Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:13–27
26:13Page 367
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي بتكذيبهم إياي [["تنوير المقباس" 307، ونسبه الماوردي 4/ 166، للكلبي، وذكر قولاً آخر، وهو: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ بالضعف عن إبلاغ الرسالة.]] ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ أي: لا ينبعث بالكلام. يعني: للعلة التي كانت بلسانه [["تفسير ابن جرير" 19/ 64، و"تفسير الثعلبي" 8/ 108 أ. وهذه العلة مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:27، 28]. وأما ما ورد من أن السبب في ذلك هو وضع نبي الله موسى عليه السلام الجمرة في فمه بدلاً من التمرة، فإن هذا الخبر لا يعتد به؛ لأنه من الأخبار الإسرائيلية، وقد ذكره ابن جرير في "تاريخه" 1/ 390، وجزم به ابن عطية 11/ 94. وهو مخالف للواقع؛ إذ كيف يقدر على حمل الجمرة بيده ويرفعها إلى فيه، ومع ذلك لا تحرق يده ولا توْذه، ويكفي لإثبات أن نبي الله موسى عليه السلام، لا يعقل أخذه للجمرة دون الحاجة إلى رفعها إلى فيه. والله أعلم. وذكر السمرقندي 2/ 470، أن العلة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ لمهابته. وهو قول غريب، ونسبه الماوردي 4/ 166، للكلبي.]].
[قال الفراء: ﴿وَيَضِيقُ﴾ مرفوعة؛ لأنها مردودة على ﴿أَخَافُ﴾ ولو نصبت بالرد على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾ كانت صوابًا، والوجه الرفع؛ لأنه أخبر أن صدره يضيق، وذَكر العلة التي كانت بلسانه] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).]] فتلك مما لا تَخاف؛ لأنها قد كانت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 278، بنصه. ونحوه في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 84. وذكره نحوه النحاس، عن الكسائي، "إعراب القرآن" 3/ 175.]].
قوله: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ اجعله رسولاً لكَ معي بأن يُرسِل إليه جبريلَ بالوحي [[قال مقاتل 48 أ: يقول: فأرسل معي هارون، كقوله في النساء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [2].]].
قال الكلبي: لكي يكون معي معينًا لي [["تنوير المقباس" 307.]].
قال الفراء: ولم يذكر معونة ولا مؤازرة؛ لأن المعنى معلوم؛ كما تقول: لو أتاني مكروه لأرسلت إليك. ومعناه: لتعينني وتغيثني، وإذا كان المعنى [[(المعنى) في نسخة (أ)، (ب).]] معلومًا طرح للإيجاز [["معاني القرآن" للفراء 2/ 278. ونحوه في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 84.]].
26:14Page 367
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ قال مجاهد وقتادة والمفسرون وابن عباس: يريد قتلت منهم قتيلًا [["تنوير المقباس" 307. و"تفسير مجاهد" 2/ 459. وأخرجه عن قتادة، عبد الرزاق في تفسيره 2/ 73. وأخرجه ابن جرير 19/ 64، وابن أبي حاتم 8/ 2752، عن مجاهد، وقتادة. و"تفسير السمرقندي" 2/ 471. و"تفسير الثعلبي" 8/ 108ب.]]. يعني الرجل الذي وكزه فقضى عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 85.]]، والتقدير: ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلوني به، أي: بقتلي إياه [["تفسير ابن جرير" 19/ 64. وجعل مقاتل 84 أ، (عَلَيَّ) بمعنى عندي؛ فقال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي: عندي ذنب. وذهب إليه ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 578، و"غريب القرآن" 316. وظاهر الآية أن الذنب قد صدر من نبي الله موسى عليه == السلام، ويدل عليه قوله تعالى في سورة القصص [15، 16] في سياق قصة قتل القبطي: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وعليه فقول الرازي 24/ 123: "لقائل أن يقول: قول موسى عليه السلام: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ هل يدل على صدور الذنب منه؟ جوابه: لا، والمراد: لهم علي دعوى ذنب في زعمهم" هذا القول مخالفة لظاهر الآية، ولا دليل عليه.]].
26:15Page 367
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا﴾ أي: لن يقتلوك، وهو ردع وزجر عن الإقامة علي هذا الظن [[ذكره ابن الجوزي 6/ 118، بنصه، ولم ينسبه. ونحوه القرطبي 13/ 92، ولم ينسبه.]]، كأنه قال: ارتدع عن هذا الظن وثق بالله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 85.]].
قال ابن عباس: [يريد لا يقدرون على قتلك. وقال الكلبي: يعني لا أسلطهم على ذلك [["تنوير المقباس" 307. وذكره ابن الجوزي 6/ 118، ولم ينسبه.]].
قوله ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس:] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] يريد نفسه [[بنصه، في "الوسيط" 3/ 351، منسوبًا لابن عباس رضي الله عنهما.]] ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قال: يريد أسمع [["تنوير المقباس" 307.]] وأرى، كما قال في: طه [46] ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.
وقال أهل المعاني: قوله ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ مجاز من وجهين؛ أحدهما: الجمع، والآخر: مستمع؛ موضع: سامع؛ لأن الاستماع طلب السمع بالإصغاء، والله عز وجل سامع مما يغني عن الاستماع، والمعنى يسمع ما يقولانه وما يجيبونكما به [[به. في نسخة (أ)، (ب).]]، وأراد بهذا تقوية قلبهما [["تفسير الثعلبي" 8/ 108 ب. بمعناه. وذكر هذا الرازي 24/ 124.]].
وقوله: ﴿مَعَكُمْ﴾ وفي سورة طه ﴿مَعَكُمَا﴾ لأنه أجراهما في هذه السورة مجرى الجماعة [[ذكره البغوي 6/ 108، ولم ينسبه. وقد تكلم عن مخاطبة المثنى بلفظ الجمع، سيبويه، في "الكتاب" 3/ 621. واستدل بهذه الآية.]]. ومضت لهذا نظائر.
26:16Page 367
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مذهب أبي عبيدة، والأخفش، والمبرد، وجميع النحويين: أن الرسول هاهنا بمعنى الرسالة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 84؛ قال مجازه: إنا رسالة رب العالمين. و"تفسير ابن جرير" 19/ 64. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 85. و"تفسير الثعلبي" 8/ 108 ب.]]، وأنشدوا قول كُثَيِّر:
لقد كَذَبَ الواشون ما بُحت عندهم ... بسرٍ ولا أرسلتهم برسول [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 84، منسوبًا لكثيِّر عزَّة وعنه ذكره ابن قتيبة، في "غريب القرآن" 316. وذكره ابن جرير 19/ 65، والزجاج 4/ 85، والطوسي 8/ 11، ولم ينسبوه وذكره الثعلبي 8/ 108 ب، منسوبًا لكثير.
ولفظه عند الزجاج: ما فهت عندهم بسوء.
وعنه ذكره الأزهري 12/ 391 (رسل)، وهو في "اللسان" 11/ 283. والبيت في ديوان كثير 178، بلفظ:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا أرسلتهم ...]]
قالوا: يعني برسالة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 84. و"تفسير الثعلبي" 8/ 108 ب.]].
وقول عباس بن مرداس:
ألا مَنْ مُبلغٌ عني خُفافًا ... رَسولًا بيتُ أهلِك منتهاها [[أنشده أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 84، والثعلبي 8/ 108 ب، ونسباه لعباس بن مرداس. وهو كذلك في "لسان العرب" 11/ 283 (رسل). قال أبو عبيدة: ألا ترى أنه أنثها. وأنشده ابن جرير 19/ 65، والطوسي 8/ 11، ولم ينسباه. مع اختلاف == بينهم في صدر البيت. والخُفوف: سرعة السير من المنزل. "تهذيب اللغة" 7/ 9 (خفف).]] أراد رسالة، ولذلك أنث [["تفسير ابن جرير" 19/ 65. و"تفسير الثعلبي" 8/ 108 ب.]].
وعلى هذا تقدير الآية: إنا ذو رسالة رب العالمين فحذف المضاف.
وفيه قول آخر؛ وهو: أن الرسول هاهنا في معنى جمع [["تفسير الثعلبي" 8/ 108 ب. وذهب إلى هذا ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 284، وقال: العرب تقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يريدون: الدراهم والدنانير، وفي "غريب القرآن" 316، قال: الرسول بمعنى الجميع كما يكون الضيف، قال: ﴿هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: 68]، وكذلك الطفل، قال: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: 5].]]؛ كقول الهذلي [[راجع ترجمته في "الشعر والشعراء" 2/ 653، و"الأغاني" 6/ 56، و"الخزانة" 1/ 274.]]:
ألكني إليهما وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر [[أنشده الفراء 2/ 180، ولم ينسبه. وعنه الأنباري، الزاهر في معاني كلمات الناس 1/ 35، ولم ينسبه، وأنشده كذلك ابن جني، الخصائص 3/ 274. وذكره الطوسي 8/ 11، ونسبه للهذلي. وهو في "اللسان" 11/ 283 (رسل)، منسوبًا لأبي ذؤيب. وذكره الزمخشري 3/ 295، ولم ينسبه. ونسبه ابن عطية 11/ 96، للهذلي. راجع "ديوان الهذليين" 1/ 146، وقال شارح "أشعار الهذليين" 1/ 113: ألكني: أبلغ عني ألوكي، والألوك: الرسالة وذكره القرطبي 13/ 93، منسوبًا للهذلي. قال ابن عاشور 19/ 109، بعد ذكره البيت: فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون.]]
ومثلها العدو والصديق [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 645.]]، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: 77] وقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] وقد مَرَّ [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً.]].
وذكر أبو علي القولين جميعًا بعبارة وجيزة، فقال: الرسول يستعمل على ضربين؛ أحدهما: [بمعنى المرسل، والآخر بمعنى: الرسالة، فقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بمعنى: الرسالة،] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] وهو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: إنا ذو رسالة رب العالمين. قال: ويجوز أن يكون الواحد وضع موضع التثنية، كما وضع موضع الجمع في قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50]، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ﴾ [النساء: 92]، ونحو ذلك [[واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 351. قال الهواري 3/ 223: وهي كلمة من كلام العرب؛ يقول الرجل للرجل: من كان رسولك إلى فلان؟ فيقول: فلان، وفلان، وفلان.]].
26:17Page 367
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معناه: بأن، فحذف الجار، ومعنى الإرسال هاهنا: الإطلاق والتخلية؛ كما تقول: أرسلت الصيد من يدي، أي: أطلقته بعد التخلية. وإنما أمر بأن يُخلي عنهم برفع منعه لهم. قال مقاتل: أرسلهم معنا إلى أرض فلسطين، ولا تستعبدهم [["تفسير مقاتل" 48 ب.]].
26:18Page 367
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ في الكلام محذوف تقديره: فأتياه وأبلغا الرسالة، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [["تفسير ابن جرير" 19/ 66.]] [قال مقاتل: عرف فرعون موسى؛ لأنه رباه في بيته فلما أتاه قال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] يعني: صبيًّا [["تفسير مقاتل" 48 ب، بنصه. قال الزمخشري 3/ 296: الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة.]]. وقال ابن عباس: صغيرًا [["تنوير المقباس" 307. و"تفسير الماوردي" 4/ 166، ولم ينسبه.]].
والوليد: هو المولود، وموسى وُلِد فيهم ثم كان فيما بينهم حتى صار رجلاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ثمان عشرة سنة [["الوسيط" 3/ 351، منسوبًا له.]]. وقال مقاتل: ثلاثين سنة [["تفسير مقاتل" 48 ب، 51 أ. واقتصر عليه السمرقندي 2/ 471، والثعلبي 8/ 108 ب، ولم ينسباه. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 788، ولم ينسبه، وكذلك البغوي، في "تفسيره" 6/ 109.]]. وقال الكلبي: أربعين سنة [[في "تنوير المقباس" 307: ثلاثين سنة. قال الهواري 3/ 223: " ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: لم تدع هذه النبوة التي تدعيها اليوم.]].
26:19Page 367
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني قتل القبطي الذي قتله موسى [["تنوير المقباس" 307. و"تفسير مقاتل" 48 ب. وأخرج ابن جرير 19/ 66، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2754، عن مجاهد وقتادة. و"تفسير الثعلبي" 8/ 108ب. وذكره في "الوسيط" 3/ 352، غير منسوب.]].
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فيه قولان؛ أحدهما: وأنت من الكافرين بإلهك، وكنت معنا على ديننا هذا الذي تعيب. وهذا قول الحسن والسدي [[أخرجه ابن جرير 19/ 66، وابن أبي حاتم 8/ 2754، عن السدي. وذكره عنه الثعلبي 8/ 108 ب، والماوردي 4/ 167. وهو في "الوسيط" 3/ 352، منسوبًا للحسن، والسدي، وذكره البغوي 6/ 109، وابن الجوزي 6/ 119.]].
والثاني: وأنت من الكافرين للنعم التي ذكرها؛ يعني: من التربية والإحسان إليه، يقول: ربيناك وأحسنا إليك وأقمت فينا سنين ثم كافأتنا بأن قتلت منا نفسًا، وكفرت بنعمتنا.
وهذا قول ابن زيد ومقاتل وعطاء [["تفسير مقاتل" 48 ب. و"تنوير المقباس" 307. وأخرجه ابن جرير 19/ 66، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2754، عن سعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أسلم. واقتصر على هذا القول ابن كثير 6/ 137.]]، والعوفي، عن ابن عباس قال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية [["تفسير الثعلبي" 8/ 109 أ، عن العوفي عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 19/ 66، بلفظ: يقول: كافراً للنعمة، إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر.]]. واختاره الفراء فقال [[فقال. في نسخة (أ)، (ب).]]: وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، أي: لتربيتي إياك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 278. وذكره الهواري 3/ 224. واقتصر عليه ابن قتيبة، في "غريب القرآن" 316. وهو اختيار ابن جرير 19/ 66. واستظهره الشنقيطي 6/ 370. وذكر السمرقندي 2/ 472، وجهاً آخر، فقال ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل، يعني: لم تقر بالقتل.]].
قال أهل المعاني: هذا الجواب من فرعون لموسى استصغار لحال الداعي إلى الله بطرًا وتكبرًا، وتوجيه أمره إلى غير جهته.
26:20Page 368
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: فعلت تلك الفعلة وأنا إذ ذاك من الضالين. أي: من الجاهلين. قاله مجاهد ومقاتل وقتادة، والسدي [["تنوير المقباس" 307. و"تفسير مجاهد" 2/ 459. و"تفسير مقاتل" 48 ب. وأخرج عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 73، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 19/ 67، عن مجاهد، وقتادة، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2755، عن مجاهد، == وقتادة، ثم قال: وروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والثوري مثل ذلك.]].
قال الفراء: وكذا هو في حرف ابن مسعود: وأنا من الجاهلين [[أخرجه ابن جرير 19/ 67. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2755، عن قتادة قال: "وفي بعض القراءات: (فعلتها إذًا وأنا من الجاهلين).]]. قال: والضالين والجاهلين يكونان بمعنى واحد؛ لأنك تقول: جهلت الطريق وضللته [["معاني القرآن" للفراء 2/ 279، بنصه.]]. وهذا يحتمل تأولين، أحدهما: كنت جاهلاً لم يأتني عن الله شيء، وهذا قول أكثر المفسرين [["تفسير ابن جرير" 19/ 67. وهو في "تفسير الثعلبي" 8/ 109 أ، بنصه. واقتصر عليه في "الوسيط" 3/ 352، و"الوجيز" 2/ 788. وصدره ابن الجوزي 6/ 119، بقوله: وقال بعض المفسرين .. قال الشنقيطي 6/ 371: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يوحي الله إليّ، ويبعثني رسولاً، وهذا هو التحقيق -إن شاء الله- في معنى الآية.]].
والثاني: كنت من الجاهلين أنها تبلغ القتل؛ وهذا قول قتادة قال: جهل نبي الله ولم يتعمد [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 73، وابن أبي حاتم 8/ 2755. قال الهواري 3/ 224: من الجاهلين، أي: لم أتعمد قتله. ونحوه عند النحاس، في "إعراب القرآن" 3/ 176. قال الثعلبي 8/ 109 أ: ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] وقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8]. واختار ابن قتيبة، أن يكون المعنى: من الناسين. "تأويل مشكل القرآن" 457، ونسب هذا القول في "غريب القرآن" 316، لأبي عبيدة، ولم أجده في كتابه: "مجاز القرآن".]]. والأول معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ عن نبوة ربي [["تفسير السمرقندي" 2/ 472، ولم ينسبه، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾.]].
26:21Page 368
فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١
So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أي ذهبت [[في "تنوير المقباس" 307: (فهربت).]] من بينكم حذرًا على نفسىِ.
قال مقاتل: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ إلى مدين [[مدين. غير واضحة في نسخة (ج).]] لما خفتكم أن تقتلوني بمن قتلته [["تفسير مقاتل" 48 ب.]]. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ يعني: نبوة. قاله ابن عباس، والسدي [[أخرجه ابن جرير 19/ 67، وابن أبي حاتم 8/ 2755، عن السدي. واقتصر عليه الهواري 3/ 224. وفي "تنوير المقباس" 307: (فهماً وعلماً ونبوة). ونسبه السمرقندي 2/ 472، للكلبي. وذكره في "الوسيط" 3/ 352، ولم ينسبه. وكذا البغوي 6/ 115، وابن عطية 11/ 98. ونسبه ابن الجوزي 6/ 120، لابن السائب.]]. وقال مقاتل: يعني العلم والفهم [["تفسير مقاتل" 48 ب. واستظهره الشنقيطي 6/ 374.]]. وقال ابن زيد: عقلاً. وقال الفراء: التوراة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 279. وبه قال الزجاج، في "معاني القرآن" 4/ 86.]]. وهو بعيد؛ لأن التوراة أوتي [[هكذا في النسخ الثلاث؛ والأصوب: أوتيها.]] بعد غرق فرعون.
26:22Page 368
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن السكيت: استعبده وعبَّده أي: أخذه عبدًا، وأنشد قول رؤبة:
يَرضونَ بالتعبيدِ والتأمِّي [[ذكره الأزهري 2/ 233 (عبد)، من إنشاد ابن السكيت، منسوبًا لرؤبة. وفي الحاشية: قبله: مالناس إلا كاثمام الثم. انظر مجموع أشعار العرب 3/ 143 وهو في "اللسان" 3/ 271 (عبد) منسوبًا لرؤبة.]]
قال: ويقال: تَعَبَّدت فلانًا، أي: اتخذته عبدًا، مثل: عَبَّدته سواء. وتأمَّيت فلانة: اتخذتها أمة [["تهذيب اللغة" 2/ 233 (عبد).]]. وينشد على هذا [[هذا في نسخة (أ)، (ب).]] التعبد، بمعنى: التعبيد، قول الشاعر:
تعبدني نِمْر بن سعد .. البيت [[لم أجده في "تهذيب اللغة"، وقد أنشده كاملاً في "اللسان" 3/ 274 (عبد):
تعبدني نمر بن سعد وقد أُرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطِع]]
وورمال أيضًا: أَعْبَدت الرجل بمعنى: عَبَّدته [[ذكره الأزهري 2/ 233، ولم ينسبه.]]، قال الشاعر:
علام يُعبِدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعِرُ مَا شاءوا وعُبْدانُ [[أنشده الفراء، في "معاني القرآن" 2/ 279، وعنه الثعلبي 8/ 109 ب. وأنشده ابن جرير 19/ 68، والزجاج 4/ 87، والأزهري 2/ 233، والطوسي 8/ 12، والزمخشري 3/ 297، ولم ينسبوه. وأنشده في "اللسان" 3/ 275، ونسبه للفرزدق. وأنشده أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، ولم ينسبه، واستشهد به على أنه يقال: عبدت الرجل، وأعبدته، إذا استعبدته، وأنزلته منزلة العبيد. "اشتقاق أسماء الله" 39.]]
قال مجاهد، في قوله: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قهرتهم واستعملتهم [[أخرجه ابن جرير 19/ 68، وابن أبي حاتم 8/ 2756. وهو في "تفسير مجاهد" 2/ 460.]].
وقال قتادة في هذه الآية: يقول موسى لفرعون: أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدًا [[تفسير عبد الرزاق 2/ 74. وعنه ابن جرير 19/ 69. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم 8/ 2755، من طريق آخر. واقتصر عليه ابن قتيبة، في "غريب القرآن" 316، ولى ينسبه. وصحح هذا القول ابن عطية 11/ 101؛ فقال: قول موسى عليه السلام تقرير بغير ألف، وهو صحيح، كما قال قتادة.]].
وقال السدي: تَمُن علي أن ربيتني فيك وليدًا [[أخرجه ابن جرير 19/ 68.]]، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل فأرسلهم معي ولا تعذبهم.
وقال الكلبي: يقول: تمن بها علي وتستعبد بني إسرائيل [["تنوير المقباس" 307، بمعناهـ و"تفسير السمرقندي" 2/ 472، منسوبًا للكلبي.]].
وقال مقاتل: قال موسى: تمن علي إحسانك إلى خاصة فيما [[فيما، من "تفسير مقاتل" 48 ب.]] زعمت، وتركت [[في "تفسير مقاتل" 48 ب: وتنسى.]] إساءتك أن عبدت يعني: استعبدت بني إسرائيل [["تفسير مقاتل" 48 ب.]]. هذا ما ذكره المفسرون في هذه الآية. وهو لا يفتح غُلقًا ولا يَحل مُشكلًا.
وجملة القول في هذه الآية: أن أهل التأويل مختلفون فيها على قولين؛ أحدهما: أن موسى أنكر أن يكون ثَمَّ [[ثم. في نسخة (أ)، (ب).]] لفرعون عليه نعمة [[قال الثعلبي 8/ 109 أ: "اختلف العلماء في تأويلها، ففسره بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار".]].
قال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ إلا أن يكون مستفهمًا به؛ بمعنى: أوَ تلك، على الإنكار بلفظ الاستفهام [[ذكر هذا القول: أبو علي، كتاب الشعر 1/ 56، ولم ينسبه.]]، ولا يحتمل أن يكون خبرًا؛ لأن تعبيد فرعون بني إسرائيل كيف يجعله موسى مِنَّة منه على نفسه؟ فالمعنى: ما ذهبنا إليه، وقد تستفهم العرب بلا ألف، ثم ذكر [[في نسخة (ب): وقد ذكرنا أبياتاً.]] أبياتًا فيها [[في نسخة (ج): منها.]]:
أفرحُ أن أُرْزَأ الكِرامَ [[أنشده الأزهري 15/ 359 (نبل) عن أبي عبيد أنه قال: وحدثني محمد بن إسحاق == ابن عيسى، عن القاسم بن معن: أن رجلاً من العرب توفي فورثه أخوه، فعيَّره رجل بأنه فرح بموت أخيه لَمَّا ورثه؛ فقال:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أُورثَ ذَوداً شصائصاً نَبَلاً
قال: والنبل في هذا الموضع: الصغار الأجسام. وفي "اللسان" 11/ 641 (نبل): "يقول: أأفرح بصغار الإبل، وقد رزئت بكبار الكرام قال ابن بري: الشعر لحضرمي بني عامر".]] قال: أراد: أأفرح؛ لأنه ينكر ذلك ولا يقبله. ومنها:
بسبعٍ رمين الجمر .. [[أنشده منسوبًا لابن أبي ربيعة، سيبويه 3/ 175، وفي الحاشية: الشاهد فيه: حذف ألف الاستفهام ضرورة لدلالة أم عليها، وأنشده كذلك المبرد، في "المقتضب" 3/ 294، والبيت بتمامه عندهما:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... بسبع رمين الجمر أم بثمان
عند سيبويه والمبرد بالنون: رمين. ورواية اليت في الديوان 399: فوالله ما أدري وإني لحاسب بسبع رميتُ الجمر أم بثمان
ورميت أولى؛ لأن يصور ذهوله عند رؤية عائشة بنت طلحة، وقد رآها في الحج.]]
وهذا الذي ذكره هو قول الأخفش؛ قال: هذا استفهام كأنه قال: أوَ تلك نعمة تمنها؛ ثم فسر فقال: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعله بدلاً من النعمة [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 646.]]. قال أبو العباس: وهذا غلط لا يجوز أن يُلْقَى الاستفهام، وهو يُطلَب فيكون الاستفهام كالخبر، وقد استقبح ومعه (أمْ)، وهي دليل على الاستفهام، واستقبحوا قول امرئ القيس:
تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكِرْ [[ديوان امرئ القيس 22، وعجزه:
وماذا عليك بأن تنتظر= وذكره ابن جرير 19/ 69، كاملاً، ولم ينسبه، وذكره صدره فقط الأزهري 2/ 232، منسوبًا لامرئ القيس. وفي حاشية ابن جرير: تروح: أتروح، وتبتكر: تخرج مبكراً، يقول: أتروح إلى أهلك آخر النهار أم تخرج إليهم بكرة، وما الذي يعجلك عن الانتظار وهو خير لك. والبيت شاهد على أنه حذف همزة الاستفهام، اكتفاء بدلالة أم، عليه، وبعضهم يستقبح الحذف في هذا الموضع.]] بمعنى: أتروح، فحذف الاستفهام واكتفى [[ساقطة من: (ب).]] بـ (أم)، فذهب الأكثرون إلى أن الأول خبر، والثاني استفهام، فأما وليس معه (أم) فلم يقله إنسان. انتهى كلامه [[ذكره ابن جرير 19/ 69، بنصه، وصدره بقوله: وكان بعض أهل العربية ينكر هذا ولم يسمه. وذكر نحوه النحاس، في "إعراب القرآن" 3/ 176، ولم ينسبه، وقد صرح فيه بالرد على الأخفش. وذكره بنصه الأزهري 2/ 232، منسوبًا لأبي العباس.]].
ولتحقيق الإنكار وجه غير تقدير الاستفهام؛ قال محمد بن إسحاق بن يسار في هذه الآية: أقبل موسى على فرعون ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: اتخذتهم عبيدًا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت، وتقتل من شئت، أي: إنما صيرني إليك [[إليك. في نسخة (أ)، (ب).]] وإلى بيتك ذلك [["تاريخ ابن جرير" 1/ 406، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم 8/ 2756، وقد وقع في المطبوع: "وإني إنما صيرني إليك لأبين لك ذلك". وهو مخالف للمخطوط 209 ب، ولما في "تاريخ ابن جرير".]].
واختار الزجاج والأزهري هذا القول وشرحاه؛ قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار أن تكون تلك نعمة، كأنه قال: وأيُّ نعمة لك عليٍّ في أن عبدت بني إسرائيل، واللفظ لفظ خبر، قال: ويخرج المعش على ما قالوا أن لفظه لفظ الخبر، وفيه تبكيت للمخاطب، على معنى أنك لو كنت لا تقتل [[(لاتقتل) من (ج).]] أبناء بني إسرائيل، لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم فكأنك تمنن علي بما كان بلاؤك سببًا له. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 86.]].
وزاد الأزهري بيانًا لهذا القول؛ فقال: إن فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فاعتد عليه بأن رباه وليدًا منذ ولد إلى أن كبر، وكان من جواب موسى له: تلك نعمة تعتد بها عليَّ لأنك عبدت بني إسرائيل، ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي، ولم يلقوني في اليم، فإنما صارت نعمة لِما أقدمت عليه مما حظره الله عليك. انتهى كلامه [["تهذيب اللغة" 2/ 232 (عبد).]].
ونظير هذا من الكلام أن يَمنُن إنسانٌ على غيره تربيتَه فيقول له المخاطب: هذه النعمة حصلتْ لك علي بأن قتلت أبوي؛ ولو لم تقتلهما لربياني، فيكون في ذكر سبب تربيته إياه دفعًا لما ذَكر من النعمة عليه [[عليه. في نسخة (أ)، (ب). وفي نسخة أ، زيادة: وإلى هذا القول. والكلام مستقيم بدونها.]]، كذلك لَمَّا ذَكر موسى تعبيده بني إسرائيل كان في ذلك إبانةً لسبب حاجة موسى إلى تربية فرعون، ودفعًا لِما ذَكر من النعمة عليه. وإلى هذا القول أشار [[في نسخة (ب): ذهب أشار.]] المبرد؛ فقال: التربية كانت بالسبب الذي ذكره الله من التعبيد، فقال موسى: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، و: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ خبره، و: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ بدل من النعمة، مبين لها، وتقديره: تعبيدك بني إسرائيل.
هذا الذي ذكرنا وجه قول من قال بالإنكار.
القول الثاني: أن موسى أقر بنعمة التربية. وهو قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 279.]]، ومذهب أبي العباس [["تهذيت اللغة" 2/ 232 (عبد).]]، ووجهه: أن فرعون لما قال لموسى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لنعمة تربيتي لك، أجاب موسى فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ الآية؛ يقول: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، فـ ﴿أَن﴾ تدل على ذلك. ومثله في الكلام: أن تضرب أحد عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليٍّ أنْ ضربت فلانًا وتركتني، ثم تحذف: وتركتني. والمعنى قائم معروف. هذا كله كلام الفراء؛ قال: وقد تكون ﴿أَن﴾ رفعًا ونصبًا، أما الرفع فعلى قولك: وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل. والنصب: تَمَنَّها عليَّ لتعبيدك بني إسرائيل. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 279.]].
ووجه هذا القول يصح في النظم بتقدير محذوف؛ كأنه قال: وتلك التي [[التي. في نسخة (أ)، (ب).]] تذكر نعمة لك تمنها علي لأن عبدت بني إسرائيل. هذا وجه الإقرار بنعمة التربية. ومذهب المفسرين: الإنكار. وما حكينا من أقوالهم يدل على الإنكار.
26:23Page 368
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قال محمد بن إسحاق: يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه. أي: ما إلهك هذا؟ [["تاريخ ابن جرير" 1/ 406، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم 8/ 2756.]] فأجابه موسى بما هو دليل على الله -عز وجل- مما خلق مما يُعجز المخلوقين عن أن يأتوا بمثله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 87، بنصه.]].
26:24Page 368
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
فـ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ قال ابن [[ابن في نسخة (ب).]] الأنباري: يقال: كيف استجاز موسى حين سأله فرعون أن يجيبه بأن يقول: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وهذا ليس بجواب لسؤاله؛ لأن من قيل له: ما زيد؟ لم يكن جوابه: زيد يملك خمسين دينارًا؛ لأن (ما) سبيلها أن تستفهم بها عن الأسماء من الأجناس، والأنساب، فإذا قال القائل: ما هذا؟ أُجيب بأحد جوابين؛ إما أن يُقال له: هاشمي، قرشي، إذا عَلم المخاطب أنه يعرف جنس الذي يستفهم عنه. وإما أن يُجاب بالجنس، فيقال: إنسان، بهيمة، حائط، فجواب موسى لم يقع على حسب سؤال فرعون؟.
والجواب أن فرعون أحال في سؤاله، فسأل عن جنس من لا جنس له فاستجهله موسى، فأضرب عن سؤاله فلم يجبه عنه؛ بل أخبره من قدرة الله وعظيم ملكه وسلطانه بما يردعه عن جهله فيما كان سأل عنه. والدليل على أن موسى لم يجب عن سؤاله: أنه لما سمعه منه أقبل على جلسائه فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ إذ لم يجبني عن سؤالي! فلم يلتفت موسى إلى ذلك من قوله، وأشاعَ تعظيم مُلْكَ ربه فقال: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية.
والجواب الثاني: أن موسى علم أن قصده في السؤال معرفةُ من سأل عنه فأجاب بما يعلم من صفاته؛ لأن الذي يجب على المسؤول أن يُخبر بما يعلم، فكأن موسى أجاب عن معنى السؤال بما يَعرف، ولم يلتفتْ إلى ظاهره.
وقيل: إن موسى عَلِم أن فرعون يعلم أن اللهَ ربُّه؛ وإن أظهر غير ما يعلم، فلما قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقع في نفسه أنه يَسأل عن ربه ليُحدده، بل قَدَّر أنه يسأله عن مُلك ربه؛ فكأن التقدير: وما مُلك رب العالمين؟ فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. وغير ممتنع في اللغة أن يُجاب السائل في قوله [[(في قوله) من نسخة (أ).]] ما ملك ربك؟ بأن يقال: ربُّك مَلِك العراق وخراسان، ومالك أكثر الأرض. انتهى كلامه [[قال ابن كثير 6/ 138: "ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقراً بالصانع حتى يسأل عن الماهية بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر".]].
قال الكلبي: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خلق ذلك [["تنوير المقباس" 307. و"تفسير الثعلبي" 8/ 109 ب، منسوبًا للكلبي. وذكره في "الوسيط" 3/ 352، ولم ينسبه.]].
وقال أهل المعاني: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أن ما تعاينونه كما تعاينونه [["تفسير ابن جرير" 19/ 69. وهو بنصه، في "تفسير الثعلبي" 8/ 109 ب.]]. يعني: إن كنتم تثبتون المشاهدات والمعقولات؛ لأن من أثبت المعقول لا يكاد يخفى عليه الخالق إذا شاهد المخلوق.
26:25Page 368
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
قوله: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ قال أبو إسحاق: لما قال موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ تحير فرعون ولم يَرُدَّ جوابًا ينقض به هذا القول، فـ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 87. وذكره في "الوسيط" 3/ 352، ولم ينسبه.]] قال ابن عباس: يريد ألا تستمعون مقالة موسى [["الوسيط" 3/ 352، منسوبًا لابن عباس. وذكره ابن جرير 19/ 69، ولم ينسبه.]]. فزاد موسى في البيان فقال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 87.]]:
26:26Page 368
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الفراء: إنما لم يجبه الملأ، لأن موسى كان المراد بالجواب، فقال: الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 279.]]. قال محمد بن إسحاق: الذي خلق آباءكم الأولين، وخلقكم من آبائكم [["تاريخ ابن جرير" 1/ 406، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم 8/ 2756.]]. فلم يجبه فرعون أيضًا بما ينقض قوله، وقال:
26:27Page 368
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [["الوسيط" 3/ 352.]]. قال محمد بن إسحاق أي: ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلهًا غيري [["تاريخ ابن جرير" 1/ 406، بسنده عن محمد بن إسحاق. وأخرجه عنه ابن أبي حاتم 8/ 2756.]].
وقال أهل المعاني: كِلَا المقالتين من فرعون مقالة العاجز عن الاعتراض على الحجة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 88، بمعناه.]]؛ قوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ الآية، فلم يشتغل موسى بالجواب عما نسبه إليه من الجنون، ولكن اشتغل بتأكيد الحجة فأتبع ما سبق من الدليل دليلًا آخر زيادة في الإبانة فقال [["تفسير الثعلبي" 8/ 109 ب، بمعناه.]]:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences