Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:32–42
28:32Page 389
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
وقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قال مجاهد: اضمم إليك يدك من الفَرَق [[أخرجه ابن جرير 20/ 73، وابن أبي حاتم 9/ 2975، وأخرجاه أيضًا عن قتادة، وابن زيد.]]. وهذا قول جميع المفسرين؛ قالوا: لما ألقى موسى عصاه فصارت جانًا رَهِبَ وفَزعَ، فأمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفَزَع [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة "تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]].
قال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع؛ وقرأ هذه الآية [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ. ولم ينسبه. ونسبه لمجاهد ابنُ الجوزي 6/ 220.]]. قال الزجاج: والمعنى في جناحك هاهنا: العضد. ويقال: اليد كلها جَناح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]].
وقال الفراء: الجَناح ما بين أسفل العَضُد إلى الرُّفْغ، وهو: الإبْط [["معاني القرآن" للفراء 2/ 306. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333. الرَّفْغُ، والرُّفْغُ: لغتان، وهي: الآباط، والمغابن من الجسد. "تهذيب اللغة" 8/ 108 (رفغ).]].
وقرئ (الرُّهْبِ) و (الرَّهَبِ) [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء والهاء، وقرا عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بضم الراء وسكون الهاء. "السبعة في القراءات" 493، و"الحجة" 5/ 414، و"النشر" 2/ 341.]] ومعناهما جميعًا واحد، مثل: الرُّشْد والرَّشَد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]].
قال أبو علي: قال أبو عبيدة: جناحا الرجل: يداه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 414. بنصه، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104: ﴿جَنَاحَكَ﴾ أي: يدك.]]. وقال غيره في الآية: إنه العضد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، ولم ينسبه. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 143، ولم ينسبه، ثم قال: ويقال: اليد كلها جناح.]]. وقول أبي عبيدة أبين عندنا. قال: وقد جاء الاسم المفرد يراد به التثنية، وأنشد أبو الحسن:
يداكَ يدٌ إحداهما الجودُ كُلُّه ... وراحتُك الأخرى طِعَانٌ تغامره [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، من إنشاد أبي الحسن، والبيت للفرزدق 1/ 276، من قصيدة يمدح فيها أسد ابن عبد الله القسري، ورواية الديوان مختلفة:
يداك يد إحداهما النبل والندى ... وراحتها الأخرى طعان تعاوره
قوله: وراحتك الأخرى: جعل الراحة موضع اليد، والطعان مصدر: طاعن، وليس بجمع طعنة، وتغامره فاعله: الراحة، أي: تغامر الراحةُ الطعانَ، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان. والشاهد فيه: يد، فإنه وإن أفردها لكن المراد بها: التثنية، كأنه قال: يداك يدان إحداهما. "شرح الأبيات المشكلة" لأبي علي 1/ 209.]]
المعنى: يداك يدان؛ بدلالة قوله: إحداهما؛ ولأنك إن جعلت قوله: (يدٌ) مفردًا، بقي لا يتعلق به شيء، ويجوز أن يراد بالإفراد: التثنية، كقوله:
وعَينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... شُقَّتْ مَآقيهما من أُخُر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 418، من إنشاد أبي الحسن، ونسبه أبو علي لامرئ القيس، "شرح الأبيات المشكلة" 1/ 211، وحدرة بدرة، أي: مكتنزة صلبة ضخمة، بدرة: يبدو بالنظر، وشقت مآقيهما: تفتحت فكأنها انشقت، وقوله: من أخر، أي: من مآخير العين. "شرح الأبيات المشكلة"، وحاشيته. والبيت في "ديوان امرئ القيس" 116، يصف فرسا. وأنشده البغدادي، "الخزانة" 5/ 197، ولم ينسبه.]]
فيجوز على هذا القياس في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أن يراد بالإفراد: التثنية، كما أريد بالتثنية: الإفراد، في قوله: فإن تزجراني يا ابن عَفَّانَ انزجرْ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 419. وفي الحاشية: صدر بيت لسويد بن كراع، وعجزه:
وإن تدعاني أَحمِ عِرضًا ممنعًا
وأنشده البغدادي "الخزانة" 11/ 17، ولم ينسبه. وأنشده ابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" 291، ولم ينسبه. وفي حاشيته: كان سويد قد هجا بني عبد الله بن دارم فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان بن عفان، فقال سويد قصيدته.]]
ومن الناس من يحمل قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] على ذلك. انتهى كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 419، من قوله: وقول أبي عبيدة أبين عندنا.]]. وقد جاء من هذا أن قوله: ﴿جَنَاحَكَ﴾ معناه: يداك، و ﴿الرَّهْبِ﴾: الخوف [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ، ولم ينسبه.]]. والمعنى ما ذكره مجاهد. ونحو ذلك قال ابن عباس فيما روى عنه عطاء؛ قال: يريد: اضمم يدك إلى صدرك من الخوف، ولا خوف عليك. والمعنى على هذا: أن الله أمره أن يضم يده إلى صدره، فيذهب الله عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]]. وتقدير الآية على هذا المعنى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ معالجًا من الرَّهْبِ، أو ما أشبه هذا من التقدير؛ لأنه أُمر بضم الجَناح إليه ليذهب عنه الفزع، ويعالج بذلك ما ناله من الفزع.
وقال الفراء في تفسير الجناح في هذه الآية: إنه العصا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 306.]].
وقال مقاتل: يعني عصاك مع يدك [["تفسير مقاتل" 65 ب.]].
هذا الذي ذكرنا قول المفسرين.
وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: ذُكر لموسى الخوفُ في مواضع من التنزيل؛ كقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] و ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 25] وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [الشعراء: 12] وقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: 46] ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: 45] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67] وقال ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77]. فلما أضاف -عليه السلام- الخوفَ في هذه المواضع إلى نفسه، أو نُزِّلَ منزلة من أضافه إلى نفسه، قيل له: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ فأُمر بالعزم على ما أُريد له مما أُمر به، وحُضَّ على الجدِّ فيه؛ لئلا يمنعه من ذلك الخوفُ والرهبةُ التي قد تغشاه في بعض الأحوال [[في نسخة: (أ)، (ب): والرهب والذي قد يغشاه في بعض الأحوال.]]، وأن لا يستشعر ذلك فيكون مانعًا له مما أمر بالمضي فيه. وليس يراد بضم الجناح هاهنا: الضم المُزيل للفُرْجة والخصاصة [[الخصاصة: الخَلَل، خصاص المنخل، والباب، والبرقع: خللَّه، واحدته: خصاصة. "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خص).]] بين الشيئين، كقول الشاعر:
اُشْدُدْ حيازيمَكَ للموت ... فإن الموتَ لاقيكَ [["الحجة" 5/ 416، ولم ينسب البيت. وأنشده المبرد مع بيت آخر، وهو:
ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا
ونسبهما لعلي -رضي الله عنه-، قالهما بعد أن أُتي بابن ملجم وقيل له: إنا سمعنا من هذا كلامًا ولا نأمن قتله لك، فقال: ما أصنع به، ثم قال هذين البيتين. "الكامل" 3/ 1121. وأنشد البيت الأول في "اللسان" 12/ 132 (حزم)، وقال: حيازيمك: جمع: الحيزوم: وهو الصدر، وقيل: وسطه. وهو في ديوان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، 140، مع عدد من الأبيات.]] ليس يريد به الشد الذي هو الربط والضم، وإنما يريد: تأهب له واستعد للقائه حتى لا تهاب لقاءه، ولا تجزع من وقوعه. هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 415.]]. والمعنى على هذا: فشمر واستعد. والتقدير: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ خارجًا من الرهب.
وذكر الأزهري قال: قال [[هكذا في جميع النسخ: وذكر الأزهري قال: قال مقاتل. يعني: أن الأزهري قد ذكر قول مقاتل.]] مقاتل في قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ أرادكُمَّ مِدْرَعَته [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب)، ولم أجده في "تفسير مقاتل". ولم ترد كلمة: ﴿الرَّهْبِ﴾ في كتاب الله -عز وجل- إلا في هذا الموضع. "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" 325. وذكره الثعلبي 8/ 146 أ، ونسبه لأهل المعاني. والمدرعة: نوع من الثياب التي تلبس، ولا يكون إلا من صوف. "تهذيب اللغة" 2/ 201 (درع).]].
وروى ثعلب عن عمرو [[عمرو بن أبي عمرو الشيباني.]] عن أبيه قال: يقال لِكُمِّ القميص: القُنُّ والرُّدْن والخِلاف. وحكى عن ابن الأعرابي: أَرْهَبَ الرجلُ: إذا أطال رَهَبَه؛ وهو: كُمَّه.
قال الأزهري: وأكثر المفسرين ذهبوا في قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أنه بمعنى الرهبة [[ذكر ذلك أبو عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 104، ولم ينسبه.]]، ولو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًا لذهبت إليه؛ لأنه أشبه بالتفسير، وأليق بمعنى الكلام، والله أعلم بما أراد. هذا كلامه [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب). وفيه قال الأزهري: ولو وجدت إمامًا من السلف ..]]. وهو متناقض؛ لأنه حكى عن مقاتل أنه قال في الرهب: إنه كُم مِدْرَعَتِه. ثم قال: لو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًّا لذهبت إليه [[وصف الواحدي للأزهري بالتناقض بإيراده قول مقاتل لعله غير وجيه؛ لأن الأزهري قال: إمامًا من السلف، ولم يقل: إمامًا في التفسير كما نقل الواحدي، فلعله يعني بذلك: إمامًا من الصحابة والتابعين؛ ومقاتل من أتباع التابعين، ت 150 هـ، ويبعد أن يكون الأزهري يجهل قول مقاتل؛ إذ إن ذكرَه لقوله قريبٌ جدا. والله أعلم.]].
ثم قال: لأنه أشبه بالتفسير، وليس الأمر على ما ذكر؛ كيف يكون أشبه ولا معنى لقولك: واضمم إليك جناحك من الكم وكيف يكون ما ذكر أشبه بالتفسير؛ وقد قال مِقْسم في قوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنما قيل: في جيبك؛ لأنه لم يكن له كم، كانت زُرْمَانقة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2850، في تفسير سورة النمل، عن ابن عباس، من طريق مقسم، وليس فيها: زرمانقة، بل: جبة من صوف. والزرمانقة: جبة صوف. "تهذيب اللغة" 9/ 402 (زرمانق).]].
وذكر المفسرون: أن موسى كانت عليه تلك الليلة مِدْرَعة من صوف مُضَرَّبة، لا كُمَّ لها [[أخرجه ابن جرير 20/ 138، عن مجاهد وابن مسعود. والضريبة: الصوف يضرب بالمطرَق، ويطلق على: الصوف أو الشعر ينفش ثم يدرج ليغزل. "تهذيب اللغة" 12، 19/ 20 (ضرب).]]. وإذا صح هذا فكيف يجوز أن [[يجوز أن. زيادة من نسخة (ج).]] يحمل الرهب على الكم؟ مع أنا لو ارتكبنا هذا لم يخرج للكلام معنى صحيح. وروى حفص عن عاصم ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ بفتح الراء وجزم الهاء [["السبعة في القراءات" 493، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 414.]]، وهو لغة في: الرَّهَب الذي هو بمعنى: الكُم [["تهذيب اللغة" 6/ 292 (رهب).]].
وقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني اليد والعصا، حجتان من الله تعالى لموسى على صدقه [["غريب القرآن" لابن قتيبة 333، و"الطبري" 20/ 73. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 أ.]]. وقُرئ ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون وتشديده [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿فَذَانِكَ﴾ مشددة النون، وقرأ الباقون: ﴿فَذَانِكَ﴾ بالتخفيف. "السبعة" 493، و"الحجة" 5/ 419، و"النشر" 2/ 341.]].
قال أبو عبيد: كان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد [من بين إخوانه. ويحكى أن التشديد لغة قريش [["تفسير ابن جرير" 20/ 74، ولم يذكر أبا عبيد.]]، قال أبو إسحاق: التشديد] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] يشبه ذلك، والتخفيف يشبه ذاك، جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون في: ﴿ذَانَّكَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 143.]]. وهذا قول الأخفش؛ قال: أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في ذلك [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 653. قال المبرد: تبدل من اللام نونًا، وتدغم إحدى النونين في الأخرى. "المقتضب" 3/ 275. وذكر ذلك أيضًا ابن جني، "سر صناعة الإعراب" 2/ 487.]]. وهذا مما قد تقدم القول فيه في سورة النساء [[ذكره في تفسير الآية: 16 ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.]].
وروى شِبل عن ابن كثير: ﴿فَذَانِيكَ﴾ خفيفة النون بياء [["السبعة" 493، و"الحجة" 5/ 419، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 174.]]؛ كأنه أبدل من الثانية الياء كراهية التضعيف، كما أنشد أبو زيد:
فآليت لا أَشْرِيه حتى يَمَلَّنِي ... بشيء ولا أمْلاهُ حتى يُفارقا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، ونسبه لأبي زيد. وهو في "النوادر" 44، مع بيتين قبله منسوبًا للأسود بن يعفر النهشلي، بلفظ: == فأقسمت لا أشريه حتى أمله ... بشيء ولا أملاه حتى يفارقا
وفيه: أشريه: أبيعه، ولا أملاه: أي: لا أَمَلُّهُ.]] يريد: لا أَمَلُّه حتى، فأبدل من التضعيف: الألف، كما أبدل من الأول: الياء [[يعني من قوله تعالى: ﴿فَذَانَّيكَ﴾ على قراءة الياء.]]. والإبدال من التضعيف كثير، ومنه قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: 33] إنما هو: يتمطط، ومثله: التقصي، والتظني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، باختصار. والتظنَّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. "اللسان" 13/ 257. و"القاموس" 1566.]].
وقوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي: أرسلناك إلى فرعون وملأه بهاتين الآيتين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.]]. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ عاصين. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 65 ب، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2976، عن سعيد بن جبير.]].
28:33Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
No commentary for this ayah
28:34Page 389
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قال المفسرون: أي: أحسن بيانًا [["تفسير ابن جرير" 20/ 74. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]].
قال ابن عباس: وكان في لسان موسى عُقدة، من قِبَل النار [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]، فذلك قول فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أن العقدة: الربطة في الحبل والخيط، وأراد بالعقدة هاهنا رثة كانت في لسانه تمنعه من الانطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير -وهو قول العامة-: عجمة من جمرة أدخلها في فيه. والقصة في ذلك معروفة. وفي الحاشية نقد لهذه القصة. وسبق بيان أن القول بأن العلة كانت بسبب الجمرة ليس بصحيح، في تفسير سورة الشعراء الآية 13.]].
قال أهل اللغة: الفصيح من الكلام: ما لا لحن فيه ولا خطأ. وأصل الكلمة: ظهور الشيء وصفاؤه. يقال: أفصح الصبح إذا بدا وظهر، وأفصح اللبن إذا زالت الرُّغوة عنه، وبدا صريحه [[الصريح: المحض الخالص من كل شيء، ويقال لِلَبَن: صريح، إذا لم تكن له رغوة. "تهذيب اللغة" 4/ 237 (صرح).]]. وإذا كان الكلام صافيًا من اللحن، خالصًا عما يوجب اللبس من لَجْلَجة أو مَجْمَجة [[اللجلجة: أن يتكلم الرجل بلسانٍ غير بين. "تهذيب اللغة" 10/ 495 (لج). والمجمجة، يقال: مجمج بي: إذا ذهب بك في الكلام مذهبًا على غير الاستقامة، وردك من حال إلى حال. "تهذيب اللغة" 10/ 523 (مجمج)، وفي "اللسان" 2/ 363: مجمج الرجل في خبره: إذا لم يبينه.]] شُبَّه باللبن الخالص من الرُّغوة فسمي: فصيحًا [["تهذيب اللغة" 4/ 253 (فصح)، بنحوه.]].
وقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قال المفسرون: عونًا ومعينًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 74، وابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مجاهد وقتادة و"تفسير مقاتل" 65 ب و"الأضداد" لابن الأنباري 208. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مسلم بن جندب، أنه قال: ﴿رِدْءًا﴾ أي: زيادة.]]. قال النضر: يقال فلان رِدْءٌ لفلان أي: يَنْصُره ويَشُد ظهره، وأصله من قولهم: ردأت الحائط أردأه، إذا دعمته بخشب أو لَبِن يدفعه أن يسقط.
وقال يونس: أردأت الحائط بهذا المعنى.
وقال الليث: رَدَأْت فلانًا بكذا أي: جعلتُه قوةً له وعمادًا. وأردأتُ فلانًا أي: ردأته [[كتاب "العين" 8/ 67 (ردء).]].
ابن السكيت: أردأتُ الرجلَ إذا أعنتُه [["تهذيب اللغة" 14/ 167 (ردأ)، من بداية قول النضر بن شميل.]].
أبو عبيدة: أردأته على عدوه، وعلى ضيعته أي: أعنته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104. ونقله عنه أبو علي في الحجة 5/ 420.]].
وقرأ نافع: (ردًا) بغير همز [[قرأ نافع وحده: (ردًا) مفتوحة الدال، منونة غير مهموزة. وقرأ الباقون: ﴿رِدْءًا﴾ ساكنة الدال مهموزة "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341. وقراءة نافع يعبر عنها بالنقل؛ قال السمين الحلبي: وقرأ نافع: (ردا) بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينونه كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلا هنا، وقيل: ليس فيه نقل وإنما هو من أردى على كذا. "الدر المصون" 8/ 677، وفي الحاشية: النقل: نقل حركة الهمزة إلى الدال ثم حذف الهمزة.]]، خفف الهمزة وألقى حركتها على الساكن الذي قبلها، نحو: ﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25] فيمن خفف [[سبق ذكر هذه القراءة في تفسير قوله تعالى ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25].]]. وقد جاء [[وقد جاء. ساقطة من نسخة (ج).]] في بعض القوافي: في [[في. ساقطة من نسخة: (ب).]] الردء الرد [[لم يذكر الواحدي مثالاً على ما جاء في بعض القوافي، وبحثت عن ذلك فلم أجد.]]، وذلك على أنه وقف بعد التخفيف على الحرف فشدده، كما ثُقِّل: هذا فَرَجٌّ، وهذا خَالِدٌّ، فضُعَّف الحرف للوقف، ثم يُطلق كما أطلق نحو: سبسبَّا والقَصَبَّا [[هاتان الكلمتان من قول رؤبة بن العجاج 169، من قصيدة له يصف فيها الجراد في انتشاره، وسرعة مره كالسيل إذا امتد، وكالحريق، أي: النار في القصب أو التبن، حاشية "المسائل العسكرية" 224، وفيه ذكرِ أبيات رؤبة، وأما أبو علي في "المسائل العسكرية" فقد ذكر الشطر الآتي ولم ينسبه: مثلُ الحريق وافق القصبَّا. == وذكر الكلمة الأولى: سبسبَّا سيبويه، "الكتاب" 4/ 169، وفي الحاشية: إشارة إلى قول العجاج:
تترك ما أبقى الدُّبى سَبْسَبًّا
وفي حاشية "الحجة" 1/ 65: ذكر البيت كاملاً، وصدره:
وهبت الريح بمور هبَّا
ثم قال: المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدَّبا بتشديد الدال المفتوحة: الجراد.
والشاهد في هذا كله: تفعيف الباء للضرورة؛ قال أبو علي: ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضًا، ثم ذكر بيت رؤبة، ثم قال: وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة. "المسائل العسكرية" 224.]].
وقال أبو الحسن: هو فعل من رَددتُ، أي: يَرُدَّ عني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420.]].
قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ قرئ بالرفع، والجزم [[قرأ عاصم وحمزة: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بضم القاف، وقرأ الباقون: ﴿يصْدقني﴾ بجزم القاف. "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وإعراب القراءات السبع وعللها 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]]. فمن رفع فهو صفة للنكرة، وتقديره: ردءًا مصدقًا، وسأل ربه إرساله بهذا الوصف. ومن جزم كان على معنى الجزاء، أي: إن أرسلته صدقني، وهو جيد في المعنى؛ لأنه إذا أرسله معه صدقه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وهو قول الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 653.]]. والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون [["تفسير مقاتل" 65 ب.]]؛ والقول هو الأول.
28:35Page 389
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
وقوله: ﴿قَالَ﴾ أي: قال الله لموسى ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنعينك ونقويك به [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 144. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]].
وشَدُّ العضد مَثَلٌ في التقوية والإعانة. وذلك أن من قَوّيت عضدَه فقد أعنته.
قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: أي: حجة تدل على النبوة [[أخرجه ابن جرير 20/ 76، عن مجاهد، والسدي، و"تفسير مقاتل" 65 ب، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، ولم ينسبه.]].
قال أبو إسحاق: أي حجة نَيَّرة، والسلطان أبين الحجج، ولذلك قيل للزيت: السَّليط؛ لأنه يستضاء به [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144.]].
وقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: بقتل ولا بسوء ولا أذى؛ وذلك أنهما خافا من فرعون أن يقتلهما، وهو قوله: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: 45] [[استدل بهذه الآية على هذا المعنى مقاتل 65 ب.]].
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ قال المبرد: فيه تقديم وتأخير، المعنى: سلطانًا بآياتنا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [[ذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 22، ولم ينسبه.]].
وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ من صلة: ﴿يَصِلُونَ﴾ كأنه قال: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ تمتنعان منهم بآياتنا. والثاني: أن يكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُبِينًا عن قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: تغلبون بآياتنا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 144، ولم ينسبه.]]. وهذا معنى قول ابن عباس؛ يريد: قد أعطيتك آياتٍ تقوى بها على جميع الخلق، فلا يَصِل إلى أذاك أحدٌ.
28:36Page 390
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قِبل نفسك. أي: لم يأتوا بحجة يدفعون بها ما أظهر من الآيات إلا أن قالوا: إنها سحر.
والإشارة في قوله: ﴿مَا هَذَا﴾ تعود إلى ما ذكرنا؛ كأنهم قالوا: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر [["تفسير ابن جرير" 20/ 76، بمعناه.]].
28:37Page 390
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: هو أعلم بالمحق منا، ومن الذي جاء بالبيان من عنده [["تفسير ابن جرير" 20/ 76، بمعناه. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]].
قال مقاتل: أي فأنا الذي جئت بالهدى من عند الله [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. وقوله: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: وهو أعلم بمن تكون له الجنة [["تفسير مقاتل" 66 أ.]] ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يسعد من أشرك بالله. قاله ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2978، من طريق الضحاك، ولفظه: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: الكافرون.]]. وهذه القطعة مفسرة في سورة: الأنعام [[عند قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [135] قال الواحدي: موضع ﴿مِن﴾ نصب بوقوع العلم عليه، ويجوز أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار، كقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: 12] والوجهان ذكرهما الفراء، قال ابن عباس: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ يعنىِ: الجنة .. إلى آخر كلامه، فانظره هناك.]].
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال مقاتل: يقول: أوقد النار على الطين، حتى يصير اللبِن آجرًا. وكان فرعون أول من طبخ الآجر [["تفسير مقاتل" 66 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب، ولم ينسبه.]]. [ونحو هذا قال قتادة: إنه أول من طبخ الآجر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، وابن جرير 20/ 77، وابن أبي حاتم 9/ 2979.]]. وقال أبو إسحاق: أي اعمل لي الآجر] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 145، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، والآجُرُّ، والأجُرُّ، والآجِرُ، والآجُرُ: طبيخ الطين، وهو الذي يبنى به. "لسان العرب" 4/ 11 (أجر).]].
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ يعني: قصرًا طويلًا عاليًا مرتفعًا. قاله ابن عباس والمفسرون [["تفسير مقاتل" 66 أ، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 145. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]].
وتفسير الصرح مذكور في سورة: النمل [[عند قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [44].]].
﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ قال ابن عباس: أصعد إليه [[أخرجه ابن جرير 20/ 78، وابن أبي حاتم 9/ 2979، عن السدي. و"تنوير المقباس" 327.]]. وهذا إيهام من فرعون للناس أن الذي يدعوه إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة، [[لفظ الجهة والمكان لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولم يتكلم به سلف الأمة، وإنما الذي ورد وصف الله تعالى بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح، ويصعد إليه الكلم الطيب، قال شيخ الإسلام:. فيقال لمن == نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله تعالى ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالَم فلا ريب أن الله فوق العالَم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة؛ أتريد بذلك أن الله فوق العالَم، أو تريد: أن الله تعالى داخل في شيء من المخلوقات فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. وكذلك يقال في المكان. "التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية" 168، و"مختصر العلو للعلي الغفار" للذهبي 68.]] حيث قال: {لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي في ادعائه إلها غيري، وأنه رسوله [["تفسير الثعلبي" 8/ 148 أ.]].
قال أبو إسحاق: قد اعترف بأنه شاكٌ لم يتيقن أن موسى كاذب. وفي هذا بيانُ أنه كَفَرَ بموسى على غير تيقن أنه ليس بنبي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 145.]].
وقال مقاتل: يقول: إني لأحسب موسى من الكاذبين فيما يقول: إن في السماء إلهًا [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].
قال الكلبي: يقول: إني لأظن موسى كاذبًا، ما في السماء من شيء [["تنوير المقباس" 327.]]. وهذان القولان يوهمان التشبيه والقولَ بالجهة [[هذا الكلام من الواحدي -عفا الله عنه- تلميح لنفي صفة العلو. قال شيخ الإسلام: والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. لكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل؛ فإن أراد بلفظ التشبيه ما نفاه القرآن ودل عليه العقل فهذا حق؛ فإن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته وإن أراد بالتشبيه أنه لا يُثبَت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له علم ولا قدرة ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات، فلزمه أن لا يقال له: حي عليم قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك. "منهاج السنة" 2/ 110.]].
28:39Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أي: تعظموا عن الإيمان، ولم ينقادوا للحق، ولِمَا دعاهم إليه موسى ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [[ولا يفهم من هذا الآية أن الاستكبار قد يكون بحق، فإن هذا غير مراد، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وأفضل ما يحمل عليه المعنى: دفع أدنى شبهة لهم في الاستكبار فهم تكبروا بدون أدنى شبهة، أو اشتباه في الأمور، وكذا في قتل الأنبياء فإن أولئك قد قتلوا الأنبياء بدون أدنى شبهة يتعلقون بها. والله أعلم. "القواعد الحسان لتفسير القرآن" للسعدي، القاعدة 25، ص: 82.]] قال ابن عباس: بالباطل والظلم والعدوان. وقال مقاتل: بالمعصية [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].
28:40Page 390
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد: في البحر المالح؛ بحر القُلْزُم [[القُلْزُم: مأخوذ من القلزمة؛ وهي ابتلاع الشيء، وسمي بحر القلزم بهذا لالتهامه من ركبه. "معجم البلدان" 4/ 439، قال ياقوت: وهو البحر الذي غرق فيه فرعون. وفي "المعجم الوسيط" 2/ 754: القلزم: بلد قديم بني في موضعه: السويس، وبحر القلزم: البحر الأحمر.]].
وقال قتادة: هو بحر من وراء مصر غرقهم الله فيه [[أخرجه ابن جرير 20/ 78، وابن أبي حاتم 9/ 2980. وذكره عنه الثعلبي 8/ 148 أ.]].
وقال مقاتل: يعني: بحر النيل الذي بمصر [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. والمعروف أنه غرق في بحرٍ غير النيل [[الذي يظهر أن لا دليل على شيء بما ذكر، ولا ينافي حصول هذه الآية الاختلاف في تحديد مكانه، وظاهر الآيات المصرحة بالبحر كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63] تدل على أنه البحر المالح. والله أعلم.]].
28:41Page 390
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قال ابن عباس: يريد أئمة ضلالة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2980.]].
وقال الكلبي ومقاتل: قادة في الكفر والشرك [["تفسير مقاتل" 66 أ. و"تنوير المقباس" 327.]]. جعل فرعون وملأه قادة في الشرك، فأتبعهم أهل مصر.
ومعنى الإمام في اللغة: المقدم للإتَّباع [[الإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين. "تهذيب اللغة" 15/ 638 (أم).]]. ورؤساءُ الضلالة قُدِّموا في المنزلة؛ لأنهم يُتبعون فيما يَدْعون إليه.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يدعون إلى الشرك بالله [["تفسير مقاتل" 66 أ. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2980، عن مجاهد بلفظ: يدعون إلى المعاصي.]]، فمن أطاعهم ضل ودخل النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يمنعون من العذاب [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].
28:42Page 390
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ مفسر في موضعين من سورة: هود [[عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [60] وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال الواحدي في تفسير هذه الآية: أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم؛ هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول ليتصرف معه بتصرف. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير.]]. قال مقاتل في هذه الآية: يعني: الغرق [["تفسير مقاتل" 66 أ.]].
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين الملعونين [[أخرج ابن جرير 20/ 79، عن قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة.]]؛ من القُبْح، وهو: الإبعاد.
قال الليث: يقال: قَبَحَه الله، أي: نحَّاه من كل خير [[كتاب "العين" 3/ 53 (قبح). ونقله عنه الأزهري 4/ 75.]].
وقال أبو زيد: قَبَحَ الله فلانًا قُبْحًا وقُبُوْحًا، أي: أقصاه وباعده من كل خير، كقبوح الكلب والخنزير، قال الجعدي:
ولَيْسَتْ بْشوهَاءَ مَقْبُوحَةٍ ... تُوافِي الديارَ بوجهٍ غَبِر
قال أبو عبيدة: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المهلكين [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 106. وقال الثعلبي 8/ 148 أ: الممقوتين. وكذا في "وضح البرهان" 2/ 152.]].
وقال ابن عباس: يريد: تسود وجوههم، وتزرق أعينهم، ويشوه خلقهم [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 148 أ.]].
وقال الكلبي: يعني: سَواد الوجه، وزرقة العين [["تنوير المقباس" 327.]]. وهذا يوجب أن يكون ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ بمعنى: المقبَّحين.
وقد روى أبو عبيد عن أبي عمرو: قَبَحْتُ له وجهَه، مخففة؛ بمعنى: قَبَّحت [["تهذيب اللغة" 4/ 75 (قبح).]]. وأهل اللغة في: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ على القول الأول [[المراد به: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المبعدين.]].
قال أبو علي الفارسي في إعراب هذه الآية: يحتمل أن يكون: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ولعنةً يوم القيامة، فحذف المصدر، وأقيم ﴿يَوْمَ﴾ مقامه، فانتصب انتصاب المفعول به، ويكون ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ جملة استغني عن حرف العطف فيها بما تضمنت من ذكرهم، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ولو كانت الواو لكان ذلك حسنًا كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: 22] قال: ويجوز أن يكون: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولَّا عَلى موضع: في هذه الحياة الدنيا، كما قال الشاعر:
إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا [[أنشده كاملًا سيبويه 1/ 68، ونسبه لكعب بن جعيل، وصدره:
ألا حيَّ ندماني عمير بن عامر
الندمان، ومثله: النديم: الذي يجالسك ويشاربك، وفي الحاشية: شاهده عطف: غدًا، على محل: اليوم،؛ لأنه مسبوق بمن الزائدة. وأنشده المبرد "المقتضب" 4/ 112، وابن جني "المحتسب" 2/ 362، ولم ينسباه. وهو في "الإنصاف" 1/ 335، غير منسوب، قال: فنصب: غدًا، حملًا على موضع: من اليوم، وموضعها نصب.]]
ويشهد لهذين الوجهين قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23] وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 60] ويكون قوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ على ما ذكرنا في الوجه الأول. قال: ويجوز أن يكون العامل فيه: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدمًا، كأنه قيل: ويوم القيامة يقبحون. كما أجاز سيبويه: كل يوم لك ثوب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences