Al-Wahidi (al-Basit)Ash‑Shu'ara · 26:218–227

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:218–227

26:218–219Page 376

ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨

Who sees you when you arise1

وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩

And your movement among those who prostrate.1

قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي: للصلاة وإلى الصلاة. قاله ابن عباس والكلبي [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2827، عن ابن عباس. و"تنوير المقباس" 315. واقتصر في الوجيز 2/ 798، على قول: "إلى صلاتك".]]. وقال مقاتل: حين تقوم وحدك إلى الصلاة [["تفسير مقاتل" 55 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2828، عن الحسن.]]. وقال مجاهد: الذي يراك أينما كنت، يعني: يراك حين تقوم أينما كنت [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2828، وأخرج نحوه عن: الضحاك، وعكرمة، وقتادة.]].

فعلى قول مجاهد: ﴿تَقُومُ﴾ عام في كل شيء قام إليه، وهو الظاهر؛ لأنه بمرأى من الله إلى أي شيء قام [[وهذا المعنى أخرجه ابن جرير 19/ 124، عن ابن عباس، من طريق عطاء الخراساني: "يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم".]]. وعلى قول الآخرين: هذا القيام يختص بالقيام إلى الصلاة، وفائدته: التنبيه على تعظيم الصلاة، كما يقول القائل لغيره: راقب مَنْ يراك إذا صليت، والله تعالى يراه إذا لم يكن مصليًا.

قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال مقاتل: يعني: ويرى ركوعك وسجودك وقيامك. وهو التقلب في الساجدين يعني: مع المصلين في الجماعة [["تفسير مقاتل" 55 ب و"تنوير المقباس" 314. قال مجاهد: "في المصلين". "تفسير مجاهد" 2/ 466.]]. والمعنى: يراك إذا صليت وحدك ويراك إذا صليت في الجماعة راكعًا وساجدًا وقائمًا. وهو قول عكرمة، والكلبي، وقتادة، وابن زيد، ورواية عن عطية وعطاء الخراساني، عن ابن عباس [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 77، عن قتادة، وعكرمة وأخرجه ابن حرير 19/ 123، عن ابن عباس، وعكرمة. وذكره الثعلبي 8/ 118 أ، عن عكرمة، وعطية، وعطاء عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل والكلبي.]]؛كل هؤلاء فسروا التقلب في الساجدين بالتصرف مع المصلين قائمًا وراكعًا وساجدًا، وهو اختيار الفراء؛ قال: تقلبه: قيامه وركوعه وسجوده وقعوده [["معاني القرآن" للفراء 2/ 285. واقتصر عليه في الوجيز 2/ 798.]].

وقال ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك عنه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ في أصلاب الآباء؛ آدم ونوح وإبراهيم. ونحو هذا روى عطاء وعكرمة عنه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ يريد: في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك. في هذه الآية قال عطاء عنه: ما زال رسول الله -ﷺ- يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه [["تنوير المقباس" 314. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2828، من طريق عكرمة، وعطاء. وذكره كذلك الثعلبي 8/ 119ب. قال الطوسي: "وقال قوم من أصحابنا: إنه أراد تقلبه من آدم إلى أبيه عبد الله في ظهور الموحدين، لم يكن فيهم من يسجد لغير الله". التبيان للطوسي 8/ 68. ولم يعترض ابن كثير على ذلك. وهذا يعارضه كون أبوي النبي -ﷺ- كافرين، بدليل: حديث أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (في النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أبِي وَأَبَاكَ في النَّارِ) أخرجه مسلم 1/ 191، كتاب الإيمان، رقم: 203. وأبو داود 5/ 90، كتاب السنة، رقم: 4718. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: (اسْتَاذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) أخرجه مسلم 2/ 671، كتاب الجنائز، رقم: 976. وأبو داود 3/ 557، كتاب الجنائز، رقم: 3234.

وقد رد هذا القول الشنقيطي من وجه آخر فقال: "في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترناً به: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعاً، وأول الآية مرتبط بآخرها، أي: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك ومجلسك، ويرى تقلبك في الساجدين، أي: المصلين، على أظهر الأقوال. أضواء البيان 6/ 388.]].

وقال الحسن: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ يعني: ذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين [[أخرجه ابن جرير 19/ 124، بلفظ: " ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: في الناس".]]. وقال مجاهد في هذه الآية: كان النبي-ﷺ- إذا قام في الصلاة أبصر مَنْ خلفه من الصفوف كما يرى مَنْ بين يديه [["تفسير مجاهد" 2/ 466. وأخرجه ابن جرير 19/ 124. وابن أبي حاتم 9/ 2829. وذكره الهواري 3/ 243، ولم ينسبه.]]. وعلى هذا معنى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ إبصارك منهم [[منهم. في نسخة (ج).]] مَنْ هو خلفك كما تبصر مَن هو أمامك. يدل على هذا ما روى قتادة عن أنس أن رسول الله -ﷺ- قال: "أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم" [[أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، رقم: 419، "الفتح" 1/ 514. ومسلم 1/ 319، كتاب الصلاة، رقم: 425. وهذا الحديث يدل على صحة المعنى الذي ذكره مجاهد، لكنه لا يدل على أن المراد من الآية هو هذا التفسير، والنَه أعلم. قال ابن عطية 11/ 159، عن هذا القول:"وهذا معنى أجنبي هنا". ولم يرجح الواحدي شيئاً من هذه الأقوال، ولعل الأقرب ما رجحه ابن جرير 19/ 125، من أن المراد: يرى تقلبك مع الساجدين في صلاتك معهم. والله أعلم.]].

26:220Page 376

إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠

Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

قوله تعالى ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿السَّمِيعُ﴾ لقولك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبك من الإيمان واليقين [[قال الثعلبي 8/ 118 ب: " ﴿السَمِيعُ﴾ لقراءتك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعملك".]]. وقال مقاتل: ﴿السَّمِيعُ﴾ لما قالوا حين دعوه إلى دين آبائه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بذلك.

ثم قال لكفار مكة [["تفسير مقاتل" 55 ب.]]:

26:221Page 376

هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١

Shall I inform you upon whom the devils descend?

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ ثم أنبأ فقال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 104.]]:

26:222Page 376

تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢

They descend upon every sinful liar.

﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ قال ابن عباس: كل كذاب فاجر [["تفسير مجاهد" 2/ 467، ولفظه:"كذاباً من الناس". وقال مقاتل 55 ب: "يعني: كذاب".]]. قال الكلبي: مثل مسيلمة وطليحة [["تفسير الثعلبي" 8/ 118ب، بنصه، منسوبًا لمقاتل. وفي "تفسير مقاتل" 55 ب: "منهم مسيلمة الكذاب، وكعب ابن الأشرف". وهو في "تنوير المقباس" 315، بلفظ: فاجر كاهن وهو مسيلمة الكذاب وطلحة. فلعل: طلحة تصحيف: طليحة. يراجع للتعريف بهما.]]. وكان لكل كاهن منهم تابع من الجن يأتيه بما يستمع من السماء.

وقال قتادة: هم الكهنة تسترق الجن السمع ثم يأتون [[في نسخة (ج): يلقون.]] إلى أوليائهم من الإنس [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 78. وعنه ابن جرير 19/ 125. ويشهد له حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِىَّ -ﷺ- عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: (إنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَىْءٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله فَإِنَهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّىْءِ يَكُونُ حَقَّا قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا في أُذُنِ وَليِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كذْبَةٍ) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، رقم: 7561، الفتح 13/ 535. ومسلم 4/ 1750، كتاب السلام، رقم: 2228.]]. وقال أبو إسحاق: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ كالمتصل بهذا. ثم أعلم أن الشياطين على من تنزل فقال: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 104.]].

26:223Page 376

يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣

They pass on what is heard,1 and most of them are liars.

قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: يلقون ما سمعوه إلى الكهنة [[قال مجاهد: "الشيطان ما سمعه ألقاه ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ". "تفسير مجاهد" 2/ 467. وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 126.]].

وقال الفراء: يلقون إلى كهنتهم السمع الذي سمعوا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 285.]]؛ لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. وهذا كان قبل أن أوحي [[هكذا في جميع النسخ.]] إلى النبي -ﷺ- وبعد ذلك: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9].

قال الكلبي: يستمعون إلى السماء فيأتون بما استمعوا إلى كهنتهم [["تنوير المقباس" 315.]].

وقال مقاتل: إن الله تعالى إذا أراد أمرًا في الأرض عَلِم به أهل السموات من الملائكة، فتكلموا به، فتسمع الشياطين، وترميهم الملائكة بالشهب، فيخطفون الخطْفة، فذلك قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ قال: معناه: يلقون بآذانهم إلى كلام الملائكة [["تفسير مقاتل" 55 ب.]].

وهذا التفسير غير الأول في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [[هكذا في نسخة (ج): في: يلقون السمع. وفي: (أ)، (ب): ويلقون السمع.]] ويشهد لهذا قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] ومعناه: استمع. وقال في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني: الشياطين حين يخبرون الكهنة أنه يكون في الأرض كذا وكذا [["تفسير مقاتل" 55 ب.]].

وذكر صاحب النظم قولًا آخر في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ وهو أنه قال: يعني (كل أفاك أثيم) وأخرج فعلهم مخرج الجماعة؛ لأن قوله: (كل أفاك) يتضمن الجمع، أي: يستمعون إلى الشياطين. وعلى هذا قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة: (كل أفاك أثيم).

قال: وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: الشياطين يخبرونهم بالكذب وهم يسمعون منهم فيقصون به، فجاء قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وقوله: (كاذبون) كالمتصل بعضها ببعض وهما مختلفان لاختلاف الأسماء فيهما؛ يعني: أن قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة الكهنة، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ من صفة الشياطين [[وذهب إلى هذا ابن قتيبة، فقال في "غريب القرآن" 321: " ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ يسترقونه".]].

26:224Page 376

وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤

And the poets - [only] the deviators follow them.

قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [[عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبعُهُمُ الْغَاوُونَ) فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أخرجه أبو داود 5/ 280، كتاب الأدب، رقم: 5016. وذكر ابن تيمية -رحمه الله- حكمة جيدة لذكر الحديث عن الشعراء في هذه السورة، بعد ذكر قصص من سبق من الأنبياء، فقال: "فذكر الفرق بينه وبين من قال: تنزل عليه الشياطين، من الكهان، والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعر أيضًا يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس، فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان، فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهو الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي، فنفى كلاً منهما بانتفاء لازمه، وبين ما تجتمع فيه من شياطين الإنس والجن". تفسير آيات أشكلت 2/ 727.]] الشعراء جمع الشاعر، يقال: شَعَر يشعُر شِعرًا، وشِعرة إذا علم [[هكذا في جميع النسخ: شعراً وشعرة. وفي "تهذيب اللغة" 1/ 420: شَعراً، وشِعرًا.]]، والشعر: القَريض المحدود بعلامات لا يُجاوزها، وقائله شاعر؛ لأنه يَشعُر [ما لا يَشعُر] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).]] غيره [["تهذيب اللغة" 1/ 420 (شعر).]]. وجمعه شعراء مثل: جاهل وجهلاء، وعالم وعلماء [[قال الشافعي: "الشعر: كلام منظوم بمنزلة المنثور من الكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا قال الرجل شعرًا وفيه رفث، وفحش سقطت عدالته، وإذا قال شعرًا فيه الغزل الذي ليس بمكروه، أو مَدَح رجلاً قُبلت عدالته". "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 142.]].

قال ابن عباس: يريد: المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ من الشياطين [[أخرجه ابن جرير 19/ 127.]]. قولى: يريد المشركين، يعني: الشعراء المشركين.

وقد ذكر مقاتل أسماءهم؛ فقال: منهم: عبد الله بن الزَّبَعرى السهمي، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومُسافع بن عبد مناف الجُمحي، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم [[في نسخة (أ)، (ب): قولهم.]] يسمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي -ﷺ- وأصحابه [["تفسير مقاتل" 55 ب.]].

وقال عكرمة: تهاجا شاعران في الجاهلية مع كل واحد فئام [[الفئام من الناس: الجماعة. "تهذيب اللغة" 15/ 572 (فأم).]] من الناس فقال الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وهما ذانك الشاعران [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2832.]]. وهذا قول الضحاك في سبب النزول، وقال: الغواة: السفهاء [[أخرج ابن جرير 19/ 127، بلفظ: "كان رجلان على عهد رسول الله -ﷺ- أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين". وذكره كذلك الثعلبي 8/ 118 ب. وفي كون ذلك حدث بعد الهجرة إشكال من ناحية كون هذه السورة مكية. قال ابن كثير 6/ 175: "ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مُرسلاتٌ لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم".]].

وهي رواية العوفي عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير 19/ 127، عن ابن عباس، وعكرمة. وابن أبي حاتم 9/ 2833. وذكره الثعلبي 8/ 118 ب.]].

وقال عكرمة، والشعبي: ﴿الْغَاوُونَ﴾ عصاة الجن [[أخرجه ابن جرير 19/ 127، وابن أبي حاتم 9/ 2831، عن عكرمة.]]. وهو معنى قول ابن عباس في رواية ابن بريدة؛ قال: هم الشياطين [[أخرجه الثعلبي 8/ 118 ب، بسنده عن ابن بريدة عن ابن عباس.]]. وهو قول قتادة، ومجاهد: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الشياطين [["تفسير مجاهد" 2/ 467. وأخرجه ابن جرير 19/ 127. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 78، عن قتادة، وعنه ابن جرير 19/ 127.]].

وروى عكرمة عنه: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الرواة [[أخرجه ابن جرير 19/ 126، وابن أبي حاتم 9/ 2831. وذكره الثعلبي 8/ 118ب.]]. وهو قول الكلبي، قال: الرواة الذين يروون هِجاء النبي -ﷺ-، وكانو ينحرون لهم الجُزُر [["تنوير المقباس" 315، بلفظ: الراوون يروون عنهم.]].

وقال الفراء: نزلت في ابن الزبعرى وأشباهه؛ لأنهم كانوا يهجون النبي -ﷺ- والمسلمين [[والمسلمين، في نسخة (أ)، (ب). وهو موافق لما عند الفراء.]] يتبعهم غواتهم الذين كانوا يرون سب النبي -ﷺ- [["معاني القرآن" للفراء 2/ 285. قال ابن جرير 19/ 127: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن، وذلك أن الله عَمَّ بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض".]].

26:225Page 376

أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥

Do you not see that in every valley they roam1

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ قال أبو عبيد: رجل هائم وهيوم وهو الذاهب على وجهه [["تهذيب اللغة" 6/ 467 (هام)، من كلام أبي عبيد، دون ذكر البيت. وفي "مجاز== القرآن" 2/ 91: "الهائم: هو المخالف للقصد الجائر عن كل حق، وخير". "لأن من أتبع الحق، وعلم أنه يكتب عليه قوله تثبت، ولم يكن هائماً يذهب على وجه لا يبالي ما قال". "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 196. وكتبت خطأ في النسخ الثلاث: أبو عبيدة.]]. وأنشد: إلا طرقت مي هُيومًا بذكرها [[شطر بيت نسب لذي الرمة، وعجزه:

وأيدي الثريا جنح في المغارب]]

يقال: هام يهيم هُيومًا وهَيَمامًا وهَيْمًا [[قال أبو عبيد: وقد هام يهيم هُياماً. "تهذيب اللغة" 6/ 467 (هاما).]].

قال ابن عباس: في كل فنٍّ من الكذب يتكلمون [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2833، بلفظ: "في كل فن من الكلام يأخذون".]].

وقال مجاهد: في كل فنٍّ يفتنون [["تفسير مجاهد" 2/ 467. وأخرج ابن جرير 19/ 128]].

وقال مقاتل: في كل فنٍّ يأخذون [["تفسير مقاتل" 55 ب.]]. وعن ابن عباس أيضًا في كل لغوٍ يخوضون [[ذكره البخاري تعليقاً، كتاب الأدب. الفتح 10/ 537. ووصله ابن جرير 19/ 128، وابن أبي حاتم 9/ 2833، من طريق علي بن أبي طلحة.]].

وقال قتادة: يمدحون بباطل ويشتمون بباطل [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 78. وعنه ابن جرير 19/ 128. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2833.]]. فالوادي مثلٌ لفنون الكلام وأساليبه، وهيمانهم فيه: خوضهم، وقولهم على الحيرة والجهل بما يقولون من لغو وباطل وغلو في مدح أو ذم [["تفسير هود الهواري" 3/ 244، بمعناه.

وقد ورد في السنة ذم الشعر، والتحذير من الإلتهاء به، في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي == الله عنهمَا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". أخرجه البخاري، كتاب الأدب، رقم: 6154، الفتح 10/ 548. ومسلم 4/ 1769، كتاب الشعر، رقم: 2258.

وهذا محمول على الشعر الباطل، ويدل لذلك حديث عَائِشَةَ أَن رَسُولَ الله -ﷺ- قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ" فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ثُمِّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنٍ ثَابِتٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِب بِذنَبِهِ ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَق لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-:"لاَ تَعْجَلْ فَإِنَ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنَسَابِهَا وإِن لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي"

فَأَتَاهُ حَسِّانُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلِّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: "إِنَ رُوحَ الْقُدُسِ لاَ يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ الله وَرَسُولِهِ" وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ "هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى".

أخرجه مسلم 4/ 1935، كتاب: "فضائل الصحابة، رقم: 2490. وأصله في البخاري، كتاب الأدب، رقم: 6153، "الفتح" 10/ 564.]].

وقال ابن الأعرابي: قال بعضهم: هو وادي الصحراء يخلو فيه العاشق والشاعر [يتفرجان فيه]. قال: ويقال هو وادي الكلام [["تهذيب اللغة" 6/ 477 (هام)، دون قوله: يتفرجان فيه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، "غريب القرآن" 321، ولم ينسبه.]]. والله أعلم. وقال الزجاج: ليس يعني أودية الأرض إنما هو مثل لقولهم وشعرهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 104.]].

26:226Page 376

وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦

And that they say what they do not do? -

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتل: يقولون: فعلنا وفعلنا وهم كذبة [["تفسير مقاتل" 55 ب. 104.]].

وقال أبو إسحاق: هذا دليل على تكذيبهم في قولهم. يعني: أن الله كذبهم فيما يقولون ثم استثنى شعراء المسلمين فقال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 105. و"تفسير مقاتل" 55 ب. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 285، كلاهما من قوله: "ثم استثنى". وأخرجه بإسناده النحاس عن ابن عباس، الناسخ والمنسوخ 2/ 572.]]:

26:227Page 376

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧

Except those [poets] who believe and do righteous deeds and remember Allāh often and defend [the Muslims]1 after they were wronged. And those who have wronged are going to know to what [kind of] return they will be returned.

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هم عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وسائر شعراء المسلمين [["تفسير مقاتل" 55 ب. وقال مجاهد: "ابن رواحة، وأصحابه". "تفسير مجاهد" 2/ 467 وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2834، عن ابن عباس، من طريق الضحاك. وأخرجه عنه أيضًا النحاس، الناسخ والمنسوخ 2/ 571.]].

وقال ابن عباس: استثنى شعراء المهاجرين والأنصار [[أخرجه ابن جرير 19/ 129، ولفظه: "ثم استثنى المؤمنين منهم، يعني: الشعراء".]].

وقال أبو إسحاق: هم الشعراء الذين مدحوا رسول الله -ﷺ- وردوا هجاءه، وهجاء المسلمين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 105.]].

قوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله عز وجل، ولم يجعلوا الشعر همهم [[في نسخة (ج): همتهم. "معاني القرآن" للزجاج 4/ 105. بنصه. فعلى هذا إما أن يراد: ذكروا الله كثيرًا، في كلامهم، على وجه العموم، أو: ذكروا الله كثيرًا في شعرهم، وقد أخرج ابن جرير القول الأخير عن ابن زيد. وهذا القول يدل على ضرورة أن يتميز الشاعر المؤمن بكثرة ما يورد في شعره من ذكر الله تعالى، والدعوة إليه. والله أعلم.]].

﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال مقاتل: وانتصروا من المشركين [["تفسير مقاتل" 56 أ.]]؛ لأن المشركين بدؤوا بالهجاء [["تفسير السمرقندي" 2/ 487.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: يريد إخراج المشركين إياهم من مكة وبيعهم دورهم. وعلى هذا الظلم الذي نالهم ليس الهجاء، إنما هو: ما ذكره من الإخراج عن المنزل وبيع المساكن، وانتصارهم منهم: هجاؤهم إياهم [["تفسير السمرقندي" 2/ 487، بمعناه، ولم ينسبه. أخرج ابن جرير 19/ 130، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة قال: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين).]]. ومَنْ أحق بأن يُهجَى [[في نسخة (أ)، زيادة: نالهم ليس الهجاء إنما هو ما ذكره من إلا. والكلام مستقيم بدونها.]] ممن كذب الرسول -ﷺ- وهجاه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 105، بنصه.]].

قال مقاتل: ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: أشركوا [["تفسير مقاتل" 56 أ.]].

وقال الكلبي: هجوا النبي -ﷺ- [["تنوير المقباس" ص 315، وذكره عنه السمرقندي 2/ 487، بلفظ: (هجوا المشركين).]].

وقال ابن عباس: ﴿ظُلِمُوا﴾ المهاجرين وأخرجوهم من ديارهم. وعلى هذا هو عام في مشركي مكة؛ وهو الأولى.

﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد إلى جهنم والسعير.

وقال أبو إسحاق: عني أنهم ينقلبون إلى نار جهنم مخلدون فيها، وأيَّ: منصوبة بقوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ لا بقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأن أيًا، وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 105.]].

وهذا مما تقدم الكلام فيه في مواضع من هذا الكتاب [[راجع الإسراء: 110 ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ والكهف: 12 ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском