من قول أبي إسحاق.]] القولين مجملًا [["معاني القرآن" للفراء2/ 284. وذكرهما أيضًا ابن جرير 19/ 117.]].
قوله: ﴿ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال مقاتل: وما كنا ظالمين فنعذب على غير ذنب [["تفسير مقاتل" 55 أ.]].
وقال غيره: ﴿ومَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ إذ أُهلكوا؛ لأنا قدمنا الإنذار والتذكير [["تفسير الثعلبي" 8/ 117 أ، ولم ينسبه.]].
26:210Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ قال مقاتل: قالت قريش: إنما يجيء بالقرآن الشيطان فيلقيه على لسان محمد فأنزل الله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [يعني: القرآن [["تفسير مقاتل" 55 أ. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 77، عن قتادة.]].
وهذه الآية منتظمة بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ أي: نزل بالقرآن جبريل ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] كما يزعم المشركون.
26:211Page 376
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
﴿وَمَا يَنبَغِى﴾ أن ينزلوا بالقرآن [["تفسير مقاتل" 55 أ، بنصه.]]. قال ابن عباس: لأن الشياطين لا يقوون [[في نسخة (أ)، (ب): يقولون.]] على قراءة القرآن، ولا يحتملونه إلا احترقوا ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: لا يقوون على حمل القرآن. وقال الكلبي: يقول: وما هم أهلٌ للقرآن، وما يقدرون أن يأتوا بالقرآن من السماء فقد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب [["تفسير مقاتل" 55 أ، بمعناه. قال ابن جرير 19/ 117: "لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء".]]. وهو قوله:
26:212Page 376
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد عن استماع القرآن لمحجوبون. قال الكلبي: لأنهم يرجمون بالنجوم [[ذكره الهواري 3/ 242، ولم ينسبه.]]. وقال الزجاج: لما رموا بالنجم منعوا من السمع [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 103. ونحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 285.]].
26:213Page 376
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
قوله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [قال ابن عباس: يُحَذِّر به غيره] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب). وهو في "تفسير الوسيط" 3/ 364.]] قال مقاتل: وذلك حين دُعِي إلى دين آبائه فأنزل الله: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تعبد معه إلهًا آخر [["تفسير مقاتل" 55 أ. و"تنوير المقباس" 314. "تفسير ابن جرير" 19/ 118.]] ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [قال ابن عباس: يحذر به غيره] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ج).]] يقول: أنت أكرم الخلق علىَّ ولو اتخذت من دوني إلهًا لعذبتك [[ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي 6/ 147.]].
قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أي: رهطك الأدنين وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب خاصة [["الوسيط" 3/ 364.]]، وهم الأقربون، وهاشم والمطلب أخوان ابنا عبد مناف، قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 55 أ.]].
وقال ابن عباس: أنذِرهم أن لا يتخذوا من دوني ربًّا.
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية، صعد رسول الله -ﷺ- الصفا ونادى الأقرب فالأقرب، فخذًا [[في النسخ الثلاث: فخذاً. مرة واحدة. وقد أخرجه مكرراً عبد بن حميد، عن قتادة. "الدر المنثور" 6/ 326.]] "يا آل غالب، يا آل لؤي، يا آل كعب، يا آل مُرَّة، يا آل كلاب، يا آل قصي: لا أملك لكم من الله شيئًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله، فأنذرهم" [["تفسير الهواري" 3/ 242، عن الكلبي.]].
وقال قتادة: قال لبني هاشم لما نزلت هذه الآية: "ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا فاتقوا النار ولو بشق تمرة" [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 77. وعنه ابن جرير 19/ 122.]].
قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ-: "إني أرسلت إلى الناس كافة وأرسلت إليكم يا بني هاشم والمطلب خاصة" [["تفسير مقاتل" 55 أ.]]. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله -ﷺ- فقال: "يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم" [[أخرجه ابن جرير 19/ 118، والترمذي 5/ 316، كتاب تفسير القرآن، رقم: 3184، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]].
وقال أبو هريرة: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا؛ يا بني فلان:"أنقذوا أنفسكم من النار" حتى انتهى إلى فاطمة؛ فقال: "يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببللاها" [[عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دَعَا رَسُولُ الله -ﷺ- قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْب أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَاَفٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي هَاشِيم أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنَي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا). أخرجه مسلم 1/ 192، كتاب الإيمان، رقم: 204. وأخرج نحوه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4771، الفتح 8/ 501. البِلال: الماء، ومعنى الحديث: سأصلها؛ شُبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة. "شرح النووي على صحيح مسلم" 3/ 80.]].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صعد رسول الله -ﷺ- على الصفا فقال: "يا صباحاه [[تقول العرب إذا نَذِرَت بغارة من الخيل تفجؤهم صباحاً: يا صباحاه، يُنذرون الحيَّ أجمع بالنداء العالي. "تهذيب اللغة" 4/ 266 (صبح).]] فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسكم أكنتم مصدقي؟ قالوا بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" [[أخرجه ابن جرير 19/ 120. وابن أبي حاتم 9/ 2825.]].
26:215Page 376
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: جانِبَك لمن اتبعك من المؤمنين [["تنوير المقباس" 314. و"مجاز القرآن" 2/ 91. و"تفسير السمرقندي" 2/ 486.]]. وذكرنا تفسير خفض الجناح في سورة بني إسرائيل [[عند قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [24].]]. قال ابن عباس: يريد أكرم من اتبعك من المصدقين بتوحيد الله وألِنْ لهم القول وأظهر لهم المحبة والكرامة.
26:216Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ قال ابن عباس: يريد عشيرتك. وقال مقاتل: يعني بني هاشم وبني المطلب ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: من الكفر وعبادة غير الله [["تفسيير مقاتل" 55 أ.]].
والآية دليل على أن موالاة المشرك حرام بكل حال؛ ألا ترَى كيف أمر الله رسوله في عشيرته الأقربين.
26:217Page 376
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قال الكلبي: فوض إليه جميع أمرك. وقال مقاتل: ثق باللهِ ﴿الْعَزِيزِ﴾ في نقمته [["تنوير المقباس" 314.]] ﴿الرَّحِيمِ﴾ بهم حين لم يعجل عليهم بالعقوبة [["تفسير مقاتل" 55 ب.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences