Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:67–93
26:67Page 370
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قال مقاتل: إن في هلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم [[أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2776، عن محمد بن. إسحاق: وكان يقال: لو لم يخرجه الله تعالى ببدنه حين أغرقه لشك فيه بعض الناس.]] ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: لم يكن أكثر أهل مصر مصدقين بتوحيد الله، ولم يكن آمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموسا، التي دلت على عظام يوسف [["تفسير مقاتل" 51 أ. وفيه (وحزقيل المؤمن، ومنه الماشطة).
وفي "الوسيط" 3/ 355: (خربيل المؤمن، ومريم بنت موشا). وعند البغوي 6/ 116 (حزبيل المؤمن، ومريم بنت ناقوسا). وزاد ابن الجوزي 6/ 127، وفنَّة الماشطة ونسبه لقتادة، ولم أرَ من ذكره غيره.
وفي "تفسير مجاهد" 2/ 461، وابن جرير 19/ 78، عنه رواية مطولة عن أخذ نبي الله موسى، لعظام يوسف، وليس فيها تسمية المرأة، بل فيها وصفها بأنها: امرأة عجوز بيتها على قبر يوسف، وأن موسى جعل عظام يوسف في كسائه، ثم حمل العجوز على كسائه؛ لأن بني إسرائيل قالوا لموسى: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنجى من فرعون، وأخذ عليا العهد لنخرجن بعظامه معنا.
وقصة أخذ نبي الله موسى عليه السلام لعظام يوسف أخرجها الحاكم 2/ 404، وأبو يعلي الموصلي، في مسنده 13/ 236، رقم: 7254، عن أبي موسى -رضي الله عنه- مرفوعاً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 559، رقم: 313.
وقد ذكر هذا الحديث ابن كثير 6/ 142، من طريق ابن أبي حاتم، فقط، ثم قال: وهذا حديث غريب جدًّا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.
وكون امرأة فرعون اسمها آسية ثابت من حديث ابن عباس قال: خط رسول الله -ﷺ-، في الأرض أربة خطوط، قال: تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله -ﷺ-: (أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران). أخرجه الإمام أحمد 4/ 409، رقم 2668، م/ الرسالة، وحكم عليه محققو المسند بالصحة، وأخرج الحاكم 3/ 174، كتاب معرفة الصحابة، رقم: 4754، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 13، رقم: 1508.]].
26:68Page 370
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه حين انتقم منهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم من العذاب [["تفسير مقاتل" 51 أ، بنصه. و"تنوير المقباس" 307، بمعناه.]].
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69)﴾ قال ابن عباس: حدث قومك نجبر إبراهيم [["الوسيط" 3/ 355، غير منسوب.
قال الرازي 24/ 141: (اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن النبي -ﷺ- بسبب كفر قومه، ثم إنه ذكر قصة موسى -عليه السلام- ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى، ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم -عليه السلام- ليعرف محمد أيضًا أن حزن إبراهيم -عليه السلام- بهذا السبب كان أشد من حزنه؛ لأن من عظيم المحنة على إبراهيم -عليه السلام- أن يرى أباه وقومه في النار، وهو لا يتمكن من إنقاذهم.]].
وقال مقاتل: واتل على أهل مكة حديث إبراهيم [["تفسير مقاتل" 51 أ.]].
وقال الكلبي: يقول أخبرهم بخبر إبراهيم كيف قال لقومه [["تنوير المقاس" 357، بمعناه.]]؛ يعني قوله:
26:70–71Page 370
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ قال مقاتل: وكانت أصنامًا من ذهب وفضة وحديد ونحاس وخشب [["تفسير مقاتل" 51 أ.]] ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ فنقيم عليها عابدين مقيمين على عبادتها لا نعدل بها شيئًا. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 51 أ. و"تنوير المقباس" 307. وهو في "الوسيط" 3/ 355، غير منسوب. ونحوه في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 93. أخرج ابن جرير 19/ 83، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ قال: الصلاة لأصنامهم. وذكر الثعلبي 8/ 111 أ، عن من لم يسمه من أهل العلم: إنما قالوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.]].
26:72Page 370
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ قال أبو علي وغيره من النحويين: هل يسمعون دعاءكم، فحذف المضاف [["المسائل الحلبيات" 83، و"الإيضاح العضدي"، كلاهما لأبي علي الفارسي 1/ 197. و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 646، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 87. و"تفسير الثعلبي" 8/ 111 أ.]]؛ لأن سمعت إذا عُدِّي إلى زيد لم يكن له من مفعول مما سمع زيد، كقولك: سمعت زيدًا يقول ذلك، أو يشتم عمرًا. ونحو ذلك من المفعولات التي تُسمع، وهذا كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 14] [[قال ابن جرير 19/ 84: قال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربية: الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن؛ لأن العرب تقول: سمعت زيداً متكلماً، يريدون: سمعت كلام زيد، ثم تعلم أن السمع لا يقع على الأناسي، إنما يقع على كلامهم، ثم يقولون: سمعت زيداً، أي: سمعت كلامه.]].
قال ابن عباس: هل يجيبونكم أو يسمعون دعاءكم [["تنوير المقباس" 307.]].
وقال مقاتل: هل يجيبونكم إذ تدعوهم [["تفسير مقاتل" 51 أ.]]. وتفسير السمع بالإجابة معنى؛ لأن من سمع أجاب. ومن هذا قيل: سمع الله لمن حمده. أي: أجاب [[قال ابن الأنباري: وقولهم: سمع الله لمن حمده، معناه: أجاب الله من حمده، والله سامع على كل حال، وكذلك: سمع الله دعاءك، معناه: أجاب الله دعاءك. "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 59.]]. وإذا فسرنا السمع بالإجابة لم يحتج إلى تقدير المضاف.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ قال ابن عباس: يريد هل يرزقونكم، أو يكشفون عنكم التفسير، أو يملكون لكم ضرَّا [["الوسيط" 3/ 355، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-.]].
وقال الكلبي: هل ينفعونكم إن أطعتموهم، أو يضرونكم إن عصيتموهم [["تنوير المقباس" 307.]]. ونحو هذا قال مقاتل: هل ينفعونكم في شيء إذا عبدتموهم، أو يضرونكم بشيء إن لم تعبدوهم [["تفسير مقاتل" 51 أ.]].
26:74Page 370
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما نفعل يفعلون. وهذا إخبار أنهم قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام، وتركوا الحجة والاستدلال فلما أقروا على أنفسهم وآبائهم بعبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تضر [[ولا تضر. مكررة في نسخة (ج).]] ولا تنفع [[لا تنفع، ولا تضر ولا تسمع. في نسخة (ب).]].
قال لهم إبراهيم متبرئًا منهم:
26:75–76Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦
You and your ancient forefathers?
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ يعني الماضين الأولين.
26:77Page 370
فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧
Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قال الكلبي: يقول أبرأ منهم [["تنوير المقباس" 307، وفيه: تبرأ منهم.]]. وقال مقاتل: أنا بريء منهم [["تفسير مقاتل" 51 ب.]]. ومعنى عداوة الأصنام له هو ما ذكره الفراء، أي: لو عبدتهم كانوا إلى يوم القيامة ضدًا وعدوًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 281.]]. وكأنه ذهب إلى معنى قوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية [["تفسير الثعلبي" 8/ 111 ب. والشاهد من الآية في آخرها، وهو قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.]]، [مريم: 82] وذكر ابن قتيبة هذه الآية في باب المقلوب؛ وقال: المعنى: فإني عدو لهم، فقلب؛ لأن كل من عاديته عاداك [["تأويل مشكل القرآن" 193.]]. ونحو هذا حكى بعض المتأخرين عن الفراء، ولم أر له ذلك [[ذكره عن الفراء الثعلبي 111 ب، وتبعه البغوي 6/ 117، وأحال محقق "تفسير البغوي" في الحاشية إلى "معاني القرآن" للفراء 2/ 281، وليس فيه هذا القول، كما قال الواحدي.]].
والعدو: اسم يجوز إطلاقه على الجماعة، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ﴾ [الكهف 50] [[ذكر هذا القول الأخفش، في "معاني القرآن" 2/ 643.]] وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء 92] وقد مرَّ [[تفسير هذه الآية من سورة النساء من القسم المفقود من كتاب البسيط.]]. وذلك أنه وضع موضع المصدر فلا يُثنى، ولا يُجمع، كما يوضع المصدر موضع الصفة؛ في نحو: رجل عدل، وتجوز تثنيته وجمعه؛ لأنه اسم [["تفسير ابن جرير" 19/ 84، بمعناه.]].
وقوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: قال النحويون: إنه استثناء ليس من الأول. أي: لكن رب العالمين أعبده، ولا أتبرؤ منه. قال: ويجوز أن يكونوا عبدوا مع الله الأصنام، فقال: إن جميع من عبدتم عدو لي إلا رب العالمين؛ لأنهم سَووَّا آلهتهم بالله -عز وجل- فأعلمهم أنه قد تبرأ مما يعبدون إلا الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 93.]]. وهذا الذي ذكره هو مذهب مقاتل في هذه الآية؛ قال: إنهم كانوا يعلمون أن الله ربهم، وهو الذي خلقهم فإقرارهم بالله أنه خلقهم وهو ربهم عبادة منهم له [["تفسير مقاتل" 51 ب.]].
وقال الكلبي: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: إلا أن يكون فيكم أحدٌ يعبد الله [["تنوير المقباس" 307.]]. واختار الحسين بن الفضل هذا القول، وقال: يعني إلا من عبد رب العالمين [["تفسير الثعبي" 8/ 111ب.]]. وهذا يتوجه على حذف المضاف، كأنه قال: إلا عابد رب العالمين، ويكون الاستثناء أيضًا لا من الأول.
واختار صاحب النظم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ القلب؛ وقال: لأن الأصنام لا تعادي أحدًا، والمعنى: فإني عدو لهم. ومعنى العداوة: البغض والبراءة، وترك الموافقة. وأصله: من عَدَوْتُ الشيء: إذا جاوزتُه وخلَّفته. وقال في قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ إنه على التقديم والتأخي؛ على تقدير: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وءابآؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي وتكون (إلا) بمعنى: (دون) و (سوى). أي: ما كنتم تعبدون من دون الله، وسوى الله، فيكون: (دون) و (سوى)، نعتًا للاسم الأول [[ذكره عنه السمين الحلبي، "الدر المصون" 8/ 530.]].
وهذا الذي ذكره فيه تعدٍّ واستكراه، ثم استبعد قول الذين قالوا: إنه استثناء ليس من الأول؛ بأن قال: يحتمل ذلك على بعدٍ فيه؛ لأنه يكون ادعى خبرًا على الله من غير علم، وهو تمدح وتفريط للنفس، وهما مكروهان، يعني: أن إبراهيم إذا قال: الأصنام أعدائي، لكن الله وليي يكون قد أخبر عن الله بأنه وليه، ومدح نفسه بولاية الله؛ لأنه إذا كان الله [هو أيضًا] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] وليه، كان هو أيضًا ولي الله. وهذا لا يقدح في قول النحويين؛ لأنه لم يُخبر بذلك عن غير علم؛ فإن النبي يعلم منزلته من الله. والنبوة فوق الولاية، فإذا عَلِم أنه نبي، عَلِم أنه ولي، وأن الله وليه.
وقوله: إنه تمدح، هذا إنما لا يحسن بعد الأنبياء، أما الأنبياء فلهم أن يتمدحوا بمنزلتهم، ومكانهم من الله تعالى، كما أن لهم التحدي بالمعجزة، وقد قال نبينا -ﷺ-: "أنا سيد ولد آدم" [[جزء من حديث أخرجه مسلم 4/ 1782، كتاب الفضائل، رقم: 2278، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مُشَّفع". وأخرجه باللفظ نفسه أبو داود 5/ 54، كتاب السنة، رقم: 4673.]].
وقال: "آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة" [[أخرجه أبو داود الطيالسي 353، من حديث ابن عباس، بلفظ: "وبيدي لواء الحمد تحته آدم ومن دونه ولا فخر". وأخرجه من الطريق نفسه أبو يعلى الموصلي 4/ 214، وضعفه محقق مسند أبي يعلى؛ لضعف علي بن زيد بن جُدعان، وأخرجه ابن حبان، من طريق آخر عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه-، "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 14/ 389، وقال محققه: حديث صحيح لغيره. وأخرجه الترمذي 5/ 548، كتاب المناقب، رقم: 3615، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو في "صحيح سنن الترمذي" 3/ 195، رقم: 2859.]].
وقال: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي" [[خرجه الإمام أحمد 23/ 349، رقم: 15156، وأخرجه أبو يعلى الموصلي 4/ 102، وأخرج ابن أبي عاصم، كتاب السنة 27، رقم: 50. وضعف الحديث محققو المسند، وكذا محقق "مسند أبي يعلى"؛ لضعف مُجالد بن سعيد، وحسن إسناده الألباني، "إراوء الغليل" 6/ 34، رقم: 1589؛ لورود الحديث من طرق أخرى ساقها هناك]]، في أشباهٍ لهذا كثيرة لا تُحمل على مذهب التمدح المكروه.
قال مقاتل: ثم ذكر إبراهيم نعم رب العالمين؛ فقال [["تفسير مقاتل" 51 ب.]]:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ قال ابن عباس: يرشدني. وقال الكلبي: فهو يهدين إلى الدين [["تنوير المقباس" 309.]]. والمعنى: فهو الذي يهدين إلى الدين، والرشد، لا ما تعبدون من الأصنام. أخبر أن الذي يهدي هو الله الذي خلق [[في نسخة (أ)، (ب): زيادة: هذا، بعد: خلق. والكلام مستقيم بدونها.]] لا غيره، وجاء هذا لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم هي التي تهديهم. قال صاحب النظم: وجاءت الفاء دون الواو في (فهو) لأن الفاء تجعل ما بعدها متصلًا بما قبلها على الجواب له.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ قال صاحب النظم: صحول ﴿هُوَ﴾ دليل على أنه أعلم أنه لا يُطعم ولا يَسقي غيرُه، كما تقول في الكلام: زيد هو الذي فعل، أي: لم يفعله غيره [[ذكره القرطبي 13/ 110، ولم ينسبه.]].
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ قال: دخلت الفاء هاهنا كما دخلت في الخلق والهداية، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض منا، ومن الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء، ومن الأدوية. فأعلم إبراهيم أن الذي أمرض هو الذي يَشفي؛ وهو الله -عز وجل-. هذا كلامه [[وقد ذكره في "الوسيط" 3/ 355، ولم ينسبه.]]. وكان يجب على ما قال أن يكون: وإذا أمرضني، وقد قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ فلم يُخبر عن الله -عز وجل- بإمراض، إلا أن يقال: أراد: وإذا أمرضني، ولكن أخبر عن نفسه على العادة فإنه يقال: مرضت ولا يقال: أمرضني الله وإن كان المرض مخلوقًا لله بقضائه وقدره [[قال السمرقندي، في تفسيره 2/ 475: أضاف المرض إلى نفسه؛ لأن المرض كسب يده، كقوله -عز وجل-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ == [الشورى: 30] وفيه كفارة. وجعل البغوي 6/ 118، إضافة المرض إلى نفسه استعمالاً لحسن الأدب. وهذا أولى، والله أعلم.]].
26:81Page 370
وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١
And who will cause me to die and then bring me to life
وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ للبعث. قاله ابن عباس، والمفسرون [["تفسير ابن جرير" 19/ 85.]].
قال صاحب النظم: كانوا لا يدفعون الموت، إلا أنهم يجعلون له سببًا سوى الله، ويكفرون بالبعث، فأعلم إبراهيم أنه هو الذي يميت، ثم يحي [["تفسير الوسيط" 3/ 355، منسوبًا لصاحب النظم.]]. ودخلت (ثم) للتراخي الذي بين الموت والحياة [[وقد أحسن الواحدي صنعاً في إعراضه عن ذكر الأقوال الغريبة، والشاذة التي ذكرها الثعلبي 8/ 111 ب، عن بعض أهل المعرفة، وإن كان الأحسن أن يشير إلى نقده لتلك الأقوال كما فعل القرطبي 13/ 111، وغيره من أهل العلم.]].
26:82Page 370
وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢
And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."
وقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ قال مقاتل: أرجو [["تفسير مقاتل" 51 ب. و"تنوير المقباس" 309.]] ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، والحسن [[الحسن غير موجودة في نسخة (ب).]]، هي قوله لسارة: أختي، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وهي الكذبات الثلاث [["تنوير المقباس" 309. و"تفسير مجاهد" 2/ 462. و"تفسير مقاتل" 51 ب. وأخرجه بسنده ابن جرير 19/ 85، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2780، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً. ولفظه عند البخاري، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام- إِلا ثَلَاثَ كَذَبَات ثِنْتَيْنِ مِنْهُن فِي ذَاتَ الله -عز وجل-؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ وَسارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَه إِنَّ هَاهُنَا رجُلا مَعَهْ امْرَأَةٌ مِرْ أَحْسَنِ == النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى سَارَةَ قَالَ يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِن هَذَا سَألَني فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ اخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ ثُمّ تَنَاوَلَهَا الثانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي الله لِي وَلَا أَضُركِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا قَالَتْ رَدَّ الله كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ في نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ). البخاري، كتاب الأنبياء، رقم: 3358، الفتح 6/ 388. ومسلم، 4/ 1840، كتاب الفضائل، رقم: 2371.]].
وزاد الكلبي والحسن قوله للكواكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [["تفسير الوسيط" 3/ 355. وذكره السمرقندي، في "تفسيره" 2/ 475، ولم ينسبه. ونسبه الثعلبي 8/ 112 ب، والبغوي 6/ 118، للحسن. قال ابن عطية 11/ 123: وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، قدرها في كل أمره من غير تعيين. واستظهر ابن عطية هذا القول. وهذا مخالف لظاهر الآية حيث نسبة الخطأ إلى نفسه، ومخالف للحديث السابق، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فيما يتعلق بالوحي وتبليغ الرسالة، ولا ينافي إثبات ذلك عصمةَ الرسل؛ فالعصمة ثابتة لهم في تبليغ الوحي، وأما ما يفعلونه باجتهادهم فهم كغيرهم من البشر يصيبون، وقد يخطئون فيصحح خطؤهم. والله أعلم.]].
وقال أبو إسحاق: معنى ﴿خَطِيئَتِي﴾ أن الأنبياء بشر، وقد يجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنهم معصومون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 94.]].
وقال أهل المعاني في قوله: (أطمع) هذا تلطف من إبراهيم في حسن الاستدعاء، وخضوع لله -عز وجل- [["تفسير الوسيط" 3/ 355، ولم ينسبه.]].
قوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يريد يوم الجزاء. قاله ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2780، عن الأعرج. قال ابن جرير 19/ 85: (يوم الحساب، يوم المجازاة).]].
وقال مقاتل: يعني يوم الحساب [["تفسير مقاتل" 51 ب. ذكر الواحدي، في "الوسيط" 3/ 356، هاهنا حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وُيطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أخرجه مسلم 1/ 196، كتاب الإيمان، رقم 214. والحاكم 2/ 439، كتاب التفسير، رقم: 3524، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث أخرجه مسلم كما سبق.]]. ثم دعا إبراهيم ربه فقال:
26:83Page 370
رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣
[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ قال ابن عباس: معرفة بالله وبحدوده وأحكامه [["تفسير الوسيط" 3/ 356. و"تفسير البغوي" 6/ 118. و"تفسير القرطبي" 13/ 112. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2781، عن ابن عباس: الحكم: العلم.]].
وقال مقاتل: يعني اللهم والعلم [["تفسير مقاتل" 51 ب. و"تنوير المقباس" 309. وجعل ابن جرير 19/ 86، الحكم هنا: النبوة. وهو قول السدي، أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2781.]].
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: بأهل الجنة.
وقال عطاء عنه: يريد النبيين قبله [["تفسير مقاتل" 51 ب. وفي "تنوير المقباس" 309: بآبائي المرسلين في الجنة.]].
26:84Page 371
وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤
And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسفيان، والسدي، ومقاتل، والكلبي، والمفسرون يعني: ثناءً حسنًا [[خرجه بسنده عن مجاهد، الفراء، "معاني القرآن" 2/ 281. وذكره أبو عبيدة 2/ 87، ولم ينسبه. وذكره ابن جرير 19/ 86. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2781، عن مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.]]. ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ يعني: في الذين يأتون بعدي [["تفسير مقاتل" 51 ب. و"تنوير المقباس" 310.]].
قال أبو إسحاق: معناه اجعل لي ثناء حسنًا باقيًا إلى آخر الدهر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 94. قال السمرقندي، في؛ "تفسيره" 2/ 476: وإنما أراد بالثناء الحسن ليقتدوا به فيكون له مئل أجر من اقتدى به.]].
قال المفسرون: وأعطاه الله ذلك، وكل أهل دين يتولونه ويثنون عليه [["تفسير مقاتل" 51 ب، بلفظ: "فكل أهل دين يتولون إبراهيم -عليه السلام-، ويثنون عليه". وذكر هذا هود الهواري 3/ 230. وأخرجه بسنده مطولاً ابن جرير 19/ 86، عن عكرمة. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2781، عن ابن عباس. قال الجصاص 5/ 214: فاليهود تقر بنبوته، وكذلك النصارى، وأكثر الأمم. وذكره الثعلبي 8/ 113 أ.]]. وذكرنا أن اللسان قد يُذكر والمراد به القول [[ذكر ذلك ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 146. ونقله عنه الثعلبي 8/ 113 أ.]]، ومنه:
إني أتتني لسانٌ ...... البيت [[أنشده كاملاً ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 146، ولم ينسبه، وتمامه:
إني أتتني لسانٌ لا أُسرُّ بها ... من عَلوَ لا عجبٌ منها ولا سَخَرُ
قال ابن قتيبة: أي: أتاني خبرٌ لا أسر به. والبيت مطلع قصيدة لأعشى باهلة، يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي، وقد ذكرها المبرد، الكامل 3/ 1431. وأنشده ونسبه الثعلبي 8/ 117 أ.]]
والعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق [[في "تهذيب اللغة" 8/ 355: يقال: هذا رجل صِدْق، معناه: نعم الرجل هو.]]؛ كقوله تعالى: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2] وقد مر [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية ما يتعلق بالقدم، ومعناه، والمراد به، ثم قال: هذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة، فأما التفسير فقال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم. وعلى هذا المعنى: أن لهم أجر صدق أو ثوابه، على تقدير حذف المضاف، وقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة. وعلى هذا لا حذف. == قال الإمام مالك: لا بأس أن يُحب أن يُثنى عليه صالحاً، وُيرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح. "أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 458.]].
26:85Page 371
وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥
And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قال ابن عباس: اجعل مصيرِي إلى جنة النعيم [["تنوير المقباس" 310، بمعناه.]]. وقال الكلبي: من الذين ذكروا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 10، 11] والنعيم: نقيض البؤس [[وفي هذه الآية رد على من قال: لا أسأل جنة ولا ناراً. "تفسير القرطبي" 13/ 114.]].
26:86Page 371
وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦
And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ قال مقاتل: من المشركين [["تفسير مقاتل" 51 ب.]]. وهذا الاستغفار منه لأبيه إنما كان قبل أن يتبرأ منه [["تفسير البغوي" 6/ 119.]]. وقد ذكرنا ذلك عند ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية، [التوبة: 114] [[قال الواحدي: (.. وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وأن ينقل الله أباه باستغفاره له من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركاً ويئس من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له ..).]].
26:87Page 371
وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧
And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -
﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ قال مقاتل والكلبي: لا تعذبني [["تفسير مقاتل" 51. و"تنوير المقباس" 310.]] ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ يوم يبعث الخلق بعد الموت [["تفسير مقاتل" 51 ب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيم: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي فَيقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إنكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزيٍ أَخْزَلى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ == عَلَى الْكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى في النَّارِ) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، رقم: 3350، الفتح 6/ 387. والنسائي، في السنن الكبرى 6/ 422، كتاب التفسير، رقم: 11375. قال ابن حجر، في الفتح 8/ 499: الذيخ: ذكر الضباع. يعني أن الله تعالى قد مسخ آزر ضبعاً، فلما رآه إبراهيم كذلك تبرأ منه.]]. ثم فسر ذلك اليوم وأبدل منه؛ فقال:
26:88Page 371
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨
The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [ومفعول النفع محذوف للعلم به كأنه قيل: لا ينفع مال ولا بنون أحدًا] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]].
26:89Page 371
إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩
But only one who comes to Allāh with a sound heart."
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وفي هذا الاستثناء قولان؛ أحدهما: إنه استثناء من الأول على معنى: أن الكافر لا ينفعه ماله وإن تصدق به، ولا ابنوه يغيثونه، [فيكون قوله ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ممن لا ينفعه بماله، وبنوه؛ وهو الكافر.
القول الثاني: إن قوله: ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناء ليس من الأول على معنى:] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).]] لكن من أتى الله بقلب سليم ينفعه ذلك، وهو سلامة قلبه [[لم أجده عند من تقدم الواحدي، وذكره من المتأخرين: الزمخشري 3/ 311. والقرطبي 13/ 114. وأبو حيان 7/ 24.]].
واختلفوا في معنى القلب السليم؛ فقال ابن عباس: سليم من الشرك والنفاق. وهو قول مجاهد، والكلبي، ومقاتل، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين؛ قالوا: القلب السليم، الذي سلم من الشرك، والشك، والنفاق [["تفسير مقاتل" 51 ب. وأخرجه بسنده عبد الرزاق 2/ 74، عن قتادة. و"تفسير هود الهواري" 3/ 231. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 318. و"تفسير ابن جرير" == 19/ 87، وأخرجه عن قتادة، وابن زيد، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2783، عن مجاهد، والحسن، وعبد الرحمن بن زيد. قال الثعلبي 8/ 113 أ، بعد ذكر هذا القول: (فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد). ومراده ما دون الشرك. قال ابن القيم: (وقد اختلفت عبارات الناس في معنى السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره ..) "إغاثة اللهفان" 1/ 13.]]. وإذا كان سليمًا من هذه الأشياء كان موقنًا مخلصًا. وقال سعيد ابن المسيب: القلب السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر والمنافق مريض، كما قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: 10] [["تفسير الثعلبي" 8/ 117 أ. و"تفسير الوسيط" 3/ 356. و"تفسير البغوي" 6/ 119. وفي "تنوير المقباس" 310: (سليم من بغض أصحاب النبي -ﷺ-).]]
26:90Page 371
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠
And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.
قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس: قربت الجنة لأوليائي [["تنوير المقباس" 310. و"تفسير الوسيط" 3/ 356. أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2784، عن الضحاك: قُربت من أهلها. ثم قال: وروي عن السدي، وقتادة، والربيع بن خيثم نحو ذلك.]].
قال أبو إسحاق: تأويله أنه قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 94.]].
26:91Page 371
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١
And Hellfire will be brought forth for the deviators,
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أي: أظهرت [["تنوير المقباس" 310. و"تفسير هود الهواري" 3/ 231. و"تفسير ابن جرير" 19/ 87. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 94. و"تفسير الثعلبي" 8/ 113 أ.]]. قال مقاتل: كشف الغطاء عيت الجحيم [["تفسير مقاتل" 51 ب.]] (للغاوين) للكافرين [["تنوير المقباس" 310. قال ابن عطية 11/ 127: هم المشركون بدلالة أنهم خوطبوا في أمر الأصنام، والقول لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.]]، وهم الضالون عن الهدى [[عن الهدى، في نسخة (ج).]].
والغاوي: الضال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 94.]]. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ في ذلك اليوم على وجه التوبيخ واللوم [["تفسير الوسيط" 3/ 356، ولم ينسبه.]].
26:92–93Page 371
وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢
And it will be said to them, "Where are those you used to worship
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣
Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"
﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ هل يمنعوفكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه [["تفسير مقاتل" 51. و"تنوير المقباس" 310. و"تفسير هود الهواري" 3/ 231.]].
ثم يؤمر بهم فيُلقون في النار، فذلك قوله:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences